شعار Levant Time

تحليل

سلمان رشدي ونهاية ظاهرة ترامب
بقلم
يقظان التقي
نُشر
يوليو 18, 2026 - 04:46

مجموعة سلمان رشدي "الساعة الحادية عشرة " (The Eleventh Hour)، هي ليست رواية واحدة بالمعنى التقليدي، بل خماسية قصصية صدرت بعد محاولة اغتياله عام 2022، وتُعد من أكثر أعماله تأملًا في الشيخوخة والموت والهوية والحرية. وهي ليست مجرد زمن، بل علامة (Sign) فهي ترمز إلى حضارة تشعر بأنها بلغت لحظة الاختبار الأخير لتصاعد الشعبوية، وتراجع قيم الديمقراطية، والعنف ضد الكلمة الحرة، واضطراب الهوية في عالم العولمة. بهذا المعنى، تتحول الساعة الحادية عشرة إلى استعارة للحظة حضارية، لا للحظة فردية فقط. فبعد عامين من كتابه "السكين” (Le Couteau)، الذي عاد فيه للحديث عن محاولة الاغتيال التي تعرض لها، يمثل الكتاب الجديد عودة من خلال قصص تطاردها حتمية مرور الزمن في العهد الجديد. فالساعة الحادية عشرة، هي الساعة التي تسبق غروب الشمس. وفي اللغة العاميّة، تشير إلى اللحظة الأخيرة للقيام بشيء ما قبل فوات الأوان. وفي القصة الأولى من القصص الخمس التي يتألف منها الكتاب، تُستخدم هذه العبارة كاستعارة للمرحلة العمرية الثالثة التي وصل إليها "جونيور" و"سينيور"، وهما جاران وأخوة تقريباً، لا ينفصلان ومع ذلك لا يطيق أحدهما الآخر. كانا في الحادية والثمانين من عمرهما. وإذا كان العمر المديد هو شفقٌ يوشك أن ينتهي عند منتصف الليل، فقد كانا قد دخلا بالفعل في ساعتهما الحادية عشرة. يقول جونيو "تبدو بمظهر مروع، كما تفعل كل صباح. تبدو كرجل لا ينتظر سوى الموت". فيرد سينيور، وهو يهز رأسه بجدية، متمسكاً بتقاليدهما الشخصية، "على الأقل مظهري أفضل من مظهر رجل لا يزال ينتظر الحياة". كان سينيور، الذي عمل مديراً في شركة سكك حديدية وأستاذاً للرياضيات ومغنياً لترانيم "الفيدا" حول تاريخ مرور الزمن، قد عاش حياة حافلة، على عكس جونيور الذي لم تخبئ له الحياة سوى خيبات الأمل. ومع ذلك، توحدهما مرارة واحدة، نابعة من الندم على العيش بشكل مكثف أو غير كافٍ. لم يكن الموت والحياة سوى شرفتين متجاورتين. ويمكن قراءة القصة الأخيرة في المجموعة، "الرجل العجوز في الساحة"، كدفاع وتوضيح للنزاع في المجتمعات، أو "الجدل" الذي يثمن حرية كل فرد في التفكير بشكل مختلف. ويبدو أنه لا شيء يجمع الناس سوى السجال في حد ذاته كشكلٍ من أشكال التعبير الفني في عصر "نعم"، حيث كل نقاش يُعتبر غير قانوني حين لا يحظى في جميع الظروف على الموافقة مهما كان مثيراً للسخرية. من خلال هذه الحكاية الرمزية، يدين سلمان رشدي نزعة التبسيط العالمية "نحن لسنا مخلوقات ميلودرامية"، وذلك قبل أن يختتم مجموعته القصصية باستنتاج مرير مفاده أن "الكلمات تخذلنا". لكن هذا الكتاب هو دليل على أن الكلمات لم تخذل رشدي، ولا الفكاهة التي تميز رُواته، وهم شهود على تخبط شخصيات غير راضية عن مصيرها. وهكذا، في القصة القصيرة المعنونة "موسيقية كاهاني"، ينفصل زوجان بعد إنجاب طفلة، حيث يقرر الأب الرحيل للعيش على القمر، ليس قمر الأرض، بل مجتمع تجريبي يأمل فيه أن يجد معنى لحياته من خلال تقديم الحساء لأتباع ما يبدو أنه أبناء طائفنه، المجانين الآخرين في وقت يستمر الناس في العيش كأشخاص منكوبين على كوكب الأرض. إن قصص "الساعة الحادية عشرة"، سواء كُتبت بأسلوب باروكي أو بأسلوب بسيط، تمزج بين الخيال والحزن الذي يضفي على هذه القراءة طابعاً مشابهاً لكتاب "مدينة النصر" (2023)، أو "كيشوت" (2020)، أو "المنزل الذهبي" (2018). كما تشكل هذه القصص خاتمة المقطع الأخير من مقطوعة أو حركة موسيقية لأعماله، كما اقترح النقاد الأنجلوسكسونيون في رواية جامعة غامضة ومبهمة ستكون مستوحاة من "الجبل السحري" لتوماس مان و"القلعة" لكافكا، وهما "كتابان عظيمان عن عوالم مصغرة غريبة من نفس النوع الذي يحلم به رشدي، المثقف السياسي الملتزم والكاتب الأنجلو-أميريكي. هذا يجعل يجعل الأدب أكثر أشكال الفن تفاعلية. هذا لا يشبه آلية الذكاء الاصطناعي، التي "خلقت ديانات جديدة" ، تتغذى على شيء تم إنشاؤه بالفعل، ولا يمكنها خلق شيء لم يسبق لأحد أن خلقه، كما أن افتقارها إلى حس الفكاهة هو أحد عيوبها الأخرى وتتسبب بما يكفي من المشاكل. يعترف رشدي في حديث أجرته معه" لو بوان" بالعجز عن فعل أي شيئ ، ويواسي نفسه في مغامرة الخيال تلك، هو الرجل المخلص لقناعاته يعلم أن الإنسانية في خطر، وبأن خطوط الصدم والانقسامات في العالم عميقة، ووحده النص الأدبي هو الملاذ للمصالحة في" الأماكن التي لا نموت فيها". فالناس اليوم واثقون جداً مما هو عليه أي شيء، بينما الأدب هو مملكة الشك والتساؤل بما فيه الكفاية . ما قد ينسحب على الاستقطاب الحالي في نقاش يعكس حالة الرفض القوي من الجمهور تجاه ما تفعله إدارة ترامب في الحرب، هذا ليس كل ما يحاول فعله على الإطلاق!. يضيف رشدي في حديثه للمجلة الفرنسية، "لا أعتقد حتى أنه يعرف حقاً ما يحاول فعله، إذا كان مهتماً بصدق بتغيير النظام في إيران وعودة الديمقراطية إلى إيران، فسيكون ذلك جيداً، لكن هل يجد في ذلك أي مصلحة؟ نحن أمام حالة رئيس أمريكي مجنون قليلاً يشن حرباً ضد نظام ثيوقراطي فاشي، وأنا لست في صف أحد، باستثناء صف الشعب الإيراني، الذي لا تتم استشارته بشيئ. ومع ذلك، الجميع اليوم مطالبون باختيار معسكر بين خطابات متنافسة تسعى إلى السحق أكثر من الإقناع. أرفض الكارثة. فالعالم يمكن أن يتغير بطريقة أخرى مثل ما حدث للتو في المجر مع فيكتور اوربان، وفي أمريكا، تهب أيضاً رياح التغيير. لن نعرف ما يحدث حقاً قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني / نوفمبر، لكننا نلاحظ رفضاً قوياً من الجمهور تجاه إدارة ترامب.. إن نهاية ظاهرة ترامب قد تؤدي إلى سقوط أحجار دومينو أخرى، لكن لنكن حذرين، فأنا نبي سيء جدا." هي رمزية بشكل مباشر، حين يتحدث رشدي عن العالم الذي نعيش فيه، حيث أصبحت الانقسامات عميقة في المكان الذي وصلنا إليه. وهنا ، يمكن رصد التقارب بين الكاتب سلمان رشدي والمفكر الراحل إدغار موران، رغم اختلاف مجالاتهما (الأدب مقابل الفلسفة وعلم الاجتماع). ويكمن هذا التقارب في "فلسفة الهوية المركبة" و"رفض التنميط". كان موران تساؤلاً جوهرياً "هل نستطيع أن نكون هؤلاء جميعاً في وقت واحد؟"، مؤكداً أن الهوية "مركبة ومتعددة". بينما يمثل رشدي تجسيداً حياً لهذا المفهوم في أعماله مثل "أطفال منتصف الليل" أو "آيات شيطانية" وفي سيرته الذاتية، حيث يرفض أن يُحصر في هوية دينية أو قومية واحدة. والخيال الأدبي يجسد هذا التعقيد في شخصيات تعيش التعددية في أبهى صورها، التي يحبذها بدوره الكاتب ريجيس دوبريه. ليست الساعة الحادية عشرة لحظة النهاية، بل لحظة الامتحان الأخير؛ ففيها لا تُختبر قوة الدول بقدر ما تُختبر قدرتها على إنتاج معنى جديد للنظام الدولي. والحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر اللغة التي تُفسَّر بها القوة، والشرعية، والهوية.وكل حرب كبرى تنتج علاماتٍ أكثر مما تنتج انتصارات. وما يبدو في الميدان حدثًا عسكريًا، يتحول في الخطاب إلى رمز يعيد تشكيل الوعي الجمعي، اسمًا للحظة التي ينهار فيها معنى قديم، قبل أن يستقر معنى جديد من نوع التذمر من الجغرافيا والتاريخ وخطوط الصدع، في مقابل الرغبة بالعيش على القمر!

