شعار Levant Time

تحليل

اتفاق الاطار والضغط الإيراني على لبنان
بقلم
منى فياض
نُشر
يوليو 3, 2026 - 17:33

كتب احد الباحثين في علم البيوفيزيكس ما يلي:" لا أقرأ القوة من خلال السياسة وحدها؛ أقرأها أيضاً من خلال المادة. ففي المختبر نتعلّم حقيقة يعرفها الناس من حياتهم اليومية: الضغط لا يؤثّر في كل الأجسام بالطريقة نفسها. اضغط على الزجاج، فقد يتحطّم. اضغط على المطاط، فينحني. اضغط على نسيج حي، فقد يمتصّ الضغط، ويتكيّف، ويُرمّم نفسه. القوة نفسها قد تدمّر بنية، وقد تقوّي أخرى. الفارق ليس في الضغط وحده، بل في البنية الداخلية التي تتلقّاه. من هنا تصبح قراءة إسرائيل والولايات المتحدة لإيران، وللشرق عموماً قاصرة. فإسرائيل، مثل كل قوة تتعالى بتفوّقها التكنولوجي، تفترض أن التاريخ يمكن هندسته بالضغط: اضرب أكثر، اقتل أكثر، شدّد العقوبات، عمّق العزلة، وسيتقلص العدو. لكنها قراءة ميكانيكية للمجتمعات البشرية؛ تتخيّل الأمم كأنها أشياء جامدة: اضغط عليها بما يكفي فتنكسر. لكن بعض الدول لا تنهار تحت الضغط، ولا تخرج منه سليمة أيضاً. هي تُعيد امتصاصه، وتكييفه، وتوزيعه، بحيث يتحوّل من أزمة خارجية إلى توازن داخلي هشّ، ومن مواجهة دولية إلى كلفة اجتماعية ممتدة. فإيران، رغم أزماتها، لم تُترجم الضغوط إلى انهيار، بل إلى تكيّف: امتصّت الضغط، وحوّلته إلى زمن، والزمن إلى قوة تفاوضية. وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر حساسية: ليس هل ينجح الضغط أم يفشل، بل أين يذهب أثره؟ ومن يتحمّل نتيجته؟ في الحالة الإيرانية، لا يمكن إنكار أن الدولة استطاعت على مدى سنوات طويلة أن تتعايش مع مستويات مرتفعة من الضغط الخارجي: عقوبات اقتصادية قاسية، عزلة سياسية، توترات أمنية إقليمية، وضغوط متراكمة على أكثر من مستوى. هذا النوع من "الاستمرارية تحت الضغط" يُقدَّم عادة بوصفه دليل قوة. لكن هذا الاستنتاج وحده لا يكفي لفهم الصورة الكاملة. فإلى جانب قدرة الدولة على الاستمرار، هناك مؤشرات متراكمة داخل المجتمع الإيراني تشير إلى كلفة عميقة: تآكل في الطبقة الوسطى، تراجع في القدرة الشرائية، اختلالات اجتماعية متزايدة، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع. هذه ليست تفاصيل اقتصادية فقط، بل مؤشرات على انتقال الضغط من مستوى النظام الدولي إلى داخل البنية الاجتماعية نفسها. بمعنى أدق، الضغط لم يُلغَ، بل تغيّر مكانه. علينا أن نتذكر هنا ان الشعب الايراني حاول الثورة على سياسات نظامه الدكتاتوري – الديني، لكنه قوبل ببطش وحشي تعامل مع الشعب كما يتعامل مع عدو غازٍ. وهذا هو جوهر المسألة: الأنظمة الديكتاتورية التي تمتلك أدوات ضبط قوية لا "توقف" الضغط، بل تعيد توزيعه. جزء منه يُمتص في مؤسسات الدولة، وجزء يُنقل إلى المجتمع عبر الاقتصاد والمعيشة اليومية، دون حساب تكلفته على الشعب، وجزء ثالث يُدار خارج الحدود عبر النفوذ الإقليمي وأدوات التأثير غير المباشر. بهذا المعنى، يصبح ما يُسمّى "الصمود" ظاهرة مركّبة: إنه ليس "صموداً" بالمعنى البطولي الذي يُسوّق له، لأنه ليس فقط قدرة على مواجهة الخارج، بل إدارة للكلفة داخلياً وخارجياً: من يدفع، ومن يقرّر. لكن هذه القدرة، مهما بدت فعّالة على المدى القصير، تحمل سؤالاً أخلاقياً وسياسياً لا يمكن تجاهله: هل الاستقرار الظاهر يعكس قوة الدولة، أم قدرة النظام على البقاء عبر توزيع العبء بطريقة غير متكافئة داخل المجتمع؟ هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما ننتقل من التحليل المجرد إلى الجغرافيا السياسية المباشرة. لقد أعادت إيران تدوير الضغط عبر ساحات إقليمية ترتبط بها بشكل مباشر أو غير مباشر. في هذا السياق، لا يمكن فهم موقع لبنان بمعزل عن هذه الديناميات. لبنان لم يكن يوماً مجرد متلقٍ سلبي للتطورات الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه لم يكن قادراً على تحييد نفسه عنها. هشاشة بنيته الداخلية، تعقيد نظامه السياسي، وانكشافه الاقتصادي، جعلته عرضة لأن يكون ساحة تتقاطع فيها ضغوط لا يملك أدوات التحكم بها بالكامل. استغلته إيران ليصبح ساحة نفوذ لها، تُستخدم لتخفيف العبء عنها أو إعادة موازنته. لكن ما يُدار كصراع أو توازن خارج لبنان، يُترجم داخله على شكل كلفة سياسية واقتصادية واجتماعية مباشرة فادحة. وهنا يصبح النقاش حول "اتفاق الإطار" أكثر من مجرد تفصيل دبلوماسي أو تفاهم ظرفي. إنه اختبار لطبيعة موقع لبنان نفسه: هل يبقى ضمن دائرة إعادة إنتاج التوازنات الإقليمية، أم يعمل على الانتقال - ولو تدريجياً - إلى موقع الدولة التي تملك قرارها السياسي؟ لقد استغلت إيران لبنان طويلاً وجعلته ساحة وموطئ قدم على المتوسط. ففي كل مرة كانت تشعر فيها بالخطر، كان لبنان ساحتها المفضلة لإبعاد هذا الخطر عنها. وكان حزب الله جاهزاً للتلبية: من حرب "لو كنت أعلم" في 2006 ، الى حماية حكم بشار الاسد عام 2012، ناهيك عن حرب الاسناد 2003، وخصوصاً حرب الثأر لخامنئي عام 2026، التي جلبت خراباً غير مسبوق على لبنان. والآن يرفض حزب الله، ومن خلفه نبيه بري، اتفاق الاطار، كي يترك لبنان ساحة وورقة تُفاوض بها إيران لتقوية أوراقها. ومن يدفع الثمن لبنان عموماً، والشيعة خصوصاً، لكي تحتفظ إيران بنفوذها في لبنان. استعادة المعنى الفعلي للسيادة تعني رفض هذا الاستخدام، وتثبيت أن قرار السلم والحرب وإدارة المخاطر يجب أن تعود إلى مؤسسات الدولة وحدها، لا إلى ترتيبات موازية تفرض على المجتمع أكلافاً لا يحتملها. من هنا، يصبح النقاش حول "اتفاق الإطار" اختباراً حقيقياً، لا تفصيلاً تقنياً. فإما أن يُفهم كخطوة - ولو ناقصة - نحو إعادة تثبيت الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة للقرار، أو يُجهض تحت ذرائع إقليمية، ليبقى لبنان في موقعه القديم: ساحة تدار فيها مصالح الآخرين بدل ان يكون دولة سيدة تدير سياساتها بنفسها. لا يمكن التعامل مع ما يجري كـ"تبادل ضغوط" مشروع بين أطراف متكافئة، بل كمساس مباشر بسيادة دولة وحقوق مجتمعها. استخدام لبنان كساحة لتصفية حسابات أو كأداة ضغط في صراعات إقليمية ليس موقفاً سيادياً، ولا خياراً طبيعياً ولا حقاً بديهياً لأي جهة خارجية أو داخلية، بل هو انتقاص من حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم، والقبول الضمني باستمرار استخدام لبنان كأداة، لا كدولة. النتيجة ليست نظرية: كلفة بشرية متكررة، استنزاف اقتصادي مزمن، تعطّل في مؤسسات الدولة، وإضعاف لقدرتها على حماية مواطنيها. تمتد هذه الكلفة إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة: بنية تحتية تتآكل، تعليم يتراجع، وفرص أجيال تُقايَض بحسابات لا تشارك في صنعها. هنا لا يكفي توصيف "إعادة توزيع الضغط". المسألة هي تحميل كلفة غير عادلة على بلد هشّ، بما يحوّله من دولة يُفترض أن تدير مصالحها إلى ساحة تُدار فيها مصالح الآخرين. وأي خطاب يقدّم ذلك كـ"صمود" يتجاهل سؤالاً أساسياً: من يدفع الثمن، وبأي تفويض؟ استعادة المعنى الفعلي للسيادة تعني رفض هذا الاستخدام، وتثبيت أن قرار السلم والحرب وإدارة المخاطر يجب أن يعود إلى مؤسسات الدولة وحدها، لا إلى ترتيبات موازية تفرض على المجتمع كلفاً لا يحتملها. في النهاية، المشكلة ليست في أن بعض الدول تتحمّل الضغط أكثر من غيرها، بل في أن هذا التحمل يُبنى أحياناً على نقل الكلفة إلى أماكن أضعف. وهنا يسقط أي ادعاء أخلاقي أو سياسي. الضغط ليس اختبار قوة فقط… بل اختبار عدالة. وفي الحالة اللبنانية، الظلم واضح: بلد يدفع ثمن صراعات لا يقرّرها، ومجتمع يُطلب منه أن يتحمّل ما فوق طاقته، وينكرون عليه حق رفضه. هذا خلل قاتل يجب أن يتوقف.

الخلافات الداخلية الإيرانية تُعيق الحوار مع الولايات المتحدة

كلما بدأت تتضح تدريجياً، ولو بخفر، ملامح الاتفاق الإطاري المبرم بين واشنطن والجمهورية الإسلامية في إيران، وربما أيضاً ما لم يُعلن منه، برز عاملان أساسيان يمكن وصفهما بأنهما «هامشيان» بالنسبة إلى المسار السياسي العام الجاري، لكنهما يفرضان نفسيهما بصورة متزايدة الوضوح: من جهة، الانقسامات الإيرانية داخل السلطة، والتصدعات التي باتت تظهر علناً في بنية النظام؛ ومن جهة أخرى، قيام الولايات المتحدة، بصبر ودقة، بوضع أسس ما يبدو أنه نظام سياسي ـ عسكري ـ أمني جديد في المنطقة، من شأنه تقليم أظافر نظام الملالي وتقليص نفوذه خارج الحدود إلى حدوده الدنيا. العامل الأول من هذين العاملين يعقّد، بل يكاد يعرقل، ما يصفه البعض، تجوزاً، بأنه «حوار ومفاوضات» بين واشنطن والجمهورية الإسلامية. وتتناقل بعض وسائل الإعلام الإيرانية، إضافة إلى مصادر موثوقة تتابع عن كثب تطورات الوضع الداخلي في إيران، منذ أيام، أصداء تصدعات جدية تهز الجهاز السياسي لنظام الملالي على أعلى المستويات. ويتأكد في هذا السياق أن الجناح المتشدد في السلطة لم يفقد نفوذه الوازن، بل يعبّر عنه من خلال انتقاداته العنيفة والعلنية للمعسكر الموصوف بـ«المعتدل» أو البراغماتي، الذي نجح في تمرير الاتفاق الإطاري مع الولايات المتحدة. وقد تُرجمت معارضة المتشددين بهجمات مباشرة على رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بعدما قُطعت مقابلته على التلفزيون الرسمي الإيراني قبل أن تنتهي. أما «الرمز» الآخر للمفاوضات مع الولايات المتحدة، وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، فقد تعرض بدوره لصيحات استهجان من حجاج إيرانيين خلال زيارته الأخيرة إلى كربلاء، في العراق. هذه الإرباكات دفعت الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في مطلع الأسبوع، إلى التنديد علناً بالحملة التي تستهدف المفاوضين الإيرانيين. غير أن الانتقادات لا تقتصر على شخصيات المفاوضين، بل تطاول بصورة أوسع وأعمق توجهات الرئيس الإيراني وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، الذين أعطوا الضوء الأخضر للاتفاق الإطاري الموقع مع الولايات المتحدة. واللافت أن الهجمات على الرئيس بزشكيان والمفاوضين تصدر عن جهات متشددة رفيعة المستوى تمثل العمود الفقري للنظام. فقد نقل موقع «الجنوبية» اللبناني، الذي يعكس وجهة نظر المعارضة الشيعية اللبنانية ويُعد عموماً مطلعاً جداً على الوضع في إيران، أن 63 من أصل 84 عضواً في «مجلس خبراء النظام» أصدروا أخيراً بياناً طالبوا فيه مفاوضي الجمهورية الإسلامية بالالتزام بـ«الخطوط الحمراء» التي حددها «الولي الفقيه»، أي المرشد الأعلى. ويشير موقع «الجنوبية» أيضاً إلى أن «إدارة الحوزات العلمية»، التابعة للولي الفقيه، أصدرت بدورها بياناً حذرت فيه الرئيس الإيراني والمفاوضين وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي من أي «تساهل» في تطبيق «الخطوط الحمراء» الواردة في الوثيقة الموقعة مع واشنطن. هذه التجاذبات الداخلية قد تفسر واقع أن الوفد الإيراني الموجود في الدوحة، والذي كان يفترض أن يلتقي المفاوضين الأميركيين في محادثات ذات طابع تقني، رفض أي تفاوض مباشر. وهكذا كان المندوبون الإيرانيون يتباحثون مع الوسطاء الباكستانيين، فيما كان الممثلون الأميركيون يتواصلون مع المسؤولين القطريين! وقد أفضت هذه المحادثات غير المباشرة عبر الوسيطين الباكستاني والقطري إلى اعتماد إجراء رمزي، تمثل في الإفراج عن 3 مليارات دولار من الأرصدة الإيرانية المجمدة، في حين كانت طهران تطالب في البداية بالإفراج عن 12 مليار دولار، ثم اكتفت بالمطالبة بالمليارات الستة المجمدة في قطر، لكنها لم تنجح في الحصول عليها. وفوق ذلك، فإن المليارات الثلاثة التي أُفرج عنها الأربعاء ستُستخدم لشراء مواد إنسانية، على الأرجح من السوق الأميركية… النظام الأميركي الجديد أما العامل الثاني الذي يطبع لعبة الشطرنج المتوترة الدائرة في المنطقة، فهو النظام الأميركي الجديد، السياسي ـ العسكري ـ الأمني، الذي يبدو أنه يتبلور تدريجياً في منطقة المشرق، وبصورة أوسع في عموم المنطقة. وقد ظهرت مؤشرات هذا الترتيب الأميركي بوضوح خلال الأيام والأسابيع الأخيرة. وتبدو سلسلة الوقائع في هذا السياق بالغة الدلالة: عشية توقيع لبنان وإسرائيل الاتفاق الإطاري برعاية واشنطن، كان وزير الخارجية ماركو روبيو يجتمع في البحرين مع أعضاء المؤتمر الوزاري لمجلس التعاون الخليجي، وفي ختام هذا الاجتماع، أصدر وزراء دول الخليج وروبيو بياناً مشتركاً أيدوا فيه بوضوح توجهات السلطة اللبنانية المتعلقة بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل. كما شدد الاتحاد الأوروبي، بمعزل عن التحركات الأميركية، على دعمه الكامل لخط سلوك السلطة اللبنانية. وبالاستناد إلى دعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، وقّع لبنان اتفاقه الإطاري مع إسرائيل، الذي يتمثل أحد أبرز مفاعيله في إبقاء إيران خارج مسار الخروج من الأزمة وإنهاء حالة الحرب في لبنان، بما يعزز الخيار السيادي الذي اعتمدته بيروت. وقد تنطوي الدينامية التي أطلقها الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وحكومته على دور عسكري أميركي، من خلال خبراء وضباط كبار، في تنفيذ المسار التدريجي لانتشار الجيش اللبناني وانسحاب قوات الدولة العبرية من جنوب لبنان. واللافت أن مجلس النواب الأميركي رفض في مطلع الأسبوع، وبأغلبية كبيرة، مشروع قرار قدمه الحزب الديمقراطي، كان يفرض على الرئيس دونالد ترامب قيوداً شديدة على أي احتمال لتدخل عسكري أميركي في لبنان. وقد جرى بحث هذا الدور الأميركي مع المسؤولين اللبنانيين خلال الزيارة التي قام بها قائد القيادة الوسطى الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إلى بيروت في مطلع الأسبوع. كما عكست ثلاثة تطورات بارزة أخرى المسار الأميركي المتقدم: موجة الاعتقالات في العراق التي طاولت نواباً ومسؤولين سياسيين رفيعي المستوى ورجال أعمال مقربين من النظام الإيراني، إضافة إلى القرار الذي اتخذته الحكومة العراقية قبل 48 ساعة بتحديد مهلة للميليشيات الموالية لإيران تنتهي في 30 أيلول لتسليم أسلحتها إلى الدولة. عقد قائد القيادة الوسطى الأميركية هذا الأسبوع في البحرين اجتماعاً إقليمياً موسعاً للأمن والدفاع مع مسؤولين عسكريين كبار من لبنان وسوريا والبحرين والسعودية ومصر والأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان وقطر واليمن. إعلان وزارة الخزانة الأميركية قبل أربع وعشرين ساعة القرار الذي اتخذته الدول الأعضاء في مركز مكافحة تمويل الإرهاب بفرض إجراءات على مصادر تمويل حزب الله، ومن بينها «القرض الحسن». في مواجهة هذه الدينامية الأميركية، يحاول النظام الإيراني التمسك بورقتين أساسيتين يسعى إلى الحفاظ عليهما: الإبقاء على دوره الوازن في لبنان، وهو دور بات موضع تشكيك جدي بفعل الموقف الحازم للسلطة اللبنانية في هذا المجال؛ وانتزاع اعتراف بسيادته على مضيق هرمز، متجاهلاً القواعد والقانون الدولي في هذا الشأن. وفي هذا السياق، قال مسؤول أميركي رفيع لموقع «أكسيوس» إن المفاوضين الأميركيين أبلغوا المندوبين الإيرانيين الموجودين في الدوحة أن إصرار إيران على فرض رسم عبور على السفن التي تستخدم مضيق هرمز قد ينسف الاتفاق الإطاري بين واشنطن وطهران. وللحديث تتمة…

الجدول الزمني لوقف إطلاق النار في أعقاب حرب الأربعين يومًا في إيران

بعد أربعين يوماً من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة، وإيران من جهة أخرى، وبالتزامن بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، دخل في 8 نيسان/أبريل 2026 أول اتفاق إطاري لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران حيّز التنفيذ. وبعد ساعات قليلة، استهدفت سلسلة من العمليات الجوية الإسرائيلية الواسعة أكثر من ثلاثين موقعاً لحزب الله في لبنان في غضون عشر دقائق، موقعة أكثر من 300 قتيل و1150 جريحاً، في ضربات كانت من بين الأكثر دموية في النزاع، إذ ألقت الطائرات الإسرائيلية بالتحديد 160 قنبلة. الاتفاق الأميركي-الإيراني، الذي كان مقرراً في البداية أن يستمر خمسة عشر يوماً ولم يكن يشمل لبنان، مُدّد في 21 نيسان/أبريل إلى أجل غير مسمى. وكان ينص، إلى جانب وقف الأعمال العدائية بين الطرفين، على إعادة فتح مضيق هرمز وإطلاق مسار مفاوضات دبلوماسية. وقد أفضت هذه المفاوضات في 17 حزيران/يونيو 2026 إلى بروتوكول تفاهم، صالح لمدة 60 يوماً، يشمل وقف الحرب في لبنان، وقّعه دونالد ترامب ومسعود بزشكيان، بهدف إرساء وقف دائم للأعمال العدائية. في الأثناء، وتحت ضغط أميركي شديد، دخل اتفاق تكميلي يتعلق بلبنان حيّز التنفيذ في 17 نيسان/أبريل 2026، أي بعد تسعة أيام من بدء وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة ومن الضربة الإسرائيلية الدموية المتزامنة. هذه الهدنة، التي جرى التفاوض حولها بين ترامب ونتنياهو وجوزاف عون، نصّت على وقف القتال لمدة عشرة أيام. ثم مُدّدت، قبل أن تفضي إلى الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي الموقّع في واشنطن في 26 حزيران/يونيو 2026. وهم وقف إطلاق النار منذ 17 نيسان/أبريل، وحتى بعد الاتفاق الإطاري في 26 حزيران/يونيو، سرعان ما أظهر وقف إطلاق النار في لبنان حدوده على الأرض. فالعمليات العدائية لم تتوقف: بين الانتهاكات المتكررة، واتساع الرقعة الجغرافية للضربات، والكارثة الاقتصادية، بقي جنوب لبنان مسرحاً لمواجهة عالية الحدة حتى 26 حزيران/يونيو، ثم متوسطة إلى منخفضة الحدة منذ ذلك الحين. في «الجناح» نفسه لحزب الله المشار إليه في التعليق السابق، تُظهر لافتة مقاتلاً يؤدي التحية العسكرية، وإلى جانبه العلم اللبناني وعلم حزب الله. مشهد نادر جداً، بل يكاد يكون غير متصور، إذ غالباً ما يغيب العلم الوطني عن تظاهرات حزب الله. (أ ف ب) ولتوضيح موقف البيت الأبيض بصورة أفضل حيال وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، مع أن الأخير لم يكن مشمولاً مباشرة في المفاوضات، صرّح دونالد ترامب، رداً على سؤال في المكتب البيضوي مطلع حزيران/يونيو 2026، بأن «وقف إطلاق النار في لبنان يختلف عن وقف إطلاق النار في أماكن أخرى من العالم». هذا التصريح يعكس رغبته في فصل الوضع اللبناني عن الملف الإيراني، رغم أن الإيرانيين يربطون بين النزاعين، وهو ربط أقرب إلى الواقع ويجعل الاتفاقات أكثر هشاشة، ما لم تُظهر السلطات اللبنانية حزماً وتضامناً. اختلال مستمر في ميزان النار لا يزال حزب الله، ومعه جمهوره غير المشروط، يبدون إنكاراً مرضياً لواقع أكثر قتامة بكثير من المتخيّل الجماعي. فبين وقف إطلاق النار الأول بين لبنان وإسرائيل في نيسان/أبريل، و14 حزيران/يونيو 2026، تاريخ الإعلان عن بروتوكول التفاهم بين واشنطن وطهران الذي شمل لبنان، تُظهر البيانات التي جُمعت اختلالاً واضحاً في ميزان القوى والنشاط العسكري على الأرض. خلال هذه الفترة الممتدة على 59 يوماً، نفذت القوات الإسرائيلية ما مجموعه 5056 هجوماً من مختلف الأنواع، وخصوصاً الضربات الجوية والمسيّرات والمدفعية وغيرها، مقابل 947 عملية للحركة الشيعية من مختلف الأنواع، بما فيها الصواريخ المضادة للدروع ذات الرؤوس الترادفية، والمسيّرات، وقذائف الهاون وغيرها، أي بمعدل 5,34 هجوم إسرائيلي مقابل هجوم واحد لحزب الله (1). ويتجلى هذا الاختلال في معدل يومي بلغ 94 هجوماً إسرائيلياً، مع ذروات مقلقة في مستوى الكثافة، ولا سيما في 26 أيار/مايو 2026، حين سُجلت 203 هجمات نفذها جيش الدولة العبرية في يوم واحد. أرقام مقلقة منذ بداية النزاع إذا عدنا إلى بداية النزاع، لم يُنشر أي إحصاء رسمي دقيق لعدد القنابل التي أُلقيت على لبنان منذ 2 آذار/مارس 2026. إلا أن المعاهد العلمية والسلطات الحكومية اللبنانية أجرت عمليات إحصاء. فبين 2 آذار/مارس و16 نيسان/أبريل 2026، أي قبل أول وقف لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، سجّل المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان 8200 هجوم إسرائيلي من مختلف الأنواع، بما في ذلك الضربات الجوية والقصف المدفعي والتوغلات، منها 306 موجات واسعة من الغارات الجوية خلال الأسبوعين الأولين فقط من شهر آذار/مارس. وإذا أُضيف هذا الرقم إلى ما تم إحصاؤه بعد 17 نيسان/أبريل (2)، فإن المجموع منذ 2 آذار/مارس وحتى 14 حزيران/يونيو يبلغ 13256 ضربة إسرائيلية. وأخيراً، منذ منتصف حزيران/يونيو 2026، لا يزال القصف مستمراً بوتيرة أخف لكنها يومية، تتراوح بين 10 وأكثر من 160 مقذوفاً في اليوم، بحسب اليونيفيل. في موازاة ذلك، لم يُنشر أي رقم رسمي شامل ودقيق حول حجم الذخائر بالطن، سواء من حيث الكتلة الصافية للمتفجرات أو وزن القنابل، منذ بداية النزاع، لا بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي ولا بالنسبة إلى حزب الله. لكن البيانات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي تشير إلى استخدام قنابل موجهة يتراوح وزنها بين 250 و900 كلغ خلال الضربات الجوية، ما يمثل، من حيث إجمالي الحمولة التقريبي، 12500 طن من الذخائر الجوية التي استهدفت لبنان. وعلى سبيل المقارنة، خلال حرب الـ33 يوماً عام 2006، ألقت إسرائيل على لبنان 7500 طن من القنابل. ولمزيد من الدقة، تشير سجلات اليونيفيل إلى أنه، في أيام رصد نموذجية، كان نحو 97 في المئة من مسارات المتفجرات والمقذوفات المرصودة صادراً عن القوات الإسرائيلية. أما في جانب حزب الله، فيرتكز الترسانة على الصواريخ، والصواريخ المضادة للدروع، والمسيّرات الانتحارية، لا على قنابل جوية ثقيلة. ومنذ انهيار وقف إطلاق النار الأول في 17 نيسان/أبريل، أطلق الحزب الموالي لإيران آلاف المقذوفات، مع ذروات تراوحت بين 100 و200 مقذوف في أيام التصعيد الشديد. وتُقدّر الحمولة المتفجرة الواحدة لهذه الصواريخ، من طراز كاتيوشا/غراد، عموماً بين 20 و50 كلغ، ما يجعل إجمالي الحمولة بالطن أدنى بكثير، وبما لا يقل عن 18 مرة، من حمولة الذخائر الإسرائيلية؛ وهو ما يخفض كتلة ذخائر حزب الله التي استهدفت الإسرائيليين إلى نحو 700 طن. الابتكار التكنولوجي لدى حزب الله في نهاية نيسان/أبريل 2026، اجتاز حزب الله عتبة عسكرية جديدة عبر نشره الواسع لمسيّرات انتحارية من نوع FPV، أي مسيّرات تُقاد بالرؤية المباشرة من منظور الشخص الأول، وموجهة بواسطة أسلاك فائقة الدقة من الألياف البصرية. هذه الأجهزة، المستوحاة من تكتيكات الحرب الأوكرانية والمجمّعة بكلفة منخفضة تتراوح بين 300 و600 دولار للوحدة، مصنوعة من مواد غير معدنية وتستغني كلياً عن موجات الراديو وإشارات GPS. وهذه الخاصية التقنية تجعلها غير قابلة عملياً للرصد بواسطة الرادارات، وغير متأثرة بأنظمة التشويش الإلكتروني الإسرائيلية. وبفضل بث مرئي عالي الدقة وغير منقطع، عبر أسلاك فائقة الدقة من الألياف البصرية تربط المسيّرات بمشغليها في حزب الله، يتمكن هؤلاء من تنفيذ ضربات جراحية بدقة شديدة ضد مدرعات الجيش الإسرائيلي، ما تسبب في ارتفاع الخسائر البشرية الإسرائيلية منذ شهر أيار/مايو، وأجبر قيادة جيش الدولة العبرية على إعادة التفكير في أنظمة الحماية البرية. وقد شكلت هذه «المسيّرات الانتحارية» بالفعل أكثر من 50 في المئة من عمليات الميليشيا الموالية لإيران حتى 26 حزيران/يونيو. في المقابل، استند الرد الإسرائيلي في معظمه إلى القوة الجوية، التي شكلت 60,5 في المئة من الضربات، وإلى استخدام مكثف للمدفعية، مع استهداف الأولوية للبنى التحتية، لكنه بقي عاجزاً أمام مسيّرات FPV. وماذا عن الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي؟ من زاوية تكتيكية وتقنية بحتة، تُسجل منذ 26 حزيران/يونيو تراجعاً نسبياً في كثافة العمليات العسكرية. فقد أفسحت الحملات الواسعة من الغارات الجوية الإسرائيلية المجال أمام ضربات جوية وضربات بمسيّرات أكثر تحديداً، وأمام عمليات برية محدودة شملت هدم مبانٍ وبنى تحتية. وإذا كان حزب الله يبدو أيضاً أنه خفف أو أوقف هجماته، فإن المناخ لا يزال بالغ الهشاشة، بسبب العامل الإيراني الراغب في تأخير المفاوضات الجارية في بورغنستوك، والعامل الإسرائيلي الذي يضع المسألة الأمنية في صدارة أولوياته ويريد إفراغ جنوب الخط الأصفر من سكانه الذين يدعمون الميليشيا الموالية لإيران. وفي الخلاصة، فإن «وقف إطلاق النار» بالغ الهشاشة، وحزب الله بعيد عن إعلان النصر بصوت عال، رغم أنه تكيّف مع تكتيكات وتقنيات جديدة. أما بالنسبة إلى لبنان، المنهك أصلاً بأزمة متعددة الأبعاد، فإن تطبيق بنود الاتفاق الإطاري يشكل تحدياً حقيقياً. (1) و(2): Fadi Hajji-Georgiou – recherche et développement

