
وفد عسكري أمريكي إلى اليرزة لتحديد تفاصيل المناطق التجريبية


سيبقى الصراع الطويل والمستمر، الذي أشعلته الانحرافات المتواصلة للنظام الإيراني، على الأرجح في سجلّ التاريخ بوصفه صراع الخطب الرنانة والاستعراضات الكلامية التي يلجأ إليها أطرافه لإقامة ستار كثيف من الدخان يخفي بصعوبة إخفاقاتهم الداخلية، ويخفي قبل كل شيء حالة مذهلة من التناقضات العامة. وتتجلى هذه التناقضات يومًا بعد يوم في وقائع تتعارض كليًا مع الخطابات الحربية وغير العقلانية التي يطلقها كل طرف.

فعلى سبيل المثال، اختار المسؤولون الإيرانيون السير في طريق التوصل إلى اتفاق دائم ذي طابع استراتيجي مع الولايات المتحدة.
لكنهم، في الوقت نفسه، يواصلون وصف الولايات المتحدة بأنها "العدو" و"الشيطان الأكبر" الذي ينبغي القضاء عليه والثأر منه "حتماً"، عاجلًا أم آجلًا، مهما كانت الظروف، وفق ما جاء في بيان نُسب مساء السبت إلى المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، الغامض والمتواري عن الأنظار، والذي لا يزال من غير المعروف ما إذا كان على قيد الحياة أصلًا، وإن كان كذلك، فهل يتمتع فعلًا بكامل قدراته الذهنية، أم أن حضوره الافتراضي يُبقيه الحكام الجدد في طهران حاضرًا في الأذهان لينسبوا إليه القرارات والمواقف تبعًا لتطور الأحداث وتبدّل موازين القوى داخل ما تبقى من الجمهورية الإسلامية.
ولإكمال المشهد، تجدر الإشارة إلى أن كبار المسؤولين الإيرانيين وقعوا بالفعل مع واشنطن خارطة طريق تنص على إجراء مفاوضات تمتد على ستين يومًا، لكنهم لا يفوتون أي فرصة للتأكيد أنهم لا يثقون بالولايات المتحدة، وأنهم لن يقبلوا ببدء المفاوضات إلا إذا "غيّرت الإدارة الأميركية سلوكها"، و"أوقفت تهديداتها"، و"احترمت بنود مذكرة التفاهم".
غير أن هذا الرفض للمفاوضات لم يمنع استئناف الحوار الثنائي المباشر ــ مهما بلغت درجة التناقض ــ عبر اجتماع للخبراء الأميركيين والإيرانيين، كان مقررًا عقده يوم الأحد 12 تموز في باكستان.
وقد بلغت اللهجة العدائية، بل والمهينة أحيانًا، التي يعتمدها أركان الجمهورية الإسلامية تجاه الولايات المتحدة، رغم أن أي مفاوضات سلام يفترض أن تجري في أجواء هادئة، ذروتها منتصف الأسبوع، عندما "نصح" المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة السفير الأميركي، خلال جلسة لمجلس الأمن، بأن يكون "مهذبًا"، مضيفًا أن ذلك "سيكون أفضل له ولبلاده"!
التناقض الأميركي
لكن التناقض لا يقتصر على الجانب الإيراني وحده. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منتصف الأسبوع الماضي، أن المفاوضات مع المسؤولين الإيرانيين، الذين وصفهم بأنهم "مرضى"، "لا جدوى منها وتمثل مضيعة للوقت"، مؤكدًا في الوقت نفسه أن مذكرة التفاهم مع إيران "أصبحت لاغية".
ومع ذلك، أعطى الضوء الأخضر لاستئناف المحادثات، مؤكدًا أن الإيرانيين طلبوا صراحة إعادة إطلاق المفاوضات، وأنه وافق على طلبهم، لكنه أبلغ الجمهورية الإسلامية في الوقت نفسه أن وقف إطلاق النار أصبح من الماضي.
وسارع المسؤولون الإيرانيون إلى الرد، السبت، مؤكدين أنهم لم يطلبوا إطلاقًا استئناف المفاوضات، وأن ما يُتداول بهذا الشأن ليس سوى "ادعاءات" تنقلها "وسائل إعلام مقربة من إسرائيل". وأضافوا أن إيران ترفض استئناف الحوار مع المفاوضين الأميركيين ما لم تتراجع إدارة ترامب عن "مواقفها العدائية"، وما لم يتم تشكيل اللجنة الأميركية–اللبنانية–الإيرانية المكلفة معالجة ملف جنوب لبنان، وفقًا للاتفاق الذي تم التوصل إليه مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في إطار مذكرة التفاهم، في إشارة واضحة إلى أن إيران تعود للمطالبة بإعادة الإمساك بالورقة اللبنانية، متجاهلة السياسة التي تعتمدها الدولة اللبنانية في هذا الملف.
كما برزت تناقضات مواقف الأطراف السبت أيضًا في ملف مضيق هرمز. فقد وجهت إدارة ترامب إلى طهران إنذارًا نهائيًا طالبتها فيه بنشر وثيقة رسمية تعترف بأن الهجمات الإيرانية، التي استهدفت مطلع الأسبوع ثلاثة سفن في مضيق هرمز، كانت خطأ. كما طالبت الجمهورية الإسلامية بأن تتعهد علنًا وخطيًا بعدم تكرار أي اعتداءات على ناقلات النفط التي تعبر هذا الممر البحري.
وردت السلطات الإيرانية على الإنذار الأميركي بالقول إن الهجمات التي استهدفت السفن الثلاث كانت "خطأً تقنيًا"، رغم أن الاعتداءات استمرت على مدى أربع وعشرين ساعة. والمفارقة أن هذا التفسير "التقني"، الذي ينفي وجود أي قرار سياسي متعمد، اعتبره بعض المسؤولين الأميركيين تفسيرًا مقبولًا بكل بساطة.
أما بالنسبة إلى البيان المتعلق بالتعهد بوقف الاعتداءات على السفن، فقد التفّت إيران عليه بإيفاد وزير خارجيتها، السبت، إلى سلطنة عُمان لإقناع السلطنة بإصدار بيان مشترك يؤكد ضرورة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، بما يسمح للجمهورية الإسلامية بتجنب إعطاء الانطباع بأنها رضخت للإملاءات الأميركية في هذا الشأن. ويبقى السؤال: هل ستنخرط إدارة ترامب، هي الأخرى، في هذه اللعبة الإيرانية؟
اجتماع عسكري لبناني–أميركي
على الصعيد اللبناني، زار وفد عسكري أميركي، السبت، اليرزة، حيث عقد اجتماعًا مع قائد الجيش وكبار الضباط لوضع التفاصيل النهائية الخاصة بإقامة المناطق التجريبية التي ستتولى مسؤوليتها القوات المسلحة اللبنانية، وفقًا للاتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل.
ومن المتوقع أن تبدأ الخطوات التنفيذية الأولى لهذا المسار خلال الأيام القليلة المقبلة. وفي هذا السياق، أعلن الجانب اللبناني رسميًا مساء السبت أن لبنان سيشارك في الجولة الجديدة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، المقررة هذه المرة في روما يومي 15 و16 تموز، برعاية وإشراف أميركي.
وكان لبنان قد اشترط للمشاركة في هذه الجولة أن يبدأ فعليًا تنفيذ عملية إقامة المناطق العازلة، بما يتضمن انطلاق انسحاب إسرائيلي أولي، وهو ما بدا أنه تحقق مساء السبت.