شعار Levant Time

تحليل

الحرب في أوكرانيا: الأخطاء الاستراتيجية الروسية وسوء التقدير الغربي (3/5)

تواصل الحرب في أوكرانيا تصدّر النقاشات الدولية، في ظل قصف شبه يومي يستهدف، من الجانبين، مواقع حيوية، ولا سيما العاصمتين الروسية والأوكرانية. ولفهم مختلف أبعاد هذا الصراع القديم بصورة أفضل، لا بد من العودة إلى مقدماته وجذوره التي أفضت إلى اندلاع هذه الحرب (التي يمكن وصفها بالأخوية)، مع استعراض دوافع وتطلعات الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا، بما في ذلك جميع دول حلف شمال الأطلسي باستثناء تركيا)، فضلاً عن التذكير ببدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى السلام، أو على الأقل إلى مفاوضات، مع الإقرار بأن المسؤوليات في هذا السياق متعددة. ولفهم مختلف جوانب الحرب في أوكرانيا، تبرز منذ البداية مجموعة من الأسئلة الأساسية: ماذا تمثل روسيا وأوكرانيا بالنسبة إلى الغرب؟ وما التداعيات العملية لانتصار حاسم لأي من الطرفين؟ وما الانعكاسات التي قد تترتب على ذلك بالنسبة إلى الغرب والشرق الأوسط؟ في سلسلة من خمسة مقالات، يعرض جان-باتريك دايراس ، الأميرال البحري المتقاعد في البحرية الفرنسية، رؤيته وتحليله لهذه القضية. كان يمكن لأوكرانيا أن تصبح دولة شريكة لأوروبا من دون أن تكون عضواً فيها أو مرشحة للانضمام إليها، ومن دون الانتماء إلى حلف شمال الأطلسي. وفي هذا السياق، يمكن تحميل الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب بريطانيا، جانباً من المسؤولية. كما ارتكبت أوكرانيا نفسها أخطاء مؤسفة بحق السكان الناطقين بالروسية وفي مناطق الشرق. وكان من الممكن أن يؤدي اعتماد موقف أكثر حزماً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقة بناءة مع روسيا والرغبة في البقاء قريبة منها، حيث يعيش عدد كبير من الأوكرانيين، إلى تخفيف التوتر وإقامة شراكة مع كل من أوروبا وروسيا. قد لا يكون ذلك مضمون النجاح، لكنه كان يستحق المحاولة. فالأوروبيون، والولايات المتحدة، وروسيا، وأوكرانيا، جميعهم يتحملون قسطاً من المسؤولية، وجميعهم خسروا. ولماذا لم يكن من الممكن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق؟ لقد أدى موقف الغرب إلى تعزيز تكتل «بريكس+» واستقطاب مزيد من الدول نحو هذا التكتل، بدلاً من الديمقراطيات الغربية التي تسعى، في نظر كثيرين، إلى فرض نموذجها في الحكم وإدارة العالم بالقوة. ومع مرور الوقت، تبرز ثلاث نقاط رئيسية تستحق أن تُدرج ضمن قائمة الأخطاء، أو بالأحرى «الذنوب السياسية»، لأنها تنطوي على مسؤولية واضحة: اتفاقا مينسك 1 ومينسك 2 اللذان لم يُطبقا. وتتحمل أنغيلا ميركل وفرانسوا هولاند جزءاً مهماً من المسؤولية في هذا الشأن. فبعد الغزو الروسي، صرّح كل من ميركل وهولاند، في مقابلات صحافية، بأن الاتفاقين لم يكونا، في نظرهما، معدّين للتنفيذ بقدر ما كانا يهدفان إلى منح أوكرانيا الوقت لتعزيز قدراتها العسكرية. وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً. أما روسيا، فقد اعتبرتها دليلاً على أن الاتفاقات لم تُبرم يوماً بحسن نية. في المقابل، أوضحت ميركل وهولاند أن هدفهما كان الحيلولة دون اندلاع حرب أوسع بين عامي 2014 و2015، وأن تعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية أصبح نتيجة لغياب تسوية دائمة، وليس الهدف الوحيد من الاتفاقات. ومن الصعب تحميل هولاند أو ميركل وحدهما مسؤولية فشل تطبيق اتفاقات مينسك. فمعظم التحليلات تعتبرهما وسيطين لم ينجحا في فرض تنفيذ الاتفاقات، لا صاحبي القرار الأساسيين. أما المسؤوليات الرئيسية، فتقع على عاتق الأطراف المنخرطة مباشرة في النزاع، أي أوكرانيا وروسيا والسلطات الانفصالية، التي كانت تختلف جذرياً حول ترتيب تنفيذ الالتزامات. كما لا يتفق المؤرخون والمتخصصون جميعاً على تفسير تلك التصريحات. غير أنهم يجمعون في المقابل على أن اتفاقات مينسك كانت شديدة التعقيد، لأن الطرفين اختلفا حول تسلسل تنفيذها: فأوكرانيا كانت تطالب أولاً بالأمن والسيطرة على الحدود، بينما كانت روسيا تشدد على الإصلاحات السياسية ومنح دونباس وضعاً خاصاً قبل أي خطوة أخرى. أما الخطأ الثاني، فيتعلق بموقف بوريس جونسون، الذي لم يكن مشرّفاً. فقد طمأن الأوكرانيين، مؤكداً لهم حصولهم على دعم كامل، مع تزويدهم بالأسلحة والذخائر التي تضمن لهم تحقيق نصر سريع. ويُعدّ هذا، في رأي الكاتب، خطأً جسيماً، بل قاتلاً. فالتفاوض يبقى أفضل من الحرب، لأنه أقل كلفة من حيث الأرواح البشرية، والدمار، والمعاناة، والكراهية التي تخلّفها بين شعبين يرتبطان بروابط وثيقة. وكان من الممكن توقّع هذه النتائج، لأنها سبق أن ظهرت بوضوح خلال حروب البلقان. أما الخطأ الثالث، فهو الأخطاء الاستراتيجية الروسية. فقد بنت روسيا، بحسب الكاتب، خطتها على ما يُعرف في مدارس الجيوستراتيجية والكليات الحربية بـ«الافتراضات المسبقة بشأن العدو»، وهي افتراضات تبيّن أنها كانت خاطئة. فالدخول إلى أوكرانيا من دون إعلان حرب أدى إلى توحيد الشعب الأوكراني بأكمله، وهو موقف يستحق، برأي الكاتب، الإشادة. ومن المرجح أن الرئيس فلاديمير بوتين كان يعتقد أن الحكومة الأوكرانية ستسقط أو ستُطاح بسرعة، ما يتيح له تحويل أوكرانيا إلى دولة تدور في الفلك الروسي على غرار بيلاروسيا. لكن بوتين أخطأ في تقدير طبيعة الحرب. فهي لم تكن حرباً تستجيب لاستراتيجية عسكرية، بل كانت رهاناً سياسياً خاطئاً بُني على فرضيات غير صحيحة، أبرزها الاعتقاد بأن السلطة الأوكرانية ضعيفة ويقودها رجل إعلام يفتقر إلى الخبرة السياسية. ويرى الكاتب أن تطورات الأحداث أظهرت لاحقاً أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي كان يعتمد بصورة كبيرة على الدعم الأمريكي. أما على المستوى التكتيكي، فلم يكن الأداء الروسي أفضل حالاً. فقد استلزم الزحف الواسع للدبابات توفير إمدادات مستمرة من الوقود والذخيرة، وهو ما لم يكن متوافراً بالشكل الكافي. ويشير الكاتب إلى المقولة الشهيرة: «الخدمات اللوجستية ستلحق بالقوات»، مؤكداً أن الواقع يفرض أن ترافق العمليات العسكرية، بل أن تسبقها إن أمكن. ويستشهد في هذا السياق بما فعلته الولايات المتحدة خلال حرب تحرير الكويت. كما تم التقليل من شأن تهديد الطائرات المسيّرة، أو حتى تجاهله. فقد كان الروس يقاتلون بلداً تعرض للغزو، لكنه يتمتع بقاعدة صناعية متطورة ويضم شعباً متعلماً ومبدعاً، وهو ما أثبته الأوكرانيون عملياً. ولم تعد هذه الحرب تشبه «الحرب الوطنية العظمى» التي جرى تمجيدها لعقود طويلة في روسيا وغرسها في أذهان الأجيال منذ الصغر، بل كانت حرباً مختلفة تماماً، لا تحمل الطابع الوطني ذاته بالنسبة إلى الروس. أما بالنسبة إلى الأوكرانيين، فقد كانت بالفعل حرباً وطنية بكل معنى الكلمة. فقد تعرض وطنهم للاجتياح، واحتُلت أراضيهم وحقولهم، ودُمّرت مدنهم ومنازلهم، وتعرضت نساؤهم للاغتصاب أو القتل أو الإصابة، وكذلك أطفالهم. لذلك كانوا يقاتلون دفاعاً عن أرضهم ووطنهم وشعبهم. ولم تسقط الحكومة الأوكرانية، بل ما زالت قائمة، حتى وإن لم تعد، بحسب الكاتب، الطرف الأنسب لبدء مفاوضات السلام. ويرى أنه قد يكون من المناسب التفكير في قيادة جديدة وفريق جديد لأوكرانيا يحمل رؤية مختلفة للمستقبل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على موقف حازم في التفاوض مع الرئيس بوتين. ويضيف أن وضع شروط مسبقة قبل بدء أي مفاوضات يؤدي في الغالب إلى طريق مسدود وإلى فشل العملية التفاوضية، وهو ما حدث بالفعل. مسؤوليات أخرى ساهمت في إطالة أمد الحرب المناورات السياسية المكثفة، بل المفرطة، التي قادتها بصورة خاصة دول البلطيق وبولندا ــ رغم أن الأخيرة بدأت مؤخراً تراجع موقفها ــ للتأثير في الدول الأوروبية والمفوضية الأوروبية، التي يرى الكاتب أنها تعمل تحت «توجيهات» رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، والتي يعتبر أنها لم ترتقِ إلى مستوى المسؤولية التي تتولاها. مواصلة تمويل أوكرانيا من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، ولا سيما من قبل الأخيرة مع تراجع انخراط واشنطن في تسوية النزاع، أسهمت، بحسب الكاتب، في استمرار الحرب وتعزيز قدرة الأوكرانيين على الصمود، وبالتالي رفع سقف مطالبهم. ويضيف أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي يواصل الضغط على قادة الدول والحكومات الأوروبية، مستخدماً أحياناً لهجة حازمة للحصول على مساعدات مالية وعسكرية أصبحت تشكل عبئاً متزايداً على أوروبا، ولا سيما فرنسا. ما لا يُقال لا يرحب السياسيون، في أوروبا كما في أماكن أخرى، بكشف مواطن ضعفهم أو إساءة استخدامهم للسلطة والنفوذ وتأثيرهم في وعي مواطنيهم. فمنذ أحداث ميدان عام 2014، كان المطلوب الاصطفاف إلى جانب أوكرانيا، وتصوير الأوكرانيين، ولا سيما الشباب منهم، على أنهم ضحايا للقمع الروسي. وقد بدا هذا الخطاب وسيلة فعالة لكسب التأييد الشعبي، وكأن مجرد كون الإنسان شاباً يمنحه تلقائياً صفة الحكمة والفهم العميق للعالم. وفي فرنسا، يمكن التذكير بأحداث مايو/أيار 1968 وما ترتب عليها، بحسب الكاتب، من تداعيات عميقة ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم، من بينها بداية تراجع هيبة الدولة والسلطة، ولا سيما سلطة الأب داخل الأسرة، ثم تراجع مكانة المدرسة والعمل. ويرى الكاتب أن معظم السياسيين الغربيين، ولا سيما في أوروبا الغربية، يعتمدون على مخاطبة المشاعر أكثر من اعتمادهم على التحليل العقلاني. فكل ما يحدث يُفسَّر من خلال العاطفة والانفعال. ومنذ عام 2014، ثم بصورة أوضح منذ عام 2022، أصبح الشعار الضمني، وفق رأيه، هو: «أنا أحب أوكرانيا، وأحب الأوكرانيين، أما الروس فهم متوحشون ومغتصبون وقتلة»، وكأن جميع الحروب والجيوش، بدرجات متفاوتة، لا تشهد تجاوزات وانتهاكات مماثلة. ويتساءل الكاتب: هل ينبغي على الفرنسيين أن يحبوا زيلينسكي؟ يبدو أن الطبقة السياسية، والمحللين على شاشات التلفزة، ووسائل الإعلام الرئيسية، يكررون ذلك باستمرار. لكن ما الذي يجعل زيلينسكي، في نظرهم، أكثر استحقاقاً للتعاطف من بوتين؟ ويتابع قائلاً إنه لا ينبغي تمجيد بوتين بالطبع، لكن لا ينبغي أيضاً شيطنة الشعب الروسي بأكمله أو نبذه. ويضيف أن الفساد مستشرٍ لدى الجميع، مذكّراً بأن أوكرانيا كانت تُصنَّف عام 2014 من بين أكثر دول العالم فساداً، وأن هذه الظاهرة لم تُستأصل حتى اليوم. كما يشير إلى أن بعض المساعدات الغربية قد لا تصل إلى وجهتها الأصلية، وأن عدداً من الأوكرانيين استقروا في أوروبا في انتظار انتهاء الحرب والعودة إلى بلادهم بعد إحلال السلام. ويخلص الكاتب إلى أن الغرب يدير الجغرافيا السياسية بمنطق العواطف أكثر مما يديرها بمنطق المصالح، معتبراً أن هذا ليس أسلوباً سليماً في التفكير أو التحليل أو صياغة العلاقات بين الدول. فالدول، في رأيه، لا تملك أصدقاء دائمين، بل مصالح دائمة، وعلى هذا الأساس ينبغي للحكومات أن تحدد سياساتها وعلاقاتها الدولية. ويضيف أن بوتين لا يحكمه هذا المنطق العاطفي، وكذلك زيلينسكي، الذي تصرف مراراً، بحسب الكاتب، بقدر من السلطوية ورفع سقف مطالبه تجاه أوروبا، مطالباً الدول الأوروبية بالاستجابة لما يطلبه. المقال المقبل: تداعيات انتصار أوكرانيا أو روسيا (4/5). اقرأ أيضًا حول نفس الموضوع كيف اختار الغرب أوكرانيا (١/٥) الحرب في أوكرانيا: فشل جهود السلام الأولية (٢/٥)