ما بعد نبيه بري
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
يوليو 16, 2026 - 01:44

منذ أكثر من ثلاثة عقود، ارتبطت السياسة اللبنانية ارتباطاً وثيقاً باسم نبيه بري. فمنذ توليه رئاسة مجلس النواب عام 1992، صمد بري أمام رؤساء جمهورية ورؤساء حكومات وحروب إقليمية وتدخلات دولية وتحولات جيوسياسية عميقة. لم يعد مجرد رئيس للسلطة التشريعية، بل تحوّل إلى أحد المهندسين الرئيسيين للبنان ما بعد الطائف،وبالتحديد ما بعد الاتفاق الثلاثي، والزعيم السياسي الأوحد لحركة أمل. غير أن السياسة تواجه حتماً السؤال الذي يتركه كل زعيم طال بقاؤه في السلطة: ماذا بعد؟ السؤال هنا ليس عمّا إذا كان بري سيرحل غداً أو بعد سنوات؛ فلا شيء يشير إلى أنه على وشك التنحي. بل إن السؤال الاستراتيجي الحقيقي هو ما إذا كان لبنان يُعِدّ فعلاً للانتقال من نظام سياسي محوره الأفراد إلى نظام قائم على المؤسسات. هذا النقاش يتجاوز حركة أمل والطائفة الشيعية بكثير. إنه، بمعنى من المعاني، اختبار لقدرة لبنان نفسه على التطور السياسي الحديث. نهاية حقبة قلّة من السياسيين في الشرق الأوسط حافظوا على نفوذهم لهذه المدة الطويلة كما فعل بري. ولم يكن طول بقائه محض صدفة، إذ أتقن فن الموازنة بين الفرقاء الداخليين مع الحفاظ على علاقات عمل مع دمشق وطهران والرياض وباريس وواشنطن، وكلما اقتضت الحاجة، مع الوسطاء الدوليين. وضمن المشهد السياسي الشيعي في لبنان، برزت تدريجياً معادلة غير مكتوبة: أصبح حزب الله القوة العسكرية والأيديولوجية، بينما وضع بري نفسه في موقع الوجه المؤسسي للمشاركة السياسية الشيعية داخل الدولة اللبنانية. وقد ساهم هذا التقسيم للأدوار في توازن داخلي مستقر نسبياً على مدى عقود، وتدميرا ممنهجا لمنطق الدولة. لكن التاريخ نادراً ما يسمح للمعادلات السياسية بالبقاء إلى الأبد. فالبيئة الإقليمية التي أسندت هذا التوازن تتغيّر. النفوذ الإيراني بات موضع تحدٍّ متزايد. الدول العربية تعيد الانخراط مع لبنان بشروط جديدة. الولايات المتحدة تواصل التشديد على مؤسسات الدولة وإصلاح القطاع الأمني. النقاش حول مستقبل دور حزب الله بات أكثر تواتراً، فيما تتزايد الضغوط على الدولة اللبنانية لاستعادة احتكارها للسلطة الشرعية. في ظل هذه الخلفية، تصبح مسألة الخلافة حتماً جزءاً من نقاش أوسع بكثير. أبعد من الأسماء المتداولة كثيراً ما تختزل النقاشات الإعلامية مسألة الخلافة في تحديد وريث واحد. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. من بين الأسماء المتداولة بكثرة داخل أوساط حركة أمل، يبرز علي حسن خليل، أحد أقرب المقرّبين سياسياً من بري ووزير المالية السابق. تجربته وقربه من الرئيس بري يجعلانه مرشحاً بديهياً ضمن التراتبية التقليدية للحركة. غير أن العقوبات الدولية وتهم الفساد والاستقطاب السياسي يعقّدان كثيراً من فرصته في الظهور كشخصية وطنية جامعة. اسم آخر يتكرر كثيراً هو جميل حايك، رئيس المكتب السياسي في حركة أمل. يتمتع حايك بخبرة تنظيمية عميقة ومصداقية داخل الهيكل المؤسسي للحزب. لكن القيادة التنظيمية لا تتحول تلقائياً إلى سلطة سياسية على المستوى الوطني. كما يمتلك قياديون بارزون في أمل، مثل قبلان قبلان وهاني قبيسي، خبرة برلمانية وتنظيمية واسعة، لكن لا أحد منهم يبدو، في الوقت الراهن، قادراً على استنساخ مزيج بري الفريد من الشرعية السياسية ومهارات التفاوض والعلاقات الإقليمية والسلطة المؤسسية. وهذا وحده يشير إلى أن لبنان لن يشهد على الأرجح ظهور "نبيه بري آخر". هل يمكن أن تأتي القيادة من خارج أمل؟ الاحتمال الأكثر إثارة للاهتمام هو أن السياسة الشيعية في مرحلة ما بعد بري قد لا تبقى محصورة داخل التراتبية التقليدية لحركة أمل. كثيراً ما يُذكر اسم اللواء المتقاعد عباس إبراهيم، المدير العام السابق للأمن العام، بسبب خصوصية سيرته. فقد بنى خلال مسيرته الأمنية شبكة علاقات واسعة عبر الطيف السياسي اللبناني، مع حفاظه في الوقت نفسه على قنوات تواصل مع حكومات عربية وعواصم غربية وجهات إقليمية فاعلة. وخلافاً للسياسيين التقليديين، تقوم سمعته على إدارة الأزمات والتفاوض على الرهائن والدبلوماسية الاستخبارية والحوار البراغماتي. ويبقى غير مؤكد ما إذا كانت مثل هذه المؤهلات قادرة على التحول إلى زعامة سياسية، إذ إن الخبرة الأمنية لا تُنتج تلقائياً شرعية انتخابية. لكن في المراحل الانتقالية، غالباً ما تلجأ الدول إلى شخصيات توافقية قادرة على الجمع بين الفرقاء المتنافسين. اسم آخر يُطرح أحياناً هو النائب جميل السيد. يحاول السيد إظهار صورة الاستقلالية عن البنى الحزبية التقليدية رغم خلفيته الأمنية الطويلة. وقد أكسبه انتقاده للنخب السياسية التقليدية أنصاراً يبحثون عن خطاب بديل داخل الطائفة الشيعية. غير أنه يبقى أيضاً من أكثر الشخصيات العامة إثارة للجدل في لبنان. فأسلوبه السياسي التصادمي قد يحمّس أنصاره في الوقت الذي يجعل فيه تحقيق الإجماع الوطني وتاريخه أكثر صعوبة. لا يمثّل عباس إبراهيم ولا جميل السيد حالياً مشروع خلافة واضحاً. لكن أهميتهما تكمن في كونهما يوضحان أن الفصل المقبل قد لا يُكتب حصراً داخل الإطار التنظيمي لحركة أمل. السؤال الحقيقي مؤسساتي إن التركيز حصراً على الشخصيات يُغفل التحول الأكبر الجاري فعلاً. فالأنظمة السياسية الحديثة لا تسأل مَن يرث الزعيم، بل تسأل ما إذا كانت المؤسسات قادرة على إنتاج قيادة جديدة. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام لبنان. فلعقود، ظلت الأحزاب السياسية عبر مختلف الطوائف تدور إلى حد كبير حول السلطة الفردية بدل الآليات الديمقراطية الداخلية. وغالباً ما تُحدَّد عمليات انتقال القيادة بالنفوذ الشخصي أو الشبكات العائلية أو الظروف السياسية الاستثنائية، بدل مسارات مؤسسية شفافة. وحركة أمل ليست استثناءً في هذا الصدد. والفرصة الحقيقية التي تحملها مرحلة ما بعد بري تكمن في تحويل أمل من حركة مرتبطة بزعيم تاريخي واحد إلى حزب سياسي مؤسساتي كامل، تحكمه انتخابات داخلية وتجديد للقيادة ونقاش في السياسات ومساءلة. مثل هذا التحول من شأنه أن يعزز الحركة لا أن يضعفها. فالمؤسسات القوية تنجو بعد رحيل الزعماء. أما الأنظمة السياسية القائمة حصراً على الشخصيات، فنادراً ما تنجو. اختبار للطائفة الشيعية في لبنان تقف الطائفة الشيعية نفسها اليوم أمام فرصة تاريخية مهمة. فلعقود، هيمنت على تمثيلها منظمتان كبريان تشكّلت شرعيتهما في سياق الحرب و"المقاومة"والصراع الإقليمي. لكن السنوات المقبلة قد تتطلب مفردات سياسية مختلفة. التعافي الاقتصادي. بناء الدولة. الإصلاح المؤسسي. الاستثمار الأجنبي. استقلالية القضاء. التحديث الإداري. هذه الأولويات تتطلب قيادة سياسية قادرة على الحكم لا على التعبئة فحسب. وسيُحكم على الجيل المقبل من القادة الشيعة، في نهاية المطاف، بمقدار أقل استناداً إلى أرصدة زمن الحرب، وبمقدار أكبر استناداً إلى قدرتهم على إعادة بناء الدولة اللبنانية. ما بعد بري في نهاية المطاف، لا ينبغي قياس المستقبل بما إذا كان أحد سيخلف نبيه بري بطريقة وضع اليد على مؤسسات الدولة، حتى الوصول إلى البطالة المقنعة التي خلقها من التوظيف العشوائي. لن يفعل أحد ذلك. والسؤال الأكثر جوهرية هو ما إذا كان بإمكان لبنان أن يتحرر أخيراً من إدمانه المزمن على الزعماء الذين لا يمكن الاستغناء عنهم. فإذا انحصر النقاش بعد بري حصراً في اختيار "رجل قوي" آخر، فإن لبنان سيكرر ببساطة الثقافة السياسية نفسها تحت اسم مختلف. أما إذا شجّع الانتقال على أحزاب أقوى، وآليات شفافة لاختيار القيادة، وحوكمة مؤسسية، وتعددية سياسية أوسع داخل الطائفة الشيعية، فإن رحيل بري - أياً كان موعده - قد لا يكون بداية لعدم الاستقرار، بل بداية للنضج السياسي. لبنان لا يحتاج إلى رجل آخر لا غنى عنه. إنه يحتاج إلى مؤسسات لا غنى عنها. وهذا، أكثر من أي معركة خلافة، ما سيحدد الفصل السياسي المقبل للبلاد.

