Logo Levant Time

ثقافة

المتحف الوطني في بيروت، شاهدٌ على الحرب
Par
ميشا مسلم
Publié
ديسمبر 26, 2025 - 22:24

إن بقاء المتحف الوطني اللبناني معجزة. يقع المبنى على خط التماس الذي قسم العاصمة بين الأطراف المتحاربة، وقد تعرض لإطلاق النار والقصف. لكن المتحف الأثري الرئيسي في البلاد، الذي يضم مجموعات استثنائية تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترة المملوكية، تمكن من النهوض من جديد مباشرة بعد الحرب. نشأة المتحف ولدت فكرة إنشاء المتحف في مطلع القرن العشرين بهدف عرض مجموعة الضابط الفرنسي Raymond Weill، الذي كان متمركزاً في لبنان. شُيّد المبنى بين عامي 1930 و1937 خلال فترة الانتداب الفرنسي، بفضل لجنة «أصدقاء المتحف» برئاسة بشارة الخوري، الذي كان في ذلك الحين رئيساً للحكومة ووزيراً للتربية.. تم افتتاح المتحف رسمياً في 27 أيار عام 1942 وفق تصاميم المعماريين أنطوان نحاس و Pierre Leprince Ringuet ، بأسلوب معماري ضخم من الحجر الكلسي الأصفر المستوحى من الطراز الكلاسيكي القديم. المتحف خلال الحرب يقع المتحف الوطني في بيروت على ما كان يُعرف خلال الحرب اللبنانية بـ«خط التماس» في منطقة شهدت معارك عنيفة. فكان من الضروري آنذاك حماية المجموعات الثمينة من النهب والقصف. وقد تولى هذه المهمة الأمير موريس شهاب، الذي كان حينها مدير ومحافظ المتحف الوطني. فقام بنقل القطع الصغيرة القابلة للنقل الى خزنات حديدية محصّنة. أما القطع الضخمة، فقد غطاها بأكياس من الرمل، واقفل بعض القاعات بالاسمنة المصفح، كما قام بوضع بعض التحف الضخمة داخل الإسمنت المصفح. تُذكّرنا هذه المبادرة بما فعلهJacques Jaujard الذي انقذ التحف في متحف اللوفر (Louvre)خلال الحرب العالمية الثانية. وهذا ما يُثبت لنا أن تصميم رجلاً واحداً يستطيع تغيير مسار الأحداث مهما بدت حتمية. بعد انتهاء الحرب، أُطلقت عام 1993 حملة شاملة لإعادة تأهيل المتحف، لتُفتح أبوابه مجدداً عام 1997 بفضل دعم اشخاص شغوفين بالتراث، من بينهم منى الهراوي، زوجة رئيس الجمهورية آنذاك ورئيسة "المؤسسة الوطنية للتراث. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف عملية تحديث وتطوير المتحف. المجموعات والتحف النادرة يضم المتحف نحو مئة ألف قطعة أثرية، يُعرض منها حوالي 1300 قطعة مرتبة زمنياً من العصر الحجري القديم حتى الحقبة المملوكية. من أبرز الكنوز المعروضة تابوت «أحيرام» ملك جبيل، وهو تحفة فنية ونقشية تُعد من أقدم النصوص المعروفة بالأبجدية الفينيقية. من المجموعات اللافتة أيضاً مجموعة «فورد» التي تضم 31 تابوتاً فينيقياً ذات شكل إنساني، مصطفة كأنها “جيش من الأموات”، مستوحاة من النماذج المصرية واليونانية مع احتفاظها بالطابع الفينيقي المميز. اما مدخل القاعة الرئيسية، فتتصدره مجموعة من الفسيفساءُ الرومانية، اليونانية والبيزنطية الرائعة، التي تعرض بعضها لأضرار خلال الحرب لا تزال ظاهرة عليها حتى يومنا هذا. تجسد هذه الأعمال فن صنع الفسيفساء الذي كان مزدهراً في لبنان خلال العصور الرومانية والبيزنطية. تتنوع مواضيع الفسيفساء المعروضة بين الأساطير اليونانية والكتاب المقدس والمعتقدات الشعبية والفكر الفلسفي: نذكر منها على سبيل المثال فسيفساء «الحكماء السبعة» التي تظهر سبعة فلاسفة بينهم سقراط، وفسيفساء «الراعي الصالح»، و«اختطاف أوروبا على يد زيوس»، و «ولادة الإسكندر الكبير»... ارض لبنان غنية بالفسيفساء الجميلة، فقد كشفت الحفريات الأخيرة في وسط بيروت عن أكثر من ألف متر مربع من الفسيفساء الرائعة، قد يُخصص لها متحفاً في المستقبل. أما الطابق السفلي الذي أعيد ترميمه حديثاً، فقد كُرس للفن الجنائزي وللمعارض المتخصصة فالقبر بالنسبة للفينيقيين يشكل منزلاً أبدياً للمتوفى ووسيلة مادية لحفظ ذاكرة العائلة والسلالة الحاكمة. ويُكمل الطابقان العلويان القصة بعرض قطع أصغر مثل التماثيل والحلي والعملات والفخار التي تسلط الضوء على الحياة اليومية والاقتصاد والطقوس الدينية في مختلف العصور.. كما يحتوي المتحف على تماثيل نسائية صغيرة من الطين عثر على معظمها في معابد الإلهتين بعلت جبيل وعشتار. تجسد هذه التماثيل مفاهيم الجمال الانثوي المرتبطة بالخصوبة والمكانة الاجتماعية من خلال تفاصيل فاخرة مثل الحلي وتسريحات الشعر والثياب الفاخرة... فهي تظهر المرأة في اجمل مظهر لها واضعة إياها بمثابة الآلهة و مُشدّدتاً على كونها منبعاً للحياة والخصوبة. جسر بين الماضي والمستقبل على الرغم من أن المتحف الوطني في بيروت هو صرح للماضي وللذاكرة، إلا إنه في الوقت نفسه جسر عبور الى المستقبل. الدليل على ذلك «مركز نهّاد السعيد للثقافة»، وهو جناح جديد تابع للمتحف سنتطرق إليه في مقالنا القادم.