قمة واشنطن: بين الآمال والأوهام
بقلم
خليل حلو
نُشر
يوليو 23, 2026 - 23:37

بدت المشهدية في المكتب البيضاوي يوم الثلاثاء 21 تموز/يوليو 2026 وكأنها أُعدّت بعناية فائقة. فمن جهة، وقف دونالد ترامب واعدًا بتقديم مساعدات عسكرية، ومعلنًا عن نافذة اقتصادية واسعة عبر رفع حظر جوي استمر أربعين عامًا. ومن جهة أخرى، عرض الرئيس اللبناني جوزاف عون وثيقة رسمية قُدّمت على أنها خريطة الطريق النهائية لنزع سلاح حزب الله. وبالنسبة إلى المراقبين الغربيين، بدا التبادل مثاليًا: توسيع سيادة الدولة اللبنانية مقابل رعاية أميركية تهدف إلى إنهاء النفوذ الإيراني في المشرق بصورة نهائية. لكن خلف الابتسامات الرسمية، والمصافحات، وعبارات المجاملة، قد تتحول هذه القمة، رغم ما حملته من وعود، إلى وهم دبلوماسي جديد. فالحماسة التي سادت في واشنطن تتجاهل عمدًا ثلاث ثغرات بنيوية تحدّ من هذا التفاؤل: محدودية الضغط الأميركي على إسرائيل، وافتقار الدولة اللبنانية إلى المصداقية عندما يتعلق الأمر بسلاح الميليشيا الموالية لإيران، ثم العامل الإيراني نفسه. ترتكز المعادلة التي طرحها جوزاف عون على مبدأ واضح يقوم على الترابط المشروط، أي إن نزع سلاح حزب الله يبقى مشروطًا بانسحاب كامل ونهائي للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. وهذا الموقف ليس جديدًا، إذ سبق لعون أن أعلنه مرارًا. كما أن إعلانه في البيت الأبيض ساهم في تهدئة العاصفة السياسية التي سبقت القمة في بيروت. إلا أن واشنطن لا تملك سوى هامش محدود للتأثير على إسرائيل عندما يتعلق الأمر بما تعتبره أمنها القومي. فقد أكد دونالد ترامب أن إسرائيل «في طور الانسحاب»، في إشارة تعكس مرونة تجاه كل من تل أبيب وبيروت، من دون الإعلان عن أي جدول زمني ملزم. غير أن الجيش الإسرائيلي لا يحتكم إلا إلى عقيدته الأمنية الخاصة، التي تمنحه حق التدخل العسكري الفوري كلما شعر بوجود تهديد. وهذا المفهوم لسيادة منقوصة أو منتهكة يتعارض جوهريًا مع الخطة التي تدافع عنها الرئاسة اللبنانية. وقد جاءت الطلقات التحذيرية التي أطلقها الجيش الإسرائيلي باتجاه الجيش اللبناني في زوطر الغربية، قبل ساعات قليلة من انعقاد القمة، لتؤكد أن من يحدد إيقاع الأحداث على الخط الأزرق هو الجيش الإسرائيلي، لا بيانات وزارة الخارجية الأميركية. أما دونالد ترامب، الذي يبقى دعمه لإسرائيل الركيزة الأساسية لسياسته الشرق أوسطية، فلن يغامر أبدًا بالدخول في مواجهة مباشرة مع حليفه. ومن دون ضمانة مطلقة لإزالة ترسانة حزب الله، سيظل الضغط الأميركي محدودًا، وسيتجمد الانسحاب الإسرائيلي. وفي هذا السياق أيضًا، تبقى مصداقية السلطة التنفيذية اللبنانية موضع شك. فالمجتمع الدولي لا يمنح ثقة كبيرة لخطة نزع السلاح الحالية، لأنها تكاد تكون نسخة مكررة من الخطة التي وُضعت في آب/أغسطس 2025 بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية باستثناء خمس نقاط حدودية. وفوق ذلك، فإن التجربة الممتدة على مدى عشرين عامًا تفرض كثيرًا من التشكيك. فمن الوعود التي أطلقها الحوار الوطني عام 2006، مرورًا باتفاق الدوحة عام 2008، وإعلان بعبدا عام 2012، ووصولًا إلى الانسحابين الإسرائيليين عامي 2006 و2025 تطبيقًا للقرار 1701، انتهى كل اتفاق كان يفترض أن يحصر السلاح بيد الدولة إلى صفحات التاريخ. ويبدو أن الخطة التي قدمها جوزاف عون إلى ترامب لن تشذ عن هذه القاعدة، إذ إنها، بحسب المعطيات، صيغت من دون موافقة الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، اللذين يمتلكان نفوذًا وازنًا في القرار السياسي اللبناني. كما أن الرئيس عون أوحى في البيت الأبيض بأن رئيس مجلس النواب نبيه بري يؤيد وقف الحرب، وهو ما يترك مساحة من الغموض الدبلوماسي. ومع ذلك، تبقى هذه القمة أكثر من ضرورية، لأنها تحافظ على مسار سياسي قائم، وهو المسار الوحيد القادر على ضمان حد أدنى من الهدوء في الجنوب. أما الجيش اللبناني، الذي تنظر إليه واشنطن بوصفه القوة البديلة المحتملة، فهو مؤسسة تحظى بالاحترام، لكنه لن يدخل في مواجهة مباشرة لمصادرة صواريخ حزب الله شمال الليطاني. وهذا يعكس بوضوح إرادة الرئيس جوزاف عون، إذ ترى الدائرة المحيطة به أن خطوة من هذا النوع قد تقود إلى اضطرابات سياسية واجتماعية، رغم الحماسة التي يبديها كثير من أبناء الجنوب لانتشار الجيش في قراهم، ورغم المؤشرات الواضحة إلى تراجع قدرات حزب الله. وعليه، فإن خطة نزع السلاح التي تسرّبت في واشنطن تبدو أقرب إلى استراتيجية تواصل سياسي منها إلى خطة متماسكة، أو إلى مقاربة تهدف أساسًا إلى الحفاظ على الاستقرار. أما حزب الله، فما زال يمتلك قدرة كبيرة على التعطيل، ولن يتردد في استخدامها رغم تراجع قوته. فالميليشيا الموالية لإيران، بالتنسيق مع حليفها نبيه بري، تستطيع شل مؤسسات الدولة من الداخل، أو افتعال حوادث أمنية مدروسة داخل «المناطق النموذجية» في الجنوب أو خارجها، لدفع إسرائيل إلى الرد، وإظهار عجز الجيش اللبناني أمام المجتمع الدولي. وبعيدًا عن التفاؤل الذي ولدته القمة، سواء من خلال الدعم الأميركي للجيش أو الضغوط الرامية إلى تثبيت الاستقرار، ورغم العقبات الكبيرة التي تعترض خطة جوزاف عون، فإن المفاجأة الحقيقية تكمن في إعادة فتح خطوط الطيران المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة. فإلى جانب ما تحمله هذه الخطوة من فوائد اقتصادية ونفسية للجالية اللبنانية ولقطاع السياحة، فإنها تحمل أيضًا رسالة سياسية مفادها أن مطار بيروت بات يخضع لرقابة فعالة من الجيش اللبناني، وهو تطور بالغ الأهمية. أما في المدى المتوسط، وحتى نهاية عام 2026، فلا يبدو أن لبنان يتجه نحو تطبيع سلمي أو نزع منظم للسلاح، بل نحو وضع قائم مسلح يخضع لرقابة دولية، مع آمال كبيرة في نجاح تجربة المناطق النموذجية لتكون نقطة انطلاق نحو إجراءات أوسع. وسيواصل لبنان، في المحصلة، الإبحار وسط الضباب، في بيئة جيوسياسية تشهد تحولات متسارعة.

