شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

هل تبدأ مرحلة جديدة في الشرق الأوسط؟

لبنان بين التحولات الإقليمية وإعادة تعريف دوره

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي
نُشر يوليو 11, 2026 - 01:05

في لحظات التحول الكبرى، لا تكون الدول دائماً صانعة الأحداث، لكنها قد تجد نفسها في موقع يسمح لها بإعادة تعريف دورها. ولبنان، الذي كان لعقود طويلة مسرحاً لتجاذب النفوذ الإقليمي والدولي، قد يكون اليوم أمام فرصة نادرة للانتقال من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع المساهم في صياغة مرحلة جديدة.

تأتي هذه اللحظة في ظل تغيرات عميقة في المشهد الشرق أوسطي، حيث تعيد القوى الكبرى والإقليمية تقييم حساباتها بعد سنوات من الصراعات المفتوحة. ومن بين أبرز الأسئلة المطروحة: هل يمكن أن يؤدي تعثر مسار التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران إلى إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يصبح تعزيز الدولة اللبنانية جزءاً من مقاربة إقليمية أوسع؟

هذه الفرضية لا تعني أن لبنان سيصبح فجأة محور السياسة الدولية، لكنها تشير إلى تحول محتمل في طريقة النظر إليه. فبدلاً من التعامل معه فقط كملف أمني مرتبط بالتوترات الإقليمية، قد يُنظر إليه كعنصر أساسي في بناء توازن جديد يقوم على تقوية مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار.

خلال السنوات الماضية، شهد النفوذ الإيراني في المنطقة تحديات متزايدة. فقد تغيرت المعادلة في سوريا، وتراجعت قدرة بعض الحلفاء الإقليميين على العمل كما في السابق، كما برزت داخل العراق توجهات تؤكد أهمية القرار الوطني المتوازن. هذه التحولات لا تعني نهاية النفوذ الإيراني، لكنها تشير إلى بيئة إقليمية أكثر تعقيداً وأقل قدرة على إنتاج نموذج النفوذ الذي ساد في العقد الماضي.

في هذا السياق، تبرز أهمية لبنان.

فوجود دولة لبنانية قادرة على ممارسة سيادتها الكاملة، وتعزيز دور مؤسساتها العسكرية والأمنية، وإدارة حدودها، يشكل مصلحة مشتركة لعدد من الأطراف. بالنسبة للبنان، هذا المسار يتعلق أولاً باستعادة مفهوم الدولة ووحدة القرار الوطني. وبالنسبة للمجتمع الدولي، فهو يمثل نموذجاً مختلفاً عن إدارة الأزمات عبر القوى غير الحكومية.

وقد يكون أحد أبرز التحولات المحتملة أن تنتقل المقاربة الدولية تجاه لبنان من التركيز على منع الانهيار إلى دعم بناء الدولة. وهذا يتطلب رؤية طويلة الأمد تتجاوز المساعدات الطارئة نحو الاستثمار في المؤسسات، الاقتصاد، الأمن، والحكم الرشيد.

من هنا يمكن فهم التقاطع المحتمل بين مصالح الولايات المتحدة ولبنان، وكذلك بين واشنطن وتل أبيب. فالولايات المتحدة لطالما سعت إلى الحد من نفوذ إيران في المنطقة، بينما تبحث إسرائيل عن ترتيبات أمنية تضمن استقرار حدودها على المدى الطويل. وفي المقابل، يحتاج لبنان إلى بيئة إقليمية تسمح له بتثبيت سيادته واستعادة دوره الطبيعي.

هذا التقاطع لا يعني بالضرورة قيام تحالفات رسمية جديدة، ولا يعني أن مصالح جميع الأطراف متطابقة، لكنه يفتح المجال أمام مقاربة تقوم على فكرة بسيطة: أن الدولة القوية تشكل أساس الاستقرار، وأن المؤسسات الوطنية القادرة قد تكون أفضل ضمانة للأمن الإقليمي من استمرار منطق المواجهة.

ويبقى العامل اللبناني هو الحاسم. فلا يمكن لأي دعم خارجي أن ينجح إذا لم يترافق مع قرار داخلي واضح بتعزيز مؤسسات الدولة وتكريس مرجعيتها. فالسيادة ليست فقط مطلباً دولياً، بل هي قبل كل شيء خيار وطني يحتاج إلى توافق سياسي واسع.

في هذا الإطار، تكتسب زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز أهمية خاصة. فمثل هذه اللقاءات لا تُقاس فقط بالرمزية السياسية، بل بقدرتها على إطلاق مسار عملي. فإذا نتج عنها تعاون أكبر في مجالات دعم الجيش، تعزيز المؤسسات، تشجيع الاستثمار، وتثبيت الاستقرار، فقد تشكل خطوة في اتجاه إعادة تعريف موقع لبنان في المنطقة.

لكن التحولات التاريخية لا تُصنع في يوم واحد. فحتى لو حمل اللقاء إشارات إيجابية، فإن نجاح أي مسار جديد يتطلب التزاماً مستداماً من جميع الأطراف، داخلياً وخارجياً. المطلوب ليس فقط إعلان النوايا، بل بناء آليات تنفيذ واضحة تحمي لبنان من العودة إلى دوامة الأزمات.

أما على المستوى الإقليمي، فإن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران سيبقى عاملاً مؤثراً. فإذا فشل الطرفان في الوصول إلى تفاهمات تحد من التوتر، فقد تتجه واشنطن أكثر نحو بناء شراكات مع الدول والمؤسسات القادرة على تحقيق الاستقرار. وفي هذه الحالة، قد يصبح لبنان جزءاً من استراتيجية تقوم على تقوية الدولة بدلاً من إدارة الصراعات عبر ساحات النفوذ.

المفارقة أن لبنان، الذي دفع ثمناً باهظاً بسبب موقعه الجغرافي والسياسي، قد يجد نفسه أمام فرصة لتحويل هذا الموقع إلى مصدر قوة. فبدلاً من أن يكون نقطة التقاء للأزمات، يمكن أن يصبح نقطة التقاء للمصالح: بين العالم العربي والمجتمع الدولي، بين الاستقرار والتنمية، وبين الأمن والسيادة.

إن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة اللبنانيين على اغتنام هذه الفرصة. فالدعم الدولي، مهما كان مهماً، لا يمكن أن يحل مكان القرار الوطني. وفي المقابل، فإن القرار الوطني يحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية تساعده على النجاح.

قد لا يكون 21 تموز تاريخاً فاصلاً بحد ذاته، لكنه قد يكون محطة تشير إلى بداية نقاش مختلف حول لبنان ودوره. فإذا ترافقت الدبلوماسية مع خطوات عملية، فقد نشهد بداية انتقال لبنان من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل لبنان لن تحدده فقط صراعات القوى الكبرى، بل قدرة اللبنانيين على تحويل المتغيرات الإقليمية إلى مشروع وطني يعيد للدولة مكانتها ودورها.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل