
"من "المكان" إلى "الفضاء

في الحياة العادية نعيش ما يسميه الأنتروبولوجيون المكان "milieu" فضاء مشحون بالذاكرة والعلاقات: البيت، الساحة، الدكان، الجامع او الكنيسة، والطريق الى المدرسة. في الحرب يتحول المكان إلى فضاء: يُقاس ويُدار: مدى، زاوية رؤية، خط إمداد. هذا انتقال من المعنى إلى الوظيفة، من السكن إلى الحساب والتعداد. كأن الأرض تُنزع منها قصتها وتُعاد كتابتها بلغة عسكرية.
الحرب تكسر الانتماء. يبنى الانتماء عادةً عبر الاستقرار والتكرار الروتيني: نفس الطريق، نفس الوجوه ونفس العادات. حين يصبح المكان مهدداً، يتبدّل الانتماء إلى حالة قلق: تنتمي إلى مكان قد تضطر لمغادرته في أي لحظة. هنا يظهر شكل من "الانتماء المؤقت" - تحب المكان لكنك لا تثق بإمكانية البقاء فيه. هذه مفارقة تُحدث شرخاً داخلياً دائماً.
كذلك الجسد، فذلك المُنساب والمترسخ في المكان، في زمن السلم، دون تفكير، فإنه يتعلم في زمن الحرب: أن ينحني ان يدخل عالم الحسابات: يختبئ، يقدّر المسافات، يقرأ الأصوات، يتلفت حوله ويتحرك. تصبح الحواس جهاز إنذار. الأرض تُفهم وتقدّر عبر الخطر: أين تختبئ؟ أين تمرّ؟ أي طريق أقل انكشافاً؟ أي توقيت؟ هذه "معرفة جسدية" تُعيد تشكيل علاقتنا بالعالم على مستوى لاواعي.
ليس المكان وحده الذي يتبدّل؛ الزمن أيضاً. في الحرب، الزمن يتكثف: لحظات قصيرة تحمل قرارات حياة أو موت. ينتقل الإنسان من زمن ممتد (ماضٍ–حاضر–مستقبل) إلى حاضر ضاغط. هذا ما يُضعف القدرة على التخطيط ويقوّي رد الفعل. الأرض لم تعد مسرحاً لحياة تُبنى، بل لحظات تُدار.
تحوّل الحروب البشر الى أرقام. فلسفياً، هذا جزء من "عقلنة" الحرب: تحويل البشر إلى وحدات قابلة للحساب.
هنا يحدث اغتراب مزدوج: عن الذات (أنا لست مجرد رقم)، عن الأرض أيضاً (التي لم تعد تعترف بقصتي بل بموقعي). كل هذا يهدد فكرة الكرامة المرتبطة بالاسم والسيرة.
لا تعود الأرض محايدة بعد الحرب. كل تلة أو جسر يحمل أثراً: خسارة، خوف، نجاة. الذاكرة تُلصق بالمكان وتُعيد إنتاجه. لذلك لا تكون العودة بعد الحرب عودة إلى "نفس" المكان، بل إلى مكان مُعاد شكله وتعريفه. وهذا يفسر لماذا قد يشعر الناس بالغربة في قراهم نفسها.
والأرض نفسها تُقرأ بعيون مختلفة بعدما تم التعامل معها: كموقع دفاع، ومنصة رصد، بيت غير آمن، أو طريق هروب.
توجِد الحرب جغرافيات متراكبة بدل جغرافيا واحدة. هذا التعدد يخلق صراعاً على المعنى، وليس فقط على السيطرة. من يملك الأرض؟ ليس فقط من يسيطر عليها، بل من يفرض تفسيرها.
بالتالي نجد ان هذه الحرب كشفت لنا عن جغرافية جديدة للبنان لم نكن نعرفها. القرى اصبحت مواقع عسكرية والطرق ممرات للهروب من جحيم الحرب، والأنهر حيطان، الجسور تهدم لقطع التواصل، والهضاب تصبح اماكن مطلة لرصد العدو، يستميتون لاحتلالها للكشف والمراقبة!! البشر تحولوا ارقاماً تحصى مقتولة او مفقودة او مهجرة او متسولة.. السيارات تحولت بيوتاً، والبيوت هدمت... تعرفنا على قرى وطرق وتلال ووديان ووهاد وعرة، تمنع التقدم او تسهّله…
لم نكن نعرف بلدنا بهذه الصورة. لم نعد بشراً لنا تاريخ وذكريات ومهنة، صرنا أهدافاً للطائرات والصواريخ والمسيرات... وساحة قتال لعدو يستسهل احتلالنا والاعتداء علينا، ليقاتل مرتزقة وجنود بلد غازٍ ( بواسطة ضباطه مباشرة وبواسطة حزبه الذي يعرّف نفسه كجندي ايراني)، تستغلنا ايران للوصول الى البحر المتوسط (حلمها منذ قورش) والتي تعود عنه خائبة في كل مرة...يدهشني ذلك كله وأقف متأملة أمام هذه المعرفة المرّة والمفارقة ...المعرفة الكئيبة والمؤلمة.
الحروب لا تغيّر السياسة فقط، بل تعيد رسم الجغرافيا في عيون الناس. المكان نفسه يبقى، لكن معناه ينقلب. القرية التي كانت حياةً وعلاقات، تصبح موقعاً؛ الطريق الذي كان وصلاً، يصير احتمال نجاة؛ والجسر الذي كان يختصر المسافة، يتحول إلى هدف.
هذه ليست مجرد "معرفة جديدة"، بل هي تشويه لعلاقة الانسان بمكانه. الجغرافيا في زمن السلم تُعاش، وفي زمن الحرب تُقاس: مسافة قصف، مدى رؤية، خط إمداد، أو طريق هروب. حتى اللغة تتبدّل: بدل أن نقول "بيت"، نقول "نقطة"، وبدل "وادي" نقول "ممر"، وبدل "تلة" نقول "موقع".
والأقسى أن الإنسان نفسه يُختزل. ليس فقط إلى رقم، بل إلى فئة: قتيل، مفقود، نازح، أو منتظر للمساعدة. هذه عملية تجريد قاسية، لكنها جزء من منطق الحرب الذي يحتاج إلى الاحصاء والتبسيط ليستمر.
هنا تحديداً يبدأ الألم العميق: حين يشعر الإنسان أنه فقد فردانيته، وصار مجرد "حالة".