استعادة الدولة اللبنانية
بقلم
جاك مشعلاني
نُشر
يوليو 23, 2026 - 17:38

للمرة الأولى منذ عام 2009، يعبر رئيس لبناني هذا الأسبوع أبواب البيت الأبيض، لا بصفته طالب دعم يسعى إلى تذكير واشنطن بوجوده، بل حاملاً مشروعاً متكاملاً. فقد جلس الرئيس جوزاف عون، يوم الثلاثاء، قبالة دونالد ترامب وسلّمه مقترحاً خطياً يتضمن خارطة طريق لتفكيك ترسانة حزب الله، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي التي لا تزال قواتها تحتلها في جنوب لبنان. أما ترامب، فقد اعتمد نبرة بدت أقرب إلى الأبوة. فقال للصحافيين: «نشعر بإيجابية كبيرة تجاه لبنان»، مضيفاً أن هذا البلد «تعرض لمعاملة سيئة جداً» وأنه يستحق أن «يُعامل بالاحترام الذي يليق به». وفي الجملة نفسها، أقرّ بأن «هناك مشكلة اسمها حزب الله»، وكأنه اختصر، بهذه العبارة، مأساة لبنان وفرصته في آن واحد. قد يكون من السهل النظر إلى هذه الزيارة باعتبارها مجرد رمز مغلف بالمضمون، أو عملية علاقات عامة لرئيس يسعى إلى إظهار أن بيروت استعادت أصدقاءها في واشنطن أمام الناخبين اللبنانيين والدول الخليجية المانحة. وقد يكون من السهل أيضاً اعتبارها فصلاً جديداً في السجل الطويل للمبعوثين الأميركيين والاتفاقات الإطارية التي وعدت بالكثير ولم تحقق إلا القليل. إلا أن هذه القراءة تغفل ما هو جديد بالفعل، وما هو على المحك فعلاً. فللمرة الأولى منذ عقود، تتقدم الدولة اللبنانية نفسها إلى طاولة التفاوض، لا ميليشيا، ولا راعٍ خارجي، ولا زعيم حرب طائفي، حاملة خطة صاغتها بنفسها. ونجاح هذه الخطة أو فشلها سيحدد ما إذا كان لبنان سيمضي الجيل المقبل دولةً ذات سيادة، أم سيبقى، كما كان طوال خمسين عاماً، ساحةً تؤجر لحروب الآخرين. رئيس بلا ميليشيا... لكنه يملك جيشاً إن السيرة الذاتية لجوزاف عون نفسها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشهد الذي يتكشف اليوم في واشنطن. فقد انتُخب رئيساً للجمهورية في التاسع من كانون الثاني/يناير 2025، منهياً فراغاً رئاسياً شلّ البلاد لأكثر من عامين، بعدما أخفق مجلس النواب في اثنتي عشرة جلسة متتالية في انتخاب رئيس للدولة. وصل إلى قصر بعبدا لا بصفته زعيماً حزبياً أو وريثاً لعائلة سياسية، بل قائداً سابقاً للجيش اللبناني، في اختيار جاء إلى حد كبير نتيجة ضغوط دبلوماسية مكثفة مارستها كل من واشنطن والرياض، اللتين رأتا فيه شخصية نادرة تحظى بثقة مختلف مكونات المجتمع اللبناني، ولم تتلوث بصراعات الميليشيات التي أفرغت الدولة اللبنانية من مضمونها منذ الحرب الأهلية. وكان انتخابه، بحد ذاته، دليلاً على تراجع نفوذ حزب الله. فالحزب، الذي خرج مثقلاً بخمسة عشر شهراً من الحرب مع إسرائيل، وفقد أمينه العام حسن نصر الله وقسماً كبيراً من قيادته، فيما انشغلت إيران، راعيته الإقليمية، بأزماتها الخاصة، لم يعد قادراً، كما فعل طوال عامين، على تعطيل انتخاب رئيس لا يسيطر عليه بالكامل. ويكتسب هذا السياق أهمية بالغة لفهم ما جرى هذا الأسبوع. فجوزاف عون لم يذهب إلى واشنطن وسيطاً يتنقل بين حزب الله وإسرائيل، بل ذهب بصفته رئيساً منتخباً لدولة تحاول، للمرة الأولى منذ جيلين، أن تتصرف كدولة بالفعل، من خلال التأكيد على احتكارها الحصري لاستخدام القوة المشروعة، وهو مبدأ بديهي في تعريف الدولة، لكنه غاب عن لبنان طوال نحو خمسين عاماً إلى درجة أن غيابه أصبح أمراً مسلماً به. واليوم، باتت إعادة تأكيد هذا المبدأ حدثاً استثنائياً يشكل المحور الأساسي للحياة السياسية اللبنانية. الاتفاق الإطاري الثلاثي... والبنود غير المعلنة للسيادة لم تأتِ هذه الزيارة من فراغ. ففي السادس والعشرين من حزيران/يونيو، وبعد خمسة جولات من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة برعاية واشنطن، وقع ممثلو لبنان وإسرائيل ما بات يعرف بـ«الاتفاق الإطاري الثلاثي»، وهو أول اتفاق، أياً كانت طبيعته، بين البلدين منذ اتفاق السلام القصير العمر عام 1983، الذي انهار بعد أقل من عام على توقيعه تحت ضغط سوريا والانقسامات الداخلية اللبنانية. وقد وقع سفيرا البلدين في واشنطن الاتفاق بحضور وزيرالخارجية الأميركي ماركو روبيو. ويتضمن الاتفاق أربعة عشر بنداً، ويلتزم الطرفان، «بدعم كامل من الولايات المتحدة»، بالعمل على إنهاء حالة الصراع بينهما، وضمان سيادة كل منهما وأمنه، والسير، على المدى البعيد، نحو تطبيع العلاقات. وقد حرص المسؤولون اللبنانيون، إدراكاً منهم لحساسية كلمة «التطبيع» في الداخل اللبناني، على تقديم الاتفاق بوصفه إطاراً للأمن والسيادة، لا معاهدة سلام. إلا أن منطقه يقود، في نهاية المطاف، إلى اتجاه واحد. غير أن ما ينبغي أن يسترعي انتباه بيروت ليس العناوين، بل الآليات التي يتضمنها الاتفاق، لأنها تكشف في الوقت نفسه عن وعوده وحدوده. فالوثيقة لا تُلزم إسرائيل بالانسحاب من الشريط الحدودي الذي لا تزال تحتله منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى حرب تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وبدلاً من ذلك، تستحدث ما يسمى «المناطق النموذجية»، وهي منطقتان محدودتان: الأولى تقع جنوب نهر الليطاني ولكن خارج المنطقة الأمنية الإسرائيلية الأولى، والثانية عبارة عن شريط صغير شمال الليطاني داخل تلك المنطقة. وبموجب هذه الآلية، تنسحب القوات الإسرائيلية من هذه المناطق مقابل انتشار موثّق للجيش اللبناني، وتفكيك أي بنية عسكرية تابعة لحزب الله داخلها. وفي إحدى هذه المناطق النموذجية، وهي بلدة زوطر الغربية، دخلت وحدات الجيش اللبناني في اليوم نفسه الذي التقى فيه جوزاف عون دونالد ترامب، إلى جانب بلدتي فرون وصريفا المشمولتين بالمرحلة الأولى من الخطة. وكانت الرسالة، التي صيغت بعناية، واضحة: عندما تقول الدولة إنها ستتحرك، فإنها تتحرك فعلاً، والجيش وحده، لا أي فصيل مسلح، هو أداتها في ذلك. هذه هي الخطة التي حملها جوزاف عون إلى المكتب البيضاوي: عرضٌ يهدف إلى تسريع هذا النموذج وتوسيعه، مدعوماً بمقترح خطي يقضي بتفكيك ما تبقى من ترسانة حزب الله، مقابل أن يمارس دونالد ترامب ضغوطاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتوسيع الانسحاب الإسرائيلي إلى ما بعد «المناطق النموذجية» الرمزية، وتنفيذ بنود وقف إطلاق النار بالكامل كما تم الاتفاق عليها أساساً. وقد صرّح ترامب بأنه سيكون مستعداً للتواصل مباشرة مع حزب الله إذا طلب منه عون ذلك. ومهما تكن القيمة العملية لهذا العرض، فإنه يعكس إدارة أميركية تبدو أكثر انخراطاً في تحقيق الاستقرار في لبنان مما كانت عليه منذ عهد الرئيس جورج دبليو بوش. الخط الأحمر لنتنياهو... ولماذا لا ينبغي أن يحدد شروط لبنان إذا كان لطموحات الدولة اللبنانية سقف، فهو يُرسم حالياً في اسرائيل. فخلال زيارة إلى القوات الإسرائيلية المتمركزة في الشريط المحتل جنوب لبنان، قبل أسابيع من زيارة عون إلى واشنطن، لم يترك بنيامين نتنياهو مجالاً لأي التباس، إذ أكد أن القوات الإسرائيلية «لن تغادر جنوب لبنان ما دامت التهديدات قائمة»، وهي صيغة تربط الانسحاب، لا بجدول زمني ولا بسيادة لبنان، وإنما بالتقدير الأحادي الجانب لإسرائيل بشأن اللحظة التي تعتبر فيها أن حزب الله قد جُرّد من سلاحه بما فيه الكفاية. وفي الوقت نفسه، واصل نتنياهو إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ ضربات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية، وهي ضربات تعتبرها بيروت انتهاكاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار. كما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل ما بات يعرف بـ«التلال الخمس»، وهي مرتفعات تقع داخل الأراضي اللبنانية، ويستشهد بها حزب الله، ومعه بصورة متزايدة الحكومة اللبنانية نفسها، بوصفها الدليل الأكثر وضوحاً على أن إسرائيل، لا حزب الله، هي التي تنتهك اليوم جوهر الاتفاق الذي أنهى حرب تشرين الثاني/نوفمبر 2024. ويستحق هذا الواقع التوقف عنده، لأنه يكشف عن اختلال واضح في التوازن الذي يقوم عليه مشروع نزع السلاح برمته. فالدولة اللبنانية مطالبة بتنفيذ مهمة ملموسة وقابلة للتحقق ومحددة المراحل، تتمثل في جمع وتدمير ترسانة ضخمة راكمها فاعل مسلح غير تابع للدولة على مدى أربعة عقود، وذلك ضمن جدول زمني سياسي واضح. أما الالتزام المقابل المفروض على إسرائيل، أي الانسحاب، فيظل رهناً بتقييم إسرائيلي ذاتي للتهديد، قابل للمراجعة إلى ما لا نهاية، ولا يخضع لأي معيار موضوعي. وقد كانت منظمة العفو الدولية واضحة في تقييمها لهذا الاتفاق، إذ اعتبرت أنه «يخذل ضحايا جرائم الحرب»، لأنه لا يتضمن أي آلية للمساءلة بشأن استمرار الضربات الإسرائيلية التي تطال المدنيين اللبنانيين، في الوقت الذي يفرض فيه نزعاً أحادياً للسلاح على الجانب اللبناني. غير أن كل ذلك لا يشكل حجة ضد نزع السلاح، بل على العكس تماماً. إنه يشكل حجة قوية لكي تطالب الدولة اللبنانية، ومعها أصدقاؤها في الخارج، بأن تُطبَّق التزامات الاتفاق الإطاري بصورة متبادلة، وأن يُستخدم النفوذ الذي تملكه واشنطن على نتنياهو، والذي أظهر ترامب هذا الأسبوع استعداده لتفعيله، من أجل تحقيق انسحاب إسرائيل من «التلال الخمس»، ووقف الضربات داخل الأراضي اللبنانية، لا الاكتفاء بمطالبة بيروت بالوفاء بالمواعيد المحددة لنزع السلاح. أما العبارة التي استخدمها جوزاف عون أمام المسؤولين الأميركيين، حين قال إن ترامب وحده يملك النفوذ الكافي للتأثير في نتنياهو، فلم تكن مجرد صياغة دبلوماسية. لقد كانت توصيفاً دقيقاً لموضع القوة الحقيقي في هذه المعادلة، ومطالبة غير مباشرة لواشنطن باستخدام هذا النفوذ. رفض حزب الله... والأرض التي بدأت تهتز تحت أقدامه لم يكن مفاجئاً أن يرفض حزب الله كل ذلك. ففي الأيام التي سبقت مغادرة جوزاف عون إلى واشنطن، ألقى الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، واحداً من أكثر خطاباته حدة، واصفاً الاتفاق الإطاري الموقع في حزيران بأنه «باطل ولاغٍ»، و«اتفاق إذلال»، و«وثيقة كُتبت بالكامل لمصلحة إسرائيل». كما دعا الرئيس عون إلى التخلي عنه نهائياً، وحصر أي اتصالات بمفاوضات غير مباشرة، مؤكداً أن «الأولوية هي لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي». غير أن هذه الصيغة تقلب تماماً ترتيب الأولويات الذي اعتمدته الحكومة اللبنانية، إذ تجعل نزع السلاح مشروطاً بانسحاب إسرائيلي قد يؤجَّل إلى أجل غير مسمى، وهو ما يمنح حزب الله عملياً حق نقض دائم لأي محاولة لحصر السلاح بيد الدولة، في وقت يشكل استمرار امتلاكه لهذا السلاح الذريعة الأساسية التي تستند إليها إسرائيل لتأجيل انسحابها. ومن الضروري تسمية الفخ المزدوج الذي يحاول حزب الله تكريسه، لأنه يشكل جوهر المعركة السياسية والإعلامية الدائرة حول ملف نزع السلاح. فالحزب يقول إنه لن يتخلى عن سلاحه طالما بقيت قوات إسرائيلية على الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، تقول إسرائيل إنها لن تنسحب ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه. وقد يكون الطرفان صادقين في موقفيهما، لكن النتيجة واحدة: تأجيل الاختبار الحقيقي لسيادة الدولة اللبنانية إلى أجل غير معلوم، وهو الاختبار الذي وعد به اتفاق الطائف عام 1989 عندما نص على حل جميع الميليشيات، من دون أن يُنفذ هذا البند حتى اليوم. إن مهمة الحكومة اللبنانية، وهذا ما يُحسب للرئيس جوزاف عون وحكومته أنهما بدآ يدركانه، لا تتمثل في إدارة هذه الحلقة المفرغة أو التوفيق بين طرفيها، بل في كسرها. ويكون ذلك من خلال إثبات، عبر انتشار الجيش في المناطق النموذجية، أن الدولة قادرة على بسط سلطتها بحسن نية، بغض النظر عن تعاون حزب الله من عدمه، ثم استخدام هذه المصداقية المكتسبة للحصول، عبر واشنطن لا عبر ترسانة حزب الله، على انسحاب إسرائيلي حقيقي وقابل للتحقق. وتشير بعض المؤشرات إلى أن هذه الحلقة بدأت بالفعل تتصدع، وأن حزب الله يدرك ذلك. فعندما زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بيروت في مطلع العام، حاملاً، بحسب عدة مصادر، أموالاً مخصصة للحزب، أفادت تقارير بأن السلطات اللبنانية منعت دخول هذه الأموال. وقد يبدو الأمر تفصيلاً صغيراً، لكنه يحمل دلالة كبيرة، إذ كان من المستحيل تقريباً تخيل حدوثه قبل ثلاث سنوات، عندما كانت قنوات التمويل بين طهران وحزب الله تعمل بحرية شبه مطلقة. ومنذ ذلك الحين، بات عراقجي يؤكد، بلغة دبلوماسية، أن إيران «تدعم أي قرار يتخذه الحزب، لكنها لا تتدخل فيه»، في تراجع محسوب عن المرحلة التي كان فيها المسؤولون الإيرانيون يعتبرون ترسانة حزب الله جزءاً غير قابل للتفاوض من منظومة الردع الإقليمية. وفي المقابل، تحدث جوزاف عون بصراحة غير مألوفة، فأبلغ محاوريه الأميركيين أن القرار النهائي لحزب الله يبقى في طهران، مؤكداً، بعبارات كان يصعب على أي رئيس لبناني التفوه بها قبل عقد من الزمن، أن «لا أحد يفاوض باسمنا». وعلى نطاق أوسع، لم يعد ما يسمى بـ«محور المقاومة» يمتلك القوة نفسها التي كان يتمتع بها قبل سنوات. فقد أدى سقوط نظام الأسد في سوريا، واستهداف إسرائيل للقيادة العسكرية لحزب الله، وانشغال إيران بصراعاتها الخاصة، إلى إضعاف المحور بصورة ملحوظة. ولا يعني ذلك أن نجاح المشروع مضمون، لكنه يعني أن ميزان الضغوط يميل، للمرة الأولى منذ عقود، لمصلحة الدولة اللبنانية. كما