كيف اختار الغرب أوكرانيا (1/5)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
يوليو 15, 2026 - 16:17

لا تزال الحرب في أوكرانيا في قلب نقاش واسع ومتواصل، تُغذّيه جملةٌ من العوامل، أبرزها القصف الذي يكاد يكون يومياً ويستهدف المراكز الحيوية من الجانبين، ولا سيما العاصمتان الروسية والأوكرانية. لفهم الأبعاد المختلفة لهذا الصراع العتيق فهماً أعمق، لا بد من العودة إلى مقدماته وجذوره التي أفضت إلى هذه الحرب (الأخوية؟)، وذلك باستعراض دوافع وتطلعات الأطراف المعنية كافة، وفي مقدمتها الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي الممتد ليشمل دول حلف الناتو باستثناء تركيا، مع استحضار بدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى سلام أو التفاوض على أقل تقدير، في ظل تشابك المسؤوليات وتعقّدها. جان-باتريك دايراس، نائب أدميرال (متقاعد) في سلسلة من خمس مقالات، يعرض مراسلنا جان-باتريك دايراس، نائب أدميرال في البحرية الفرنسية، رؤيته وتحليله للمسألة. لاستيعاب خبايا الحرب في أوكرانيا وتداعياتها بجوانبها المتعددة، ثمة تساؤلات جوهرية ينبغي طرحها منذ البداية: ما الذي تمثله روسيا وأوكرانيا بالنسبة للغرب؟ وما الانعكاسات الفعلية المحتملة لانتصار حاسم لأيٍّ من الطرفين؟ وتبعاً لذلك، ما التداعيات على الغرب والشرق الأوسط؟ قبل تناول هذه الزوايا المختلفة، لا بد بلا شك من استعراض مقدمات هذا الصراع وجذوره بوصفه محطةً لا يمكن تجاوزها. كانت حركة ميدان، بوجه من الوجوه، الشرارة التي أشعلت فتيل النزاع؛ إذ انتفضت الشبيعة الأوكرانية رفضاً لقرار الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يانوكوفيتش عدم التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2013، وهو ما رأت فيه تخلياً عن التوجه الذي كانت تصبو إليه. كانت أبرز دوافع هذا الجيل في تلك المرحلة: الطموح إلى مستوى معيشي أرقى، وإرساء دولة القانون، ومكافحة الفساد، وحرية التنقل وتيسير السفر والدراسة والعمل في أوروبا، فضلاً عن تأكيد الهوية الثقافية والسياسية. شعر جزء من الشباب، لا سيما في غرب أوكرانيا ووسطها، بقرب ثقافي أكبر من أوروبا مقارنةً بروسيا، في تمايز واضح عن مناطق الشرق. وهكذا كان البلد يفتقر إلى التجانس الاجتماعي، وكانت حركة ميدان في هذا السياق حراكاً شعبياً واسعاً. دعمت الولايات المتحدة المعارضة الأوكرانية سياسياً ومالياً، إذ موّلت لسنوات برامج دعم المجتمع المدني والإعلام المستقل والمؤسسات الديمقراطية، وذلك على خلفية مصالح جيوسياسية واضحة. بعد جورجيا واستقلال دول البلطيق، رفعت روسيا شعاراً صريحاً مفاده «لن نتراجع أكثر من هذا»... فهل دعمت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، المعروفة بنشاطها الدائم وتورطها في كثير من الأحداث، حركة ميدان أو أشعلت فتيلها؟ هذا ممكن لكنه غير مؤكد. والتاريخ الأمريكي منذ السبعينيات يوحي بأنها لم تكن بعيدة عن ذلك. تصف روسيا ميدان بأنه انقلاب دبّرته الـ CIA، وهذا ليس دليلاً قاطعاً، غير أنه افتراض وارد بل ومنطقي. أعرب المسؤولون السياسيون الأوروبيون والأمريكيون عن دعمهم للمحتجين والانفتاح على أوروبا. علاوة على ذلك، أدّت وسائل الإعلام الأوكرانية ومنصات التواصل الاجتماعي والجامعات والاتحادات الطلابية ومنظمات المجتمع المدني (التي استفاد بعضها من تمويل غربي أو من مؤسسات دولية) دوراً لا يستهان به في هذا الإطار. وفي المقابل، كانت روسيا تعمل على توسيع نفوذها اقتصادياً وإعلامياً وسياسياً لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. من الشر إلى ما هو أشر من سيئ إلى أسوأ بعد أحداث ميدان، تحوّلت العلاقات بين البلدين تحوّلاً جذرياً. سقطت حكومة يانوكوفيتش في فبراير 2014، وفي مارس من العام نفسه جرى تنظيم استفتاء في شبه جزيرة القرم، أسفر عن ضمّها إلى روسيا. وقد أدان عدد كبير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هذا الضم باعتباره غير مشروع، متجاهلةً عن سابق علم وإصرار تاريخ انتساب القرم إلى أوكرانيا. في ربيع عام 2014، سيطر انفصاليون موالون لروسيا - تدعمهم موسكو مالياً وتزوّدهم بالسلاح والمستشارين - على مدن في منطقتَي دونيتسك ولوهانسك في إقليم دونباس. أطلقت أوكرانيا عملية عسكرية لاستعادة الأراضي المحتلة، فاندلعت بذلك الحرب على التراب الأوكراني. وفي بداياتها، كانت حرباً أهلية بامتياز! اتفاقيتا مينسك (الأولى والثانية) وُقِّعت اتفاقية مينسك الأولى، الرامية إلى وقف الحرب في دونباس، في الخامس من سبتمبر 2014، وذلك بين ممثلين عن أوكرانيا وروسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا والانفصاليين. غير أن وقف إطلاق النار انتُهك سريعاً واستُؤنفت المعارك. وُقِّعت اتفاقية مينسك الثانية في الثاني عشر من فبراير 2015 بين بيترو بوروشينكو وفلاديمير بوتين وأنجيلا ميركل وفرانسوا هولاند. تضمّنت الاتفاقية جملةً من الإجراءات العسكرية والسياسية، إلا أن تطبيقها اصطدم بخلافات عميقة. واستمرت المواجهات المسلحة منخفضة الحدة بين عامَي 2015 و2022. ظلّت عملية مينسك رسمياً الأساس الدبلوماسي للمفاوضات، إلا أنها لم تُطبَّق قط تطبيقاً كاملاً. وقد أدلى كلٌّ من ميركل والرئيس هولاند لاحقاً بتصريحات بشأن هذه الاتفاقية، لم تكن في مستوى ما تقتضيه مكانتهما. في أعقاب ميدان، وقّعت أوكرانيا اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وشرعت في تنفيذ إصلاحات في مجالات القضاء والشرطة ومكافحة الفساد، وإن جاءت نتائجها متفاوتة. كما عزّزت تدريجياً تعاونها مع حلف شمال الأطلسي دون أن تنضمّ إليه. إن النقطة الأولى وبالأخص الأخيرة من النقاط المذكورة أعلاه جوهريتان ولا يمكن إغفالهما متى تناولنا مسؤوليات كل طرف في هذا النزاع المأساوي، الذي يجمع بين بلدين تربطهما روابط تاريخية عميقة فيما بينهما ومع أوروبا، مما يجعله بعيداً كل البُعد عن أن يُقارَن بسائر النزاعات التي تتقاتل فيها دول متنافسة منذ أمد بعيد. الغزو والردود الغربية في الرابع والعشرين من فبراير 2022، غزت روسيا أوكرانيا بحجة ضمان أمنها القومي وحماية الناطقين بالروسية في المناطق الشرقية. يُعدّ هذا العدوان انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، لا سيما أن روسيا عضو دائم في مجلس الأمن الأممي. بيد أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية، حين تذرّعت بهذه الحجة، أغفلت الاعتراف بأخطائها، المتجلّية في مختلف مواقفها وأفعالها المثيرة للجدل، وفي مقدمتها موقفها من شرعية التغيير السياسي الذي جرى عام 2014. ولا يزال هذا الملف موضع جدل سياسي وتاريخي حادّ. يبدو عدم الاعتراف بهذه الأخطاء ضرباً من المسؤولية، بل قد يرقى إلى درجة التواطؤ. إذ يبدو أن كل شيء كان مدبَّراً ومقصوداً. وحتى اليوم، يتعمّد المدافعون عن فكرة اجتثاث روسيا - والتعبير ليس مبالغةً - التكتّم على ذلك، فضلاً عن أن الجهر به في الغرب اليوم يُعرّض صاحبه لتهمة الموالاة لروسيا. فهل هكذا تُرسَّخ القيم الغربية؟ وهل هكذا يُقوَّد الشعوب المستنيرة إلى فهم الشؤون العالمية وتحديداً الأوروبية منها، وإدراك رهاناتها الكبرى؟ دون إبطاء، وتحت تأثير «الأجهزة» الرسمية وجماعات الضغط المعادية لروسيا، ولا سيما تلك المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي، انحازت الشعوب الغربية إلى جانب أوكرانيا وتبنّت قضيتها. ومن المثير للاهتمام في هذا الصدد أن نتذكر أنه قبل عام 2022، كانت وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية قد أجرت استطلاعات في الشارع كشفت أن كثيراً من الناس كانوا يجهلون موقع أوكرانيا على الخريطة. وثمة دراسات أقدم عهداً حول الثقافة الجغرافية أظهرت أن شريحة لا يُستهان بها من سكان عدة دول غربية كانت تعاني من صعوبة في تحديد مواقع بعض دول أوروبا الشرقية على الخريطة، ومنها أوكرانيا. في أعقاب الغزو الروسي، انصبّ اهتمام الاستطلاعات العلمية على قياس مدى التأييد الشعبي لدعم أوكرانيا، والموقف من العقوبات المفروضة على روسيا، وتسليم الأسلحة، واستقبال اللاجئين، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بالنزاع. غير أن هذه الاستطلاعات لم تتطرق إلى الجغرافيا، ولا إلى الأسباب الحقيقية وراء هذا الغزو. وهذا في حد ذاته مدعاة للريبة، إذ يوحي بأن المسؤولين السياسيين الغربيين يسعون إلى «إسقاط» روسيا مع التعتيم على نواياهم الأصلية، وهي ضم أوكرانيا إلى أوروبا بأي ثمن، وفي مقدمة ذلك إلحاقها بحلف الناتو. كان على الولايات المتحدة أن تعلم، أو كان ينبغي لها أن تعلم، أن ذلك يُمثّل في نظر الروس سبباً كافياً للحرب. فمنذ استقلال دول البلطيق (1989-1991)، ثم إبان الأحداث التي شهدتها جورجيا والتي انتهت في 2008 باعتراف روسيا بأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا دولتين مستقلتين، كان الروس قد أبدوا رغبة صريحة في وجود دول عازلة تحميهم من الغرب. فهل أن «القيم الغربية» التي كثيراً ما يُشار إليها دون توضيح حقيقي، ما هي إلا رغبة في الانتقام؟ معاقبةً لروسيا الوريثة للاتحاد السوفيتي؟ إن هذا لا يُشكّل رؤية للمستقبل بأي حال. خاضت كثير من الدول الأوروبية حروباً طاحنة وأزهقت أرواح لا تُحصى في ميادين قتال متعددة. فكيف تمكنت رغم ذلك من صنع السلام وإن بصعوبة؟ هل كان شعار بوريس جونسون «يجب استئصال الروس»؟ يبدو أن الأمر كذلك، إذ أبدى جونسون في تلك المرحلة حقداً على الروس عامةً، لا على بوتين وحده. ومع ذلك، فقد جرى التفكير في التقارب بين روسيا وأوروبا في مرحلتين: الأولى عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، حين سعى الرئيس يلتسين إلى بناء علاقات وثيقة مع الدول الغربية، وكان بعض المسؤولين الأوروبيين والروس يتحدثون عن إمكانية تحقيق تكامل أعمق على المدى البعيد جداً. ثم في مطلع الألفية الثالثة، في عهد فلاديمير بوتين، حين اتسمت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بنسبة معقولة من البناء والتعاون. كانت المباحثات في تلك المرحلة الثانية تدور حول شراكة استراتيجية، لا حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد ظلت روسيا عضواً في مجلس أوروبا - وهو هيئة مستقلة عن الاتحاد الأوروبي - من 1996 حتى 2022، قبل أن تُطرد منه إثر غزو أوكرانيا. فلماذا لم يُسعَ بين عامَي 1996 و2020 إلى منحها صفة دولة مشاركة، على غرار ما كان يمكن أن يحدث مع تركيا أو المغرب؟ وأين كنا سنقف اليوم، لا سيما في ضوء التنافس القائم فعلاً بين الصين والغرب؟

صراع كل التناقضات
بقلم
ميشال توما
نُشر
يوليو 11, 2026 - 23:46

سيبقى الصراع الطويل والمستمر، الذي أشعلته الانحرافات المتواصلة للنظام الإيراني، على الأرجح في سجلّ التاريخ بوصفه صراع الخطب الرنانة والاستعراضات الكلامية التي يلجأ إليها أطرافه لإقامة ستار كثيف من الدخان يخفي بصعوبة إخفاقاتهم الداخلية، ويخفي قبل كل شيء حالة مذهلة من التناقضات العامة. وتتجلى هذه التناقضات يومًا بعد يوم في وقائع تتعارض كليًا مع الخطابات الحربية وغير العقلانية التي يطلقها كل طرف. فعلى سبيل المثال، اختار المسؤولون الإيرانيون السير في طريق التوصل إلى اتفاق دائم ذي طابع استراتيجي مع الولايات المتحدة. لكنهم، في الوقت نفسه، يواصلون وصف الولايات المتحدة بأنها "العدو" و"الشيطان الأكبر" الذي ينبغي القضاء عليه والثأر منه "حتماً"، عاجلًا أم آجلًا، مهما كانت الظروف، وفق ما جاء في بيان نُسب مساء السبت إلى المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، الغامض والمتواري عن الأنظار، والذي لا يزال من غير المعروف ما إذا كان على قيد الحياة أصلًا، وإن كان كذلك، فهل يتمتع فعلًا بكامل قدراته الذهنية، أم أن حضوره الافتراضي يُبقيه الحكام الجدد في طهران حاضرًا في الأذهان لينسبوا إليه القرارات والمواقف تبعًا لتطور الأحداث وتبدّل موازين القوى داخل ما تبقى من الجمهورية الإسلامية. ولإكمال المشهد، تجدر الإشارة إلى أن كبار المسؤولين الإيرانيين وقعوا بالفعل مع واشنطن خارطة طريق تنص على إجراء مفاوضات تمتد على ستين يومًا، لكنهم لا يفوتون أي فرصة للتأكيد أنهم لا يثقون بالولايات المتحدة، وأنهم لن يقبلوا ببدء المفاوضات إلا إذا "غيّرت الإدارة الأميركية سلوكها"، و"أوقفت تهديداتها"، و"احترمت بنود مذكرة التفاهم". غير أن هذا الرفض للمفاوضات لم يمنع استئناف الحوار الثنائي المباشر ــ مهما بلغت درجة التناقض ــ عبر اجتماع للخبراء الأميركيين والإيرانيين، كان مقررًا عقده يوم الأحد 12 تموز في باكستان. وقد بلغت اللهجة العدائية، بل والمهينة أحيانًا، التي يعتمدها أركان الجمهورية الإسلامية تجاه الولايات المتحدة، رغم أن أي مفاوضات سلام يفترض أن تجري في أجواء هادئة، ذروتها منتصف الأسبوع، عندما "نصح" المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة السفير الأميركي، خلال جلسة لمجلس الأمن، بأن يكون "مهذبًا"، مضيفًا أن ذلك "سيكون أفضل له ولبلاده"! التناقض الأميركي لكن التناقض لا يقتصر على الجانب الإيراني وحده. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منتصف الأسبوع الماضي، أن المفاوضات مع المسؤولين الإيرانيين، الذين وصفهم بأنهم "مرضى"، "لا جدوى منها وتمثل مضيعة للوقت"، مؤكدًا في الوقت نفسه أن مذكرة التفاهم مع إيران "أصبحت لاغية". ومع ذلك، أعطى الضوء الأخضر لاستئناف المحادثات، مؤكدًا أن الإيرانيين طلبوا صراحة إعادة إطلاق المفاوضات، وأنه وافق على طلبهم، لكنه أبلغ الجمهورية الإسلامية في الوقت نفسه أن وقف إطلاق النار أصبح من الماضي. وسارع المسؤولون الإيرانيون إلى الرد، السبت، مؤكدين أنهم لم يطلبوا إطلاقًا استئناف المفاوضات، وأن ما يُتداول بهذا الشأن ليس سوى "ادعاءات" تنقلها "وسائل إعلام مقربة من إسرائيل". وأضافوا أن إيران ترفض استئناف الحوار مع المفاوضين الأميركيين ما لم تتراجع إدارة ترامب عن "مواقفها العدائية"، وما لم يتم تشكيل اللجنة الأميركية–اللبنانية–الإيرانية المكلفة معالجة ملف جنوب لبنان، وفقًا للاتفاق الذي تم التوصل إليه مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في إطار مذكرة التفاهم، في إشارة واضحة إلى أن إيران تعود للمطالبة بإعادة الإمساك بالورقة اللبنانية، متجاهلة السياسة التي تعتمدها الدولة اللبنانية في هذا الملف. كما برزت تناقضات مواقف الأطراف السبت أيضًا في ملف مضيق هرمز. فقد وجهت إدارة ترامب إلى طهران إنذارًا نهائيًا طالبتها فيه بنشر وثيقة رسمية تعترف بأن الهجمات الإيرانية، التي استهدفت مطلع الأسبوع ثلاثة سفن في مضيق هرمز، كانت خطأ. كما طالبت الجمهورية الإسلامية بأن تتعهد علنًا وخطيًا بعدم تكرار أي اعتداءات على ناقلات النفط التي تعبر هذا الممر البحري. وردت السلطات الإيرانية على الإنذار الأميركي بالقول إن الهجمات التي استهدفت السفن الثلاث كانت "خطأً تقنيًا"، رغم أن الاعتداءات استمرت على مدى أربع وعشرين ساعة. والمفارقة أن هذا التفسير "التقني"، الذي ينفي وجود أي قرار سياسي متعمد، اعتبره بعض المسؤولين الأميركيين تفسيرًا مقبولًا بكل بساطة. أما بالنسبة إلى البيان المتعلق بالتعهد بوقف الاعتداءات على السفن، فقد التفّت إيران عليه بإيفاد وزير خارجيتها، السبت، إلى سلطنة عُمان لإقناع السلطنة بإصدار بيان مشترك يؤكد ضرورة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، بما يسمح للجمهورية الإسلامية بتجنب إعطاء الانطباع بأنها رضخت للإملاءات الأميركية في هذا الشأن. ويبقى السؤال: هل ستنخرط إدارة ترامب، هي الأخرى، في هذه اللعبة الإيرانية؟ اجتماع عسكري لبناني–أميركي على الصعيد اللبناني، زار وفد عسكري أميركي، السبت، اليرزة، حيث عقد اجتماعًا مع قائد الجيش وكبار الضباط لوضع التفاصيل النهائية الخاصة بإقامة المناطق التجريبية التي ستتولى مسؤوليتها القوات المسلحة اللبنانية، وفقًا للاتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل. ومن المتوقع أن تبدأ الخطوات التنفيذية الأولى لهذا المسار خلال الأيام القليلة المقبلة. وفي هذا السياق، أعلن الجانب اللبناني رسميًا مساء السبت أن لبنان سيشارك في الجولة الجديدة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، المقررة هذه المرة في روما يومي 15 و16 تموز، برعاية وإشراف أميركي. وكان لبنان قد اشترط للمشاركة في هذه الجولة أن يبدأ فعليًا تنفيذ عملية إقامة المناطق العازلة، بما يتضمن انطلاق انسحاب إسرائيلي أولي، وهو ما بدا أنه تحقق مساء السبت.