الشارقة، رائدة الثقافة في الإمارات
Par
ميشا مسلم
Publié
ديسمبر 21, 2025 - 23:35

منذ عقود، تميّزت إمارة الشارقة بكونها العاصمة الثقافية للعالم العربي، وهو اللقب الذي منحتها إياه منظمة اليونسكو عام 1998 اعترافاً منها بالتزام الشارقة في تشجيع الفن والثقافة والتعليم. لقد طورت الامارة في المنطقة اطارا مميزا من اجل تحقيق هذا الهدف وذلك بفضل توجيهات الامير سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة منذ عام 1972 . أدت هذه السياسة الى تحويل الشارقة الى وجهة مهمة لعشاق الفنون من الهواة والمحترفين المحليين والعالميين على حد سواء. ترتبط النهضة الفنية الحديثة في الشارقة ارتباطاً وثيقاً بمؤسسة الشارقة للفنون التي تأسست عام 2009 . فقد شكّلت هذه المؤسسة بادارة الشيخة حور القاسمي، منصة لدعم المبدعين المحليين والإقليميين وعززت في الوقت عينه الروابط مع الفنانين العالميين. تنظم المؤسسة بشكل دوري معارض كبرى، وتقيم ورش عمل بالشراكة مع مؤسسات مختلفة، إضافة إلى المنح والبرامج التوجيهية من اجل تشجيع واطلاق الفنانين الشباب والنساء و كافة المبدعين الطليعيين. من ابرز إنجازات المؤسسة تنظيم معرض Biennale de Sharjah الذي انطلق عام 1993 وقد أصبح حدثاً عالمياً يجذب آلاف الزوار. فهو يعرض أعمالاً تعكس المتغيرات الاجتماعية والفنية في العالم العربي وخارجه. ولقد جمعت نسخته الأخيرة عام 2025، التي حملت عنوان To Carry، أكثر من 200 فنان من خلفيات مختلفة طرحوا العديد من القضايا المعاصرة الملحّة واطلقوا حوارا ثقافيا عابرا للحدود. كما أولت الشارقة اهتماماً كبيرا لترميم وحماية تراثها العمراني، فحي المريجة التاريخي مثلا يحتضن عدداً من المتاحف والمساحات الفنية داخل بيوت تراثية مرممة بعناية، مما يتيح للزائر التفاعل مع الفنون المعاصرة وسط أجواء معمارية عريقة. في هذا السياق، لا بد من ذكر متحف الشارقة للفنون ، أحد أكبر المتاحف في منطقة الخليج. يفتح المتحف أبوابه مجاناً أمام الجمهور و ينظم معارض عدة متنوعة تتراوح بين روائع الرسم العربي الكلاسيكي والتصوير الفوتوغرافي المعاصر، في إطار يهدف إلى جعل الفنون في متناول الجميع. الى جانب هذه المؤسسات الكبرى، تضم الشارقة معالم بارزة منها مؤسسة بارجيل للفنون التي انشئت خصيصا عام 2010 من اجل عرض مجموعة التحف الفنية الخاصة بالسلطان سعود القاسمي، ومركز مرايا للفنون المتخصص بالفنون البصرية والرقمية، و متحف الشارقة للحضارة الإسلامية الذي يسلط الضوء على الفنون الإسلامية التقليدية ويحتوي على تحف ومخطوطات نادرة. كما تزيد من غنى المشهد الفني عشرات المعارض و دور الرسم المستقلة التي تعزز التبادل الثقافي بين الفنانين والقيّمين على المعارض من جهة و الجمهور من جهة اخرى. تعكس وتيرة المشاريع الثقافية الناشطة في الشارقة التي تشجع على الابتكار والتجارب الفنية الرائدة، رؤية البلد الثقافية وهي جعل الفن والثقافة في متناول الجميع وبناء مجتمع منفتح ومتفاعل مع الآخرين. في هذا الاطار، غالباً ما ترافق المبادرات الفنية الرائدة مؤتمرات وحفلات موسيقية وعروض سينمائية ومعارض ضخمة لفنانين من مختلف الجنسيات. على سبيل المثال المعرض الذي اقيم لاهم اعمال الفنان الكويتي طارق الغوصين وكذلك معرض الفنان الاماراتي حسن شريف، إضافة الى عدة معارض لمبدعين اوروبيين واميركيين واسيويين. على الرغم من تجذّرها في التقاليد المحلية والعربية العريقة، فإن تأثير الشارقة الفني منتشر عالمياً بفضل تعاونها الوثيق مع مؤسسات ثقافية دولية، أبرزها اليونسكو، فضلاً عن مشاركة فنانين من المهجر العربي واجانب في المعارض. تجسّد هذا التعاون جائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية ، التي أُطلقت عام 1998، والتي تمنح سنوياً الى شخصيتين أو مؤسستين تميزتا في خدمة الثقافة والفنون العربية.. وقد حققت الإمارة بفضل نشاطها هذا اعترافاً دولياً واسعاً بدورها الرائد في نشر الثقافة في المنطقة، فلقد اعطي لها عام 2014 مثلا إضافة الى لقب عاصمة الثقافة العربية لقب العاصمة الإسلامية للثقافة من منظمة التعاون الإسلامي، ولقب العاصمة العالمية للكتاب لعام 2019 من اليونسكو.. لقد نجحت الشارقة من خلال برامجها الطموحة، وتمسكها بالتنوع، وشراكاتها مع الفنانين والمؤسسات العالمية في مجالي الفن والثقافة في بناء توازن دقيق بين التقاليد العريقة والحداثة، بين الشرق والغرب، فأصبحت مركزا فنيا ديناميكيا مبتكرا ورسّخت عبر السنين مكانتها الرائدةً كعاصمة للثقافة العربية على الساحة الدولية.