من الحرب إلى الدولة
بقلم
يقظان التقي
نُشر
يونيو 30, 2026 - 19:31

ليست أهمية اتفاق الإطار المقترح بين لبنان وإسرائيل في كونه يهدف إلى إنهاء مواجهة عسكرية فحسب، بل في كونه يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة اتفاقات ما بعد الحروب. فالوثيقة لا تشبه اتفاقات وقف إطلاق النار التقليدية، ولا تقتصر على معالجة خطوط التماس أو ترتيبات الانسحاب، وإنما تؤسس لنموذج جديد من التسويات، يصبح فيه بناء الدولة جزءاً من عملية بناء السلام، وتصبح السيادة مفهوماً مستحدثاً ، أكثر تعقيداً من مجرد حماية الحدود. فإذا كانت اتفاقات كامب ديفيد أو وادي عربة أو حتى الطائف ودايتون قد جاءت بعد حروب كبرى لإعادة تنظيم العلاقات السياسية بين المتحاربين، فإن الاتفاق الحالي يذهب خطوة أبعد، إذ يحاول إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية نفسها وأدوات القوة داخلها، بالتوازي مع إعادة رسم البيئة الأمنية الإقليمية على الرغم من رفض "حزب الله" الذي يريد الاعتماد على راعيه الإيراني لرسمم ملامح ما بعد الحرب وينتفض ضد الاتفاق. ومن اللافت أن الوثيقة لا تبدأ من سؤال، لماذا اندلعت الحرب؟ بل من سؤال مختلف تماماً: كيف ينبغي أن يكون شكل الدولة بعد الحرب؟ ولهذا لا تنشغل كثيراً بأسباب النزاع التاريخية وهي معروفة جيداً، بقدر ما تركز على النظام الذي يفترض أن ينشأ بعد انتهاء القتال. إنها لا تكتب خاتمة الحرب، بقدر ما تكتب مقدمة مرحلة سياسية جديدة. وتكشف القراءة التفكيكية للنص أن القضية المركزية فيه ليست الحدود، بل احتكار الدولة للقوة. فتكاد جميع البنود تدور حول استعادة الدولة اللبنانية لقرار الحرب والسلم، ونزع سلاح القوى المسلحة خارج المؤسسات الرسمية، وربط الأمن الوطني بالسلطة الدستورية. وهنا يبرز تطور لافت في مفهوم السيادة؛ إذ لم تعد السيادة تُختزل بحماية الحدود أو إنهاء الاحتلال، بل أصبحت تعني أيضاً احتكار الدولة لاستخدام القوة داخل إقليمها. إنها سيادة مزدوجة على الأرض، وعلى أدوات القوة في الداخل. وفي المقابل، يعكس النص قدراً من الذكاء التفاوضي اللبناني عند السفير سيمون كرم وفريق السفارة . فهو لا يعيد فتح ملف الحدود الدولية، ولا يتعامل معها بوصفها موضع نزاع قابل لإعادة التفاوض، بل ينطلق ضمناً من أن الحدود، باستثناء المسائل التقنية المعروفة، تستند إلى شرعية دولية قائمة في ضوء القانون الدولي بموجب اتفاقية الهدنة اللبنانية- الإسرائيلية للعام على 1949 على الرغم من تقادم بعضها، أخذاً بعين الاعتبار، الظروف التي أحاطت بنشأتها وبررتها وأعطتها الشرعية . وهكذا نجح المفاوض اللبناني في الفصل بين مسألة السيادة الإقليمية، باعتبارها قضية قانونية منجزة، وبين الترتيبات الأمنية التي فرضتها ظروف الحرب، مانعاً تحويل نتائج المعركة إلى مدخل لإعادة تعريف حدود الدولة ، ذات الدور البارز في الاستقرار الدولي خاصة . والبحث في أي اتفاق نهائي يتوصل إليها . فذلك يشكل نموذجاً دولياً في كيفية الحفاظ على المواثيق الدولية عموما، وهي التي ستحدد معاني الممرحلة بشمولية كلّية في ظروفها التاريخية( أي " المحيط الجيوستراتيجي الإقليمي والدولي"). ولا تقل فلسفة التنفيذ أهمية عن مضمون الاتفاق نفسه. فالوثيقة لا تفترض أن السلام يتحقق بمجرد التوقيع، بل تعترف ضمناً بأن آثار الحرب ستظل حاضرة على الأرض، وأن احتمال وقوع خروقات أو احتكاكات سيبقى قائماً خلال المرحلة الانتقالية. لذلك اعتمدت منطق التدرج، بحيث يرتبط كل انسحاب بخطوة مقابلة، وكل تقدم ميداني بآليات تحقق وإشراف دولي. وهنا لا يصبح التدرج مجرد إجراء تقني، بل فلسفة سياسية تعترف بأن الانتقال من الحرب إلى السلام عملية تراكمية، لا حدثاً لحظياً. إنها إدارة للانتقال أكثر منها إعلاناً لنهايته. وتتجلى حداثة الاتفاق أيضاً في طبيعته التفاوضية. فالتاريخ الدبلوماسي عرف اتفاقات تُعقد داخل مسار تفاوضي واحد يجمع الأطراف المعنية مباشرة. أما هنا، فيبدو الاتفاق جزءاً من هندسة إقليمية أوسع، حيث يتزامن المسار اللبناني – الإسرائيلي مع مسارات تفاوضية أخرى تمس البيئة الاستراتيجية المحيطة بالصراع. وإذا كانت المؤشرات السياسية توحي بوجود تفاهمات موازية بين واشنطن وطهران حول ملفات إقليمية أوسع، فإن نجاح الاتفاق اللبناني لا يعود رهناً فقط بإرادة بيروت وتل أبيب، بل أيضاً باستمرار التوازنات التي تنتجها تلك التفاهمات الإقليمية. وهكذا ينتقل العالم من منطق "الاتفاق الواحد" إلى منطق "التسويات المتزامنة"، حيث يصبح كل مسار جزءاً من شبكة تفاهمات أشمل .ومع ذلك يقول الرئيس جوزاف عون " نحن نرحب بأي مساعدة تأتي من دول لإنهاء الحرب، ولكن هناك فرق بين العمل لمساعدتنا وعدم التدخل في شؤننا الداخلية ، ونحن نتفاوض بأنفسنا، ولا نقبل أن تتفاوض أي جهة نيابة عنا". كما أن الوثيقة تعيد تعريف وظيفة إعادة الإعمار. فهي لا تقدمها باعتبارها استجابة إنسانية لآثار الحرب، بل تجعلها جزءاً من معادلة سياسية وأمنية، تربط الدعم الدولي بتحقيق مراحل قابلة للتحقق من بسط سلطة الدولة واحتكارها للسلاح. وبذلك تتحول المساعدات الاقتصادية إلى أداة لترسيخ الاستقرار، لا مجرد وسيلة لمعالجة الدمار. غير أن البعد الأعمق في الاتفاق يتجاوز مضامينه الأمنية ليطرح سؤالاً حول مستقبل النظام السياسي اللبناني نفسه. فإذا كانت الوثيقة تدعو إلى احتكار الدولة للقوة، فإنها تفتح، ضمناً، الباب أمام احتكار المؤسسات الدستورية للقرار الوطني. فالقضايا المصيرية من هذا النوع لا يمكن أن تستقر إلا إذا انتقلت من منطق الشارع وموازين القوى إلى منطق المؤسسات. ومن هنا، فإن أي اعتراض على الاتفاق، مهما كانت مبرراته السياسية أو السيادية، ينبغي أن يجد مكانه الطبيعي داخل مجلس النواب، باعتباره المؤسسة الدستورية التي تمثل الإرادة الوطنية وتملك سلطة الرقابة والتشريع. فالمعارضة ليست نقيض الدولة، لكنها تصبح خطراً عليها عندما تغادر المؤسسات إلى موازين القوى الميدانية. وإذا كان الاتفاق يسعى إلى إنهاء تعددية السلاح ( الجماعات المسلحة غير الشرعية ) ، فإنه يختبر، في الوقت نفسه، قدرة اللبنانيين على تكريس وحدة القرار السياسي داخل المؤسسات الشرعية. وفي المحصلة، لا يمكن قراءة هذا النص باعتباره مجرد اتفاق أمني بين دولتين، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف مفهوم السيادة، وآليات بناء السلام، وطبيعة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. إنه ينقل النقاش من الحدود إلى المؤسسات، ومن إدارة الصراع إلى إعادة بناء الدولة، ومن السلام بوصفه وقفاً للنار إلى السلام بوصفه عملية سياسية متدرجة. ويبقى نجاح هذا المشروع رهناً بعامل يتجاوز نصوص الاتفاق نفسها، هو قدرة اللبنانيين على تحويل الاختلاف حوله من صراع في الشارع إلى تنافس ديمقراطي داخل البرلمان. فعندها فقط يصبح احتكار الدولة للقوة متكاملاً مع احتكارها للقرار، وتصبح نهاية الحرب بداية فعلية لقيام الدولة، لا مجرد هدنة جديدة في تاريخ الصراعات اللبنانية. عندها فقط يمكن أن تصبح نهاية الحرب بدايةً لقيام الدولة. أما إذا اختار اللبنانيون إسقاط هذا المسار خارج المؤسسات، فإنهم لن يكونوا قد أسقطوا اتفاقاً فحسب، بل ربما أسقطوا آخر فرصة تاريخية لإعادة بناء دولتهم، وكأن الانتحار السياسي ما زال يتقدم، مرة بعد أخرى، على غريزة البقاء.

الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي: السلطة تستعيد زمام الامور...

إن العمل الدبلوماسي الذي جرى في 26 حزيران، في واشنطن، يعكس بحد ذاته، وبصورة لا لبس فيها، ومهما كانت تطورات الأحداث لاحقًا، قدرًا كبيرًا من الشجاعة السياسية، من الجانب اللبناني. فمضمون الاتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في ختام خمس جولات وشهرين من المفاوضات المباشرة التي جرت في واشنطن، بإشراف وزير الخارجية ماركو روبيو، يكتسب طابعًا تاريخيًا بكل ما للكلمة من معنى. فبنود هذا الوثيقة تشكّل فعلًا «نقطة تحول» في مسار الأزمة الوجودية العميقة التي ما زالت، منذ عقود، تنخر أسس البلد ونظامه السياسي واستقراره وازدهاره. ومن الحيوي، منذ البداية، التحلي بالتمييز والوضوح. فليس الهدف من اتفاق 26 حزيران أن يعالج بسرعة، في غضون أيام أو أسابيع قليلة، النزاع الثقيل الذي يواجهه اللبنانيون، ولا سيما سكان الجنوب. إن أهميته تكمن في بعده الجيوسياسي، بمعنى أنه يحدد بوضوح شديد خريطة طريق، ومسارًا سيكون، بلا شك، طويلًا وصعبًا ومتعرجًا، لكنه يمتاز بأنه يضع لبنان، أخيرًا، على الطريق الصحيح: طريق استعادة سيادة الدولة، وطريق إنهاء سياسة الأمر الواقع التي فرضتها دويلات الميليشيات بحكم الأمر الواقع، والتي ما انفكت، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، تقوّض سلطة الدولة المركزية. حرص حزب الله على إظهار اعتراضه بعد توقيع الاتفاق الإطار، لكن ردّه اقتصر على بعض التظاهرات وعلى قطع وجيز للطريق القديمة المؤدية إلى المطار. (AFP) إن البعد الجيوسياسي لوثيقة 26 حزيران يكمن في غايتها: فمن جهة، تطبيق مبدأ احتكار العنف المشروع، أي حصر السلاح بيد السلطة الشرعية؛ ومن جهة أخرى، في نهاية المطاف، وهذا هو الأساس، تحقيق سلام دائم مع إسرائيل، وإقامة علاقات حسن جوار بين البلدين. مسلمات جوزيف عون لقد لخص الرئيس جوزيف عون الوضع جيدًا في هذا الإطار عندما طرح أربع مسلمات تحدد بوضوح التوجه الذي يعتمده العهد: لا للاحتلال؛ لا للتدخلات الخارجية؛ لا للوصاية؛ والقرار يجب أن يعود، من الآن فصاعدًا، حصرًا إلى الدولة وإلى اللبنانيين. ولا بد من الاعتراف بأن هذه العناوين تبدو، في ظاهرها، من البديهيات، وليست هذه الوثيقة الرسمية الأولى التي تحدد خيارات من هذا النوع. هذا صحيح… لكن الفارق هذه المرة أن المسار المرسوم يأتي في ظل ميزان قوى محلي وإقليمي ودولي مؤاتٍ إلى حد بعيد. فللمرة الأولى منذ ثمانينيات القرن الماضي، يستفيد البلد من تحرك متضافر ومتزامن لرئيس جمهورية، ورئيس حكومة، وحكومة بكاملها، حددوا منذ البداية توجهات سيادية لا تحتمل أي التباس. أما الخطوة الأخيرة، ذات الرمزية العالية، والمتمثلة في استبدال اللوحات المنتشرة على طريق المطار والتي كانت تحمل عبارة «شكرًا لإيران»، بلوحات أخرى بالألوان اللبنانية وتحت شعار «لبنان أولًا»، فليست تفصيلًا عابرًا. فهذه الخطوة الرمزية تجسد، بصورة مبسطة ومكثفة، البديلين اللذين كان لبنان يقف أمامهما اليوم: إما القبول بالأمر الواقع المتمثل في انخراط إيران المباشر، ميدانيًا، في جهود التسوية في جنوب لبنان، كما كان قد تم الاتفاق عليه خلال المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا، برعاية نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس؛ وإما التمسك بالإرادة الحازمة للسلطة في استعادة زمام المبادرة والانخراط في مسار واشنطن، الذي يتيح للبنان أن يقرر وحده، بعيدًا من أي وصاية، الخيارات الكفيلة بالوصول إلى الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح حزب الله، واستعادة السيادة. وقد اختارت السلطة بوضوح الطريق الثانية، التي تعني عمليًا إبقاء إيران خارج مسار الحل، خلافًا للخيار الذي تم التوافق عليه خلال مفاوضات سويسرا، والذي كان يضع، بإشراف السيد فانس، الحرس الثوري الإيراني في صلب الدينامية الجارية. وهذا ما يفسر الرد العنيف للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الذي ندّد، في خطاب ألقاه السبت، بالاتفاق الموقّع مع إسرائيل، مشددًا ـ في مؤشر دال ـ على أن حزبه، وبالتالي راعيه، يؤيد الاتفاق الإطار الإيراني ـ الأميركي… وسرعان ما يُنسى «الشيطان الأكبر» وشعار «الموت لأميركا»… ظرف مؤاتٍ على المستويين الإقليمي والدولي، يأتي المسار الذي وُضع على السكة في واشنطن، من دون أدنى شك، في وقت يخرج فيه المعسكر الإيراني المزعزع للاستقرار، أو ما يسمى بالمعسكر «المعرقل»، ضعيفًا إلى حد كبير بفعل تطورات السنوات الثلاث الأخيرة. وعند النظر إلى المشهد من زاوية أوسع، واعتماد رؤية شاملة للسياق الجيوسياسي الراهن، لا بد من الإقرار بأن نظام الملالي، الذي يشكل حجر الزاوية والمحرك الأساسي لسياسة التخريب المناهضة للغرب، فقد منذ عام 2023 العديد من أوراقه الاستراتيجية: تصفية القيادة السياسية والعسكرية العليا لحزب الله؛ سقوط نظام الأسد؛ تصفية القيادة السياسية والأمنية للجمهورية الإسلامية؛ الخسائر العسكرية والاقتصادية واللوجستية الهائلة التي تكبدتها طهران نتيجة حربَي حزيران 2025 وآذار ـ نيسان 2026، والتي فاقمت، فوق ذلك، أزمة اجتماعية واقتصادية ومالية عميقة وغير مسبوقة؛ والضعف العام الذي أصاب الوكلاء الإيرانيين في لبنان والعراق وغزة واليمن… إن مجمل هذه العوامل يخلق، بلا شك، ظرفًا مؤاتيًا لتجسيد الاتفاق الإطار في 26 حزيران، خصوصًا أن الخيار الاستراتيجي الذي اتخذته السلطة اللبنانية في هذا المجال حظي بدعم واضح من دول مجلس التعاون الخليجي، كما يتبين من البيان المشترك الذي صدر الخميس الماضي عن المؤتمر الوزاري لمجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية ماركو روبيو. وقد صدر هذا البيان عشية توقيع الاتفاق الإطار، مؤيدًا بوضوح توجهات لبنان المتعلقة باستعادة سيادة الدولة، وحصر السلاح بيدها، وتفكيك الجهاز العسكري والأمني لحزب الله… وإلى هذا الدعم الخليجي، أضيف هذا السبت دعم واضح من الاتحاد الأوروبي لتوجهات الدولة اللبنانية. أما مسك الختام، فكان اتصال الرئيس ترامب، في ساعة متأخرة من مساء السبت، بالرئيس عون، حيث هنأه بحرارة على توقيع اتفاق 26 حزيران، موضحًا أنهما سيجريان تقييمًا مشتركًا للمسار الجاري خلال اجتماع قريب سيعقدانه في البيت الأبيض. القدرة الإيرانية على التعطيل غير أن هذا الظرف المؤاتي لا يعني إطلاقًا أن المعركة قد حُسمت مسبقًا، أو أن العقبات غير واردة. فالاختبار الحقيقي الذي ستواجهه الدولة اللبنانية في الأيام المقبلة سيتوقف على معرفة إلى أي مدى يستطيع الحرس الثوري الإيراني، أو يريد، إطلاق كامل قدرته على التعطيل، وهي قدرة لا تزال تتجلى كما أظهرت اعتداءاته خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة على سفن في مضيق هرمز, ما أدى خلال الليل إلى شنّ غارات أميركية جديدة على إيران. وفي موازاة ذلك، إلى أي مدى يستطيع حزب الله، أو يريد، أن يفعل كل ما في وسعه لإفشال المسار الذي أُطلق في 26 حزيران؟ ثمة تطوران قد يخففان من حدة الموقف المتقدم الذي اتخذه الحزب الموالي لإيران في هذا السياق: موقف الجيش الذي أصدر مساء السبت بيانًا حازم اللهجة أكد فيه أنه لن يسمح بأن يتحول النداء إلى التظاهر، الذي أطلقه حزب الله في بداية مساء السبت، إلى قطع طرق في العاصمة أو إلى اعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة؛ وفي الوقت نفسه، دعا زعيم حركة أمل، نبيه بري، إلى التهدئة، وشدد على ضرورة تجنب أي تفلت أمني، مع إدانته توقيع الاتفاق مع إسرائيل والمفاوضات المباشرة مع الدولة العبرية. وهذان العاملان قد يفسران أن دعوة حزب الله إلى تظاهرات واسعة، مساء السبت، في بيروت والمناطق «من أجل إسقاط الحكومة»، لم تلقَ في المرحلة الفورية الصدى الواسع الذي كان متوقعًا. ومع ذلك، فإن قدرة المعسكر الإيراني على التعطيل قد لا تزال قابلة للظهور على نطاق واسع، رغم الدعم العربي الواسع، من دول الخليج، ودعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمسار الذي انطلق في 26 حزيران. الانتقام طبق يؤكل باردًا… وردّ الحرس الثوري على اتفاق واشنطن سيشكل، من دون أدنى شك، في مستقبل قريب جدًا، مؤشرًا بالغ الدلالة على قدرته الفعلية على ترجمة هذا المثل إلى وقائع ملموسة.