أن المواجهة الأميركية ـ الإيرانية في الخليج تستنزف الموارد العسكرية والمالية التي تستطيع طهران تخصيصها لحلفائها في المنطقة. وفي الوقت نفسه، شدد الجيش السوري رقابته على الحدود، ووسع انتشاره في المناطق الحدودية، وأغلق المعابر غير الشرعية والأنفاق التي كانت تستخدم سابقاً لإمداد حزب الله بالسلاح والعتاد. ويفرض هذا الواقع ضغطاً إضافياً على الحزب. فترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر تقلصت بصورة كبيرة نتيجة الضربات الإسرائيلية وأشهر القتال، كما أن إغلاق الممر السوري يجعل تعويض هذه الخسائر أكثر صعوبة، فضلاً عن تجفيف قنوات التمويل التي كانت تمر عبر دمشق. إلى ذلك، ساهم الدمار الواسع الذي أصاب جنوب لبنان، وتهجير مئات آلاف السكان، في تآكل التأييد الشعبي للحزب داخل البيئات التي يعتبرها معقله الأساسي، وهو ثمن سياسي وأخلاقي قد يكون تعويضه أصعب من تعويض أي خسارة عسكرية. أموال الخليج... والنفوذ الذي تشتريه إذا كانت واشنطن توفر لهذا المسار القوة الدبلوماسية، فإن دول الخليج توفر له المنطق الاقتصادي، وبصراحة غير معهودة أربكت جزءاً من الطبقة السياسية اللبنانية، التي اعتادت على مساعدات خليجية لا تقترن بشروط واضحة. فقد أبلغت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بشكل مباشر أن أموال إعادة الإعمار والاستثمارات لن تُصرف إلا في إطار خطة واضحة لنزع سلاح حزب الله، تتضمن جدولاً زمنياً محدداً، لا مجرد إعلان نيات. ووصف توم باراك، مبعوث إدارة ترامب إلى المنطقة، هذه المعادلة بلغة تكاد تكون تجارية، قائلاً إن الحكومات الخليجية أوضحت للبنان أنها «إذا أنجزت هذه الخطوات، فسنأتي إلى جنوب لبنان، ونموّل منطقة صناعية، ونعيد الإعمار، ونوفر فرص عمل». وفي هذا السياق، يُفترض أن تستثمر السعودية وقطر مباشرة في الجنوب بعد إزالة سلاح حزب الله، بحيث يتحول هذا الإقليم، الذي احتضن طوال أربعة عقود البنية العسكرية للحزب، إلى نموذج اقتصادي لما يمكن أن يصبح عليه لبنان عندما يستعيد الدولة وحدها السيطرة على السلاح. ولا يُعد حجم الرهانات الاقتصادية المطروحة أمراً هامشياً. فوفقاً للتقييم السريع للأضرار والاحتياجات الصادر عن البنك الدولي، تحتاج عملية إعادة إعمار لبنان بعد حرب عام 2024 إلى نحو 11 مليار دولار. وتشمل هذه الخسائر نحو 4.6 مليارات دولار أضراراً في قطاع الإسكان وحده، إضافة إلى 3.4 مليارات دولار خسائر في قطاعات التجارة والصناعة والسياحة. أما الاقتصاد اللبناني، الذي كان يعاني أصلاً منذ الانهيار المالي عام 2019، فقد انكمش بنسبة إضافية بلغت 7.1% خلال عام 2024 بسبب الحرب. وفي موازاة ذلك، وافقت واشنطن، بحسب التقارير، على تخصيص 230 مليون دولار لدعم عمليات نزع السلاح التي ينفذها الجيش اللبناني. ومن المنتظر أيضاً عقد مؤتمر دولي خلال الأشهر المقبلة لدعم القوات المسلحة اللبنانية، بهدف تنسيق التمويل اللازم لتمكين الجيش من فرض احتكار الدولة للسلاح بصورة فعلية، لا الاكتفاء بإعلانه. وهنا تكمن الميزة التي لم تكن متوافرة لأي حكومة لبنانية من قبل. فللمرة الأولى، تقف خلف مشروع نزع السلاح جبهة دولية ذات مصداقية وإمكانات مالية، مستعدة لتمويل المكاسب المترتبة عليه، لا الاكتفاء بالمطالبة به. ويمنح ذلك بيروت شيئاً ملموساً تقدمه إلى المجتمعات المحلية في الجنوب، ولا سيما القرى والبلدات الشيعية التي عاشت طوال جيل كامل في ظل بنية حزب الله العسكرية، والتي لن تقتنع بجدوى عودة الدولة إلا إذا رأت تنمية حقيقية، لا مجرد خطابات عن السيادة. فالمال وحده لن يمحو ثمانين عاماً من انعدام الثقة الطائفية. لكنه، في المقابل، شرط لا غنى عنه إذا أرادت الدولة اللبنانية أن تطلب من سكان الجنوب استبدال قوة مسلحة اعتادوها، بوعدٍ بحماية الدولة لم يُختبر بعد. الأمم المتحدة تنسحب... فيما تتقدم الدولة هناك تحول بنيوي آخر يستحق التوقف عنده، لأنه سيعيد رسم البنية الأمنية في جنوب لبنان، بصرف النظر عن مآلات المفاوضات المتعلقة بنزع السلاح. فقد صوّت مجلس الأمن الدولي على إنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي تنتشر على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية منذ عام 1978، على أن ينتهي تفويضها وعملياتها مع نهاية عام 2026. وعلى مدى ما يقارب نصف قرن، كانت اليونيفيل في الوقت نفسه قوة لا غنى عنها وقوة عاجزة. فهي وفرت حضوراً دولياً للمراقبة، لكنها لم تمتلك لا التفويض ولا القدرات العسكرية اللازمة لنزع سلاح حزب الله بصورة فعلية. ومع ذلك، شكّلت قواتها منطقة عازلة دبلوماسية، وأمنت رقابة دولية معترفاً بها على واحدة من أكثر الحدود توتراً في المنطقة. أما اليوم، فإن انسحابها يزيل هذا الحاجز في اللحظة نفسها التي يُطلب فيها من الجيش اللبناني أن يتحمل المسؤولية الكاملة عن منطقة كانت اليونيفيل تساهم في مراقبتها لعقود. وبنظرة متشائمة، قد يبدو هذا القرار وكأن المجتمع الدولي يغسل يديه من مشكلة أمضى نصف قرن في إدارتها من دون أن يحلها، تاركاً بيروت وحدها في مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي وما تبقى من قدرات حزب الله. لكن من زاوية أكثر تفاؤلاً، وهي الزاوية التي يبدو أن حكومة جوزاف عون تتبناها، فإن انسحاب اليونيفيل يشكل مهلة نهائية تدفع الجيش اللبناني إلى تحمل المسؤولية الكاملة، بعدما لم يعد ممكناً الاكتفاء بدور الشريك الثانوي في جنوب بلاده. وأيٌّ من هاتين القراءتين سيثبت صحته سيتوقف، إلى حد بعيد، على ما إذا كانت الوعود الدولية المتعلقة بتمويل الجيش اللبناني وتدريبه ستتحول إلى واقع وفق الجدول الزمني الذي يحتاج إليه الجيش، لا وفق الإيقاع الذي تفرضه الموازنات الأجنبية. ما الذي تعنيه فعلاً استعادة الدولة؟ من الضروري توضيح المقصود بعبارة «استعادة الدولة اللبنانية»، لأن جميع القوى السياسية في بيروت تستخدمها، لكن كل منها يقصد بها شيئاً مختلفاً، بل ومتعارضاً أحياناً. فاستعادة الدولة لا تعني مجرد نشر وحدات الجيش في القرى التي كان يسيطر عليها حزب الله، وإن كان ذلك يشكل خطوة أولى لا غنى عنها، وهي الخطوة التي بدأت بالفعل داخل المناطق النموذجية. بل تعني، بصورة أعمق، إعادة تثبيت المبدأ الدستوري الذي نص عليه اتفاق الطائف قبل ستة وثلاثين عاماً ولم يُطبّق قط، والقاضي بأن تحتكر الدولة اللبنانية وحدها الاستخدام المشروع للقوة المنظمة على كامل أراضيها. فجميع الأزمات الأخرى التي تعانيها الدولة اللبنانية، من شلل الحكومات المتعاقبة، إلى العجز عن انتهاج سياسة خارجية مستقلة، مروراً بانهيار القطاع المصرفي، تعود، بصورة أو بأخرى، إلى وجود طرف مسلح خارج إطار الدولة يفوق الجيش اللبناني قوة ونفوذاً. وقد راهن الرئيس جوزاف عون، إلى جانب حكومة الرئيس نواف سلام، على أن اللحظة أصبحت مؤاتية أخيراً لتطبيق هذا المبدأ. لكن ليس عبر مواجهة عسكرية كتلك التي دفعت لبنان إلى الحرب الأهلية عام 1975، أو كتلك التي شهدتها شوارع بيروت في أيار/مايو 2008 عندما استخدم حزب الله سلاحه في الداخل. بل عبر مسار تفاوضي، بضمانات دولية، وحوافز اقتصادية، يتيح لما تبقى من القاعدة الشعبية للحزب مخرجاً يحفظ كرامتها، ويمنح المجتمعات الشيعية في الجنوب مصلحة ملموسة في نجاح الدولة. ويستند هذا الرهان إلى قراءة واقعية لموازين القوى الإقليمية. فحزب الله فقد عدداً كبيراً من أبرز قادته، كما فقد جزءاً مهماً من ترسانته خلال الحرب الإسرائيلية عام 2024. أما إيران، المنشغلة بمواجهاتها الخاصة، فلم تعد قادرة على إعادة تسليح الحزب أو تمويله كما كانت تفعل سابقاً. وفي المقابل، لم تعد سوريا تشكل الممر اللوجستي الذي اعتمد عليه الحزب لعقود. وفوق ذلك، يبدو التحالف الذي يضم الولايات المتحدة ودول الخليج أكثر استعداداً، مقارنة بأي وقت منذ عام 2006، لاستثمار رأس مال سياسي ومالي حقيقي في بناء الدولة اللبنانية، بدلاً من الاكتفاء باحتواء الفوضى اللبنانية. ومع ذلك، فإن شيئاً من هذا لا يجعل النجاح أمراً محسوماً. فلا يزال حزب الله يحتفظ بترسانة عسكرية كبيرة، وقاعدة شعبية متماسكة، كما سبق أن أثبت عام 2008 استعداده لاستخدام سلاحه ضد لبنانيين آخرين عندما اعتبر أن موقعه مهدد وجودياً. وفي المقابل، فإن استمرار إسرائيل في احتلال التلال الخمس ، ومواصلتها تنفيذ ضربات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية، وربطها الانسحاب بتقديرها الأحادي للتهديد، يمنح خطاب حزب الله، القائل إن لبنان يُطلب منه أن ينزع سلاحه من جانب واحد، أساساً واقعياً لدى شريحة من اللبنانيين، وليس مجرد حجة سياسية. كما أن الجيش اللبناني، رغم احترافيته والثقة التي يحظى بها لدى مختلف الطوائف، لا يزال يعاني نقصاً في العتاد والتمويل، بما يحد من قدرته على تأمين الجنوب، ومواجهة أي توغل إسرائيلي، والحفاظ في الوقت نفسه على الأمن الداخلي. ولهذا السبب تحديداً، فإن المؤتمر الدولي المرتقب لدعم الجيش، إضافة إلى المساعدة الأميركية البالغة 230 مليون دولار، لا تقل أهمية عن أي بيان يصدر من المكتب البيضاوي. الرهان الذي ينبغي أن يُعقد على بيروت وسط كل هذه العقبات الحقيقية، ينبغي عدم إغفال مدى ندرة اللحظة التي يعيشها لبنان في تاريخه المعاصر. فمن الصعب العثور، منذ اتفاق الطائف، على محطة أخرى توجه فيها رئيس لبناني إلى واشنطن حاملاً خطة مكتوبة صاغها بنفسه، بدلاً من أن يتلقى خطة تمليها عليه القوى الخارجية. ومن الصعب أيضاً العثور على مرحلة ربطت فيها العواصم الخليجية مساعداتها باستعادة سيادة الدولة، بدلاً من الاكتفاء بتمويل رعاة الطوائف المتنافسين، كما جرى طوال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية. كما يصعب العثور على مرحلة كان فيها الراعي الإقليمي لحزب الله بهذا القدر من الانشغال والضعف، أو كانت فيها إدارة أميركية مستعدة، كما فعل دونالد ترامب هذا الأسبوع، لطرح فكرة التواصل المباشر مع حزب الله، والتعهد بممارسة الضغط على بنيامين نتنياهو، واستثمار رأس مال سياسي حقيقي لمصلحة الدولة اللبنانية، بدلاً من التعامل مع لبنان باعتباره مجرد ساحة ثانوية في المواجهة بين إسرائيل وإيران. وانطلاقاً من ذلك، نعتقد أن أصدقاء لبنان، سواء في واشنطن أو في العواصم الخليجية أو بين اللبنانيين الذين أنهكتهم خمسون سنة من العيش داخل حروب الآخرين، ينبغي أن يتعاملوا مع هذه اللحظة كما هي بالفعل: ليست ضمانة للنجاح، لكنها نافذة فرصة حقيقية، ولن تبقى مفتوحة إلى الأبد. فقد تستعيد إيران جزءاً من موقعها الإقليمي. وقد تنصرف دول الخليج إلى أولويات أخرى. وقد تتغير الإدارة الأميركية، ومعها مستوى الاهتمام الذي يبديه أي رئيس أميركي تجاه بلد صغير على شاطئ المتوسط. وقد يرى بنيامين نتنياهو أن استمرار الاحتلال أقل كلفة، سياسياً، من الانسحاب عبر تسوية تفاوضية. وأي تحول من هذه التحولات كفيل بإغلاق هذه النافذة التي لا تزال مفتوحة اليوم. إن ما تحتاج إليه مؤسسات الدولة اللبنانية الآن ليس اتفاقاً إطارياً جديداً، ولا صورة جديدة لمصافحة في المكتب البيضاوي، مهما كانت أهميتها الرمزية. إنها تحتاج إلى أن يُزوَّد الجيش اللبناني بالوسائل الكفيلة بتوسيع نموذج المناطق النموذجية ليشمل كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، ضمن جدول زمني يُقاس بالأشهر لا بالسنوات. وتحتاج إلى أن تعتبر واشنطن أن المعاملة بالمثل من الجانب الإسرائيلي — أي الانسحاب الكامل من التلال الخمس، ووقف الضربات داخل الأراضي اللبنانية، والالتزام الفعلي ببنود وقف إطلاق النار — هدفاً لا يقل إلحاحاً عن نزع سلاح حزب الله، لا أن تؤجل هذه المسائل إلى ما بعد تخلي بيروت عن ورقة الضغط الأساسية التي تملكها. كما تحتاج إلى أن تصل أموال إعادة الإعمار التي وعدت بها دول الخليج إلى جنوب لبنان بسرعة كافية، حتى يشعر سكان المنطقة بأن عودة الدولة تعني تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية، لا مجرد استبدال مجموعة مسلحة بأخرى. وتحتاج أيضاً إلى توفير مكان، بصورة جدية ومستدامة، لما تبقى من القاعدة الشعبية لحزب الله داخل دولة لبنانية فاعلة، بدلاً من التعامل معها فقط بوصفها مشكلة أمنية ينبغي حلها بالقوة. وأخيراً، يحتاج لبنان إلى إصلاح جذري للنظامين السياسي والقانوني القائمين على المحاصصة الطائفية، بعدما أثبتا فشلهما، إصلاح يرسخ هوية وطنية تتقدم على الولاءات والانقسامات الطائفية التي طبعت النظام الدستوري اللبناني منذ عام 1943، ويتيح بروز طبقة سياسية جديدة عازمة على تحويل لبنان إلى دولة قادرة على أداء وظائفها في الداخل، وشريك موثوق في الخارج. إن أياً من ذلك لا يمكن أن تضمنه مصافحة في المكتب البيضاوي. لكن بالنسبة إلى بلد أمضى نصف قرن وهو يُقال له إن سيادته رهينة جداول الآخرين الزمنية — السورية، والإسرائيلية، والإيرانية، بل وأحياناً رهينة فصائله الداخلية نفسها — فإن رؤية رئيس لبناني يدخل البيت الأبيض حاملاً خطته الخاصة، لا طالباً خطة من الآخرين، ليست حدثاً عابراً. إنها أول اختبار حقيقي منذ جيل كامل لمعرفة ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة أخيراً على أن تصبح الجهة الوحيدة التي تحتكر السلاح داخل أراضيها. وخلال الأشهر المقبلة، سيكتشف لبنان، ومعه المنطقة التي تراقبه، ما إذا كانت الدولة باتت، أخيراً، قادرة على اجتياز هذا الامتحان.