في الرياض، الفن في كل مكان
Par
ميشا مسلم
Publié
ديسمبر 21, 2025 - 19:24

تشهد منطقة الخليج حالياً، ولا سيما المملكة العربية السعودية، تحولات اجتماعية واقتصادية كبرى. فهذه الدول، التي كانت تعتمد في السابق على إنتاج النفط، تنفتح اليوم وبسرعة كبيرة على التقنيات الحديثة، الذكاء الاصطناعي، المباريات الرياضية العالمية، وخصوصاً على الفن والثقافة. فمن حي جاكس ذات الطابع الثقافي والفني في الرياض إلى واحة العُلا، تستثمر المملكة العربية السعودية، أكبر دول الشرق الأوسط، مبالغ طائلة لتعزيز الفنون والثقافة. فالحكومة السعودية تشجع المشاريع الفنية الطليعية وتعتبر في الوقت عينه انه في مجتمع يشهد تحولاً شاملاً على كافة المستويات، يعدّ الفن وسيلة للحفاظ على التراث الثقافي للبلاد، من تقاليد وعادات وحِرف قديمة متوارثة عبر الأجيال. من بين المشاريع الطموحة التي أطلقتها الحكومة السعودية، يحتل مشروع Riyadh Art مكانة مميزة. فقد أُطلق المشروع عام 2019 بمبادرة من الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ويُعدّ أحد ركائز رؤية 2030، الخطة التنموية الطموحة التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. يهدف المشروع إلى تجميل مدينة الرياض، وإغناء مشهدها الثقافي، وجعل الأعمال الفنية فيها بمتناول الجميع عبر تحويل المدينة إلى معرض فني دائم في الهواء الطلق. منذ إطلاقته قدّم Riyadh Art أكثر من 500 عمل فني من خلال مشاركة أكثر من 500 فنان محلي ودولي، ونظّم أكثر من 6000 حدث فني طليعي جذب أكثر من 6 ملايين زائر. الغاية القصوة من المشروع هي وضع أكثر من ألف عمل فني عالمي بارز في مختلف انحاء المدينة: الأحياء السكنية، الحدائق، مواقف الحافلات والمترو، التقاطعات، الجسور، مداخل المدينة، المعالم السياحية وغيرها. لتحقيق هذا الهدف، يتفرع "فن الرياض" إلى عدة مبادرات تستحق التوقف عندها. على سبيل المثال لا الحصر فان مشروع Urban Art Lab مثلاً يهدف الى إقامة معارض فنية في الساحات العامة لعرض أعمال فنانين مشهورين وتعزيز الحوار بينهم وبين السكان. أما مبادرةJewels of Riyad و Art on the move و Art in transit فتهدف جميعها إلى عرض أعمال فنية حائزة على جوائزعالمية، في المعالم السياحية للمدينة، عند التقاطعات الرئيسية، وفي محطات الحافلات والمترو. من هذه الأعمال"جاني واني" Janey Waney للفنان الأمريكي ألكسندر كالدرAlexander Calder، و"الحب" Love للفنان روبرت إنديانا Robert Indiana، و"حين يكتمل القمر" للفنان السعودي زمان جاسم. أما Riyad Icon، فتهدف إلى إقامة مبارات بين الفنانين من اجل ابتكار نصب تذكاري يكون شعاراً للمدينة، على غرار برج إيفل في باريس، أو تمثال الحرية في نيويورك، أو المسيح الفادي في ريو دي جانيرو. مبادرةThe Joyous Gardens من جهتها تتيح للفنانين المشهورين ابتكارتصاميم فريدة لاماكن اللهو في الأحياء السكنية، بينما تهدف مبادرة Welcoming Gateways إلى تشييد ابواب فريدة من نوعها بتصاميم مبهرة عند مداخل المدينة. ويقوم مشروع Garden City على عرض أعمال فنية في حديقة مركزية في العاصمة، في حين تسعى مبادرتا Urban Flow و Hidden River إلى تزيين واضاءة الجسور والممراتٍ بطريقة فنية. وتعتزم الحكومة السعودية أيضاً الى تنظيم معارض ثقافية سنوية أبرزها Noor Festival، وهو مهرجان للفن التفاعلي قائم على الإضاءة، و Tuwaiq Sculpture" الذي يجمع بين ندوة عالمية سنوية ومعرضاً يشارك فيه فنانون من مختلف أنحاء العالم. هدف هذا المعرض إنجاز أعمال نحت ضخمة في الهواء الطلق امام الجمهور. كما ُيقام سنوياً "أسبوع الفن في الرياض" تحت إشراف هيئة الفنون البصرية السعودية، بمشاركة أكثر من خمسين صالة عرض محلية ودولية، ومؤسسات ثقافية، وفنانين، وهواة جمع التحف الفنية من مختلف أنحاء العالم. يسهم هذا الزخم الفني الكبير في تجميل المدينة، وتنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات الجديدة، وتحويل الرياض تدريجياً إلى وجهة عالمية لعشاق الفن من كافة أنحاء العالم. من المؤكد ان للحديث تتمة...