الولايات المتحدة وإيران: إنذارات ترامب السابقة (2/2)
بقلم
خليل حلو
نُشر
يونيو 26, 2026 - 12:06

ينبغي وضع خريطة الطريق الأميركية-الإيرانية الممتدة على 60 يوماً في سياق دورات الإنذارات التي تطبع استراتيجية الرئيس دونالد ترامب في الشرق الأوسط، وهي استراتيجية تقوم على المراوحة بين التهديد بالتدمير الكامل واعتماد دبلوماسية ذات طابع تجاري بحت. ففي نيسان/أبريل 2025، انتهى إنذار أحادي أول مدته ستون يوماً، طالب طهران بتفكيك برنامجها النووي، برفض قاطع من المرشد الأعلى علي خامنئي، ما أدى إلى الضربات الأميركية الكثيفة في حزيران/يونيو 2025 بواسطة قاذفات B-2 ضد المواقع النووية الإيرانية. وبعد عام، في نيسان/أبريل 2026، وأمام الحصار الخانق لمضيق هرمز، عادت البيت الأبيض إلى الأسلوب نفسه، ملوّحاً بتهديد تدمير البنى التحتية الحيوية الإيرانية «في غضون أربع ساعات»، وهو تهديد حقيقي أرغم طهران حينها، في اللحظة الأخيرة، على قبول مبدأ هدنة، فاتحاً الطريق أمام البروتوكول الذي وقّعه الرئيس ترامب في فرساي. الأمن البحري في المفاوضات على المستوى العملياتي، أنشأت الولايات المتحدة وإيران في بورغنشتوك «خط اتصال مباشر» يهدف إلى تجنّب أي حادث بحري في مضيق هرمز، وهو المعبر الرئيسي للنفط الإيراني والعربي. وبالتوازي، منحَت وزارة الخزانة الأميركية إعفاءً من العقوبات حتى 21 آب/أغسطس 2026، يشمل النفط والمنتجات البتروكيميائية الإيرانية. وتُعد هذه الإجراءات ذات دلالة بالنسبة إلى واشنطن وطهران على السواء: فهي تستجيب للمطلب الإيراني بالحصول على متنفس اقتصادي فوري، وتحدّ، على المدى القصير، من خطر ارتفاع حاد في أسعار النفط. كما تكشف منطق المقايضة الذي تقوم عليه المفاوضات — الأمن مقابل الوصول إلى الأسواق — وهشاشة الحلول القائمة على إعفاءات موقتة بدلاً من ضمانات دائمة. لبنان ومنع الاشتباك: هل يمكن لآلية من دون إسرائيل أن تكون قابلة للحياة؟ إن إنشاء «خلية منع اشتباك» تهدف إلى فرض وقف إطلاق النار في لبنان هو آلية تضم الولايات المتحدة وإيران وقطر ولبنان وباكستان، لكنها تستثني إسرائيل، في سابقة منذ أربعة عقود، خلافاً لـ«الميكانيزم» الحالي ولجان تفاهمات تموز/يوليو 1993 ونيسان/أبريل 1996. إن إغفال تل أبيب شديد الحساسية سياسياً. فبالنسبة إلى إسرائيل، التي تعتبر حزب الله تهديداً وجودياً، فإن إبقاءها خارج خلية ستدير جبهتها نفسها أمر غير مقبول، وقد عبّر بنيامين نتنياهو عن ذلك مراراً، لأنها تحدّ من هامش المناورة العسكري والعملياتي الإسرائيلي في جنوب لبنان. أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن هذه الصيغة تخلق معضلة: إما تثبيت الاستقرار في لبنان من دون تنفير إسرائيل، أو المخاطرة بخسارة دعم حليف استراتيجي في مواجهة إيران عبر فرض قيود عليه يعتبرها خطرة. وعلى المدى الأطول، تبقى فاعلية خلية منع الاشتباك هذه موضع شك، فيما يظل وقف إطلاق النار في لبنان هشاً. النووي: نيات معلنة من دون التزام ملزم في الملف النووي، تبدو أوجه التقدم موضع شك. فقد تحدث جي دي فانس عن عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما أثار قدراً من التفاؤل، غير أن وزارة الخارجية الإيرانية أوضحت أن طهران لم توقّع «أي التزام نووي جديد» خلال هذه الجولة. بعبارة أخرى، الباب مفتوح أمام الرقابة والشفافية، لكن من دون أي التزام إيراني بتسليم اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة إلى الصين أو روسيا، أو بتخفيفه، ولا بوقف أعمال التخصيب. في المرحلة الراهنة، صحيح أن البرنامج النووي الإيراني متهالك ولا يعمل نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية. لكن إيران تنتظر، في مقابل رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ضمانات اقتصادية وأمنية ملموسة ودائمة، وهو ما لا يبدو متوافراً في الوقت الحالي. ومن دون جدول زمني ملزم لتفكيك القدرات النووية الإيرانية، يبقى جوهر المشكلة قائماً. وهذا الغموض يجعل التوصل إلى اتفاق دائم أمراً صعباً من دون بنود تقنية متينة، قابلة للتحقق، ومقرونة بعقوبات تلقائية في حال حصول أي انتهاك. المكاسب الاقتصادية: أوكسجين موقت إلى جانب شبكات الالتفاف على العقوبات إن الإعلان الرسمي من جانب طهران عن خاتمة إيجابية للمفاوضات التقنية، والمختومة بموافقة البيت الأبيض على الإفراج عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمّدة، يعكس منطقاً تبادلياً. غير أن هذا الإفراج المالي الكبير فجّر فوراً سجالاً عن بُعد كشف هشاشة المسار: ففيما سارع دونالد ترامب إلى التأكيد عبر منصاته أن هذه الأموال ستُوجَّه إلزامياً إلى شراء منتجات زراعية أميركية، رفضت الحكومة الإيرانية هذه الإملاءات بصورة قاطعة. فإذا كانت الإدارة الأميركية تسعى إلى تصوير صفقة تجارية رابحة على أنها تنازل جيوسياسي، فإن إيران تريد تكريس هذا الانتصار المالي على أنه استرداد سيادي ومن دون مقابل تجاري أحادي. إلى ذلك، تبقى تبعية إيران للسوق الصينية عاملاً حاسماً، حتى وإن لم تكن بكين في صلب المفاوضات مباشرة. وتظل الصين شريكاً أساسياً في مجال الطاقة بالنسبة إلى طهران، كما أن مصالحها تساهم جزئياً في ضبط السلوك الإيراني، وتحديداً في ما يتعلق بفتح مضيق هرمز. وأخيراً، فإن ظل شبكات التصدير الملتفة على العقوبات التي لا تزال قائمة يعقّد قدرة الدبلوماسية الغربية على ممارسة ضغط مستدام. خلاصة المخاطر والسيناريوهات بصورة موجزة، وخلف التفاؤل الشكلي المعروض في سويسرا، تبقى هدنة الستين يوماً مهددة باستمرار بأربعة مفجّرات جيوسياسية. الأول هو الفارق الجوهري بين توقعات واشنطن، التي تطالب طهران بالتخلي عن الخيار النووي، والموقف الإيراني، الذي لا يرى في المسار سوى فسحة اقتصادية من دون مقابل استراتيجي. أما الثاني فيكمن في استبعاد إسرائيل من خلية منع الاشتباك اللبنانية، ما يترك لحكومة نتنياهو حرية تخريب الهدنة في لبنان عسكرياً من أجل تحييد حزب الله، الأمر الذي سيدفع إيران إلى الرد. أما الثالث فهو استئناف حزب الله، بصمت، إعادة تنظيم صفوفه وإعادة نشر جهاز قتالي مموّه في مواجهة إسرائيل، وهو أمر سبق أن نجح في القيام به ببراعة بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ثم بعد القرار 1701 عام 2006، وأخيراً بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وإذا كرر حزب الله هذه الأنشطة، فإنه سيمنح إسرائيل مجدداً ذريعة لاستئناف القتال وتجاوز توجيهات واشنطن. وأخيراً، فإن المفجّر الرابع، ذي الطابع الجيوسياسي، الذي يهدد الهدنة يتمثل في عدم القدرة على التنبؤ بسلوك دونالد ترامب، الخاضع لضغوط داخلية من يمينه ويساره، ما قد يدفعه إلى قطع مسار بورغنشتوك من جانب واحد. وإذا سقط أحد هذه الأقفال، فإن بدء الانزلاق سيكون فورياً: فإعادة فرض الحصار الأميركي بصورة فورية ستؤدي، كردّ متناظر، إلى إغلاق إيراني جديد لمضيق هرمز، ما سيعيد الخليج والشرق الأوسط إلى أجواء الأزمة. خاتمة: تهدئة مشروطة، لا سلام مضمون ستحدد الأيام الستون المقبلة ما إذا كانت خريطة الطريق تمهيداً لتهدئة تدريجية، أم إطاراً لمهلة موقتة تؤجل المواجهة فحسب. في الوقت الراهن، نحن أمام انفراج هش قد يسمح ربما ببناء ضمانات قابلة للتحقق بصبر، وصولاً إلى اتفاق رسمي في نهاية صيف 2026، لكن من دون استبعاد خطر محتمل بالعودة إلى الحرب في لبنان والخليج. وإذا نجحت عملية التثبيت، فستحوّل حرباً ساخنة إلى حرب باردة إقليمية شديدة العسكرة، معلّقة على عوامل عدة قد تؤدي إلى انهيارها على المديين المتوسط والطويل. اقرأ أيضاً في الموضوع نفسه: الولايات المتحدة وإيران: خريطة طريق تحت ضغط الوقت (1/2)

الولايات المتحدة وإيران: خريطة طريق تحت ضغط الوقت (1/2)
بقلم
خليل حلو
نُشر
يونيو 24, 2026 - 22:10