الحرب والمعرفة الجغرافية المرة
بقلم
منى فياض
نُشر
يوليو 11, 2026 - 21:08

في الحياة العادية نعيش ما يسميه الأنتروبولوجيون المكان "milieu" فضاء مشحون بالذاكرة والعلاقات: البيت، الساحة، الدكان، الجامع او الكنيسة، والطريق الى المدرسة. في الحرب يتحول المكان إلى فضاء: يُقاس ويُدار: مدى، زاوية رؤية، خط إمداد. هذا انتقال من المعنى إلى الوظيفة، من السكن إلى الحساب والتعداد. كأن الأرض تُنزع منها قصتها وتُعاد كتابتها بلغة عسكرية. الحرب تكسر الانتماء. يبنى الانتماء عادةً عبر الاستقرار والتكرار الروتيني: نفس الطريق، نفس الوجوه ونفس العادات. حين يصبح المكان مهدداً، يتبدّل الانتماء إلى حالة قلق: تنتمي إلى مكان قد تضطر لمغادرته في أي لحظة. هنا يظهر شكل من "الانتماء المؤقت" - تحب المكان لكنك لا تثق بإمكانية البقاء فيه. هذه مفارقة تُحدث شرخاً داخلياً دائماً. كذلك الجسد، فذلك المُنساب والمترسخ في المكان، في زمن السلم، دون تفكير، فإنه يتعلم في زمن الحرب: أن ينحني ان يدخل عالم الحسابات: يختبئ، يقدّر المسافات، يقرأ الأصوات، يتلفت حوله ويتحرك. تصبح الحواس جهاز إنذار. الأرض تُفهم وتقدّر عبر الخطر: أين تختبئ؟ أين تمرّ؟ أي طريق أقل انكشافاً؟ أي توقيت؟ هذه "معرفة جسدية" تُعيد تشكيل علاقتنا بالعالم على مستوى لاواعي. ليس المكان وحده الذي يتبدّل؛ الزمن أيضاً. في الحرب، الزمن يتكثف: لحظات قصيرة تحمل قرارات حياة أو موت. ينتقل الإنسان من زمن ممتد (ماضٍ–حاضر–مستقبل) إلى حاضر ضاغط. هذا ما يُضعف القدرة على التخطيط ويقوّي رد الفعل. الأرض لم تعد مسرحاً لحياة تُبنى، بل لحظات تُدار. تحوّل الحروب البشر الى أرقام. فلسفياً، هذا جزء من "عقلنة" الحرب: تحويل البشر إلى وحدات قابلة للحساب. هنا يحدث اغتراب مزدوج: عن الذات (أنا لست مجرد رقم)، عن الأرض أيضاً (التي لم تعد تعترف بقصتي بل بموقعي). كل هذا يهدد فكرة الكرامة المرتبطة بالاسم والسيرة. لا تعود الأرض محايدة بعد الحرب. كل تلة أو جسر يحمل أثراً: خسارة، خوف، نجاة. الذاكرة تُلصق بالمكان وتُعيد إنتاجه. لذلك لا تكون العودة بعد الحرب عودة إلى "نفس" المكان، بل إلى مكان مُعاد شكله وتعريفه. وهذا يفسر لماذا قد يشعر الناس بالغربة في قراهم نفسها. والأرض نفسها تُقرأ بعيون مختلفة بعدما تم التعامل معها: كموقع دفاع، ومنصة رصد، بيت غير آمن، أو طريق هروب. توجِد الحرب جغرافيات متراكبة بدل جغرافيا واحدة. هذا التعدد يخلق صراعاً على المعنى، وليس فقط على السيطرة. من يملك الأرض؟ ليس فقط من يسيطر عليها، بل من يفرض تفسيرها. بالتالي نجد ان هذه الحرب كشفت لنا عن جغرافية جديدة للبنان لم نكن نعرفها. القرى اصبحت مواقع عسكرية والطرق ممرات للهروب من جحيم الحرب، والأنهر حيطان، الجسور تهدم لقطع التواصل، والهضاب تصبح اماكن مطلة لرصد العدو، يستميتون لاحتلالها للكشف والمراقبة!! البشر تحولوا ارقاماً تحصى مقتولة او مفقودة او مهجرة او متسولة.. السيارات تحولت بيوتاً، والبيوت هدمت... تعرفنا على قرى وطرق وتلال ووديان ووهاد وعرة، تمنع التقدم او تسهّله… لم نكن نعرف بلدنا بهذه الصورة. لم نعد بشراً لنا تاريخ وذكريات ومهنة، صرنا أهدافاً للطائرات والصواريخ والمسيرات... وساحة قتال لعدو يستسهل احتلالنا والاعتداء علينا، ليقاتل مرتزقة وجنود بلد غازٍ ( بواسطة ضباطه مباشرة وبواسطة حزبه الذي يعرّف نفسه كجندي ايراني)، تستغلنا ايران للوصول الى البحر المتوسط (حلمها منذ قورش) والتي تعود عنه خائبة في كل مرة...يدهشني ذلك كله وأقف متأملة أمام هذه المعرفة المرّة والمفارقة ...المعرفة الكئيبة والمؤلمة. الحروب لا تغيّر السياسة فقط، بل تعيد رسم الجغرافيا في عيون الناس. المكان نفسه يبقى، لكن معناه ينقلب. القرية التي كانت حياةً وعلاقات، تصبح موقعاً؛ الطريق الذي كان وصلاً، يصير احتمال نجاة؛ والجسر الذي كان يختصر المسافة، يتحول إلى هدف. هذه ليست مجرد "معرفة جديدة"، بل هي تشويه لعلاقة الانسان بمكانه. الجغرافيا في زمن السلم تُعاش، وفي زمن الحرب تُقاس: مسافة قصف، مدى رؤية، خط إمداد، أو طريق هروب. حتى اللغة تتبدّل: بدل أن نقول "بيت"، نقول "نقطة"، وبدل "وادي" نقول "ممر"، وبدل "تلة" نقول "موقع". والأقسى أن الإنسان نفسه يُختزل. ليس فقط إلى رقم، بل إلى فئة: قتيل، مفقود، نازح، أو منتظر للمساعدة. هذه عملية تجريد قاسية، لكنها جزء من منطق الحرب الذي يحتاج إلى الاحصاء والتبسيط ليستمر. هنا تحديداً يبدأ الألم العميق: حين يشعر الإنسان أنه فقد فردانيته، وصار مجرد "حالة".

أي مسافة ينبغي أن تفصلنا عن سوريا؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
يوليو 11, 2026 - 10:06

هل يمكن أن تكون لنا مع سوريا علاقات هادئة ومتوازنة وقائمة على الاحترام المتبادل؟ يصعب تصديق ذلك، ما دامت علاقاتنا معها قد ظلت، على الدوام، محكومة بالعداء والريبة والتهديد الذي كثيرًا ما تحوّل إلى واقع. وعلى امتداد تاريخنا المشترك، لم ينجُ لبنان من أي إساءة أو إهانة، أيًّا يكن النظام الذي كان يحكم دمشق. ولنأخذ مثالًا ما عاشه بلدنا الصغير ابتداءً من آب/أغسطس1948، حين قرر خالد العظم*، رئيس مجلس الوزراء السوري آنذاك، فرض «مراقبة الواردات والحظر على الصادرات المتجهة إلى لبنان». ولا تزال صورة هذا الرجل، في الذاكرة الجماعية لجيل آبائنا، مقترنة بإغلاق الحدود السورية ـ اللبنانية، وهو قرار أملاه مزيج من الدوافع السياسية والنزعة الحمائية Protectionnisme.لقد كان ذلك خنقًا للاقتصاد اللبناني وفرضًا للإملاءات السورية عليه. فمنذ ذلك الحين، كان لبنان ضحيةً مفضلةً لسلطات دمشق، وذلك قبل زمن طويل من اتخاذ عبد الحليم خدام منه كبش فداء! لم تستسغ الأوساط الدمشقية يومًا خصوصية لبنان، وإن اضطرت أحيانًا إلى التظاهر بقبولها. فجيراننا، وهم في الوقت نفسه أشقاؤنا السوريون، يكنّون للبنان ما يُعرف بـ«المشاعر المختلطة»: خليطًا من الإعجاب والمرارة، من الانبهار والضغينة. وهذه الازدواجية ما انفكت تسمم العلاقات بين البلدين، بفعل الجغرافيا والقرب اللذين لا مهرب منهما. أما لبنان، فلم يكن هو الآخر دائمًا فوق الشبهات. فمن أراضيه، التي تمتعت بدرجات متفاوتة من الإنعزال، كانت تُحاك المؤامرات ضد الأنظمة القائمة في عاصمة الأمويين، سواء كانت تلك الأنظمة شرعية أم جاءت إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية. وقد دفع ذلك بعض المراقبين إلى القول إن مسؤولية توتّر العلاقات كانت مشتركة بين الطرفين. ثقل التاريخ وإكراهات الجغرافيا هل كان بإمكاننا، ونحن أسرى تراكمات طويلة من الأحكام المسبقة، أن نقيم علاقات هادئة مع دمشق؟ لقد كان غسان تويني، الذي راودته في مرحلة من حياته فكرة «سوريا الكبرى» قبل أن يتراجع عنها، قد انتهى إلى صيغة توفيقية مفادها أن لبنان لا ينبغي أن يُحكم ضد سوريا، لكنه في المقابل لا ينبغي أن يُحكم من قبل سوريا. وعليه، عندما يطمئننا المسؤولون السوريون إلى حسن نياتهم، فلا يسعنا إلا الترحيب بذلك. غير أننا سنكون مخطئين إذا تجاهلنا حقيقة أن الجغرافيا، قد وضعت سوريا ولبنان في وضع بالغ التعقيد، وربما مستعصٍ على الحل. فمن الناحية التاريخية، يكاد يستحيل أن يستقر حكم في دمشق من دون أن تتجه أنظاره إلى بيروت، ومن دون أن يسعى إلى تطويع هذه المدينة النابضة بالحياة الاقتصادية والثقافية. ومن هنا نتمنى أن تتصالح سوريا مع فكرة أن لبنان ليس مجرد جزء من أرض اقتُطع منها عام 1920 بإرادة الجنرال الفرنسي هنري غورو. وحتى لو افترضنا جدلًا أن الأمر كان كذلك، فإن قرنًا كاملًا قد انقضى منذ ذلك التاريخ، وجرت مياه كثيرة تحت الجسور، ومن الصعب اليوم العثور على لبنانيين يطالبون، عند الاقتضاء، بـ«أنشلوس» أو ضمّ إلى العمق السوري. أما يكفي ما تقاسمناه في السرير نفسه؟ منذ آذار/مارس 1950، كان «الطلاق الاقتصادي» بين سوريا ولبنان قد أصبح واقعًا. وفرضت دمشق، عقابًا للبنان، حصارًا على الحدود. فقد رفض لبنان مشروع الاندماج الاقتصادي الذي عُرض عليه، لأن النهج الحمائي لم يكن يتوافق مع خياره الاقتصادي الليبرالي المتطرف. ومنذ ذلك الحين، أصبح البلدان ينتميان إلى نظامين اقتصاديين متعارضين: اشتراكية على الطريقة الناصرية، ثم البعثية، إقترنت بموجات التأميم في ستينيات القرن الماضي لتعمّق الهوة بينهما. ومنذئذٍ، لم يعد بالإمكان إعادة بناء «المصالح المشتركة»، ذلك الإرث الذي خلّفه عهد الانتداب الفرنسي. ولعل هذا ما يفسر هواجس فارس سعيد، الذي تساءل مؤخرًا عن الجدوى من إنشاء لجنة عليا مشتركة لبنانية ـ سورية، في وقت تقوم فيه العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على تبادل السفراء. فمثل هذه اللجنة لن تذكّرنا إلا بالمجلس الأعلى اللبناني ـ السوري، أي بتلك المرحلة السوداء التي خضع فيها لبنان لهيمنة نظام حافظ الأسد المنتصر. وإذا كان لا بد من طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مع الجارة الكبرى، فمن العبث أن ندخل الذئب إلى حظيرة الغنم تحت ستار لجنة مشتركة، اقتصادية كانت أم غير ذلك. * ومن المفارقات الجديرة بالتذكير أن خالد العظم نفسه كان سعيدًا بالفرار من حكم العسكريين الذين استولوا على السلطة في دمشق. فقد لجأ إلى بيروت، وأبدى في مذكراته إستحساناً كبيرًا بالحرية التي كان يتمتع بها اللبنانيون، والتي استطاع هو، الهارب من بلاده، أن ينعم بها أيضًا. ولم يكن الوحيد من المنفيين السوريين الذين خاصموا لبنان في مرحلة من المراحل، وهاجموا «استقلاله الذي لا يُطاق»، ثم انتهى بهم الأمر إلى الإقامة فيه. ويخطر ببالي في هذا السياق شكري القوتلي، وغسان جديد، وأكرم الحوراني، ومحمد عمران، وغيرهم كثيرون.