سجون التعذيب السورية تتحول إلى مواقع تصوير الدراما

من جنون الماضي إلى فنون الدراما، أصبحت سجون التعذيب السورية من عهد الأسد، الأب والابن، مكانا" يضيق بالكاميرات ومعدات التصوير. سواء في صيدنايا أو في المزة، حلّ الممثلون والمخرجون محلّ الجلادين الذين خدموا مصالح النظام السوري السابق بكل تفانٍ. يجري تصوير مشاهد العديد من المسلسلات السورية التي هي قيد الإنتاج حاليًا في مواقع عسكرية أو مقرات أجهزة الأمن التي رمزت إلى عهد الإرهاب. مثل مطار مزة العسكري، الذي كان يضم مركز احتجاز تابعًا لجهاز المخابرات الجوية السيئ السمعة بوحشيته. كانت هذه الشعبة التابعة للقوات الجوية الركيزة الأساسية لنظام حافظ الأسد، الطيار السابق الذي أصبح رئيسًا للجمهورية العربية السورية لعقود من الزمن. على مدرّج مطار المزة ، يقف طاقم عمل مسلسل "عيلة الملك" أمام مروحية تهبط ببطء لتصوير مشهد هروب شخصية نافذة في الساعات الأخيرة لحكم بشار الأسد. بينما يصدر المخرج محمد عبد العزيز تعليماته عبر اللاسلكي لفريق العمل، يصف تلك اللحظة قائلا "من الصعب تخيّل أننا نصوّر هنا، مطار المزة كان رمز القوة العسكرية. الآن نصنع فيه دراما عن سقوط تلك القوة". مسلسل "عيلة الملك" واحد من عدة مسلسلات ستعرض في شهر رمضان، ويجري تصويرها داخل مراكز أمنية شكلت رمزا للقمع وكان دخولها محرّما على السوريين على مدى عقود. تدور أحداث المسلسل التي تروي قصة عائلة من دمشق خلال الأشهر الأخيرة من حكم الأسد، وتُسلط الضوء على العوامل الاجتماعية والسياسية التي أسهمت في سقوطه. ويقول المخرج لوكالة فرانس برس "إنه إحساس غريب، فالأماكن التي كانت تُحكم منها سوريا قد تحولت إلى استديوهات، من فرع فلسطين إلى مطار المزة العسكري، من مكان كان يُحكم بالحديد والنار، إلى فضاء نجرب فيه أدوات إبداعية". ويصوّر عبد العزيز مشاهد أخرى في فرع فلسطين، أحد فروع المخابرات العسكرية السابقة المرهوبة في دمشق. في هذا المكان الذي ارتُكبت فيه عمليات تعذيب وانتهاكات، يمر فريق التصوير في ما يشبه ساحة حرب مصغّرة، تحترق مركبات وتدوي انفجارات، في مشهد يجسّد، وفق عبد العزيز، "تحرير معتقلين لحظة انهيار الأجهزة الأمنية". بعد سقوط الحكم السابق، توجّه المئات إلى الفروع الأمنية في كافة أنحاء البلاد، بحثا عن أفراد من عائلاتهم دخلوها ولم يخرجوا منها قط، بينما خرج آلاف المساجين من زنزاناتهم. ويضيف عبد العزيز أن "فرع فلسطين كان أحد أركان النظام الأمني، مجرد ذكر اسمه كان يبث الرعب في النفوس. واليوم نصوّر داخله مشاهد كاملة، مع مراعاة الوثائق التي يجب أن تُؤرشف من دون أن نمسّ بها". في محيط منزل الرئيس المخلوع في منطقة المالكي الراقية في دمشق والذي دخله السوريون ليلة هروب الأسد إلى روسيا ونهبوه، يؤدي ممثلون مشهد شجار. يقول عبد العزيز "القبضة الأمنية لم تعد موجودة، صورنا مشاهد في ساحة المالكي وشجارا بين أكثر من ١٥٠ شخصا وإطلاق رصاص...كان هذا من المستحيل تنفيذه". ينجز الفريق عمليّة المونتاج في بيت دمشقي تقليدي في أحد أحياء المدينة القديمة. هناك يجلس الكاتب معن سقباني ( ٣٥عاما) أمام شاشة صغيرة، يناقش مع المخرج ترتيب المشاهد قبل إتمام النسخة النهائية. وعلى الرغم من تراجع سطوة الرقابة، ينظر سقباني بحذر إلى المستقبل. ويقول "لا أعرف إلى أي مدى سيبقى سقف الرقابة مرفوعا...نحن في حالة ترقّب لنرى كيف سيتم التعامل مع الأعمال التي ستُعرض في رمضان". منذ الإطاحة بالحكم السابق قبل عام، شهد قطاع الدراما في سوريا تحوّلات لافتة، مع عودة عشرات الممثلين والفنيين والمخرجين إلى البلاد بعد سنوات من مغادرتها خصوصا لانتمائهم إلى المعارضة. ولكن إذا كان المنتجون قادرين على دخول مواقع كانت محظورة فهذا لا يبدد المخاوف من عودة القيود سواء من جهة الدولة أو من تيارات دينية محافظة. ويشرح الكاتب أن لجنة القراءة التابعة لوزارة الإعلام ما زالت موجودة، لكنها بدت أكثر مرونة خلال قراءة نص "عيلة الملك... قدّمنا النص، وكانت الملاحظات الرقابية بسيطة جدا". لا يزال استيلاء الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع على السلطة يثير المخاوف والتساؤلات. اذ يُساهم الماضي الجهادي للرجل المعروف سابقًا باسم "أبو محمد الجولاني"، ولا سيما المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين المنتمين إلى الأقليات الدينية، في تأجيج الجدل المحيط به. ولكن في الوقت الراهن، يبدو أن الحكومة والشعب على حد سواء يأملان في انتعاش اقتصادي لإعادة بناء بلد مزقته الحرب الأهلية منذ عام ٢٠١١. ولا يقتصر كسر المحظورات على هذا العمل وحده. يُخرج الليث حجو مسلسل "السوريون الأعداء" المستوحى من رواية للكاتب السوري فواز حداد. ويشرح المدير الإعلامي للمسلسل أمين حمادة أنه في هذا العمل تتقاطع "حياة الأفراد مع أجهزة الدولة الأمنية في شبكة معقّدة من الشبهات والخوف، وتظهر السلطة فيها قادرة على تحويل المواطنين إلى خصوم بمجرد الشكّ في ولائهم". ويستعيد بدوره المخرج محمد لطفي في مسلسل "الخروج إلى البئر" حدث عصيان وقع في سجن صيدنايا في العام ٢٠٠٨، وانتهى بمقتل العشرات من المساجين وحراس السجن، في عمل من تأليف سامر رضوان ويضمّ نخبة من الممثلين السوريين مثل جمال سليمان. ويقول المخرج إن "العمل كُتب قبل أكثر من عامين وكنا ننوي تنفيذه قبل سقوط بشار الأسد"، لكن تحديّات عدة حالت دون ذلك، لا سيما "خوف" الممثلين حينذاك من رد فعل السلطة، وعقبة اختيار موقع التصوير إذ كان يتعذّر التصوير في سوريا. لكن الآن، يعتزم الفريق التصوير في السجن الذي ظل دخوله لعقود من المحرمات، ويُعتبر أحد أكثر المواقع التي شهدت انتهاكات وحالات إخفاء قسرية. ويقول لطفي "السلطة الجديدة رحّبت بالعمل وقدّمت دعما لوجستيا وتسهيلات واسعة للتصوير داخل سجن صيدنايا". ويضيف أنه بات من الممكن "نقل معاناة السجناء وممارسات السلطة من داخل المكان الحقيقي" بعدما كان ذلك ضربا من الخيال".