بعد 48 ساعة فوضوية تخللتها تهديدات بالانسحاب، انتهت الجلسة الأولى الرفيعة المستوى بين الوفدين الأميركي والإيراني تحت وساطة مزدوجة من قطر وباكستان. كان البروتوكول الموقّع في فرساي في 17 حزيران يبدو، حتى الآن، بمثابة هدنة هشّة؛ لكنه تحوّل، بعد المصادقة الرسمية على خريطة طريق تمتد 60 يوماً، إلى تمرين دبلوماسي فعلي. ومن المفترض أن تقود هذه الخريطة إمّا إلى اتفاق نهائي، على غرار الترتيبات التي تنظّم الشرق الأوسط منذ عام 1948، وإمّا إلى أزمة مفتوحة جديدة. أما المخاطر السياسية والعسكرية بين الطرفين، فلا تزال قائمة ضمن مهلة شديدة الانضغاط. دور قطر يعكس الدور المحوري الذي تؤديه قطر في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، من جهة، أن الابتزاز الإيراني عبر قصف الإمارة قد أتى ثماره، ومن جهة أخرى، عودة قوية للدبلوماسية التبادلية، حيث تتراجع الجغرافيا السياسية أمام ما يشبه عقداً تجارياً. فقطر، التي كانت تاريخياً مستودعاً للقنوات المالية السرية بين واشنطن وطهران، فرضت حضورها في سويسرا من خلال قوتها الناعمة، كضامن لنوع من الاستقرار الإقليمي. وبحكم مشاركتها إيران في أكبر حقل غازي في العالم، وفي الوقت نفسه استضافتها القاعدة العسكرية الأميركية الرئيسية في الشرق الأوسط، عرفت قطر كيف تناور، أولاً لترتيب تجميد الأصول الإيرانية تحت ضغط واشنطن، ثم لفكّ تجميدها في مرحلة ثانية، بما سمح بإعادة فتح مضيق هرمز. لكن قوة هذه الوساطة القطرية تكمن أيضاً في عمق شبكاتها الاقتصادية مع فريق دونالد ترامب. فسواء تعلّق الأمر بصهر دونالد ترامب، جاريد كوشنر، أو بالمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الحاضرين في سويسرا إلى جانب جي دي فانس، فإن الشخصيتين الأساسيتين في الوفد الأميركي تربطهما علاقات مالية وثيقة بصناديق الثروة السيادية التابعة للإمارة. وقد أتاح هذا التشابك غير المسبوق بين المصالح الخاصة وشؤون الدولة تحويل نزاع أيديولوجي شديد الاشتعال إلى طاولة تفاوض تجارية، ولكن من دون أن يخلو ذلك من المخاطر. ومن خلال إدخال قطر أيضاً إلى قلب خلية خفض التصعيد على الجبهة اللبنانية، تكون واشنطن قد صادقت على بروز رعاية قطرية تعيد رسم توازنات القوى في الشرق الأوسط. أما الأسوأ بالنسبة إلى لبنان في هذه القضية، فسيكون اتفاق دوحة جديداً شبيهاً باتفاق عام 2008. إن أبرز جديد خرجت به المفاوضات في سويسرا هو خريطة الطريق هذه، التي تطلق سباقاً حقيقياً مع الوقت مدته 60 يوماً، مع مفاوضات تقنية مطوّلة تهدف إلى تنفيذ بروتوكول التفاهم. وتبقى الفرق المعنية في بورغنشتوك، فيما يُفترض أن تتكاثر ورش العمل التقنية. وهذا الجدول الزمني الصارم يحاصر واشنطن وطهران في فخ سياسي، حيث تتحول المهلة اللازمة لتقديم التنازلات إلى عدّ تنازلي قابل للاشتعال تحت ضغط العوامل الداخلية في كلا البلدين. هل يمكن تمديد مهلة الستين يوماً؟ لا تملك الإدارة الأميركية ترف الوقت: فالبيت الأبيض يحتاج بصورة ملحّة إلى نتائج سريعة من أجل تثبيت أسواق الطاقة وتأكيد عقيدته القائمة على الدبلوماسية التبادلية. إن تعثراً تقنياً في سويسرا، مقروناً بإمكانية تمديد الهدنة، سيمنح إيران السيناريو المثالي: مواصلة تحصيل عائدات النفط بفضل الرفع المؤقت للعقوبات المفروضة على بيع نفطها، مع إبقاء الغموض قائماً حول برنامجها النووي. وأمام هذه الساعة الإيرانية التي تدور، قد يجد الجهاز التنفيذي الأميركي نفسه عالقاً في فخ رأيه العام اليميني، ولا سيما السيناتور روجر ويكر، الجمهوري عن ولاية ميسيسيبي ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، الذي أعلن علناً أن هذا الاتفاق «يفاوض على الانتصارات العسكرية» للجيش الأميركي و«يكسرها». أما السيناتور تيد كروز، الجمهوري عن ولاية تكساس، فيشنّ هجوماً عنيفاً على فكّ تجميد 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، معتبراً أن إرسال المليارات إلى آيات الله يعني تمويل الإرهاب المعادي لأميركا بشكل مباشر، كما يكرّس السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز. من جهته، يندّد السيناتور جون كورنين، الجمهوري عن ولاية تكساس، باتفاق يسمح لإيران ببيع نفطها بحرية وإعادة ملء خزائنها لإعادة بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية، من دون أي مقابل يتعلق بتفكيك برنامجها النووي. أما السيناتور ريك سكوت، الجمهوري عن ولاية فلوريدا، فيعبّر من جهته عن رفض قاطع للثقة بنظام طهران. لكن الأهم بينهم هو السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، وأحد أقرب حلفاء دونالد ترامب، الذي تبنّى موقفاً حذراً ولكن حازماً: فهو يطالب بأن يُعرض أي اتفاق نهائي على الكونغرس للموافقة والتصويت، رافضاً أن ينفرد الجهاز التنفيذي وحده بالمصادقة على فكّ تجميد الأموال. وعليه، إذا كان يفترض بالهدنة الممتدة 60 يوماً أن تفضي إلى معاهدة، فإن دونالد ترامب سيجد نفسه في مواجهة ائتلاف من الصقور الجمهوريين الذين يصرخون بالخيانة، ومن الديمقراطيين الذين ينددون بشيك على بياض. وتشكل هذه المعارضة العقبة الداخلية الأولى أمام نجاح خريطة الطريق السويسرية. عندما يحضر الكابيتول إلى بورغنشتوك يتعرض دونالد ترامب أيضاً لضغوط من يساره. ففي 23 حزيران الجاري، أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي، بأغلبية 50 صوتاً مقابل 48، قراراً يحد من صلاحيات الرئيس في شن الحرب. ولا يملك هذا القرار الدستوري قوة قانونية قادرة على شلّ البيت الأبيض، لكن توقيته السياسي محرج. فمن خلال تحالفهم مع الديمقراطيين، كسر أربعة سيناتورات جمهوريين وحدة معسكرهم للطعن في احتكار دونالد ترامب قرار الحرب ضد طهران، مطالبين إياه بالحصول على موافقة الكونغرس على أي عمل حربي. وتضعف هذه الوضعية التشريعية موقف المفاوضين الأميركيين في بورغنشتوك: فإيران باتت تعلم الآن أن تهديد دونالد ترامب باستئناف القصف عند أول تجاوز بات مقيداً سياسياً بكونغرس قادر على تهديده بقطع التمويل اللازم. وفوق ذلك، فإنها تدفع الرئيس الأميركي، الغاضب مما يصفه بـ«خطأ وطني»، إلى تشديد لهجته لإثبات سيادته، ولو أدى ذلك إلى تقويض ورش العمل التقنية بنفسه عبر مواقف نارية على شبكات التواصل الاجتماعي. وبين مطالب مجتبى خامنئي، وغضب حليف إسرائيلي مهمّش وامتداداته داخل الإدارة الأميركية، والصحوة الدستورية للكونغرس الأميركي نفسه، تبدو خريطة الطريق الممتدة 60 يوماً أكثر من أي وقت مضى بمثابة هدنة مؤقتة هشّة، يترقب فيها كل طرف أول خطأ يرتكبه الطرف الآخر. عدم القدرة على التنبؤ بالموقف الأميركي والدبلوماسية المزدوجة فقد كادت المفاوضات، بالفعل، أن تنهار عندما هدد دونالد ترامب، في 21 حزيران الجاري، خلال مقابلة مباشرة على قناة فوكس نيوز، باستئناف القصف ضد إيران والتدخل في مضيق هرمز إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال 60 يوماً. عندها علّق الوفد الإيراني مشاركته، وتطلّب الأمر جهداً مكثفاً من المصالحة بذله القطريون والباكستانيون لإعادة المفاوضين إلى الطاولة. ويجسد هذا النوع من التدخلات العلنية توتراً دائماً بين دبلوماسية ميدانية يقودها جي دي فانس وجاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وبين خطاب رئاسي يذكّر بموقع مركز القرار، ولو على حساب التقدم المحقق خلف الكواليس. وهنا يكمن جوهر المفارقة الاستراتيجية: الجمع بين تهديد لفظي بأقصى درجاته وممارسة دبلوماسية براغماتية. قد تنجح هذه المفارقة، بالطبع، في فرض تنازلات، لكنها تؤدي أيضاً إلى أزمات ثقة لدى الجانب الإيراني، كما لدى الجانبين الباكستاني والقطري. (يتبع)

منطق الانتصار وبيع الاوهام الايديولوجية
بقلم
منى فياض
نُشر
يونيو 22, 2026 - 16:37

علّق مواطن جنوبي على عودة النازحين الى الجنوب بالتالي: " إن عدتم… عودوا بصمتٍ يليق بما حدث، لا بضجيجٍ يطعن ما تبقّى من الحياة. لا ترفعوا شارات النصر فوق أرضٍ لم تجفّ دموعها بعد، ولا تلوّحوا بالرايات حيث ما زال الغُبار يحجب ملامح الوجوه التي لم تُنتشل من تحت الركام. عودوا… ولكن اخلعوا عن أكتافكم غرور الشعارات، فهنا ليست منصّات للاحتفال، بل قبورٌ مفتوحة..." إذا تتبعت تصريحات نعيم قاسم، الذي يطل علينا اكثر من مرة في الاسبوع، فهو قد انتصر وتغلب على اسرائيل وحرر لبنان؛ لذا يحق له أن يتهم رئيسي الجمهورية والحكومة بالخيانة والعمالة ويطالب بإسقاط الحكومة التي يمتنع عن إقالة ممثليه منها. في وقت وصلت اسرائيل فيه الى مشارف النبطية وتقصف قرى الزهراني وتحاول احتلال اهم تلة مشرفة - علي الطاهر، هذا والقتلى أكثر من ٤ ٱلاف والجرحى ١١ الف والبيوت المهدمة والقرى الممحية عن وجه الارض.. كل ذلك ليس سوى انتصارات الهية. وعندما يتحدث المسؤولون اللبنانيين مع الأميركيين، هم خونة، ولكنهم يفتخرون عندما يعلن ترامب أنه التقى بحزب الله. وعندما يبرم لبنان اتفاق وقف نار يستنكرون على الدولة ولا يعترفون به، ويقبلون بوقف إطلاق نار ايراني.. ماذا يمكن ان نسمي هكذا عقل ومنطق أو بالأحرى "اللاعقل واللامنطق"؟ إنه تجسيد لفصل الواقع الميداني عن الخطاب التعبوي. حين يقول نعيم قاسم إن "الانتصار تحقق"، فهو ليس قياساً بالمعايير التي يستخدمها الناس عادة أمام: خسائر بشرية، دمار، سيطرة على الأرض. بل قياس ضمن منطق مختلف، يتلخص بالتالي: أولاً: إعادة تعريف الانتصار، الذي لا يعني هزيمة العدو عسكرياً أو حماية الأرض والسكان، بل يعني "صمود" الحزب وعدم انهياره الكامل. والقدرة على الاستمرار بالقتال والرد، ولو بشكل متقطع وغير فعال. بهذا التعريف، يمكن تحويل أي نتيجة تقريباً إلى "انتصار"، حتى في ظل خسائر فادحة. أيضاً: نقل المعركة من الواقع إلى السردية. فعندما تصبح الوقائع صعبة على الاحتمال (دمار، قتلى، تراجع ميداني)، يتم تعويضها بسردية إعلامية قوية: تضخيم الإنجازات الرمزية، وتجاهل أو تبرير اية خسائر، وشيطنة وتخوين أي صوت داخلي معترض. وهنا يصبح من يعارض هذه السردية "خائناً"، لأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، انها معركة على الرواية. ثم ينتقل الى منطق "احتكار الوطنية"، فيتهم الدولة أو المسؤولين بالخيانة (رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة). يدخلنا ضمن منطق يعتبر أن: الشرعية ليست للدولة، بل "للمقاومة".، وأي تفاوض مع الخارج (خصوصاً مع أميركا) هو خيانة، بينما التواصل نفسه يصبح مقبولاً إذا تم عبر قنواتهم أو يخدم خطابهم، على ما سبق ان مارسوه مرات عدة. كيف نفسّر هذا المنطق؟ يمكن تفسيره بعدة مفاهيم معروفة في العلوم السياسية والاجتماع: ازدواجية المعايير، والتفكير الإيديولوجي المغلق: حيث تُرفض الوقائع إذا خالفت العقيدة. كما انها بروباغندا التعبئة التي تهدف الحفاظ على الالتفاف الشعبي حولها، وعلى رأس كل هذا: إنكار الواقع كلما اشتدّت الأزمات. والأدقّ انه "منطق تعبوي غير قابل للمحاسبة"، لأنه لا يسمح بقياس النتائج ولا بمساءلة القرار. جميعها مقدسة وإلهية. الخطر الحقيقي لهذه السياسة المفروضة، لا تقتصر على التناقض، بل على نتائجها الكارثية: تعطيل الدولة ومؤسساتها ضرب مفهوم الحقيقة نفسها (كل شيء يصبح قابلاً للتأويل) تحويل المجتمع إلى معسكرين: "مؤمن" و"خائن" . وهذا بالضبط ما يجعل أي نقاش عقلاني شبه مستحيل. المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالدعاية او بالتناقض، المشكلة في أدوات التفكير نفسها. لقد أصبحت أدوات التفكير هذه أوثاناً تُعبد. وكان بول فاليري يحذر من أن يتحول الانسان من مستخدم لأدوات التفكير الى خادم لها. فنحن أمام: مفاهيم قديمة (انتصار\ هزيمة، مقاومة \ خيانة) يعاد استعمالها، وصيغ جاهزة للتفسير لا يحيدون عنها، وقوالب لغوية ثابتة. هذه كلها تتحول من أدوات إلى مرجعيات مقدسة. لكنهم لا يرون أنها قديمة. هنا يتخطى سؤالنا: هل هذا التحليل صحيح؟ ويصبح: هل انه ينتمي إلى القاموس المقبول داخل الجماعة؟ ثانياً: العقل "الماضوي"، ليس جهلاً، بل بنية. انه عقل ماضوي يلائم نفسه مع الحاضر. فهو ليس خارج الحاضر، بل يعيش فيه، لكن بأدوات من زمن آخر. كيف يعمل هذا العقل؟ يقوم "بإسقاط الماضي على الحاضر"، كل حدث يُفهم كأنه تكرار لمعركة سابقة، وامتداد لسردية قديمة (مقاومة/تحرير/مؤامرة) . في تجاهل تام إلى أن "الشروط نفسها تغيرت"، وأن ميزان القوى تغيّر، وأن طبيعة الحرب تغيّرت، وأن المجتمع نفسه تغيّر. مع ذلك بقيت الأداة نفسها ولم تتغير. لإنهم يحمون الهوية عبر الجمود. فأي تغيير ينظر اليها كتهديد وجودي، وليس كضرورة. يمكن ان تساعدنا مفاهيم دوركهايم على فهم هذا المنطق رغم تناقضاته، هو يتحدث عن "الوقائع الاجتماعية" التي تفرض نفسها على الفرد. فالرأي في هذه الحالة، ليس رأياً فردياً بل هو الخطاب الجماعي، و "الحقيقة جماعية المفروضة". يصبح الفرد عاجزاً عن رؤية التناقض، او هو لا يستطيع كسره حتى إن رآه؛ فكسره يعني الخروج عن الجماعة. قد نجد تفسيراً لهذا السلوك في نظرة كلود ليفي ستراوش إلى كيفية عمل العقل البشري وفقاً للبنى "structures". وغالباً عبر الثنائيات: نصر / هزيمة، خيانة / مقاومة، نحن / هم. وهكذا لا يعود الواقع مهماً، بل المهم هو إدخاله في هذه الثنائية. لذلك يحدث ما نراه يومياً: الهزيمة الميدانية تُعاد صياغتها كنصر، وتفاوض الدولة هو خيانة، أما تفاوض "المقاومة" فهو تكتيك ومشروع. وهذا ليس لأنهم لا يرون، بل لأن بنيتهم العقلية لا تسمح لهم برؤية أخرى. يعدّ ذلك أخطر من مجرد غياب منطق أو لاعقل، إنه عقل يعمل داخل نظام مغلق. لا يمكننا تصحيحه بالوقائع ولا بالحجج ولا حتى بالخسائر. كل معلومة جديدة يتم "هضمها" داخل البنية القديمة. هو نظام إدراك كامل يعيش على أدوات ميتة… لكنه يعيد إحيائها كل يوم.