من التآكل إلى الاحتواء… هل دخل ال"حزب" مرحلة اللاعودة؟
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
يوليو 23, 2026 - 03:12

منذ انتهاء حرب تموز عام 2006، اعتاد اللبنانيون والمراقبون قياس قوة حزب الله بعدد الصواريخ التي يمتلكها، أو بحجم ترسانته العسكرية، أو بقدرته على تهديد إسرائيل. لكن ما يجري اليوم يفرض معياراً مختلفاً تماماً. فالقضية لم تعد تتعلق بما بقي من السلاح، بل بما إذا كان الحزب لا يزال قادراً على إعادة إنتاج القوة التي بناها خلال أكثر من أربعة عقود. هذا التحول هو جوهر المرحلة الحالية. فبعد لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما سبقه وتلاه من حراك دبلوماسي أميركي مكثف، ومسار المفاوضات في روما، والحديث المتزايد عن توسيع انتشار الجيش اللبناني وربط إعادة الإعمار باستعادة الدولة لقرارها الأمني، يبدو أن المقاربة الدولية لم تعد تستهدف نزع السلاح بقرار سياسي أو بعمل عسكري فقط، بل تسعى إلى جعل إعادة بناء القوة العسكرية أمراً بالغ الصعوبة، وربما مستحيلاً. بمعنى آخر، انتقلت الاستراتيجية من تدمير القدرات إلى منع إعادة إنتاجها. وهنا تكمن أهمية فهم ما يمكن تسميته بـ”التآكل البنيوي”، وهو مسار يطال خمسة محاور مترابطة: الأرض، والسلاح، والبيئة الاجتماعية، والمؤسسات، والعمق الإقليمي. أولاً: خسارة الأرض كبيئة عسكرية لم تكن قرى الجنوب مجرد أماكن ينتشر فيها مقاتلو حزب الله، بل كانت جزءاً من بنية عسكرية معقدة تضم أنفاقاً ومخازن وغرف قيادة ومواقع إطلاق محصنة. الحرب الأخيرة استهدفت هذه البنية بصورة غير مسبوقة، فيما جعل انتشار الجيش اللبناني وآليات المراقبة الدولية أي محاولة لإعادة بنائها أكثر صعوبة وأكثر عرضة للاكتشاف والاستهداف. إن السيطرة على الأرض لم تعد تعني فقط الوجود الجغرافي، بل القدرة على استخدامها عسكرياً. وهذه القدرة تتراجع بصورة متسارعة. ثانياً: تراجع القدرة العسكرية لا يزال حزب الله يمتلك سلاحاً، ولا يزال قادراً على تنفيذ عمليات محدودة إذا قرر ذلك. لكن الفارق كبير بين امتلاك وسائل الإزعاج التكتيكي وامتلاك القدرة على خوض حرب استراتيجية طويلة. فالترسانة الدقيقة تعرضت لضربات مؤثرة، ومنظومات القيادة والسيطرة أصبحت أكثر هشاشة، كما أن خطوط الإمداد لم تعد تعمل كما كانت في السابق. وفي الوقت نفسه، أصبحت عمليات نقل السلاح عبر سوريا والعراق أكثر تعقيداً نتيجة المتغيرات السياسية والأمنية في البلدين، إضافة إلى الرقابة الإقليمية والدولية المتزايدة. وهكذا، يصبح الحزب قادراً على استخدام ما بقي لديه أكثر من قدرته على تعويض ما خسره. ثالثاً: البيئة الحاضنة تتغير ربما يكون هذا العامل هو الأكثر حساسية. فالجنوب اللبناني خرج من الحرب مثقلاً بالدمار والنزوح والخسائر الاقتصادية. وأمام الحاجة الملحة إلى إعادة الإعمار، باتت شرائح واسعة من السكان تعتمد بصورة أكبر على الدولة والمساعدات العربية والدولية. وفي المقابل، لم تعد مؤسسات حزب الله الاجتماعية والمالية قادرة على أداء الدور نفسه الذي لعبته بعد حرب عام 2006، سواء بسبب الضغوط الاقتصادية أو القيود اللوجستية أو تغير البيئة الإقليمية. ولا يعني ذلك انقلاباً سياسياً داخل البيئة الشيعية، لكنه يعني أن الأولويات بدأت تتبدل، وأن الرغبة في الاستقرار وإعادة بناء الحياة الطبيعية أصبحت تتقدم على منطق المواجهة المفتوحة. ومع هذا التحول، يصبح توفير الغطاء الاجتماعي لإعادة بناء البنية العسكرية أكثر صعوبة من أي وقت مضى. رابعاً: الدولة تستعيد موقعها للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تتحرك الدولة اللبنانية بدعم دولي واضح لاستعادة دورها الأمني في الجنوب. فالجيش اللبناني لم يعد مجرد قوة تنتشر إلى جانب قوى أخرى، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تحتكر استخدام القوة المسلحة. ومن هنا، لا تبدو المفاوضات الجارية مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة، بل محاولة لتثبيت واقع جديد تصبح فيه المناطق التي ينتشر فيها الجيش مناطق خاضعة حصراً لسلطة الدولة، مع ربط المساعدات وإعادة الإعمار باستمرار هذا الواقع. وهذا يعني أن هامش الحركة العسكرية لحزب الله يتقلص تدريجياً، ليس فقط ميدانياً، بل أيضاً قانونياً وسياسياً. خامساً: العمق الإقليمي لم يعد كما كان منذ تأسيسه، استفاد حزب الله من شبكة دعم إقليمية وفرتها إيران عبر سوريا، ولاحقاً عبر العراق. لكن هذه الشبكة تواجه اليوم تحديات متزايدة. فالحدود أصبحت أكثر رقابة، والبيئة السياسية في دمشق وبغداد تغيرت، والولايات المتحدة تعمل على تحويل هذه القيود إلى جزء من منظومة أمنية إقليمية طويلة الأمد، تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية مقابل فتح الباب أمام إعادة الإعمار والاستقرار. أي أن الهدف لم يعد مصادرة كل قطعة سلاح، بل جعل أي مشروع لإعادة التسلح مشروعاً بالغ الكلفة سياسياً واقتصادياً وأمنياً. ما بعد السلاح… معركة القدرة على التجدد تكمن أهمية هذه التطورات في أنها لا تستهدف عنصراً واحداً، بل تضرب الحلقة الكاملة التي كانت تسمح لحزب الله بإعادة إنتاج قوته. فالأرض لم تعد آمنة كما كانت، وخطوط الإمداد أصبحت أكثر هشاشة، والبيئة الاجتماعية أكثر إنهاكاً، والدولة أكثر حضوراً، والغطاء الدولي أكثر وضوحاً. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ما زال لدى حزب الله صواريخ؟ بل أصبح: هل يستطيع بعد خمس سنوات أن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم مستقبل لبنان، وليس عدد الصواريخ الموجودة اليوم. نحو نموذج جديد إذا نجحت واشنطن، بالتعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين، في تثبيت نتائج مسار روما خلال الأشهر المقبلة، فإن لبنان قد يكون أمام انتقال تاريخي من معادلة “توازن السلاح” إلى معادلة “احتكار الدولة للقوة”. لن يكون هذا الانتقال سريعاً، ولن يخلو من العقبات أو محاولات التعطيل، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن الاستراتيجية الدولية لم تعد تقوم على هزيمة حزب الله عسكرياً، بل على احتوائه تدريجياً داخل النظام السياسي اللبناني، مع تجريده، خطوة بعد أخرى، من المقومات التي جعلته خلال العقود الماضية قوة عسكرية إقليمية. وهنا يصبح معنى التآكل البنيوي أكثر وضوحاً. فالتاريخ يعلمنا أن التنظيمات المسلحة لا تنتهي عندما تخسر معركة، بل عندما تفقد القدرة على تعويض خسائرها وإعادة إنتاج قوتها. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه حزب الله اليوم، وهو أيضاً العنوان الحقيقي للمرحلة الجديدة التي يدخلها لبنان والمنطقة.

نحو شلّ الورقة الحوثية الإيرانية
بقلم
ميشال توما
نُشر
يوليو 23, 2026 - 00:35

تتعرض الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لليلة الحادية عشرة على التوالي، لهجمات وغارات أميركية مكثفة تستهدف مواقع وبنى تحتية عسكرية، فضلاً عن شبكات اتصالات وخطوط مواصلات تابعة للحرس الثوري في مناطق إيرانية عدة. وفي الوقت عينه، يطبق الحصار البحري الذي تفرضه القوات الأميركية على الموانئ الإيرانية الخناق على اقتصاد البلاد المأزوم أساساً وفي مرحلة حرجة للغاية. وما يزيد المشهد تعقيداً، أن النظام يبدو فريسة لانقسامات داخلية عميقة باتت تهدد استمراريته. وأمام هذا الواقع المتخبط الذي أغرق النظام فيه نفسه جراء سياسات التوسع والهيمنة التي يتتبعها والتي لم تعرف حدوداً، تسعى السلطة الحاكمة في طهران اليوم إلى "تصدير" الصراع وتوسيعه ليطاول المنطقة بأسرها (مع تجنب إسرائيل بعناية)، مع العمل في الوقت ذاته على استغلال الى أقصى الحدود لورقة تديرها بأساليب ميليشياوية ومافيوية تقليدية: ورقة الابتزاز بشل الممرات البحرية الدولية، ما يهدد الاقتصاد العالمي في شكل كبير. وتترجم استراتيجية تصدير الأزمات هذه عبر هجمات بالمسيّرات والصواريخ لا تستهدف دول الخليج فحسب – كما هو الحال منذ اندلاع الصراع في حزيران 2025 –بل تطاول أيضاً، وبوتيرة متزايدة، الأردن والعراق (مستهدفةً المعارضة الإيرانية)، وحتى سوريا مؤخراً. وفاقمَ نظامُ الملالي أحدثَ أعماله العدائية في هذا السياق عبر إعادة تفعيل "الورقة الحوثية". إذ جددت هذه الميليشيا اليمنية، المؤتمرَة بأمر من طهران، تهديداتها ضد المملكة العربية السعودية خلال الأيام الأخيرة، وصعّدتها، مدّعيةً فرض حصار بحري على الموانئ السعودية. وتبدو المناورة الإيرانية في هذا الصدد جليّة؛ إذ تهدف إلى توسيع نطاق الابتزاز الترهيبي ليطاول باب المندب والبحر الأحمر، بغية تخفيف الضغط العسكري الأميركي الممارس على البنية التحتية للحرس الثوري. غير أن المنطقة شهدت يوم الأربعاء مواقف حاسمة ومتسارعة من شأنها شلّ الورقة الحوثية الإيرانية. فقد أعاد الرئيس دونالد ترمب التأكيد الأربعاء – كما فعل خلال اجتماعه بالرئيس جوزاف عون – أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما هدد الحوثيون حرية الملاحة البحرية في باب المندب والبحر الأحمر. وفي الاتجاه نفسه، نددت سوريا و(بطبيعة الحال) الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بشدة يوم الأربعاء بتهديدات الحوثيين للمملكة العربية السعودية. بيد أن الموقف الأبرز والأكثر دلالة كان بلا شك الموقف الباكستاني، على رغم كون إسلام آباد الوسيط الرئيسي بين إيران والولايات المتحدة وحليفاً أساسياً (إلى حد ما) للجمهورية الإسلامية. فقد دانت باکستان بأشد العبارات الهجمات الحوثية على المملكة، مشددةً على تمسكها بأمن السعودية وسيادتها (يُذكر أن معاهدة دفاع وأمن تربط بين البلدين). كما أكدت السلطات الباكستانية أنها سترد بحزم، "وعند الحاجة باستخدام القوة"، وفق ما أوضحت، على أي هجوم يستهدف سفينة باكستانية في هذا الممر البحري. وبالتوازي مع شلّ الورقة الحوثية الإيرانية، رفَع الرئيس ترمب الأربعاء سقفَ مواقفه الهادفة إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وأعلن في شكل لا يدع مجالاً للشك أن أي هجوم إيراني، أياً تكن طبيعته (بالمسيّرات أو الصواريخ أو بأي وسيلة أخرى)، يطاول أي سفينة في مضيق هرمز، سينجم عنه مباشرةً تدمير القوات الأميركية لجسْرٍ أو محطةِ توليد كهرباء داخل الأراضي الإيرانية، بما في ذلك طهران أو ضواحيها. ويأتي هذا التحذير الصارم استكمالاً لعملية شلّ الورقة الحوثية، ومن شأنه – مبدئياً على الأقل – أن يكبح "اندفاعة" الحرس الثوري وسلوكه العدائي في ما يخص مضيق هرمز. وعلى رغم ذلك، شدد كبير المفاوضين الإيرانيين الأربعاء على أن "الوضع في مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب"، ما يؤكد تعنّت الجمهورية الإسلامية وسعيها إلى فرض سيطرتها على المضيق وجباية رسوم مرور فيه، على رغم الرفض القاطع لهذا الخيار من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، وحتى الصين. وهذا التوتر المتصاعد يمهّد لاحتمال شنّ هجوم أميركي واسع النطاق ضد النظام الإيراني. وثمة مؤشران، من بين مؤشرات أخرى، يكشفان عن هذا التوجه: قرار رئيس الوزراء البريطاني الجديد السماحَ للطائرات الأميركية بالتمركز في القواعد العسكرية البريطانية؛ وموافقة البرلمان البلغاري مساء الأربعاء، بغالبية ساحقة، على طلبٍ قدمته الحكومة للترخيص لطائرات القتال الأميركية بالتزود بالوقود في بلغاريا، علماً أن إيران كانت قد حذرت السلطات البلغارية من اتخاذ قرار كهذا. ويبقى التذكير، لإغلاق هذا الفصل الإقليمي، بأن رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي يستعد للقيام بزيارة قريبة إلى طهران. وتكتسب هذه الزيارة في الظروف الراهنة أهمية خاصة على ضوء السياسة التي تتبعها الحكومة العراقية الحالية، والتي تكثّف مبادراتها وإجراءاتها لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق. وكان هذا التوجه الجديد للسلطة العراقية في صلب الزيارة التي قام بها الزيدي قبل أيام إلى واشنطن، حيث وقع مع المسؤولين الأميركيين سلسلة اتفاقات اقتصادية قوبلت بريبة كبيرة من النظام الإيراني، الذي ندد بتغييرٍ في المسار الاستراتيجي لبغداد؛ وهو تحوّلٌ يتجه نحو التقارب مع الغرب، على حساب نفوذ الجمهورية الإسلامية. الملف اللبناني ويتجلى التغيير الاستراتيجي في المسار، الهادف إلى الحدّ من التوسع الإيراني، بوضوح تام على الساحة اللبنانية أيضاً. وقد ترسّخ هذا التوجه بوضوح بفعل الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في مطلع الأسبوع، واللقاء اللافِت الذي جمعه بالرئيس ترمب في البيت الأبيض وحظي باهتمام إعلامي واسع. ويرتسم هذا الخيار الاستراتيجي ذات الطابع السيادي والمنحاز للغرب، بوضوح، مع البدء بتطبيق اتفاق الإطار الموقّع بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران الماضي. فتنفيذاً لبنود الاتفاق الذي تم برعاية أميركية، انسحب الجيش الإسرائيلي صباح الثلاثاء من بلدة زوطر الغربية، ليحلّ مكانه الجيش اللبناني فوراً، باديًا مهمته في التثبت من خلوّ المنطقة من أي وجود لـ "حزب الله". ولتأكيد أبعاد هذه الخطوة الميدانية وما يمثله اتفاق الإطار من محطة مفصلية، أضفى رئيس الوزراء نواف سلام بُعداً رسمياً استثنائياً على العملية عبر زيارة مفاجئة قام بها إلى زوطر الغربية. وستكون انطلاقة العمل باتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي وآفاق المرحلة المقبلة موضوع جولة جديدة من المحادثات بين البلدين تُعقد في 4 آب في روما، وتحت الرعاية الأميركية دائماً... على غير ما يشتهي المعسكر الإيراني.