 الدوحة تستضيف الملتقى العالمي للفن المعاصر"ارت بازل" في ٢٠٢٦

منذ سنوات تخصص دول الخليج إمكانات كبيرة لتحويل المنطقة إلى مركز عالمي للفنون والتكنولوجيا والثقافة. قطر ليست استثناءً، فالحكومة القطرية كثّفت جهودها لجذب المواهب والاخصائيين من مختلف أنحاء العالم، بالتوازي مع رعاية وتشجيع الكفاءات المحلية. وتواصل الدولة القطرية إطلاق مشاريع طموحة، سواء في مجالات الفن أو الثقافة أو الرياضة والمثل على ذلك استضافتها كأس العالم لكرة القدم عام2022 . لتحقيق هذه الأهداف، تتعاون الحكومة مع فنانين عالميين مرموقين، ومؤسسات ثقافية وتعليمية رفيعة المستوى، إلى جانب دعمها وتشجيعها للنخب والمواهب المحلية. من أبرز المشاريع المقررة في الدوحة عام 2026 إقامة معرض "Art Basel، الملتقى العالمي للفن المعاصر. فبعد بازل في سويسرا وميامي وهونغ كونغ وباريس، تستضيف الدوحة الحدث من 5 إلى 7 شباط المقبل، يسبقه يومان مخصصان للعرض المسبق في 3 و4 من الشهر نفسه. سيُقام المعرض في مركز M7 للابتكار و في منطقة Doha design district في المشيرب، وسط الدوحة. يُعد Art Basel الذي تأسس عام 1950 في مدينة بازل السويسرية، المنصة الأبرز للفن المعاصر، إذ يجمع في مكان واحد الفنانين والمعارض وهواة اقتناء الأعمال الفنية من مختلف أنحاء العالم. و هو يعتبر معرضًا مؤثرًا في أسواق الفن، حيث يحدد توجهاتها وأسعارها ويلعب دوراً مهماً في مسيرة الفنانين المهنية . إن نسخة قطر 2026 من "Art Basel " جاءت ثمرة شراكة بين شركة قطر للاستثمارات الرياضية (QSI) و QC+ . يحمل هذا الحدث أهمية كبرى للبلاد والمنطقة، إذ يسلط الضوء على المشهدين الثقافي والفني في قطر والشرق الأوسط على حد سواء، ويعزز مكانة الدوحة على الساحة العالمية للفن المعاصر. وفقًا لفينتشينزو دي بيلّي (Vincenzo de Bellis) ، المدير الفني العالمي والمسؤول عن معارض "آرت بازل"، فإن الدوحة توفر بيئة مثالية لرؤية فنية جديدة. فهي تقع حالياً عند تقاطع التراث والحداثة اذ ان الدولة القطرية تشجع بقوة التجارب الفنية المبتكرة مع التشديد على الحفاظ على تاريخها العريق والغني. عنوان معرض آرت بازل الدوحة 2026 هو "التحول" وهذا العنوان يعكس بشكل مثالي وضعية قطرالحالية، اذ تمتزج فيها التقاليد والتراث القديم مع أحدث التقنيات، و قد تحولت طرق التجارة التاريخية القديمة إلى شبكات هائلة للتبادل الثقافي والمالي. في هذا السياق، يشكل الفن شاًهداً صادقاً على تاريخ قطر و يجسد القوى الحية التي تصوغ هوية المنطقة. ولقد اختير الفنان وائل شوقي، المولود في مصر والمقيم في الدوحة، مديرًا فنيًا للمعرض. ويُعرف شوقي بصرامته الفكرية واضطلاعه العميق على المنطقة، وهي مؤهلات قادته عام 2024 إلى تولي الإدارة الفنية لمحطة الإطفاء في الدوحة حيث أطلق برنامج للدراسات الفنية المكثف (AISP). يهدف هذا البرنامج إلى تعزيز التفكير النقدي والتعليم التطبيقي. وقد عمل شوقي في هذا الاطارعلى تطوير مسيرة الفنانين الصاعدين القطريين والعالميين على حد سواء. عرض شوقي اعماله في معارض مرموقة في انحاء العالم مثلTate Modern London و MoMA في نيويورك. و قد حظي في عام 2024، على تنويه خاص وإشادة واسعة على عمله ‘’فيديو دراما “1882في ‘’ Biennale de Venise’’ . وهو يعرض حالياً في LUMA في مدينة آرل في فرنسا وفي "غاليري تالبوت رايس" بجامعة إدنبرة Galerie .Talbot Rice de l'Université d'Édimbourg أما اللجنة المسؤولة على المعرض فتضم ممثلين عن معارض محلية ودولية مهمة. وجود هؤلاء في اللجنة المشرفة على المعرض إن دلّ على شيء فهو خير دليل على أهمية Art Basel بالنسبة للفنانين وللمنطقة باسرها. نذكر من بين أعضاء اللجنة لورنزو فياشي Lorenzo Fiaschi ، احد مؤسسي "غاليريا كونتينوا" Galleria Continua الإيطالية الشهيرة؛ ودانييلا غاري Daniela Gareh ، مديرة "وايت كيوب" White Cube في لندن و محمد حافظ، وهو من مؤسسي "معرض أثر" Athr Gallery في الرياض، وساني رحبر Sunny Rahbar احد مؤسسي "ذا ثيرد لاين" The third Line" في دبي. استضافة آرت بازل في الدوحة تشكل حدثاً رئيسياً سيعيد تشكيل المشهد الفني لكامل المنطقة بلا شك، وهو يوفر للمشاركين رؤية دولية وفرصة فريدة للتفاعل مع المشهد الفني العالمي.