هل تبدأ مرحلة جديدة في الشرق الأوسط؟
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
يوليو 11, 2026 - 01:05

في لحظات التحول الكبرى، لا تكون الدول دائماً صانعة الأحداث، لكنها قد تجد نفسها في موقع يسمح لها بإعادة تعريف دورها. ولبنان، الذي كان لعقود طويلة مسرحاً لتجاذب النفوذ الإقليمي والدولي، قد يكون اليوم أمام فرصة نادرة للانتقال من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع المساهم في صياغة مرحلة جديدة. تأتي هذه اللحظة في ظل تغيرات عميقة في المشهد الشرق أوسطي، حيث تعيد القوى الكبرى والإقليمية تقييم حساباتها بعد سنوات من الصراعات المفتوحة. ومن بين أبرز الأسئلة المطروحة: هل يمكن أن يؤدي تعثر مسار التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران إلى إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يصبح تعزيز الدولة اللبنانية جزءاً من مقاربة إقليمية أوسع؟ هذه الفرضية لا تعني أن لبنان سيصبح فجأة محور السياسة الدولية، لكنها تشير إلى تحول محتمل في طريقة النظر إليه. فبدلاً من التعامل معه فقط كملف أمني مرتبط بالتوترات الإقليمية، قد يُنظر إليه كعنصر أساسي في بناء توازن جديد يقوم على تقوية مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار. خلال السنوات الماضية، شهد النفوذ الإيراني في المنطقة تحديات متزايدة. فقد تغيرت المعادلة في سوريا، وتراجعت قدرة بعض الحلفاء الإقليميين على العمل كما في السابق، كما برزت داخل العراق توجهات تؤكد أهمية القرار الوطني المتوازن. هذه التحولات لا تعني نهاية النفوذ الإيراني، لكنها تشير إلى بيئة إقليمية أكثر تعقيداً وأقل قدرة على إنتاج نموذج النفوذ الذي ساد في العقد الماضي. في هذا السياق، تبرز أهمية لبنان. فوجود دولة لبنانية قادرة على ممارسة سيادتها الكاملة، وتعزيز دور مؤسساتها العسكرية والأمنية، وإدارة حدودها، يشكل مصلحة مشتركة لعدد من الأطراف. بالنسبة للبنان، هذا المسار يتعلق أولاً باستعادة مفهوم الدولة ووحدة القرار الوطني. وبالنسبة للمجتمع الدولي، فهو يمثل نموذجاً مختلفاً عن إدارة الأزمات عبر القوى غير الحكومية. وقد يكون أحد أبرز التحولات المحتملة أن تنتقل المقاربة الدولية تجاه لبنان من التركيز على منع الانهيار إلى دعم بناء الدولة. وهذا يتطلب رؤية طويلة الأمد تتجاوز المساعدات الطارئة نحو الاستثمار في المؤسسات، الاقتصاد، الأمن، والحكم الرشيد. من هنا يمكن فهم التقاطع المحتمل بين مصالح الولايات المتحدة ولبنان، وكذلك بين واشنطن وتل أبيب. فالولايات المتحدة لطالما سعت إلى الحد من نفوذ إيران في المنطقة، بينما تبحث إسرائيل عن ترتيبات أمنية تضمن استقرار حدودها على المدى الطويل. وفي المقابل، يحتاج لبنان إلى بيئة إقليمية تسمح له بتثبيت سيادته واستعادة دوره الطبيعي. هذا التقاطع لا يعني بالضرورة قيام تحالفات رسمية جديدة، ولا يعني أن مصالح جميع الأطراف متطابقة، لكنه يفتح المجال أمام مقاربة تقوم على فكرة بسيطة: أن الدولة القوية تشكل أساس الاستقرار، وأن المؤسسات الوطنية القادرة قد تكون أفضل ضمانة للأمن الإقليمي من استمرار منطق المواجهة. ويبقى العامل اللبناني هو الحاسم. فلا يمكن لأي دعم خارجي أن ينجح إذا لم يترافق مع قرار داخلي واضح بتعزيز مؤسسات الدولة وتكريس مرجعيتها. فالسيادة ليست فقط مطلباً دولياً، بل هي قبل كل شيء خيار وطني يحتاج إلى توافق سياسي واسع. في هذا الإطار، تكتسب زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز أهمية خاصة. فمثل هذه اللقاءات لا تُقاس فقط بالرمزية السياسية، بل بقدرتها على إطلاق مسار عملي. فإذا نتج عنها تعاون أكبر في مجالات دعم الجيش، تعزيز المؤسسات، تشجيع الاستثمار، وتثبيت الاستقرار، فقد تشكل خطوة في اتجاه إعادة تعريف موقع لبنان في المنطقة. لكن التحولات التاريخية لا تُصنع في يوم واحد. فحتى لو حمل اللقاء إشارات إيجابية، فإن نجاح أي مسار جديد يتطلب التزاماً مستداماً من جميع الأطراف، داخلياً وخارجياً. المطلوب ليس فقط إعلان النوايا، بل بناء آليات تنفيذ واضحة تحمي لبنان من العودة إلى دوامة الأزمات. أما على المستوى الإقليمي، فإن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران سيبقى عاملاً مؤثراً. فإذا فشل الطرفان في الوصول إلى تفاهمات تحد من التوتر، فقد تتجه واشنطن أكثر نحو بناء شراكات مع الدول والمؤسسات القادرة على تحقيق الاستقرار. وفي هذه الحالة، قد يصبح لبنان جزءاً من استراتيجية تقوم على تقوية الدولة بدلاً من إدارة الصراعات عبر ساحات النفوذ. المفارقة أن لبنان، الذي دفع ثمناً باهظاً بسبب موقعه الجغرافي والسياسي، قد يجد نفسه أمام فرصة لتحويل هذا الموقع إلى مصدر قوة. فبدلاً من أن يكون نقطة التقاء للأزمات، يمكن أن يصبح نقطة التقاء للمصالح: بين العالم العربي والمجتمع الدولي، بين الاستقرار والتنمية، وبين الأمن والسيادة. إن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة اللبنانيين على اغتنام هذه الفرصة. فالدعم الدولي، مهما كان مهماً، لا يمكن أن يحل مكان القرار الوطني. وفي المقابل، فإن القرار الوطني يحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية تساعده على النجاح. قد لا يكون 21 تموز تاريخاً فاصلاً بحد ذاته، لكنه قد يكون محطة تشير إلى بداية نقاش مختلف حول لبنان ودوره. فإذا ترافقت الدبلوماسية مع خطوات عملية، فقد نشهد بداية انتقال لبنان من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة. وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل لبنان لن تحدده فقط صراعات القوى الكبرى، بل قدرة اللبنانيين على تحويل المتغيرات الإقليمية إلى مشروع وطني يعيد للدولة مكانتها ودورها.