قبل السلام… ما هي خطة لبنان؟
بقلم
حسام العيد
نُشر
يوليو 22, 2026 - 00:41

لنضع جانباً، ولو للحظة، الاعتراضات على اتفاق الإطار، والانقسامات السياسية التي رافقته، والمواقف المتباينة منه. ولنناقش سؤالاً آخر، قد يكون أكثر أهمية من الاتفاق نفسه، لأنه يتعلق بما سيأتي بعده. إذا افترضنا أن لبنان يتجه، عاجلاً أم آجلاً، إلى إنهاء حالة الحرب مع محيطه، وأن المنطقة تسير تدريجياً نحو مرحلة جديدة من العلاقات بين الدول، فهل تملك الدولة اللبنانية تصوراً واضحاً لما تريده من هذه المرحلة؟ وهل بدأ أحد أصلاً بالتفكير في موقع لبنان الاقتصادي والسياسي إذا تبدلت البيئة الإقليمية التي عاش في ظلها منذ عقود؟ ما يلفت الانتباه أن النقاش اللبناني يكاد يقتصر بالكامل على الاتفاقات نفسها؛ على شروطها، وضماناتها، وآليات تنفيذها، والاعتراضات عليها. أما السؤال الذي يفترض أن يسبق كل ذلك، فلا يزال غائباً: ماذا نريد نحن من هذا التحول؟ الدول لا تنظر إلى إنهاء الحروب باعتباره مجرد إنجاز سياسي أو أمني، بل باعتباره لحظة تعيد فيها رسم أولوياتها الاقتصادية، وتحدد موقعها الإقليمي، وتعيد تعريف دورها في محيطها. لذلك، لا تكتفي بالتفاوض على اتفاقات تنهي النزاعات، بل تعمل بالتوازي على إعداد الدراسات، ورسم السيناريوهات، ووضع السياسات التي تسمح بتحويل الاستقرار إلى نمو اقتصادي واستثمارات وفرص عمل ونفوذ إقليمي. أما في لبنان، فلا يبدو أن هذا النقاش قد بدأ أصلاً. لم نسمع عن أي دراسة وطنية تقيم أثر التحول المحتمل على الاقتصاد اللبناني، ولا عن رؤية تحدد القطاعات التي يمكن أن تشكل محركاً للنمو في المرحلة المقبلة، ولا عن نقاش جدي حول الدور الذي يريد لبنان أن يؤديه في شرق المتوسط إذا تبدلت طبيعة العلاقات السياسية في المنطقة. وكأننا نفترض أن أي اتفاق، إذا تحقق، سيقود تلقائياً إلى الازدهار، فيما تثبت تجارب الدول أن الاستقرار لا يصنع التنمية، بل يخلق فقط الظروف التي تسمح بتحقيقها لمن يعرف كيف يستفيد منها. والأهم أن لبنان لا يقف أمام علاقة واحدة، بل أمام احتمال قيام علاقات مختلفة مع دولتين تختلفان جذرياً في بنيتهما الاقتصادية، ما يفرض مقاربتين مختلفتين تماماً. فالعلاقة مع سوريا، إذا استقرت على أسس واضحة تحترم سيادة الدولتين، ستكون علاقة بين اقتصادين يواجهان تحديات متشابهة. كلا البلدين يسعى إلى إعادة بناء اقتصاده، واستعادة الثقة، وتطوير بناه التحتية، وإعادة تنشيط قطاعاته الإنتاجية. وهذا يفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بإعادة تنظيم حركة الترانزيت، وتطوير المعابر الشرعية، وربط شبكات النقل والطاقة، والاستفادة من أي عملية إعادة إعمار مستقبلية ضمن قواعد واضحة تحفظ المصالح اللبنانية وتمنع العودة إلى أنماط التبعية والتدخل التي دفع لبنان ثمنها لعقود. إنها علاقة تقوم، في جوهرها، على البحث عن مجالات للتكامل بين اقتصادين يحاولان النهوض معاً. أما العلاقة مع إسرائيل، فهي تنطلق من واقع مختلف كلياً. فهنا لا نتحدث عن اقتصادين متقاربين، بل عن فجوة كبيرة في حجم الاقتصاد، ومستوى التكنولوجيا، والابتكار، والقدرة الصناعية، والوصول إلى الأسواق العالمية، وجذب الاستثمارات. ومن هنا، يصبح السؤال مختلفاً أيضاً. فالتحدي لا يكمن في حجم التبادل التجاري المباشر، بل في كيفية تموضع لبنان داخل بيئة اقتصادية إقليمية تضم اقتصاداً متقدماً بهذا الحجم. في مثل هذه الحالات، لا تستطيع الدول الصغيرة أن تبني استراتيجيتها على منافسة الاقتصادات الأكبر في المجالات نفسها، بل على تحديد المجالات التي تستطيع فيها خلق قيمة مضافة، سواء في الخدمات، أو التعليم، أو الاقتصاد الرقمي، أو الصناعات الإبداعية، أو التمويل، أو الرعاية الصحية، أو أي قطاع آخر يمنحها دوراً مميزاً داخل المنطقة. وهذا يقود إلى السؤال الذي ينبغي أن يشكل محور أي نقاش وطني في المرحلة المقبلة: ما هو الدور الذي يريد لبنان أن يؤديه في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة؟ فمنذ الاستقلال، لم يختر لبنان هذا الدور بصورة واعية. في مراحل معينة، فرضت عليه الجغرافيا أن يكون مركزاً مالياً، وفي مراحل أخرى فرضت عليه الحروب أن يتحول إلى ساحة صراع، ثم جعلته التحولات الإقليمية يعيش على أدوار مؤقتة فرضتها الظروف أكثر مما نتجت عن قرار وطني. أما إذا كانت المنطقة مقبلة فعلاً على مرحلة مختلفة، فلن يكون ممكناً الاستمرار في انتظار أن تحدد التطورات الخارجية وظيفة لبنان. للمرة الأولى منذ عقود، سيكون على اللبنانيين أن يحددوا بأنفسهم أي اقتصاد يريدون، وأي نموذج تنموي يسعون إليه، وأي موقع يطمحون إلى احتلاله في المنطقة. من هنا، لا يبدو أن ما يحتاجه لبنان هو نقاش إضافي حول بنود الاتفاقات، بقدر ما يحتاج إلى إطلاق ورشة وطنية كبرى تضع تصوراً متكاملاً لمرحلة ما بعد الصراعات. ورشة تبدأ من الاقتصاد قبل السياسة، ومن تحديد هوية لبنان المستقبلية قبل البحث في تفاصيل العلاقات مع الآخرين، لأن الاتفاقات لا تصنع مستقبل الدول، بل تفتح أمامها فرصاً جديدة، فيما يبقى مستقبلها رهناً بقدرتها على استثمار تلك الفرص. وربما تكمن المفارقة في أن لبنان أمضى سنوات طويلة يناقش الحروب، من دون أن يناقش يوماً كيف يريد أن يعيش بعد انتهائها. وإذا كان التحول الإقليمي الذي يلوح في الأفق سيصبح واقعاً، فإن السؤال الحقيقي لن يكون ما إذا كنا مع هذا الاتفاق أو ضده، بل ما إذا كنا نملك، للمرة الأولى، رؤية واضحة للبنان الذي نريد بناءه عندما تتغير المنطقة من حولنا.

زيارة عون إلى واشنطن، ركيزةٌ أساسية في التوجه السيادي للسلطة

قد تُسهم الزيارة الرسمية للرئيس جوزيف عون إلى واشنطن، ولا سيما اللقاء المرتقب في البيت الأبيض مع الرئيس دونالد ترامب، يوم الثلاثاء الواقع في 21 يوليو، في دفع عجلة التوجه السيادي الواضح الذي اتخذه الحكم دفعةً قوية إلى الأمام، بل يمكن القول إنها ينبغي أن تفعل ذلك. وقد تجلّى هذا التوجه - الذي يلتقي مع شعار 14 آذار "لبنان أولاً" - بوضوح جليّ ودون تردد، منذ الثاني من مارس الماضي، حين أقحم حزب الله البلاد من طرف واحد في حرب عبثية جديدة، على الرغم من تحذيرات السلطة، وذلك بهدف وحيد هو دعم النظام الإيراني والانتقام المزعوم لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي الذي لقي حتفه في الساعات الأولى من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. ولاستيعاب الأثر الاستراتيجي الفعلي الذي قد تتركه لقاءات واشنطن على مصير لبنان على المديين القريب والمتوسط، لا بد من التراجع خطوة إلى الوراء والنظر من منظور أرحب، لتقييم موضوعي للتحولات الجذرية المتعددة التي شهدتها منطقة المشرق منذ السابع من أكتوبر 2023 المشؤوم، حين أطلقت حركة حماس هجومها الدموي على الأراضي الإسرائيلية انطلاقاً من غزة. شكّلت تلك العملية نقطة انعطاف حاسمة على مستوى المنطقة، إذ كانت الشرارة الأولى لسلسلة طويلة من التطورات الكبرى على الصعيدين السياسي والعسكري، تتالت بوتيرة متسارعة ولا تزال مستمرة حتى اليوم، وكان من أبرز نتائجها الانحدار المتسارع لما يُعرف بمحور الممانعة. بدأ هذا الانحدار من أولى محطاته بتدمير غزة وتفكيك حركة حماس، ثم توالت الأحداث بسرعة؛ من اغتيال حسن نصرالله وتصفية القيادتين السياسية والعسكرية لحزب الله، مما أفضى إلى إضعافه إضعافاً بالغاً، ثم سقوط نظام الأسد الذي حرم الجمهورية الإسلامية من فضائها الاستراتيجي الحيوي، وصولاً إلى تسلّم فريق حاكم جديد في العراق مقاليد الأمور مؤخراً، يخوض معركة شرسة لمواجهة النفوذ الإيراني في البلاد. وقد ترسّخ هذا التوجه الجديد الذي بات يتبلور منذ أسابيع في بغداد، إبان الزيارة الأخيرة التي أداها رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي إلى واشنطن، حيث استقبله الرئيس ترامب الذي أكد دعمه الراسخ للسلطة العراقية الجديدة في صراعها مع النفوذ الإيراني. وتفقد الجمهورية الإسلامية بذلك ساحة حيوية أخرى كانت تُشكّل لها سنداً بالغ الأهمية على أكثر من صعيد. في هذا السياق الإقليمي الشامل الذي تهيمن عليه موجة الانحسار القوي والمتزايد لنظام الملالي، تأتي هذه "الأيام اللبنانية في واشنطن". ومن المرتقب أن تعمل المحادثات التي يجريها الرئيس عون مع وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الأحد، ثم مع الرئيس ترامب يوم الثلاثاء 21، على ترسيخ التوجهات السيادية للسلطة وتكريسها على نطاق واسع، وهي توجهات تنتظم تحديداً في السياق العام لإضعاف التمدد الخارجي لحرس الثورة الإسلامية والحدّ منه، بل والقضاء عليه. والتوجه الذي اتخذه الحكم اللبناني في هذا الشأن مُعلَن صراحةً تحت راية تحرير لبنان من الوصاية الإيرانية. ولم يُفوّت المسؤولون الأمريكيون الفرصة للتشديد على الأهمية الاستراتيجية لهذا التوجه الذي يطبع المشهد في المنطقة، حتى إنهم ذهبوا إلى الحديث عن "تحالف" بين بيروت وبغداد في مواجهة النفوذ الإيراني. وتأكيداً منه على الدعم الأمريكي غير المشروط لاستعادة هيبة السلطة المركزية، دعا روبيو لبنان وسوريا صراحةً إلى الإعلان المشترك عن بيان رسمي يرتكز على احترام سيادة كلا البلدين. كأنه يستبق نتائج زيارة الرئيس عون إلى واشنطن، أكد وزير الخارجية يوم الاثنين أن رئيس الدولة سيتمكن، حين يعود إلى بيروت، من أن يقول للبنانيين إنه هو من نجح، بفضل توجهاته الوطنية، في إعادة البلاد إلى مسار النهوض. وحرص روبيو على التأكيد في هذا الصدد أن واشنطن لا محاور لها في لبنان سوى الرئيس عون والشرعية، وبالتالي لا مكان للنظام الإيراني في هذه المعادلة بأي شكل من الأشكال. انطلاق تطبيق «المناطق التجريبية» انطلاقاً من هذا الالتزام ذاته بإعادة بناء لبنان سيادي وحر، تُوظّف إدارة ترامب ثقلها كاملاً لتطبيق بنود اتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من يونيو الماضي. بدأ تطبيق المناطق التجريبية المنصوص عليها في الاتفاق اللبناني الإسرائيلي مساء الاثنين، ومن المتوقع أن يتواصل يوم الثلاثاء مع انسحاب قوات الدولة العبرية من المنطقة التجريبية الأولى التي تضم قرى فرون وصريفا وزوطر الغربية، حيث يفترض أن ينتشر الجيش اللبناني يوم الثلاثاء، وأن يتحقق، تحت إشراف أمريكي، من خلو المنطقة المعنية من أي وجود ميليشياوي لحزب الله. إذا سارت هذه العملية دون عقبات، فإنها ستُكرّس بلا شك نجاح خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل الذي اختاره المسؤولون لاستهلال مسار الانسحاب الإسرائيلي وحل أزمة جنوب لبنان. وحرصت وزارة الخارجية الأمريكية يوم الاثنين على الإشارة إلى أن انطلاق تطبيق «المناطق التجريبية» جاء نتيجة مباشرة للمباحثات اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة التي جرت قبل أيام في روما. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الرئيس عون وحكومة نواف سلام سلكا هذا الطريق رغم الضغوط والمناورات التي مارسها النظام الإيراني، الذي كان يسعى إلى فرض «حله» الخاص للجنوب كي ينتزع لنفسه حق التحكم بالورقة اللبنانية، بهدف تعزيز موقعه التفاوضي في مواجهة إدارة ترامب... غير أن السلطة وقفت بحزم في وجه هذا النهج الإيراني، مؤكدةً بوضوح لا لبس فيه أن التفاوض باسم لبنان حق حصري للدولة اللبنانية وحدها. العودة إلى «التفاوض» مع طهران؟ بينما يمضي لبنان في طريقه نحو استعادة سيادته، لاح بصيص أمل خافت وخجول في الأفق الإقليمي مساء الاثنين. إذ أشارت معلومات واردة من إسلام آباد إلى وجود مشروع لوقف إطلاق النار لمدة نحو عشرة أيام. وسيُستثمر هذا الهدوء، الذي سيرافقه إتاحة حرية الملاحة في مضيق هرمز، لبحث سبل استئناف المحادثات بين واشنطن وطهران. أي أن المسألة تتعلق في هذه المرحلة بمفاوضات لتمهيد الطريق... نحو مفاوضات حول الملفات الخلافية! مع العلم أن النقاشات مع الجمهورية الإسلامية حول هذه الملفات بالذات (البرنامج النووي، وتخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية...) تمتد منذ أكثر من... عشرين عاماً! فقد انطلقت في مطلع الألفية الثالثة، وأفضت إلى صدور ست قرارات عن مجلس الأمن الدولي بين عامَي 2006 و2010، تطالب إيران بوقف تخصيب اليورانيوم. دون جدوى... وخلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، أعرب النظام الإيراني عن رغبته في إعادة إحياء المحادثات مع الولايات المتحدة، وأوفد وزير داخليته إلى إسلام آباد لهذا الغرض، لبحث سبل استعادة وقف إطلاق النار في الخليج وفقاً لمذكرة التفاهم المبرمة مع واشنطن في يونيو الماضي. وكان من المرتقب أن يؤكد وزير الخارجية الإيراني في بيان يصدر يوم الاثنين على ضرورة «التمسك بمسار التفاوض مع الأمريكيين». بدا هذا التوجه «السلمي» المفاجئ أكثر إثارةً للدهشة في ضوء بيان نُسب في نهاية الأسبوع الماضي إلى المرشد الأعلى الغامض مجتبى خامنئي، جاء فيه أن «التوقيع الذي وضعه دونالد ترامب على مذكرة التفاهم لا قيمة له»، وهو ما يجعل تلك المذكرة -من حيث المبدأ- لاغيةً ضمنياً في نظر طهران، في حين يسعى بعض المسؤولين الإيرانيين إلى إحيائها من جديد... وتجدر الإشارة إلى أن هذا التناقض الصارخ جاء في أعقاب تسع ليالٍ متواصلة من القصف الأمريكي المكثف على مواقع الحرس الثوري وبنيته العسكرية ومستودعات أسلحته وذخائره. اعتداء على دبلوماسيين فرنسيين وعلى أي حال، فبينما يُشدد نظام الملالي على رغبته في استئناف «الحوار» مع الولايات المتحدة، لم يتردد في الوقت ذاته في إطلاق صواريخه وطائراته المسيّرة مساء الاثنين باتجاه الكويت والبحرين والأردن. وفي السياق نفسه، رُصدت الاثنين هجومان جديدان على سفن تعبر مضيق هرمز، فيما أكد الرئيس الإيراني في وقت سابق من اليوم ذاته أن «دور إيران» في مضيق هرمز «غير قابل للتفاوض»! وأوضح مسؤول إيراني رفيع من جهته أن هذا الممر المائي لن يكون مفتوحاً لأي دولة «تتعاون مع الولايات المتحدة»! أما رئيس البرلمان والمفاوض الرئيسي مع واشنطن محمد باقر قاليباف، فقد أدلى بتصريحات بالغة الحدة في حق الأمريكيين، منتقداً نقل الجيش الأمريكي لمعدات عسكرية في حين تدّعي الولايات المتحدة رغبتها في «إنهاء الحرب». وأضاف كاشفاً عن نبرته التصادمية: «إنهم يراهنون على أن ذكاءنا محدود كما هو حجم ذكائهم هم»! وأعلن الحوثيون اليمنيون المدعومون من إيران من جانبهم «حصاراً بحرياً على المملكة العربية السعودية»، وذلك في أعقاب تبادل لإطلاق النار بين الطرفين الأسبوع الماضي. والأشد خطورةً من ذلك كله أن وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو أعلن مساء الاثنين أن دبلوماسيين فرنسيين «احتُجزا دون أي مبرر» في طهران من قِبل الأجهزة الأمنية «لساعات عدة، وخضعا للاستجواب، وتعرض أحدهما للإيذاء الجسدي»! ووصف السيد بارو ما جرى بأنه «عمل تخويفي بالغ الخطورة». إن هذا التراكم السريع من الأفعال العدوانية والتصريحات الاستفزازية في فترة وجيزة يكشف بجلاء عن الحالة الذهنية الحقيقية لمراكز القوى في إيران، وعن الطريقة التي ينظر بها هؤلاء منذ أكثر من عشرين عاماً إلى علاقاتهم مع الغرب والمجتمع الدولي برمته.