دار الاوبرا الملكي في مسقط بين التقاليد العريقة واحدث التقنيات

تُعتبر دار الأوبرا في مسقط واحدة من أبرز المعالم الفنية في سلطنة عُمان. تم بناؤها عام 2011 نزولا عند رغبة السلطان قابوس بن سعيد، الذي كان شغوفاً بالفنون والأوبرا.اراد السلطان قابوس من خلال دار الاوبرا هذه ان يبني مركزاً للتبادل الثقافي بين سلطنة عُمان و العالم، ومنصة للعروض الفنية العالمية والمحلية على حد سواء. منذ افتتاحها، أصبحت دار الأوبرا الملكية في مسقط رمزاً للدبلوماسية الثقافية في عُمان. فهي تحفة معمارية جمعت بين الطراز الكلاسيكي للأوبرا والتقاليد المعمارية العُمانية، ونجحت في دمج التراث المعماري الإسلامي بالتصميم المعاصر والتقنيات العالية المطلوبة في هكذا صرح. فقد نجح مهندسو المبنى، بإنشاء بناء عُمانياً عريقاً يتمتع بالجمال والاناقة والمتطلبات العصرية لدور الاوبرا. فاستعملوا في البناء موادا محلية المنشأ على غرار الحجر الجيري العماني. و زيّنوا واجهته بزخرفات أظهرت مدى براعة الحرفيين العمانيين. اما داخل البناء، فيجمع ايضاً بين الاناقة والأصالة. وهو مُزيّن بالكامل بالرخام واللوحات الخشبية المنحوتة بدقة، والسجاد الفاخر، وثريات الكريستال، والزخارف العربية الرائعة. أما قاعة العرض، فتتسع لحوالي 1100 مقعد، وهي مجهزة بأحدث تقنيات الصوت والإضاءة وتحتوي على مسرح متحرك ومصمَّم خصيصا لتقديم جودة صوتية عالية ورؤية واضحة للجمهور، اينما كان موقعه داخل القاعة. هذه التكنولوجيا الحديثة في الصوت وفي تصميم المسرح جعلت من الممكن فنياً وتقنيا استضافة كافة أنواع الفنون والاستعراضات العالمية، مما يضع دار اوبرا مسقط في عداد أرقى وأحدث دور الاوبرا في العالم. منذ افتتاحها، استضافت دار الأوبرا الملكية عروضاً موسيقية متنوعة، شارك فيها كبار الموسيقيين والفنانين العالميين من راقصي الفلامنكو وعازفي الجاز مثل إيغور بوتمان Igor Butman و راندي بريكر Randy Brecker ، وكذلك أرقى الأوركسترات السيمفونية مثل أوركسترا فيينا الفيلهارمونيةL’Orchestre Philarmonique de Vienne و الأوركسترا الوطنية الروسية l’Orchestre National de Russie و أوركسترا لندن الفيلهارمونية Philarmonique de Londres l’Orchestre. كما استقبلت دار الاوبرا الملكي في عمان على خشبتها كبار مغنيي الاوبرا من أندريا بوتشيللي Andréa Bocelli، ورينيه فليمنغ Renée Flemming الى بلاسيدو دومينغو Placido Domingo، إلى جانب فرق الباليه الشهيرة كفرقة البولشوي Bolchoï وفرقة الباليه الأمريكية.American Ballet Theatre بالإضافة إلى عروض الأوبرا والحفلات الموسيقية الكلاسيكية، يستقبل الاوبرا الملكي سنوياً نشاطات ثقافية متنوعة، ومسرحيات عالمية، وعروض باليه، وعروض تقليدية عُمانية. في الوقت عينه لم تُهمَل الموسيقى الإقليمية والعربية، حيث شارك العديد من الفنانين العرب المشهورين في عروض رائعة على مسرح الاوبرا هاوس الملكي من بينهم الفنانة ماجدة الرومي. هذا التنوع في البرامج جعل دار الأوبرا الملكية في مسقط وجهة مميزة وضرورية للفنون الراقية. إلى جانب هذه البرامج المتعددة، لم تغفل دار الأوبرا دورها التعليمي والتثقيفي، إذ توفر ورش عمل وبرامج تدريبية للمواهب الشابة، إضافة إلى تسهيلات خاصة للطلاب بهدف تشجيع الموهوبين منهم، وتعزيز التنمية الثقافية في عُمان بجعل الفن في متناول الجميع. بعد سنوات من تأسيسها، أثبتت دار الأوبرا الملكية في مسقط نجاحها الكامل في تحقيق رسالتها الأولى التي أرادها لها السلطان قابوس، وهي دعم الفنانين المحليين والدوليين، ونشر الشغف بالموسيقى الكلاسيكية والفن في المجتمع العُماني، وتعزيز التبادل الثقافي بين الفنانين المحليين والعالميين.

دول الخليج العربي ونهضتها الثقافية
Par
ميشا مسلم
Publié
ديسمبر 8, 2025 - 00:28

تُظهر نظرة سريعة على المشهد الثقافي والفني المتنامي في دول الخليج الموارد الهائلة المُخصصة لمجموعة واسعة من المشاريع، التي غالبًا ما تكون فخمة ورائدة، وتهدف إلى تعزيز الفن والثقافة، على أسس قد تختلف من دولة لأخرى. ويتجلى حماس مماثل في جميع المجالات، مما يعكس رغبة مشتركة في الانفتاح والتبادل مع عالم الثقافة والفن. لا شك أن جميع هذه المشاريع تُسهم في تعزيز نوع من "الدبلوماسية الثقافية" - إن صح التعبير - وتعزيز التأثير الثقافي لهذه الدول على الصعيد الدولي. ومع ذلك، من الخطأ اختزال الإنجازات التي تحققت بالفعل وتلك المُخطط لها إلى مجرد عملية تسويقية. فإلى جانب الحجم الهائل للمشاريع الجارية، هناك دوافع أخرى أكثر أهمية. في المجتمعات التي تشهد تحولات عميقة، يُعدّ الفن والثقافة محركين للتحول الاجتماعي والسياسي. لكنها في الوقت نفسه وسيلة لحماية ونقل معارف البلاد وتقاليدها وإرثها الثقافي. كما أنها تُسهم بشكل كبير في تعزيز الفخر الوطني وترسيخ الشعور بالانتماء. ويدرك قادة دول الخليج هذا الأمر تمامًا. ويتجلى حرصهم على الحفاظ على هذه الهوية الثقافية وتعزيزها جليًا في جميع المشاريع المنفذة أو قيد التطوير. وبعيدًا عن القضايا التي يمكن وصفها، على نطاق أوسع، بالجيوسياسية، يُعد الفن، في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية، حارسًا للذاكرة. كما أنه يسمح بتغيير سلس وعميق في المجتمع. إنه الخيط الذي يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. ولتحقيق هذه الغاية، يشجع القادة المشاريع الفنية والثقافية الطليعية، مع التركيز في الوقت نفسه على الحفاظ على التراث الثقافي والتقاليد والخبرات المتوارثة وتعزيزها. في سلسلة من المقالات المخصصة لهذا الموضوع، تناولت "ليفانت تايم" المشاريع الرئيسية التي تعكس بوضوح رغبةً في تحويل دول الخليج إلى مركز ثقافي وفني عالمي، ومكانًا للتبادل بين مختلف الفاعلين الثقافيين في مجالات متنوعة كالرسم والموسيقى والرقص والسينما والأدب. هذه المشاريع طموحة ومتعددة، لكن المخاطر كبيرة بنفس القدر. في ظل السياق الحالي السائد في هذا الجزء من العالم وعلى الصعيد الدولي، هل ستنجح هذه المجتمعات سريعة التغير في إيجاد توازن مناسب بين التراث العربي الإسلامي من جهة، وواقع القرن الحادي والعشرين من جهة أخرى؟ هل ستتمكن من دخول عالم الغد ببراعة وبدء عصر نهضة فنية وثقافية، على غرار عصر النهضة الإيطالية مثلاً؟ هل ستنجح في تحولها دون أن تفقد هويتها وروحها على طول الطريق؟ هذه بعض الأسئلة التي ستحاول "ليفانت تايم" الإجابة عليها في سلسلة مقالاتها المخصصة للمشاريع الثقافية والفنية الكبرى في مختلف دول الخليج. المقال التالي: دار الأوبرا السلطانية في مسقط