ماكرون في دمشق يكرّس عودة سوريا ما بعد الأسد إلى الشرعية الدولية

اتّسمت الزيارة التي بدأها الرئيس إيمانويل ماكرون مساء الاثنين إلى دمشق، برفقة وفد وزاري كبير ورؤساء كبرى الشركات الفرنسية، بأهمية خاصة في السياق الراهن، تتجاوز بكثير البعد التقليدي للزيارات الرسمية الروتينية؛ غير أنها شابها تطور أمني خطير... على المستوى السياسي، كرّست محادثات ماكرون مع الرئيس السوري أحمد الشرع عودة سوريا ما بعد الأسد إلى كنف المجتمع الدولي. عودة سياسية واقتصادية في آن. وأعلن الرئيسان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعدما كانت قد قُطعت على خلفية المجازر التي ارتكبها النظام البعثي بحق السكان خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011. ولا يمكن، من جهة أخرى، إغفال البعد الاقتصادي لهذه الزيارة، لا سيما أنها تعكس تقاطعاً واضحاً في المصالح بين البلدين. ففرنسا تتموضع، عملياً، في موقع متقدم ضمن عملية إعادة الإعمار والتنمية الهائلة التي تحتاج إليها سوريا اليوم بصورة ملحّة بعد عقود من النهج التوجيهي المدمّر. وقد أظهر الرئيس الشرع أنه يدرك ذلك تماماً، داعياً إلى «شراكة اقتصادية مع فرنسا» يراها تمهيداً أو نموذجاً لشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الإطار، شدد الرئيسان على ضرورة أن تعود سوريا «مركزاً للطاقة» في ضوء الظروف الدولية الراهنة. وعلى حسابه الشخصي على منصة «إكس»، لخّص الرئيس ماكرون جوهر زيارته بالقول: «شراكة جديدة بين سوريا وفرنسا، من أجل عهد جديد». إن عودة سوريا هذه إلى كنف الأمم، تحت عنوان تنمية اجتماعية واقتصادية ضرورية، وخصوصاً إقامة دولة مركزية تكون نقيضاً لحكم الميليشيات التابعة لقوة إقليمية مهيمنة، لا تبدو أنها تروق كثيراً لمن يسعون إلى إبقاء منطقة المشرق برمتها في حالة من عدم الاستقرار المزمن والحرب الدائمة، بلا نهاية ولا أفق. وقد تُرجمت إرادة التخريب هذه بتفجيرين مزدوجين بعبوات ناسفة على مقربة مباشرة من مقر إقامة الرئيس ماكرون. وكان سيد الإليزيه قد غادر المنطقة متوجهاً إلى القصر الرئاسي السوري، حيث كان الرئيس الشرع في انتظاره، قبل ربع ساعة من وقوع الانفجارين. وأسفرا، وفق آخر حصيلة، عن مقتل شخص وإصابة نحو ثلاثين آخرين، بينهم أربعة ضباط من الدرك السوري ومساعد وزير السياحة. ولم يؤثر هذا الاعتداء، الذي ندّد به الرئيس جوزاف عون، المنتظر في واشنطن في 21 تموز، والمملكة العربية السعودية، بأي شكل في برنامج الوفد الفرنسي. تصعيد في هرمز هل هو محض صدفة، أم تنسيق محكم؟ لقد تزامن التفجير المزدوج في دمشق مع استئناف الهجمات التي يشنها الحرس الثوري الإيراني ضد السفن التي تعبر مضيق هرمز من دون الامتثال لشروط الباسداران. وقد استهدفت نيران إيرانية، يوم الثلاثاء خلال أربع وعشرين ساعة، ثلاث سفن في هذا الممر البحري، بينها ناقلة غاز قطرية وناقلة نفط سعودية. وردّت قطر بحدة، منددة بعبارات شديدة بما وصفته بأنه «عدوان إيراني غير مقبول»، وداعية الجمهورية الإسلامية إلى وقف أعمالها «العدوانية التي تعرّض الأمن في الخليج للخطر» فوراً. واستدعت وزارة الخارجية القطرية القائم بالأعمال الإيراني للاحتجاج على الهجوم الذي استهدف ناقلة الغاز، والتي قد تكون معرضة للانفجار نتيجة هذا الاعتداء، بحسب بعض المعلومات. وفي وقت متأخر من المساء، وصفت وزارة الخارجية الإيرانية ردّ قطر بأنه «محير» و«مخالف لمبدأ حسن الجوار»! ومن جانبه، شدد مسؤول أميركي رفيع على أن إيران انتهكت بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، مشيراً إلى أن الحرس الثوري هاجم، مساء الثلاثاء، سفينة تجارية ثالثة. وأوضح المسؤول نفسه، في هذا الإطار، أن القوات الأميركية أسقطت عدة طائرات مسيّرة إيرانية فوق مضيق هرمز. ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن، رداً على انتهاك مذكرة التفاهم، غارات جوية ضد مواقع وبنى تحتية عسكرية إيرانية، وما سيكون حجم هذه الغارات ونطاقها... وفي وقت متأخر من المساء، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي قوله إن «الولايات المتحدة لا تقبل بأي شكل من الأشكال سلوك إيران في مضيق هرمز، وسيكون لذلك عواقب»... وهي عواقب أُعلنت بطبيعة الحال بعد قليل: فقد أعلنت وزارة الخزانة إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على النفط الإيراني، وحوالى منتصف الليل بتوقيت المشرق، أعلنت القيادة المركزية الأميركية، «سنتكوم»، أنها شنت «ضربات قوية» ضد الجمهورية الإسلامية رداً على الهجمات التي استهدفت سفناً في مضيق هرمز. وتجدر الإشارة، في هذا السياق من التوتر المتصاعد، إلى أن تطورين آخرين عكسا خلال الأيام الأخيرة مناخ التصعيد الذي يبدو أن الباسداران والجناح المتشدد في النظام الإيراني يريدان الانخراط فيه: استئناف الميليشيا اليمنية الموالية لإيران، أي الحوثيين، موقفها العدائي تجاه المملكة العربية السعودية؛ والعداء الحاد، المرفق بعبارات مهينة، الذي أبداه علناً متظاهرون خلال جنازة علي خامنئي تجاه الرئيس ووزير الخارجية الإيرانيين، متهمين إياهما بتبني مواقف مفرطة في المرونة حيال الولايات المتحدة. ويُظهر التيار المسمى متشدداً داخل النظام، بشكل متزايد وواضح، مواقف متقدمة في المواجهة الجارية مع إدارة ترامب. فهل يعكس سلوكه رغبة في نسف مشروع الاتفاق مع واشنطن؟ وفي المقابل، هل سيواصل سيد البيت الأبيض المناورة والرغبة في إعطاء الأولوية للمسار «الدبلوماسي»، على الرغم من التصعيد الذي ينخرط فيه الباسداران، والموقف المتعجرف في كثير من الأحيان، إلى حد الوقاحة، حيال الولايات المتحدة وقادتها؟

مئتان وخمسون عامًا من ارتباط العالم بالفكرة الأميركية
بقلم
يقظان التقي
نُشر
يوليو 7, 2026 - 20:04

في غضون قرنين ونصف القرن، حققت الولايات المتحدة أشياء مذهلة، ما لم تحققه دولة أخرى في التاريخ الحديث. فقد انتقلت من مستعمرة هامشية على أطراف الإمبراطورية البريطانية إلى القوة الاقتصادية والعسكرية والثقافية الأكثر تأثيراً في العالم. فمن الغرب الأوسط وحقول القمح والذرّة إلى صناعة السيارات، والحاسوب الشخصي، والإنترنت، وهوليوود، والتلفزيون، وموسيقى الجاز والروك، والفنون المعاصرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والوجبات السريعة والجينز الأزرق، تشكلت منظومة حضارية جعلت من "الفكرة الأميركية" نموذجاً ارتبط به العالم طوال 250 عاماً. لكن التاريخ يعلّم أن العظمة ليست قدراً دائماً. فالإمبراطوريات تصعد ثم تتراجع عندما تعجز عن تجديد أسس قوتها. واليوم تقف الولايات المتحدة أمام سؤال وجودي: هل تستطيع أن تؤسس لقرنين ونصف آخرين من الريادة، أم أنها تدخل مرحلة التراجع التي عرفتها قوى كبرى سبقتها؟ يقدم التاريخ ثلاث تجارب جديرة بالتأمل. فقد امتلكت الإمبراطورية البيزنطية ثروة هائلة وتقدماً علمياً ومستوى مرتفعاً من التعليم، لكنها أضعفت نفسها عندما أغرقت الدولة في الامتيازات للنخب ومنح إعفاءات ضريبية هائلة للأثرياء، ، فانهارت مالياً وتآكلت قدرتها على الحكم. أما إسبانيا، التي تدفقت إليها ثروات العالم الجديد، فقد أهدرت فرصة بناء اقتصاد منتج بسبب تعميق اللامساواة الاجتماعية، ولو استثمرت تلك الموارد بصورة عقلانية لربما شهدت الثورة الصناعية قبل بريطانيا. وفي المقابل، لم يكن تراجع بريطانيا انهياراً مفاجئاً، بل فقداناً تدريجياً لريادتها التكنولوجية في العصر الفيكتوري (المحرك البخاري، وآلات الغزل والنسيج، والسكك الحديدية، والتلغراف)، بعدما انتقلت مراكز الابتكار العلمي والهندسي إلى الولايات المتحدة وألمانيا. ولهذا تبدو مقولة الفيلسوف جورج سانتايانا أكثر راهنية من أي وقت مضى: "من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بتكراره". فالدرس المشترك بين هذه التجارب واضح: الدولة التي تضعف مؤسساتها، وتتسع فيها الفجوة الاجتماعية، وتتراجع جامعاتها ومراكزها العلمية، تبدأ تدريجياً بفقدان مكانتها الدولية. هذا يعني أن أمام أمريكا فرصاً أفضل بكثير لتكون مزدهرة في عيد ميلادها الخمسمائة ، إذا حلت هذه المشكلات. ورغم استمرار تفوق الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد، فإن أزمتها الحالية تبدو داخلية أكثر منها خارجية. فقد تراجعت ثقة الأميركيين بمؤسساتهم السياسية والقضائية والإعلامية، وازداد الشعور بأن النظام لم يعد يعمل لمصلحة المواطنين جميعاً. ومن هذه البيئة برز دونالد ترامب مقدماً نفسه باعتباره القادم من خارج المؤسسة السياسية والقادر على "تجفيف المستنقع"، مستفيداً من الغضب الشعبي ومن تصاعد النزعات الشعبوية. بالتوازي، يتعمق الانقسام الاجتماعي والثقافي داخل المجتمع الأميركي، على أسس عرقية ودينية واقتصادية، إلى درجة أصبح معها التوافق حول القضايا الوطنية أكثر صعوبة. صحيح أن واضعي الدستور، في أوراق الفيدرالية، صمموا النظام (1787-1788) ليستوعب التعدد والاختلاف، إلا أن ما كان يمثل ضمانة للحرية تحول تدريجياً إلى استقطاب يهدد قدرة النظام على إنتاج التوافق والاستقرار. كما لو أن فخا عملاقا قد نشأ في المجتمع. هذا يفسر لماذا أميركاعلى وشك التحول نحو اتجاه سلطوي، مجتمع ما بعد العلمية. في جوهر هذه الأزمة يقف سؤال ثقافي وأخلاقي قديم يتعلق بطبيعة الفكرة الأميركية نفسها. فمنذ نشأتها، قامت الولايات المتحدة على توتر دائم بين قيم التنوير والعقلانية من جهة، والإيمان الديني والتقاليد الأخلاقية من جهة أخرى. وقد جسّد هذا الجدل مفكران بارزان. رأى جون ديوي (الواقعية السياسية)، أن الديمقراطية يمكن أن تبني أخلاقها العامة على العقل والتعليم وكرامة الإنسان، وأن الجامعات قادرة على إعداد مواطنين مسؤولين. أما اللاهوتي رينهولد نيبور (البرغماتية)، فكان أكثر تشاؤماً، معتبراً أن الطبيعة البشرية لا تتحرر بسهولة من الأنانية والعنصرية، وأن المجتمع يحتاج دائماً إلى مرجعية أخلاقية تضبط السلطة والمصالح. ورغم اختلافهما، فقد اشترك الاثنان في الإيمان بضرورة وجود منظومة أخلاقية جامعة تحمي المجتمع وتوفر أرضية مشتركة لحل النزاعات السياسية. غير أن هذه الأرضية تعرضت للتآكل مع تصاعد الشعبوية، وتراجع التكلم عن موظفي الدولة والتفكير الأخلاقي لصالح الانفعال الإعلامي، وهيمنة النسبية الأخلاقية التي وصفها آلان بلوم في كتابه "إغلاق العقل الأميركي". وهكذا أصبحت السلطة أكثر ميلاً إلى مهاجمة الصحافة والجامعات والنخب الفكرية، بدلاً من تعزيز دورها بوصفها ركائز للنقاش الديمقراطي. ولم يعد الانقسام الأميركي يقتصر على الاختلاف السياسي، بل أصبح خلافاً حول تعريف الحقيقة نفسها. فلكل معسكر روايته الخاصة للواقع، في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات، وضعف الأحزاب التقليدية، وتصاعد نفوذ المال السياسي، وتحول تمويل الحملات الانتخابية من الأحزاب إلى المانحين والمجموعات الضاغطة، بما قلّص قدرة المؤسسات الحزبية على ضبط الحياة السياسية. ولعل من المفارقات أن التاريخ الأميركي نفسه يقدم نموذجاً مغايراً لما يجري اليوم. ففي صيف عام 1754 ارتكب الشاب جورج واشنطن أخطاء عسكرية جسيمة في معركة "جومونفيل غلين"، وأسهم تهوره في إشعال الحرب الفرنسية والهندية. إلا أن تلك الهزيمة شكلت نقطة تحول في شخصيته، إذ تعلم منها الانضباط والحذر والمرونة وضبط النفس، وهي الصفات التي أهلته لاحقاً لقيادة الدولة الجديدة. لقد أثبتت التجربة أن الفشل ليس نقيض القيادة، بل أحد شروط نضجها. أما اليوم، فيرى كثيرون أن الولايات المتحدة تواجه مساراً معاكساً، مع تراجع استقلالية المؤسسات، وإضعاف منظومة الضوابط والتوازنات، وتزايد تدخل السلطة التنفيذية في الاقتصاد والإدارة، بما يعكس نزعة قومية محافظة تعيد تعريف النيوليبرالية بما يخدم سلطة أكثر مركزية. ويتزامن ذلك مع تحولات دولية واسعة، تتسم بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وجذب رؤوس الأموال والمواهب، والتنافس على التكنولوجيا والطاقة، في عالم يتجه نحو تعددية مراكز القوة. فلم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد. فالصين رسخت مكانتها قوةً اقتصادية وتكنولوجية، والاتحاد الأوروبي يحاول الحفاظ على ثقله الاستراتيجي، فيما تسعى روسيا إلى استعادة مناطق نفوذها، وتواصل الهند صعودها كقوة دولية ناشئة. ومع هذا التحول نحو نظام عالمي أكثر تجزئة وتنافساً، لم يعد النفوذ الأميركي أمراً مسلماً به كما كان بعد الحرب العالمية الثانية. بعد مرور 250 عاماً على استقلالها، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك عناصر القوة التي تجعلها قادرة على تجديد دورها العالمي. لكن ذلك لن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بإصلاح مؤسساتها، وتقليص اللامساواة، واستعادة الثقة بالديمقراطية، وإحياء الفكرة الأميركية بوصفها مشروعاً يقوم على الخير العام ، والايمان ، وسيادة القانون . فمصير الأمم لا تحدده ثرواتها أو جيوشها فقط، بل قدرتها الدائمة على مراجعة نفسها قبل أن يعيد التاريخ كتابة نهايتها. لم يرتبط العالم بالولايات المتحدة بوصفها القوة العسكرية الأكبر فحسب، بل ارتبط، قبل ذلك، بفكرة. فمنذ إعلان الاستقلال ، لم يكن المشروع الأميركي مجرد بناء دولة جديدة، بل محاولة لإنتاج نموذج سياسي وثقافي واقتصادي أعاد تعريف الحداثة نفسها. ومن هذه الفكرة انطلقت سلسلة من التحولات التي غيّرت وجه العالم، حتى غدا النفوذ الأميركي في كثير من الأحيان أكثر حضوراً من الحدود الأميركية نفسها .والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال القوة الأولى، بل ما إذا كانت لا تزال تمتلك الشروط الأخلاقية والمؤسسية التي جعلت العالم يؤمن بسحر وجاذبية الفكرة الأميركية. ربما تكمن المشكلة الكبرى اليوم في أن هذه الأرضية تتآكل بسرعة. فقد تحولت السياسة إلى صناعة للمشاعر أكثر منها إدارة للعقل، وغدا الجدل العام أسير الشعبوية، فيما تراجعت مكانة الجامعات، والإعلام، ومؤسسات إنتاج النخبة السياسية( الأحزاب المجوفة)، بوصفها فضاءات لبناء الحقيقة المشتركة. ولم يعد الخلاف بين الأميركيين يدور حول أفضل السياسات، بل حول تعريف الواقع نفسه، وهو أخطر أشكال الانقسام التي يمكن أن تواجهها الديمقراطيات.