بين الصفر والواحد
بقلم
منى فياض
نُشر
يوليو 20, 2026 - 16:07

في نص الكاتالوغ لمعرضHady Sy ، يقدم لنا مشروعه بوصفه بحثًا عن "طريق للتعايش" بين الذكاء العضوي والذكاء التكنولوجي، بين الذاكرة والحساب، بين اليد والخوارزمية. لا يضع هذه العوالم في حالة صراع، بل يقترح إمكان التقاء معياري او اخلاقي، حيث تخدم التكنولوجيا الإنسان وتحفظ كرامته. غير أن الأعمال نفسها، كما تتجلى في القاعة، تبدو أقل اطمئناناً إلى هذا التوازن. فهي لا تنفي إمكان التعايش، لكنها تكشف في الآن ذاته هشاشته. ينطلق هادي سي من لغة الداتا الرقمية، صفر وواحد، في تأسيس المنحوتات، لا يعود الأمر مجازاً نظرياً بل تجربة حسية قاسية: أجساد تمشي، تحمل، تتعب، لكنها مكتوبة بلغة رقمية. هنا تلتقي عبارة الكاتالوغ – "لا يمكن اختزال الإنسان إلى معطى"- مع نقيضها داخل العمل ذاته. فالأجساد رقمية بالفعل، لكنها لا تزال تحتفظ بشيء يقاوم هذا الاختزال: ذاكرة، كرامة، أو ربما مجرد إصرار على الوقوف. بهذا المعنى، لا تقدّم أعمال هادي سي أطروحة جاهزة بقدر ما تفتح هامش توتر: بين ما ينبغي أن يكون (تكنولوجيا في خدمة الإنسان) وما هو كائن (عالم يتزايد فيه اختزال الإنسان إلى بيانات). ومن هذا التوتر بالذات تنبثق قوة هذه الأعمال، لا من حسمها، بل من إبقائها السؤال مفتوحاً. إذا كان نص الكاتالوغ يقترح أفقاً للتعايش، فإن الأعمال نفسها تتوزع على محطات تبدو، للوهلة الأولى، متباعدة، لكنها سرعان ما تنكشف بوصفها حلقات في سردية واحدة عن الإنسان في زمن الاختزال. تبدأ هذه السردية من الأصل: من البذرة، من "الحساء الأول" المُتسعاد كاستعارة لبداية الحياة، لا بوصفها لحظة صفاء، بل كنقطة انطلاق لمسار طويل من التحولات. هنا، لا تظهر الطبيعة كخلفية صامتة، بل كذكاء سابق على الإنسان نفسه، ذكاء متجسد في نمو الأشجار، في جريان الماء، وفي ذلك التنظيم الخفي الذي يحكم الكائنات الحية. غير أن هذا الأصل عبارة عن تكرار، نفس الحجارة تنبني بأشكال مختلفة لتعطي حيوات مختلفة. تكشف منحوتة السلَّم، حيث تصعد الأجساد نحو لا مكان، حيث ستظل معلّقة، بلا أفق واضح. ليس ثمة وصول، ولا عودة، بل استمرارية في العبور. الهجرة هنا لا تُقدَّم كحدث سياسي فحسب، بل كحالة وجودية، كقدرٍ يلازم الإنسان المعاصر، حيث يصبح الطريق ذاته هو الوجهة. في قلب هذا التيه، تتكثف المأساة في أعمال تحيل إلى المجاعة والحرب، كما في العمل الذي يجسّد بشراً مكوّنين من صفر وواحد يحملون صحناً ويمشون فوق الجثث. المفارقة التي تبرز هنا - والتي تلتقطها العين قبل أن يصوغها الفكر - أن هذه الأجساد، رغم اختزالها الرقمي، لا تزال مرفوعة الرأس. غير أن هذا المشهد لا يلبث أن ينقلب على نفسه، حين تتخذ الأشكال ذاتها هيئة جنود ربما فوق نفس الجثث التي تجاورهما. الشكل لا يتغير، لكن المعنى ينقلب: من ضحية إلى جلاد. كأن العنف لا يحتاج إلى أشكال جديدة، بل يعيد استخدام الأشكال ذاتها، مكتفياً بإعادة ترميزها. هنا لا تعود المسألة مجرد انقلاب في الدلالة، بل تكشف عن آلية أعمق للسيطرة، حيث تصبح الأشكال نفسها قابلة لأن تُستعاد في سياقات متناقضة، دون أن تفقد مظهرها الأول. بهذا المعنى، يقترب العمل من عوالم George Orwell، حيث لا تُفرض السلطة من خلال القطيعة، بل عبر قلب المعاني من داخلها، ومن سرديات Haruki Murakami، حيث يتسلل العنف في هيئة مألوفة، شبه يومية، يصعب تمييزها للوهلة الأولى. غير أن ما ينجزه هادي سي هنا لا يمر عبر اللغة أو الحكاية، بل عبر الشكل ذاته، الذي يتحول إلى موقع للتوتر بين دلالات متعارضة، تكشف أن ما نراه ليس دائماً ما يكون. هذا التكرار يجد صداه في أعمال أخرى، مثل cactus، حيث تحضر ذاكرة الهنود الحمر لا كحدث تاريخي مغلق، بل كنموذج يتكرر. فالعالم، كما تقترح هذه الأعمال، لا يتوقف عن إنتاج "آخرين" جدد، يُدفعون إلى الهامش أو إلى الفناء. هكذا تتجاور الأزمنة: الماضي الاستعماري، الحاضر الملتهب، والمستقبل المفتوح على احتمالات مماثلة. وفي امتداد هذا الخط، يحضر سيزيف، لا كشخصية أسطورية معزولة، بل كصورة مكثفة لوضع إنساني عام. حمل الصخرة لا ينتهي، والجهد يتكرر، لا بوصفه عقاباً فردياً، بل كشرط للوجود ذاته. ومع ذلك، لا يخلو هذا العالم من شقوق صغيرة يتسلل منها معنى آخر: وردة، قبلة، أو أثر حب، تقاوم، ولو بشكل هش، منطق القسوة. بهذا تتكشف الثيمات، لا كمجموعة مواضيع منفصلة، بل كشبكة مترابطة: الأصل، التيه، العنف، التكرار، والمقاومة. شبكة تجعل من الإنسان كائناً عالقاً بين ما كان يمكن أن يكون، وما صار إليه بالفعل. إذا كانت هذه الأعمال تُحيل، على مستوى المفهوم، إلى عالم يُختزل فيه الإنسان إلى رقم، فإن قوتها الفعلية تتجلى في الطريقة التي تُصاغ بها مادياً. فالحديد، وبخاصة الفولاذ (Corten)، ليس مجرد مادة، بل لغة قائمة بذاتها. هو مادة قاسية، ثقيلة، تُستخدم عادة في البناء أو في البنى التحتية، أي في ما هو وظيفي وصلب. غير أن هادي سي يعيد توجيه هذه المادة، فيطوّعها، يثنيها، ويمنحها انحناءات تذكّر بالجسد البشري، كأن القساوة نفسها تُجبر على الاعتراف بالهشاشة التي تحملها. هذا التوتر بين الصلابة والانحناء لا يشتغل فقط على مستوى الشكل، بل يعيد إنتاج ما يحدث للإنسان في زمن الحرب: جسد يتعلم أن ينحني، أن يتكيّف، أن يحسب، دون أن يفقد كلياً أثره الإنساني. هنا، لا يكون الحديد نقيض الجسد، بل امتداده المشوّه، أو ترجمته في عالم تحكمه معايير القياس والقوة. هذه المنحوتات ليست فقط تمثيلاَ لعالمنا، بل إعادة تشكيل حسّية له، حيث يمكن رؤية ما يصعب قوله، ولمس ما يُختزل عادة في أرقام. ربما لهذا السبب تترك هذه الأعمال أثراً يدوم. فهي لا تقدّم معنى يُستهلك، بل تجربة تستمر. تجربة تُجبرنا على إعادة النظر فيما نعتبره بديهياً: أن نكون بشراً، أن ننتمي إلى مكان، وأن نعيش في زمن لم يعد واضح الحدود. وفي هذا التردد بالذات، بين ما يُقاس وما يُعاش، بين ما يُحسب وما يُحسّ، يتكشف السؤال الذي لا يمكن تأجيله: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنساناً في عالم يُعاد تعريفه بلغة لا تشبهه تماماً؟

الحرب في أوكرانيا: فشل أولى جهود السلام 2/5
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
يوليو 19, 2026 - 18:46