دل تورو: تطهيرُ الإنسانِ من وحشه
Par
ميشال حاجي جورجيو
Publié
ديسمبر 2, 2025 - 13:08

هل صحيح فعلاً أن المخرج السينمائي يستكشف في جوهره موضوعاً واحداً فقط – أو عالماً واحداً فقط – عبر مجمل أعماله، بمعنى أن كل شيء ينتهي به الحال إلى تشكيل كل متماسك، كما كان يلمّح جان لوك غودار؟ يبدو أن غيليرمو ديل تورو يتطابق تماماً مع هذه النظرية. المخرج المكسيكي، الذي أطلق للتو (على نتفليكس) نسخته الخاصة من أحد الشخصيات الأكثر استغلالاً في السينما – كائن فرانكنشتاين من تأليف ماري شيلي – يبدو أنه مدفوع بحدس أساسي، شبه هاجس، بل حتى نبوي، يمكن العثور عليه بالفعل في كل أفلامه وهو ما يمنحه تماسكاً نادراً. عند ديل تورو، الوحش لا يكون أبداً وحشاً. الاختلاف المشوّه، اللحم المنقوش بالندوب، التشريح غير الطبيعي، لا تعني أبداً عنده الوحشية الحقيقية. بل على العكس تماماً: عند المخرج المكسيكي، الوحش هو الشخصية الأكثر إنسانية من بين الجميع، تلك التي تحمل وزن المعاناة والوحدة والرفض والإذلال، وأيضاً الحب. صحيح أنه بعيد كل البعد عن أن يكون الأول الذي يغامر في هذا المجال. لكن، في عالم يزداد تجريداً من الإنسانية، مساعيه أكثر صراخاً بالحقيقة. الوحش الحقيقي؟ إنه الإنسان، عندما ينبذ إنسانيته الخاصة، عندما يسمح لنفسه أن يسيطر عليه الرغبة في الهيمنة، النرجسية، العلم البارد، الحرب أو الخوف من الموت والرغبة في التعويض عن الخالق. في هذا الصدد، يبدو العمل الكامل لديل تورو كاتهام طويل ضد صانعي الوحوش: الأنظمة والجيوش والمختبرات والعلماء والآباء الطغاة والأخلاقيون المتجمّدون الذين يدّعون أنهم بجانب الخير أو العقل أو الحداثة العلمية – لكنهم في النهاية لا ينتجون إلا الدمار. لا توجد وحوش، يقول لنا ديل تورو. لا يوجد سوى جلادين يعتقدون أنهم مكلفون برسالة ضخمة، لكنهم في الواقع مجرد شخصيات هلوسة تبحث عن إصلاح جرحهم النرجسي. في متاهة بان (2006)، وهو بلا شك أحد أجمل الأفلام في القرن الحادي والعشرين، الوحش المفترض – حورية الغابة المقلقة، نصف ظل نصف نور، رسولة من عالم بدائي – لا تكون في الواقع سوى استجابة روحية البربرية الفرانكية. الوحش الحقيقي هو الكابتن فيدال، النموذج الأولي للفاشي البارد والآلي والخالي من الشك والمهووس بالسلالة وأسطورة الأب. ترد الكابتن فيدال بقسوة منهجية على براءة أوفيليا وخيالها الخلاصي. يصبح الوحش الأسطوري ملاذاً وشخصية منظمة وآخر حصن ضد الدمار الأخلاقي. ما يحاول ديل تورو قوله هنا أساسي: الوحش ليس الرعب، بل هو الترياق للرعب؛ آخر ملاذ للبراءة لتجنب واستحضار الرعب. المقدس المنقذ حيث لا تزال الروح تستطيع التنفس. نفس المنطق يخترق شكل الماء (2017)، هذا العمل الرائع حيث مخلوق مائي، سجين في مختبر عسكري، يتعرض للتعذيب باسم العلم، يثبت أنه قادر على الحب بحب أنقى وأكمل وأكثر مطلقية من البشر الذين يشرحونه. هنا أيضاً، الوحش الحقيقي ليس ما يعرض في الحوض: إنه العالم بلا تعاطف، أمريكا البارانويا في الحرب الباردة، الحالة الطبيعية المهووسة بالمظهر والامتثال والسيطرة. هذا الفيلم هو في الأساس بيان من ديل تورو، حسب رأيه أن الإنسانية لا تكمن في الإنسان، بل في القدرة على الحب. الحب هو المحرك الوحيد للبقاء، كما قال ليونارد كوهين في أغنيته عن المستقبل الوحشي الذي توقعه في أوائل التسعينيات، مع نهاية الاستقطاب الثنائي. لكن الحب، في كثير من الأحيان، الإنسان عاجز عنه. هذا ما يجعله وحشاً. الوحش، من جهته، في ديناميكية معاكسة، يقبل أصعب درس تعليمي، وأيضاً الأجمل – تعلم الحب. يتم حمل هذا الموضوع إلى درجة الاحتراق في فرانكنشتاين ، مشروع ديل تورو الحلم منذ ثلاثين سنة، والذي وجد أخيراً شكله. هذا سرد الأصل للعديد من الوحوش: المخلوق الذي لم يطلب أبداً أن يأتي إلى العالم، الذي ولد من نزوة خالق نرجسي، من أب تاه في غرور القوة، من رجل يريد سرقة سر الحياة من الله دون تحمل المسؤولية الأخلاقية. فرانكنشتاين هو المدان المطلق: ذلك الذي لا مكان له ولا هوية ولا لغة. ذلك الذي رغبته الوحيدة هي الحب وأن يكون محبوباً. أنا وحيد، يقول في رواية ماري شيلي. فرانكنشتاين ليس غير هذا الوحش الموجود في كل واحد منا، الذي يبحث عن الحب، ليتمكن أخيراً من