الهندسة السيميائية للسلطة
بقلم
يقظان التقي
نُشر
يونيو 21, 2026 - 17:27

لم يعد الخطاب السياسي المعاصر يُقاس بما يقوله القائد فقط، بل بما تُنتجه كلماته وحركاته وصوره من معانٍ ورموز. ومن هذه الزاوية، يشكل أداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب أحد أبرز النماذج السيميائية في السياسة المعاصرة، حيث تتحول اللغة والجسد والصورة إلى أدوات متكاملة لإنتاج السلطة والتأثي. ويمثل الخطاب السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب حالةً استثنائية في الأدبيات السياسية المعاصرة، لما يتضمنه من خصائص لغوية وسيميائية جعلته موضوعاً للدراسة في علوم السياسة والاتصال وعلم النفس السياسي. فلا يقتصر تأثيره على مضمون الخطاب، بل يمتد إلى منظومة متكاملة من العلامات اللفظية والبصرية والجسدية، التي تعيد تشكيل العلاقة بين الزعيم والجمهور، وتمنح أداءه السياسي طابعاً خاصاً يقوم على صناعة الحضور أكثر من مجرد نقل الرسائل. ولم تعد هذه السيميائية مجرد إطار نظري لتحليل شخصية سياسية، وفق منظّري تحليل الخطاب والسيميائيات، مثل Roland Barthes، وUmberto Eco، وTeun A. van Dijk، بل غدت مدخلاً ضرورياً لفهم كيفية إدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها الدولية في المرحلة الراهنة. فقد أظهرت نتائج قمة مجموعة السبع الأخيرة أن الحضور الأميركي لم يكن محكوماً بالبيانات الختامية بقدر ما كان محكوماً بحضور الرئيس نفسه، حيث تحولت الإيماءات، وطريقة إدارة اللقاءات الثنائية، والتصريحات المقتضبة، وحتى الغموض المقصود في بعض المواقف، إلى رسائل سياسية موازية للقرارات الرسمية. وفي هذا السياق، لم تعد الصورة والرمز أقل تأثيراً من النصوص الدبلوماسية، بل أصبحت جزءاً من عملية التفاوض وصناعة التوازنات الدولية، الأمر الذي يعكس انتقال السياسة المعاصرة من منطق الدبلوماسية الكلاسيكية إلى منطق "إدارة الانطباعات"، حيث تُنتج العلامة السياسية أثراً قد يفوق أثر القرار ذاته. يعتمد ترامب لغة بسيطة ومباشرة مقارنة بأسلافه، مستخدماً جملاً قصيرة، وأفعالاً في صيغة الحاضر، وتكراراً كثيفاً للشعارات، الأمر الذي يوسع قاعدة المتلقين ويمنح خطابه طابعاً آنياً وحيوياً. وتتكامل هذه البنية اللغوية مع أداء جسدي يقوم على نبرة صوت حادة، وإيماءات متكررة، وتعابير وجه مبالغ فيها، ووقفة جسدية توحي بالثقة والتحدي، لتشكل جميعها نظاماً سيميائياً مدروساً يعزز صورة القائد الحاسم. وقد عادت السيميائية إلى واجهة التحليل مع ولايته الثانية، ليس فقط بسبب قراراته المثيرة للجدل، كفرض الرسوم الجمركية أو إعادة رسم أولويات السياسة الخارجية، بل أيضاً بسبب أسلوبه في إدارة الأزمات وصناعة الغموض السياسي. فقراراته وتصريحاته كثيراً ما تُحدث حالة من اللايقين داخل الولايات المتحدة وخارجها، بما يجعل الغموض نفسه أداة سياسية تُستخدم في التفاوض وإدارة الصراعات. وتتجلى هذه المقاربة في مواقفه من الحلفاء والخصوم على السواء، سواء في انتقاد المؤسسات الدولية، أو مواقفه من الحرب في غزة، أو تصريحاته بشأن غرينلاند وقناة بنما، أو علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو خطابه المتشدد تجاه الهجرة، أو هجومه المتكرر على النخب السياسية والإعلام، وتقديم نفسه بوصفه المنقذ في مواجهة "الدولة العميقة". كما يتكرر هذا الأسلوب في مواجهاته مع خصومه السياسيين، وفي طريقته في مخاطبة القادة الأجانب، بما يجعل الاستفزاز جزءاً من أدوات التواصل السياسي لديه. ويكشف التحليل اللغوي السيميائي أن خطاب ترامب يقوم على ثنائية حادة بين "الأنا" و"الآخر"، حيث يحتكر لنفسه ولأنصاره صفات القوة والشرعية، مقابل تصوير الخصوم باعتبارهم مصدر الخطر والفساد. كما أن ميله إلى الجمل القصيرة والتراكيب المباشرة ليس دليلاً على البساطة، بل يمثل خياراً تواصلياً مقصوداً يهدف إلى تسهيل تداول الرسائل إعلامياً وتعزيز حضورها في الوعي الجمعي. ويبرز التكرار باعتباره إحدى أهم أدواته البلاغية؛ فشعارات مثل "أميركا أولاً"، و"بناء الجدار"، و"استنزاف المستنقع"، أو تأكيده المتكرر أن "إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً"، تتحول إلى رموز سياسية تختزل برامج كاملة في عبارات قصيرة سهلة التداول. وهكذا يصبح التكرار وسيلة لترسيخ الأفكار وإغلاق باب النقاش قبل افتتاحه، أكثر منه مجرد أسلوب لغوي. كما يوظف ترامب اللغة لإنتاج حالة من الاستقطاب السياسي، فيبني هوية جماعية لأنصاره باعتبارهم "الأميركيين الحقيقيين"، في مقابل "الإعلام الكاذب" و"النخب الفاسدة" و"أعداء الشعب". ولا يتردد في استخدام أوصاف قاسية ومثيرة للجدل بحق خصومه، أو حلفائه ( بنيامين نتنياهو ) بما يحول الخطاب السياسي إلى معركة رمزية هدفها تعزيز الولاء الداخلي أكثر من إقناع الخصوم. ويتجاوز هذا الأداء حدود اللغة إلى الجسد بوصفه أداةً للتواصل السياسي. فالإيماءات، ونظرات العين، وحركة اليدين، وطريقة الوقوف على المنصة، وحتى الرقصة التي يؤديها أحياناً في ختام تجمعاته الجماهيرية، تشكل جميعها علامات سيميائية تؤكد صورة الزعيم الواثق الذي يكسر الأعراف السياسية التقليدية. وعندما تترافق عباراته الحاسمة مع إشارات جسدية قاطعة، تتضاعف قوة الرسالة ويتحول الخطاب إلى أداء بصري متكامل. وينتمي المعجم السياسي لترامب إلى ثلاثة حقول دلالية رئيسية: الحرب والمواجهة، والتفوق والاستثنائية، وتجسيد الشر. فهو يكثر من استخدام مفردات مثل "دمرنا"، و"الأعظم"، و"الأقوى"، و"الشرير"، بما ينسجم مع رؤية شعبوية ترى العالم في إطار صراع دائم بين الخير والشر، وبين الأمة وأعدائها. وقد انعكس هذا الأسلوب على عدد من القادة الشعبويين حول العالم، مثل الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، بما يعكس اتجاهاً سياسياً يتحدى كثيراً من مرتكزات الديمقراطية الليبرالية التقليدية، ويمنح الأولوية للزعامة الشخصية على حساب المؤسسات والتعددية الديمقراطية والضوابط الدستورية. ويبرز في الخطاب الترامبي بعدٌ آخر يتمثل في توظيف الرموز المرتبطة بالرجولة السياسية، حيث لا يقتصر الصراع على البرامج والسياسات، بل يمتد إلى تمثلات القوة والهيمنة داخل المجال العام. ففي مواجهاته مع هيلاري كلينتون ثم كامالا هاريس، غالباً ما اتخذ الخطاب منحىً يتجاوز الاختلاف السياسي إلى إعادة إنتاج ثنائية القوة/الضعف والزعيم/الخصم، من خلال السخرية، والتقليل من الكفاءة، وإبراز صورة الخصم بوصفه فاقداً للحزم أو القيادة. وفي هذا السياق، لا تعمل الذكورية باعتبارها سمة شخصية فحسب، بل كأداة سيميائية تُنتج صورة القائد القادر على فرض الإرادة، وتعزز لدى الجمهور الشعبوي نموذج "الرجل القوي" في مواجهة النخب التقليدية. وحتى عندما يتعامل مع شخصيات محافظة أو حليفة مثل جورجيا ميلوني، فإن أسلوبه القائم على المزاح الحاد أو السخرية العابرة يعكس نزعة إلى احتكار مركز القيادة الرمزية ، وإبقاء الآخرين داخل فضاء يدور حول حضوره الشخصي، بما يجعل الشخصية السياسية نفسها جزءاً من أدوات إنتاج السلطة. ومن منظور سيميائي، فإن الذكورية في خطاب ترامب لا تُقرأ بوصفها موقفاً من المرأة بحد ذاته، بل بوصفها علامة سياسية تُستثمر في بناء صورة الزعيم المهيمن، حيث يتحول الأداء اللغوي والجسدي إلى وسيلة لإنتاج التفوق الرمزي وترسيخ علاقات القوة داخل المجال السياسي. ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين تحليل الأسلوب السياسي وإطلاق الأحكام المسبقة. فالقراءة العلمية تستوجب فحص الوقائع والخطابات في سياقها، بعيداً عن الانحيازات السياسية أو الرغبات الشخصية. فكل رؤية سياسية للعالم تنطلق، في النهاية، من تصور معين للطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد لدى الباحثين بالاستفادة من علم الأعصاب وعلم النفس السياسي لفهم آليات اتخاذ القرار وصناعة القيادة. إن تجربة ترامب لا تقدم نموذجاً مختلفاً في الخطابة السياسية فحسب، بل تكشف تحولاً أعمق في طبيعة القيادة المعاصرة، حيث أصبحت الصورة والإيماءة والرمز عناصر فاعلة في إنتاج القوة السياسية إلى جانب القرار والمؤسسة. ومن هنا، تبدو السيميائية السياسية اليوم أداةً تفسيرية لا غنى عنها لفهم التحولات التي يشهدها النظام الدولي، في زمن لم يعد فيه الصراع يدور حول السياسات وحدها، بل حول المعاني التي تُنتجها القيادة وكيفية إدراكها وتداولها عالمياً.