لا تزال الحرب في أوكرانيا تتصدر نقاشاً واسعاً تُغذّيه، من بين أمور أخرى، القصف شبه اليومي الذي يستهدف من الجانبين مراكز حيوية، وتحديداً العاصمتان الروسية والأوكرانية. لفهم الأبعاد المختلفة لهذا الصراع العتيق فهماً أعمق، لا بدّ من العودة إلى مقدمات هذه الحرب وجذورها، واستعراض دوافع وتطلعات الأطراف المعنية كافة، ولا سيما الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا بما يشمل جميع دول حلف الناتو باستثناء تركيا)، مع استحضار بدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى سلام، أو على أقل تقدير إلى مفاوضات، مع الإشارة إلى أن المسؤوليات في هذا السياق متشعبة ومتعددة. لاستيعاب خفايا وتداعيات مختلف جوانب الحرب في أوكرانيا، ثمة تساؤلات جوهرية ينبغي طرحها منذ البداية: ماذا تمثّل روسيا وأوكرانيا بالنسبة للغرب؟ وما هي التداعيات الفعلية المحتملة لانتصار حاسم لأحد الطرفين؟ وبالتبعية، ما هي التبعات التي ستترتب على ذلك بالنسبة للغرب والشرق الأوسط؟ في سلسلة من خمس مقالات، يعرض متعاوننا جان-باتريك دايرا، نائب الأميرال في البحرية الفرنسية، رؤيته وتحليله للمسألة. جان-باتريك دايرا، نائب أميرال (متقاعد) في اليوم ذاته الذي شنّت فيه روسيا غزوها لأوكرانيا، في 22 فبراير 2022، رفع كثير من الفرنسيين والأوروبيين الأعلام الأوكرانية (حتى في جزر الأزور!)، وتطوّع بعضهم لاستقبال اللاجئين بل لتعليمهم لغة البلد المضيف. وكان من المثير للاهتمام أن نسأل هؤلاء الذين أظهروا موقفاً سياسياً صريحاً: أين تقع أوكرانيا على الخريطة؟ وما الذي جرى خلال السنوات العشر الأخيرة (2013-2022) بين أوروبا وأوكرانيا وروسيا؟ غير أن طرح مثل هذه الأسئلة بات أمراً غير مقبول في فرنسا بعينها. الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد أيام قليلة من الغزو الروسي، تقدّمت أوكرانيا رسمياً بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. في 17 يونيو 2022، أوصت المفوضية الأوروبية بمنح أوكرانيا وضع البلد المرشح. لماذا؟ وبأي هدف؟ لن يعلم أحد بالجواب القاطع على الإطلاق. في 23 يونيو 2022، قرر رؤساء الدول والحكومات في الدول الأعضاء السبع والعشرين، المجتمعون في المجلس الأوروبي، بالإجماع منحَ أوكرانيا وضعَ البلد المرشح الرسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. في 14 ديسمبر 2023، قرر المجلس الأوروبي فتح مفاوضات الانضمام، وفي 25 يونيو 2024 انطلقت هذه المفاوضات رسمياً. أيّ موظف أو موظفة في شركة كبرى لم يكن يتمنى حصوله على ترقية تُغيّر وضعه الوظيفي بهذه السرعة المذهلة؟ لم يعد الأمر يتعلق بالسلّم الاجتماعي، ولا حتى بالمصعد الاجتماعي، بل بصاروخ فضائي اجتماعي حقيقي! لنقارن ذلك بأوضاع الدول المرشحة الأخرى التي لم تنضم بعد إلى الاتحاد الأوروبي. تواريخ انطلاق مسار المفاوضات: تركيا 1999؛ مقدونيا 2005؛ الجبل الأسود 2010؛ صربيا 2012؛ ألبانيا 2014؛ مولدوفا 2022؛ البوسنة والهرسك 2022؛ جورجيا 2023. وقد تقدّم كوسوفو بطلب انضمام عام 2022 لكنه لم يحصل بعد على وضع المرشح الرسمي. فلماذا كل هذه العجلة؟ أولم يكن بالإمكان دعم أوكرانيا دون أن يُفرش لها هذا البساط الأحمر الموعد بالكثير، الموعد بأكثر من اللازم؟ والأقل ما يمكن قوله إن الدول المرشحة لا تُعامَل بالمعيار ذاته. فأوكرانيا بلد كان يعاني فساداً واسعاً ولا يزال. إذ يضعها مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة "الشفافية الدولية" في المرتبة 142 عالمياً عام 2014، ثم المرتبة 116 عام 2022 (وتتقارب مؤشرات روسيا مع هذه الأرقام). وفي حين تصفها وسائل الإعلام الغربية بأنها دولة فاسدة حين يتعلق الأمر بروسيا، يُسدل الستار تماماً على فساد أوكرانيا. مشروع السلام برعاية تركية في ربيع عام 2022، لم يكن السلام بعيد المنال. كان الباب موارباً منذ بداية الحرب. أدّت تركيا دوراً دبلوماسياً بارزاً، وإن لم تُفلح في التوصل إلى اتفاق سلام دائم. كانت تركيا تحتل موقعاً متميزاً: فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتجمعها علاقات وطيدة بأوكرانيا (بيع الطائرات المسيّرة والتعاون العسكري)، فضلاً عن علاقاتها المتينة مع روسيا على الصعيدين الجيوسياسي (في سوريا) والاقتصادي. وكانت تركيا من النادرين من الدول القادرة على التحدث في آنٍ واحد مع موسكو وكييف. وقد استضافت المفاوضات السلمية الرئيسية في مارس 2022، وأسهمت في إبرام اتفاقية تصدير الحبوب. مفاوضات مارس 2022 استضافت تركيا لقاءً بين وزيري الخارجية الروسي والأوكراني في أنطاليا بتاريخ 10 مارس 2022، ثم مفاوضات أوسع نطاقاً بين الوفدين الروسي والأوكراني في إسطنبول بتاريخ 29 مارس 2022، تضمّنت: منح أوكرانيا وضع الحياد (بالتخلي عن طموح الانضمام إلى الناتو). ضمانات أمنية تقدّمها عدة دول مقابل هذا الحياد. انسحاب القوات الروسية من بعض المناطق. تأجيل التفاوض حول وضع شبه جزيرة القرم. تُظهر أبحاث المؤرخين والباحثين أن مسودة اتفاق كانت قائمة، غير أن مسائل جوهرية عديدة ظلّت معلّقة دون حلّ، لا سيما وضع الأراضي المحتلة، والضمانات الأمنية، والجدول الزمني للانسحابات العسكرية، وحجم الجيش الأوكراني المستقبلي. دفعت الانتصارات العسكرية الأوكرانية حول كييف القادةَ الأوكرانيين إلى الاعتقاد بأن بإمكانهم انتزاع موقف أفضل على أرض المعركة. في المقابل، تمسّكت روسيا بمطالب عدّها الأوكرانيون غير مقبولة. دور بوريس جونسون يُقال إن بوريس جونسون ثنى أوكرانيا عن إبرام اتفاق. هذا الادعاء لا يزال موضع جدل، بيد أنه تسرّب بوضوح عبر صحف عديدة ومحللين موثوقين وذوي دراية. ولم ينفِ جونسون ذلك. ويُعدّ دوره في إفشال مفاوضات السلام بين أوكرانيا وروسيا، التي جرت بوساطة تركية في ربيع 2022، من أكثر المسائل إثارةً للجدل في سياق هذه الحرب. في التاسع من أبريل 2022، توجّه بوريس جونسون إلى كييف. واستناداً إلى مصادر مجهولة الهوية نقلها موقع "أوكرانسكا برافدا" الأوكراني، فقد أوصل رسالتين رئيسيتين: الأولى أن فلاديمير بوتين لا ينبغي اعتباره شريكاً موثوقاً في التفاوض، والثانية أن القوى الغربية غير مستعدة لضمان أي اتفاق يُبرم مع روسيا وفق الشروط التي كانت مطروحة آنذاك. انطلق من هذه الرواية الادعاءُ بأن جونسون أفسد الاتفاق المرتقب. وقد أعلن صراحةً تشككه في إمكانية التفاوض مع بوتين، وروّج لمواصلة الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا. ولا يوجد دليل قاطع يُثبت أن اتفاق سلام نهائياً كان على وشك التوقيع وأنه أُجهض بسبب تدخّله وحده. ومع ذلك، تبدّل موقف زيلينسكي تبدّلاً جذرياً. مزايا البلدين ماذا يمكن لهذين البلدين أن يقدّما لأوروبا؟ تمتلك أوكرانيا بعضاً من أكثر الأراضي الزراعية إنتاجيةً في العالم، إذ تزرع القمح والذرة والشعير وعباد الشمس والكانولا. كما تزخر بموارد معدنية ضخمة، بعضها لا غنى عنه لتطوير التقنيات الحديثة، كالحديد والمنغنيز والتيتانيوم واليورانيوم والجرافيت والليثيوم. وتضم صناعات متطورة في قطاعات الحديد والصلب والمعادن، فضلاً عن صناعة السكك الحديدية والطيران والفضاء وبناء السفن. علاوةً على ذلك، تتمتع بطاقة إنتاجية نووية كبيرة، واحتياطيات من الغاز الطبيعي، وشبكة واسعة من خطوط الأنابيب التي تربط روسيا بأوروبا. وتكتسب أوكرانيا أهمية استراتيجية بالغة كونها تشكّل جسراً يصل أوروبا بروسيا، ولها واجهة على البحر الأسود الذي يُعدّ محوراً حيوياً لتصدير الحبوب وذا ثقل عسكري لا يُستهان به. أما روسيا، فتحوز ثروات طبيعية هائلة من نفط وغاز طبيعي، إلى جانب موارد معدنية وفيرة تشمل الفحم والنيكل والبلاديوم والبلاتين والذهب والألماس والنحاس والألومنيوم. وبالإضافة إلى امتلاكها أوسع رقعة غابات في العالم، تتمتع بقطاع زراعي يُشكّل ورقة تصديرية رابحة، لا سيما في مجال القمح والشعير والزيوت النباتية. المقال التالي الحرب في أوكرانيا: أخطاء روسيا الاستراتيجية والتخبط الغربي (3/5) اقرأ أيضاً حول الموضوع ذاته كيف اختار الغرب أوكرانيا (1/5)

"المناطق التجريبية": تخريب جيوسياسي في جنوب لبنان
بقلم
خليل حلو
نُشر
يوليو 18, 2026 - 22:56

أدخل الاتفاق الإطاري الثلاثي، الذي جرى التفاوض عليه برعاية الولايات المتحدة ووُقِّع في واشنطن، آلية طموحة لنزع الطابع العسكري عن جنوب لبنان، تتمثل في إنشاء «مناطق تجريبية». وتشمل المرحلة الأولى من هذا المشروع ست قرى رئيسية موزعة على ضفتي نهر الليطاني، هي: زوطر الغربية شمال النهر، وفرون، والغندورية، والقلعوية، وبرج قلاوية جنوبه. وبموجب هذه الآلية، يتولى الجيش اللبناني مهمة الانتشار، وبسط السيطرة الكاملة، وضمان خلو هذه المناطق بالكامل من أسلحة الميليشيات. وفي المقابل، يفترض أن تنفذ قوات الاحتلال الإسرائيلي انسحاباً تدريجياً. غير أن هذه التجربة الأمنية المحلية تبدو، رغم ما تمثله من بارقة أمل، طموحاً جيوسياسياً يفوق الواقع. فالمشروع يتعرض لتخريب بنيوي، عالقاً بين المقاومة الداخلية لحزب الله، والتشدد الإسرائيلي، والاستراتيجية الإقليمية الشاملة لإيران. الفيتو البنيوي والمقاومة الداخلية لحزب الله يبقى الرفض المطلق لحزب الله تسليم سلاحه العقبة الوطنية الأكثر إلحاحاً أمام تنفيذ المناطق التجريبية. فقد وصف الحزب علناً الاتفاق الإطاري بأنه فشل، محذراً صراحة من أن أي محاولة لنزع سلاحه بالقوة من قبل الدولة في هذه القرى قد تشعل حرباً أهلية مدمرة. كما اتهم نواب لبنانيون المفاوضين في بيروت بالاستسلام للمطالب الأميركية والإسرائيلية على حساب الوحدة الوطنية. ورغم أن الجيش اللبناني بدأ بالفعل تعزيز وجوده الميداني عبر إقامة حواجز وتنفيذ دوريات حول قرى غير محتلة مثل صريفا وفرون، فإنه يعمل في ظل قيود عملياتية هائلة. وقد اضطر الرئيس جوزاف عون إلى مراعاة التحفظات الكبيرة التي أبداها كل من حركة أمل وحزب الله. فالجيش لا يستطيع تفكيك شبكات إطلاق الصواريخ تحت الأرض والبنى العسكرية المدفونة في أودية الليطاني من دون المخاطرة بمواجهة مباشرة ودامية مع الحزب. ويؤكد حزب الله أن قبوله بتسليم جزء من ترسانته في الغندورية أو زوطر الغربية سيشكل سابقة تمس بجوهر هويته بوصفه «حركة مقاومة». التشدد الإسرائيلي والتوسع الاستراتيجي في المقابل، تعمل إسرائيل على عرقلة المشروع التجريبي من خلال التأخير التكتيكي وفرض مطالب ميدانية متشددة. فقد أُرجئت اجتماعات التنسيق العسكري، التي كان يفترض أن تضع الخرائط والجداول الزمنية للانسحاب، بصورة مفاجئة نتيجة خلافات عميقة حول الحدود الدقيقة للمناطق المشمولة. وتتهم الوفود اللبنانية إسرائيل بالسعي إلى توسيع نطاق المناطق التجريبية ليشمل قرى لا يحتلها الجيش الإسرائيلي فعلياً، إضافة إلى أراض تقع شمال نهر الليطاني. كما أعادت إسرائيل التأكيد على أن قواتها لن تنسحب من «منطقة الأمن» الجديدة، التي يبلغ عمقها عشرة كيلومترات، قبل تفكيك حزب الله بالكامل. ويخلق ترسيخ هذا «الخط الأحمر» الذي تفرضه تل أبيب مأزقاً حقيقياً: فإسرائيل ترفض الانسحاب ما دامت المنطقة تضم أسلحة، فيما لا يستطيع الجيش اللبناني دخولها بأمان لنزع السلاح طالما بقيت القوات الإسرائيلية متمركزة فيها. إلى جانب ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة، عبر التدمير المنهجي للأحياء وتنفيذ غارات جوية دقيقة. وتشير هذه الضغوط المستمرة إلى أن تل أبيب تسعى إلى الحفاظ على سيطرة أمنية طويلة الأمد، بدلاً من نقل سلطة فعلية إلى الحكومة اللبنانية. القيد الإقليمي الذي تفرضه إيران ترتبط المناطق التجريبية أيضاً بمآلات العلاقة الإقليمية بين واشنطن وطهران. فالشرق الأوسط يشهد حالياً مواجهات عسكرية عنيفة بين الولايات المتحدة وإيران، تتجسد في ضربات أميركية استهدفت بنى تحتية إيرانية، وتوترات بحرية متصاعدة في مضيق هرمز. ولا تنظر إيران إلى جنوب لبنان باعتباره مجرد ملف حدودي، بل تعتبره جبهة جيوسياسية متقدمة. وقد شدد حزب الله بوضوح على أن أي وقف فعلي للأعمال القتالية أو أي انسحاب لا يمكن أن يتحقق إلا بقرار مباشر من طهران. وفي الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، فإن قبول حزب الله بنزع سلاحه داخل المناطق التجريبية سيؤدي إلى إضعاف أهم عنصر ردع تمتلكه إيران في مواجهة إسرائيل، في وقت بلغت فيه الضغوط الأميركية على الجمهورية الإسلامية ذروتها. ومن هنا، تعمل طهران على توجيه حلفائها في بيروت إلى إبطاء تنفيذ اتفاق واشنطن، بما يضمن بقاء لبنان ضمن محور النفوذ الإيراني. مهمة الفرصة الأخيرة لجوزاف عون في البيت الأبيض في ظل هذا الانسداد الداخلي والإقليمي، يتوجه الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن لعقد اجتماع حاسم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وتعد هذه الزيارة الأولى لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ سنوات، وهدفها إنقاذ الاتفاق الإطاري المتعثر وضمان استمرار مشروع المناطق التجريبية. غير أن الرئيسين يدخلان هذه المفاوضات بأجندتين متعارضتين تماماً. فمن الجانب اللبناني، يطالب الرئيس جوزاف عون الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف غاراتها الجوية وتنفيذ انسحابات يمكن التحقق منها. كما يسعى إلى الحصول على دعم أميركي واسع للجيش اللبناني، مالياً ولوجستياً، ويرجح أن يطلب أيضاً تزويده بطائرات مسيّرة متطورة ومنظومات استشعار حدودية للحد من تهريب الأسلحة عبر الحدود اللبنانية ـ السورية. أما من الجانب الأميركي، فيطالب الرئيس دونالد ترامب بأدلة ملموسة وقابلة للتحقق تثبت استعداد بيروت لنزع سلاح حزب الله. كما تدفع إدارته نحو إعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني عبر تفكيك الشبكات المالية غير الرسمية المرتبطة بالحزب، بهدف إخراج لبنان نهائياً من المدار الجيوسياسي الإيراني. ويواجه الرهان الدبلوماسي للرئيس جوزاف عون تحديات كبيرة. ويشير محللون إلى أن الرئيس اللبناني لا يمتلك سوى هامش محدود جداً من النفوذ الفعلي على الأرض. وفي حين تضغط واشنطن لعقد لقاء مباشر بين جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تواصل بيروت رفض أي مفاوضات ثلاثية ما دامت القوات الإسرائيلية تحتل أي جزء من الأراضي اللبنانية. وفي المحصلة، لا يمكن للمناطق التجريبية في زوطر الغربية وصريفا أن تستمر باعتبارها مجرد ترتيبات عسكرية تقنية. فمن دون تهدئة إقليمية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران، تترافق مع تسوية سياسية داخلية قابلة للتنفيذ في بيروت، سيبقى انتشار الجيش اللبناني مهمة شديدة الصعوبة. وفي ظل الحصار الذي تفرضه ترسانة حزب الله، والتمدد الدفاعي الإسرائيلي، وحرب الوكالة التي تخوضها إيران، ستظل المناطق التجريبية أمام اختبار بالغ القسوة.