الوصول بشكل كامل إلى الاختلاف والارتباط والإنسانية. لكن، مع ذلك، العالم يكتفي بتسميته وحشاً، بغض النظر عن الحقائق وأحلامه وإرادته وقلبه. إنه محكوم بالرفض، دون استئناف. لكن ديل تورو ينقلب هنا على التقليد السينمائي بأكمله. كان جيمس وايل العظيم قد أعطى الوحش بالفعل بعداً مأساوياً، شبه مسيحي، في الأفلام الأولى حول هذه الشخصية التي أُحضرت إلى الشاشة الكبيرة – فرانكنشتاين (1931)، ثم عروس فرانكنشتاين (1935) الرائعة، قبل أن تصبح الشخصية عنصراً أساسياً في أفلام الرعب من شركة هامر؛ تمت محاكاتها بذكاء من قبل ميل بروكس ( يونغ فرانكنشتاين ، 1974) أو تم تمثيلها بشكل سيء من قبل كينيث برانا في 1994، مع خطأ فادح في الاختيار – دي نيرو في الدور الرئيسي! لكن ديل تورو يبتكر: يقدم منظور الوحش وذاتيته وصرخته المكبوتة. يعطيه صوتاً أخيراً. المخلوق يصبح مرآة – مرآة يرفض الإنسان أن ينظر إليها. لأنه سيرى فيها الحقيقة – أن الوحش، هو هو. هذا اللحن الأساسي موجود في كل مكان عند ديل تورو. في هيلبوي (2004)، حيث المسار الحتمي لطفل الشيطان هو قيادة العالم إلى دماره، لكنه يختار التمرد ضد قدره البيولوجي – وفتح حريته. في زقاق الكوابيس (2021)، حيث الوحش ليس وحش المعرض، بل الرجل الذي ينجرف في وهم القوة المطلقة ويشوه نفسه نفسياً حتى يصبح ما كان يعتقد أنه يهيمن عليه: الوحش. في حافة المحيط (2013)، المخلوقات الضخمة القادمة من الشقوق السحيقة ليست هي التي تكون وحشية، بل الغرور التكنولوجي لعالم يعتقد أنه يمكنه السيطرة على كل شيء. حتى بينوكيو (2022)، عند ديل تورو، لا يهرب من هذا القانون. كما في الذكاء الاصطناعي لستيفن سبيلبرغ، طفل الخشب أكثر إنسانية من البالغين من حوله. الأب، من ناحية أخرى، أسير حزنه – مجروح لكنه متسلط – والمجتمع الفاشي يستخدم الطفل كلحم مدفع. يبقى عمود الشيطان (2001)، فيلم طيفي ومحطم القلب، حيث شبح طفل تم اغتياله يأتي ليطارد ملجأ للأيتام أثناء الحرب الأهلية الإسبانية. الشبح ليس طيفاً من الرعب، بل حارس الذاكرة، صوت العدالة ضد الوحشية: البراءة المقتولة حرفياً. الشبح هنا شاهد. إنه لا يشكل تهديداً. وسواس ديل تورو واضح: الوحش هو عرض من أعراض العنف الإنساني. وإذا جاء إلى العالم، فلأن طاغية أو عالماً أو جندياً أو أباً – قد خلقه. من المستحيل عدم قراءة هذا العمل في ضوء التحليل النفسي، في الواقع ما يصوره ديل تورو ليس سوى الابن المرفوض، الابن المضحى به، الطفل المستحيل، المحكوم بسوء الفهم الدائم. نفكر بالطبع في لاكان وقمع اسم الأب. إنها شخصية الطفل بلا مكان، المسحوق بالقانون الأبوي القاتل، ذلك الذي لا يعرف الحب بل فقط الأداء أو الانضباط أو الإرث. من الصعب أيضاً عدم التفكير في كهف أفلاطون. يجرؤ المخلوق على الخروج من الظلال للبحث عن الإنسانية، لكن أولئك الذين ينظرون إليه يقتلونه. ديل تورو في السينما الخيالية، لكنه مرتبط عميقاً بعصره وبالواقع. يخبرنا، بصوره الرائعة، الرعب الذي نعيش فيه يومياً – كما لو أنه لا يسلمنا أقل من تأمل مأساوي في عصرنا. أكثر من أي وقت مضى، العالم مليء بمصنعي ومهربي الوحوش: الشعبويون والفاشيون ومهندسو الخوف والعلماء بلا أخلاق والغنوصيون من جميع الأنواع والدعايتيون الذين يحولون الشعوب إلى آلات كراهية. الوحش، الآن، حتى لا يحتاج إلى أن ينشأ في المختبر: يتم تصنيعه من خلال الخطاب والتلاعب والشبكات الاجتماعية والهويات المغلقة والاستياء والخيال التطهري. حتى بشكل مصطنع، الآن، وكالعادة مع موافقتنا وتشريعنا ومشاركتنا. من الغريب أن الموضوع نفسه يبدو أنه يتطور في الموسم الأخير من مسلسل أشياء غريبة … جيليرمو ديل تورو هو، بهذا المعنى، أكثر بكثير من كونه مخرجاً، وهو مفكر سياسي ونبي مظلم، مشابه لما كان يعلنه كوهين بالفعل في المستقبل عام 1990، وهو أن الإنسانية في خطر. لكن ليس بسبب الوحوش، بل بسبب أولئك الذين يعيشون من احتياج صنع الوحوش بالكراهية والعنف والإذلال والاستبعاد. ديل تورو يهمس لنا حقيقة عاجلة: حان الوقت لمشاهدة الوحوش في العيون. أي أن نجري على أنفسنا فحص الضمير، قبل فوات الأوان، لخوض أهم معركة في داخلنا: آخر فرصة لنا لنظل بشراً. حتى لا ننتهي جميعاً، مثل الصغيرة أوفيليا من متاهة بان .

/