فيا حزب الله، أين انتصارك؟ وأين شوكتك؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
يوليو 4, 2026 - 13:17

ندى حمادة معوّض، كيف استطعتِ أن تحظي بكل هذا القدر من الكراهية في أوساط نعيم قاسم، في الضاحية الجنوبية كما في سائر المناطق؟ ألم تكوني تعلمين أن توقيعك في واشنطن بتاريخ السادس والعشرين من حزيران الماضي كان سيُشعل تظاهرات في أكثر من منطقة لبنانية، إلى حدّ اضطر معه الجيش اللبناني إلى التدخل ليلاً لإعادة فتح الطريق المؤدية إلى مطار بيروت الدولي وإعادة النظام إليها؟ وكل ذلك لأنك قمتِ بواجبك الوطني، الذي يقتضي العمل، عبر القنوات الدبلوماسية، على إخراج قوات الجيش الإسرائيلي من المناطق الجنوبية التي تحتلها. يا له من أمر عبثي أن يُنكر المرء الحقائق الواضحة! فليست المقاومة المسلحة هي التي تستطيع تحرير جبل عامل، بل المفاوضات والمساعي السياسية التي تُدار، شئنا أم أبينا، تحت الرعاية الأمريكية. قد لا يكون ذلك باعثاً على الفخر، لكنه الواقع؛ وقد لا يكون مستساغاً، لكنه الخيار الأقل سوءاً. وما دمنا لم نحقق نصراً حاسماً يفرض شروطنا على الخصم الإسرائيلي، فلا جدوى من التباهي والادعاء. ولنتحدث بصراحة: إن ما سُمّي بـ«المقاومة المؤمنة» لم يفعل سوى توسيع رقعة الاحتلال الاسرائيلي، وتعظيم حجم الدمار، وتهجير أهلنا من قراهم وبيوتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. كما في واترلو... لكن قبل ذلك، لا بد من التذكير بما جرى في السابع عشر من حزيران، عندما تم التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، وما أحدثه من شعور بالخذلان لدى أنصار السيادة اللبنانية، بعدما علموا أن الملف اللبناني أُدرج ضمن الصفقة. وفي حين شعر السياديون بمرارة عميقة، كان أنصار حزب الله يهللون، إذ بدا أن طهران، بعدما أمسكت بخناق لبنان، أصبحت صاحبة القرار في مصيره، وكأن البلاد قد وقعت بالكامل في قبضة الحرس الثوري الإيراني. في صفوف السياديين، سادت مشاعر الاستسلام، وانهالت الانتقادات على السياسة الأمريكية التي وُصفت بالازدواجية، بل وبالخيانة أحياناً. واستُعيدت إلى الأذهان ذكرى البارجة الأمريكية«نيوجيرسي» في أيلول 1983، وأُلقي اللوم على التنافس بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وباختصار، كان الإحباط سيد الموقف. ثم، فجأة، في السادس والعشرين من حزيران، وكأن مفاجأة خرجت من العدم، قرر لبنان الرسمي أن يتحلى بالجرأة. وما إن وُقّع الاتفاق الثلاثي حتى بدا أن الطريق قد فُتح أمام تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، ووضع حد للوصاية الأجنبية، وللتدخلات الإيرانية، ولسيطرة الميليشيا الصفراء. عندها، في بيروت، كما حدث قديماً في واترلو، «انتقل الأمل إلى معسكر آخر، واكتسبت المعركة روحاً جديدة». أما الفرحة التي عمّت الضاحية الجنوبية فلم تدم سوى تسعة أيام. لقد انتزع نادا حمادة معوّض وسيمون كرم، في نظر خصومهما، «نصر» حزب الله منه. الخطر... والحزم لقد شكّل ذلك صفعة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي بالغ باستخدام «الورقة اللبنانية» ذريعةً للتدخل في شؤون بلادنا وانتهاك سيادتنا على الساحة الدولية. وها هو اليوم يعود خالي الوفاض، بعدما قدّم تنازلات في الملف النووي الإيراني أملاً في الحصول على مقعد على طاولة مؤتمر بورغنشتوك، قرب لوتسرن في سويسرا. ومن هنا، فإن الجيش اللبناني، مدعوماً بحلفائنا الغربيين، مطالب بالبقاء في أعلى درجات اليقظة. فلا يجوز له أن يتراجع أو يتردد، بعدما اجتاز دبلوماسيونا نقطة اللاعودة. ألم يسارع نبيه بري، وكأنه «يستشعر اقتراب نهايته السياسية»، إلى التحذير من «الفتنة»؟ وهي كلمة تتجاوز مجرد الخلاف، وتحمل في طياتها تهديداً مبطناً بإفشال الاتفاق الإطاري. أما ديفيد هيل، السفير الأمريكي السابق في لبنان، فقد حذر من جهته من أن حزب الله سيبذل، في المرحلة الأولى، كل ما في وسعه لإفشال هذا الاتفاق، ولن يتردد، بحسب تقديره، في اللجوء إلى العنف والأساليب الإرهابية لتحقيق ذلك. وفي المقابل، يبدو أن السلطة التنفيذية اللبنانية استعادت زمام المبادرة، وهي تدرك تماماً أننا ندخل مرحلة شديدة الاضطراب. غير أن الإنجازات الكبرى لا تتحقق من دون مجازفة. فعلينا المزيد من الحزم، والمزيد من الثبات، وعندها فقط يستطيع لبنان أن ينهي ذلك الزواج القسري الذي فرضه عليه حزب الله مع الإمبراطورية الأخمينية.