مذكرة تفاهم أم حرب معلّقة؟
بقلم
خليل حلو
نُشر
يونيو 19, 2026 - 17:11

فيما تبدو إيران عمليًا في حالة خراب، تترك مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران في 17 حزيران الجاري رياحًا من الشك تهب على الشرق الأوسط. فما دام النظام الإيراني قائمًا، وما دامت أذرعه الإقليمية باقية، ولو منهكة، فإن الدينامية المتوقعة لن تكون مختلفة إطلاقًا عن تلك التي سادت المنطقة منذ الثورة الإسلامية عام 1979 في طهران. وعليه، ستواصل إيران استخدام مزيج من الأيديولوجيا والبراغماتية لضمان بقائها أولًا، ثم لإعادة تثبيت حضورها الإقليمي، مع إبقاء التوترات قائمة. تُعد عملية "Epic Fury" بلا شك تحفة في التنفيذ التكتيكي، لكنها حتى الآن من دون مكسب استراتيجي واضح، فيما تحاول إيران أن تثبت، عبر الدعاية الزائفة والتلاعب الإعلامي والقرصنة السياسية، أنها "الرابح" الأكبر. ويصف المحلل الجيوسياسي جورج فريدمان الوضع الراهن بأنه "مفارقة القوة في الشرق الأوسط"؛ أي بعبارة أخرى، عالم بلغت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل مستوى غير مسبوق من الهيمنة العسكرية التقليدية منذ مطلع القرن، من دون أن تتمكنا مع ذلك من تحقيق جميع أهدافهما الاستراتيجية. ينبغي التذكير باستمرار، في مواجهة الدعاية الإيرانية، بأن حجم الدمار الذي لحق بإيران خلال 40 يومًا كان هائلًا. فقد نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو 18500 طلعة جوية، وضربتا 130000 هدف إيراني بدقة جراحية واضحة، بحسب مجلة "Foreign Affairs"، ما أدى إلى تدمير 85% من منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، والقضاء على 70% من البنى التحتية الخاصة بإطلاق الصواريخ. كما أن الضربة الافتتاحية التي استهدفت رأس القيادة الإيرانية، وأدت إلى مقتل نحو 40 من كبار القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين، بمن فيهم علي خامنئي نفسه، أفضت إلى استبدالهم بجيل جديد من ضباط الحرس الثوري الإيراني، أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية، وقد تحرك هؤلاء بسرعة لتفادي انهيار النظام. مذكرة تفاهم هشة إن مذكرة التفاهم التي وقعها دونالد ترامب ومسعود بزشكيان في 17 حزيران تبدو أقرب إلى مرحلة توقف مؤقت منها إلى معاهدة سلام. فالعوامل التي سرّعت الوصول إليها ذات منشأ سياسي داخلي لدى الأطراف الثلاثة المتحاربة، أكثر مما هي مرتبطة بالوضع العسكري. ففي الولايات المتحدة، أصبحت التوترات الداخلية، كما في كل حرب منذ عام 1917، أولوية تتقدم على الاعتبارات الجيوسياسية. يواجه الرئيس دونالد ترامب ضغوطًا من كل الجهات، ولا سيما من جناح داخل حزبه نفسه، أنهكته الحرب ويرى في النزاع إخلالًا بوعوده الانتخابية، رغم أن الخسائر الأميركية في الأرواح البشرية لا تزال ضئيلة. ويستغل خصومه، في صفوف الحزبين، التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز كسلاح ضد إدارته. أما الحزب الديمقراطي، فلا يوفر أي جهد لتشويه صورته، أيًا كان ما يفعله. إلى جانب ذلك، ثمة تباعد متزايد بين واشنطن والقدس: ففي حين ترى الولايات المتحدة أن وقف الأعمال العدائية يشكل استراحة ضرورية لإعادة تكوين بعض مكونات ترسانتها التي بلغت مستويات متدنية جدًا، ولمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار النفط، تبقى إسرائيل في وضعية وجودية. من جهته، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عاصفة سياسية وضغوطًا من اليمين، يقودها المتشددون الدينيون على خلفية التجنيد العسكري. وينظم هؤلاء اعتصامات أمام السجون التي يُحتجز فيها الرافضون الالتحاق بالثكنات. أما من جهة اليسار، فيواجه نتنياهو من يطالبون برحيله الفوري عبر التظاهرات وقطع الطرقات. وفي النهاية، يجد نفسه عالقًا بين إغضاب ترامب ومواصلة الحرب بكثافة في لبنان، أو إغضاب جهازه الأمني المصمم على تحقيق "نصر كامل" يشمل التفكيك الكامل لحزب الله والنهاية النهائية للبرنامج النووي الإيراني. أما في إيران، فيواجه الجيل الجديد من الحرس الثوري، منذ صيف 2025، أزمة اقتصادية غير مسبوقة، زادتها الحرب تفاقمًا، فيما يجد نفسه بشكل مأساوي من دون الموارد اللازمة لإدارتها. ويخشى جزء من القادة الإيرانيين الجدد انهيار النظام إذا استمرت الحرب، بينما يريد جزء آخر مواصلة استخدام مضيق هرمز واستثماره كورقة ضغط دائمة على الاقتصاد العالمي. وهكذا، تجد واشنطن وطهران والقدس نفسها منشغلة بتحدياتها الداخلية أكثر من انشغالها بالاعتبارات الجيوستراتيجية. وقد انتهت إلى قبول مذكرة تفاهم يمكن تفسير بنودها "على المقاس"، كما يشاء كل طرف، والنظر إليها بوصفها استراحة ضرورية. إعادة تكوين الترسانات لقد دُمّرت الترسانة الإيرانية الثقيلة عمليًا. ولم يبقَ لدى طهران سوى وسائل غير متكافئة متواضعة، لكنها كافية لإغلاق مضيق هرمز ومضايقة دول الخليج، ولا سيما نحو عشرة غواصات صغيرة من طراز غدير، وآلاف الطائرات المسيّرة من طراز شاهد 136، ومئات الزوارق السريعة الصغيرة، والألغام البحرية. في المقابل، كشفت عملية "Epic Fury" عن "معدل استهلاك" هائل للذخائر. ففي غضون أسابيع قليلة، أطلقت البحرية الأميركية أكثر من 1000 صاروخ كروز من طراز توماهوك، في حين أن القدرة الإنتاجية السنوية الحالية للولايات المتحدة تتراوح بين 90 و100 وحدة، علمًا أن الموازنة العسكرية الأميركية لعام 2027 تلحظ شراء 950 صاروخًا من هذا النوع ومن جيل أكثر تطورًا، ما يعني ضمنيًا تمويل خط الإنتاج لتسريع التصنيع. كذلك، أطلق الجيش الأميركي 53% من صواريخ "ثاد" الاعتراضية المضادة للصواريخ، الفريدة عالميًا، والتي كانت لديه قبل الحرب، و46% من صواريخ باتريوت، للتصدي لأسراب من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية المنخفضة الكلفة. مع ذلك، تنفذ وزارة الدفاع الأميركية ورشة لتصميم أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة والصواريخ، بكلفة مقبولة وفعالية محسنة، بهدف توفير الذخائر المتطورة والمكلفة. كان البنتاغون يدرك أنه يربح الحرب في الجو، لكنه يخسر في الحسابات المالية. وفي الخلاصة، تبيّن أن هدنة لإعادة ملء المخزونات أصبحت ضرورية لكل من واشنطن وطهران. عقيدة أميركية جديدة للمنطقة؟ تشير قراءة في العدد الأخير من مجلة "Foreign Affairs" إلى إعادة صياغة جوهرية للقوة الأميركية بعد حرب الأربعين يومًا. فالولايات المتحدة ستستفيد من الهدنة التي أفرزتها مذكرة التفاهم لإعادة تنظيم حضورها في المنطقة، بعدما باتت غير قادرة على أن تكون الضامن الأمني الوحيد لها، في وقت أظهرت الدول العربية إرادة راسخة في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإيرانية. وقد فعّلت بعض هذه الدول، ومنها قطر والمملكة العربية السعودية، القنوات الدبلوماسية في الوقت نفسه. لقد جرى تطوير وصول عسكري أميركي إلى الخليج الفارسي من الغرب، ولا سيما انطلاقًا من إسرائيل والأردن وغرب المملكة العربية السعودية، تحت اسم "Western Access Network" أو "شبكة الوصول الغربية"، وذلك خلال مرحلة التحضير لحرب الأربعين يومًا، إذ إن القواعد الأميركية الست عشرة حول الخليج الفارسي، في الكويت والبحرين وقطر والإمارات، كانت عرضة للمسيّرات الإيرانية. وقد أخلتها القوات الأميركية تحسبًا للنزاع. وتقترح القراءة نفسها في "Foreign Affairs" أيضًا "إنتاجًا مشتركًا" للذخائر مع حلفاء المنطقة، وهو أمر بدأ فعلًا، ولا سيما مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ما يحوّل دور واشنطن من ضامن للأمن إلى مدمج أمني. لكن ذلك يتطلب مزيدًا من التضامن بين الدول العربية وتفعيل اتفاقيات أبراهام. وبحسب كاتب المقال، فإن هذه عقيدة ضرورة لا خيار. إنها اعتراف بأن عصر الحلول العسكرية الأحادية القطب قد انتهى. وللدخول إلى العقد المقبل، يتعين على الولايات المتحدة أن تسهّل قيام بنية أمنية إقليمية تشمل تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر، مع محاولة حل "اللاموضوع" المتعلق بالدولة الفلسطينية، تلك العقدة الغوردية التي تحدّت كل إدارة أميركية منذ خمسة وسبعين عامًا. مذكرة تفاهم... وماذا عن لبنان؟ تبدو المفاوضات الإسرائيلية-اللبنانية في واشنطن وكأن مذكرة التفاهم قد حجبتها. وكان قد طُرح فيها نموذج "المناطق التجريبية" الهادف إلى اختبار قدرة الدولة اللبنانية على إعادة تثبيت حضورها، ومنح الجيش اللبناني الوسائل اللازمة لتأمين هذه المناطق ومنع حزب الله من العودة إليها. فهل ستستمر هذه المفاوضات في ظل رفض حزب الله ونبيه بري لهذه المناطق التجريبية، ورغبتهما في الاحتكام إلى محمد باقر قاليباف؟ لقد حوّل "الخط الأصفر" وهدم المنازل، بما يمنع عودة السكان، جنوب لبنان فعليًا إلى أرض حرام دائمة. وهذا يمنح حزب الله هامشًا لرفع السقف، وإعادة إبراز خطاب المقاومة، ورفض تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية. يُضاف إلى كل ذلك مبدأ الدفاع الذاتي الإسرائيلي الذي يجيز لقواته إطلاق النار على أي "مصدر اشتباه"، ما يعني أن مخاطر انهيار وقف إطلاق النار في لبنان كبيرة. وقد يلقى وقف إطلاق النار هذا، في 17 حزيران 2026، المصير نفسه الذي لقيته اتفاقات وقف إطلاق النار في 1993 و1996 و2006 و2024. ويبقى أمل واحد في مواجهة هذا الوضع: عودة الدولة اللبنانية إلى الظهور، وهي عودة لا تزال منتظرة منذ بداية العهد الرئاسي الجديد. ربما ذات يوم؟