شعار Levant Time

ألف هضبة

مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّين — العامل من أجل "لُبْنَانَ آخَر"
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
مايو 16, 2026 - 11:11

النص التالي هو ترجمة للكلمة التي ألقاها زميلنا ميشال حاجي جورجيو خلال حلقة نقاشية نظمها موقع 'جنوبية' يوم الجمعة ١٥ أيار في بيروت، تحيةً لذكرى الكاتب والمحلل السياسي محمد حسين شمس الدين. وقد شارك في هذا اللقاء زميلنا علي محمد حسن الأمين، مدير موقع 'جنوبية'، والوزير السابق إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، والكاتب والمحلل السياسي هشام دبسي، والكاتب والمحلل السياسي حسن بزيح. والهدف من هذا النص هو وضع فكر شمس الدين ونتاجه في سياق استمرارية الإرث التاريخي والسياسي والأخلاقي اللبنانوي والدولتي لعلماء جبل عامل. ايها الاصدقاء أَوَدُّ، بَادِئَ ذِي بَدْءٍ، أَنْ أَشْكُرَ السَّيِّدَ عَلِيَّ الأَمِينَ عَلَى هَذِهِ الْمُبَادَرَةِ فِي تَكْرِيمِ صَدِيقِنَا مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ، وَعَلَى دعوتي لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ، لَا سِيَّمَا فِي حَضْرَةِ شَخْصِيَّاتٍ بِهَذَا الْمُسْتَوَى أَكِنُّ لَهَا جَمِيعًا احْتِرَامًا عَمِيقًا. مُحَمَّد حُسَيْن هُوَ بِلَا شَكٍّ أَحَدُ مُعَلِّمِيَّ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ فَضْلُ الْكَثِيرِ من الخبرة التي اكتسبتها ومن تكوين ماهية الفكرة اللبنانيّة لديّ خِلَالَ الْعَقْدَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ، مُنْذُ الْمَرْحَلَةِ الَّتِي أَعْقَبَتْ بَيَانَ الْمَطَارِنَةِ الْمَوَارِنَةِ عَامَ أَلْفَيْنِ وَأَفْضَتْ إِلَى الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ آذَارَ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ. وَأَوَدُّ أَنْ أَغْتَنِمَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ — لِأَنَّ مُحَمَّد حُسَيْن كَانَ “يَعِيشُ الآخَرَ” إِلَى حَدٍّ لَمْ يَعُدْ يُمَيِّزُ فِيهِ بَيْنَ عَمَلِهِ وَعَمَلِ رُفَقَائِهِ فِي الْمَسِيرَةِ — لِأُحَيِّيَ ذَاكِرَةَ هَؤُلَاءِ الرُّفَقَاءِ. فَالْحَدِيثُ عَنْ مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ هُوَ حَدِيثٌ، فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، عَنْ سَمِير فَرَنْجِيَّةَ وَنَصِير الأَسْعَدِ وَسَعُودَ الْمَوْلَى وَفَارِسَ سَعِيدٍ وَطُونِي خُوَاجَةَ، وَعَنْ كُلِّ الَّذِينَ، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، أَسْهَمُوا فِي تَأْسِيسِ الْمُؤْتَمَرِ الدَّائِمِ لِلْحِوَارِ اللُّبْنَانِيِّ فِي مَطْلَعِ تِسْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي. وَهُوَ حَدِيثٌ، طَبْعًا، عَنِ السَّيِّدِ هَانِي فَحْصٍ وَالسَّيِّدِ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ جَمِيعًا الإِمَامُ مُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ. وَلَا بُدَّ، بموجب رمزيّة المكان الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، مِنْ أَنْ نُحَيِّيَ ذِكْرَاهُمْ. وَأَطْلُبُ مِنْ حَاضِرِيَّ الْكِرَامِ بَعْضَ التَّسَامُحِ وَالصَّفْحِ، إِذْ إِنَّنِي، فِي حَدِيثِي عَنْ مُحَمَّد حُسَيْن، أَتَحَدَّثُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عَنْ تَقْلِيدٍ لَا أَزَالُ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ بِبُطْءٍ وَتَأَنٍّ، بِفَضْلِ أَصْدِقَائِي وَشُيُوخِي الشِّيعَةِ — تَقْلِيدُ جَبَلِ عَامِلٍ، ذَلِكَ الْمَنْبَعُ النَّيِّرُ الَّذِي لَا يَنْضُبُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْفِقْهِ. تَقْلِيدٌ أَشَدُّ رُسُوخًا مِنْ كُلِّ الْمِحَنِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا فِي الْمَاضِي، وَمِنْ تِلْكَ الَّتِي تُمَزِّقُهُ الْيَوْمَ. وَضِيَاءُ هَذِهِ الثَّقَافَةِ الإِنْسَانِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ الأَصِيلَةِ سَيَتَجَاوَزُ بِلَا شَكٍّ هَذِهِ الْمِحْنَةَ مِنَ النَّارِ وَالدَّمِ الَّتِي تَعِيشُهَا مَرَّةً أُخْرَى. رَحَلَ مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ كَمَا عَاشَ — عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، فِي هُدُوءٍ وَتَوَاضُعٍ، مِنْ غَيْرِ مَدِيحٍ مُبَالَغٍ فِيهِ وَلَا مَرَاثٍ، أَوْ فِي أَضْيَقِ الْحُدُودِ. لَمْ يَصْحُ فِي الصَّبَاحِ الَّذِي كَانَ فِيهِ لُبْنَانُ مُقْبِلًا، مَرَّةً أُخْرَى، عَلَى أَنْ يُذْبَحَ عَلَى مَذْبَحِ مَرَضَيْنِ اثْنَيْنِ: مَرَضٍ اسْتِشْهَادِيٍّ وَآخَرَ إِبَادِيٍّ. كَمُعَلِّمٍ أَنْجَزَ مُهِمَّتَهُ وَرَحَلَ، مِنْ غَيْرِ ارْتِيَاحِ الْيَقِينِ بِأَنَّ إِرْثَهُ وَفِكْرَهُ سَيَبْقَيَانِ بَعْدَهُ. مثله مثل كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الَّذِينَ نَاضَلُوا طَوَالَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَمِرَّ لُبْنَانُ الْكَبِيرُ السَّيِّدُ وَعَيْشُهُ الْمُشْتَرَكُ فِي الْوُجُودِ، يَرْحَلُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ حَتَّى إِنْ كَانَ لُبْنَانُ نَفْسُهُ سَيَبْقَى حَيًّا. وَهَذَا بِالتَّأْكِيدِ أَحَدُ عَنَاصِرِ الشَّقَاءِ اللُّبْنَانِيِّ: وَبَعْدَ مِئَةِ عَامٍ مِنْ تَأْسِيسِ دَوْلَتِهِ، حَتَّى لُبْنَانُ نَفْسُهُ لَا يَزَالُ مُهَدَّدًا بِالزَّوَالِ. وَهَا نَحْنُ نَشْهَدُ الآنَ، أَمَامَ أَعْيُنِنَا، كَيْفَ عَادَ جُزْءٌ مِنْ أَرْضِهِ، عَزِيزٌ عَلَى قَلْبِي، مَهْدُ الثَّقَافَةِ الَّتِي أُرِيدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ عَنْهَا مِنْ خِلَالِ شَمْس الدِّينِ، إِلَى مَصَافِّ الرَّمَادِ وَالْغُبَارِ بِشَكْلٍ إِجْرَامِيٍّ. إنّها لعنةُ لبنان. إنها لعنةُ قابيل لَمْ يَكُنِ الْمُعَلِّمُ — وَهَكَذَا كَانَ يُقْتَرَبُ مِنْهُ — مُجَرَّدَ مُفَكِّرٍ. كَانَ مُرَبِّيًا وَمُعَلِّمًا، يَتَعَامَلُ مَعَ مَنْ حَوْلَهُ بِقَدْرِ ثَقَافَتِهِمْ وَمُسْتَوَى تَفْكِيرِهِمْ، يُقَدِّمُ مَعْرِفَتَهُ لَا اسْتِعْرَاضًا بَلْ خِدْمَةً. دَقِيقٌ، صَارِمٌ، مُوجَزٌ، لَا يُسْرِفُ فِي الْكَلَامِ. لَكِنَّهُ يُسْرِفُ فِي الْمَعْنَى. وَيَتْرُكُكَ دَائِمًا بِأَكْثَرَ مِمَّا جِئْتَ بِهِ. بل كان شَيْئًا أَصْعَبَ مِنْ ذَلِكَ: مُفَكِّرًا سِيَاسِيًّا يُقَدِّمُ عَمَلَهُ هَدِيَّةً لِلآخَرِينَ دُونَ أَنْ يُطَالِبَ بِشَيْءٍ فِي الْمُقَابِلِ. كُلُّ الأَدَبِ السِّيَاسِيِّ الَّذِي بَنَيْنَا عَلَيْهِ مَسِيرَةَ السِّيَادَةِ وَالاسْتِقْلَالِ منذ التسعينات — مِنْ وَثَائِقِ تَجَمُّعِ قَرْنَةَ شَهْوَانَ إِلَى بَيَانَاتِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ آذَارَ، مُرُورًا بِنِدَاءِ بَيْرُوتَ أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعَةٍ وَالْبَيَانَاتِ الْخِتَامِيَّةِ لِلْمُؤْتَمَرَاتِ السَّنَوِيَّةِ — وُلِدَ عَلَى طَاوِلَةِ محمد أو مرّ بين يديه، نبع مِنْ ذَلِكَ الْعَقْلِ غير المنفصل عن عقل زملائه. أيها الأصدقاء، يُشَرِّفُنِي أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ شَمْس الدِّينِ بَيْنَنَا اللَّيْلَةَ. فَمُحَمَّد حُسَيْن كَانَ مِنْ تَلَامِيذِ الإِمَامِ مُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ، وَرِثَ عَنْهُ مَا هُوَ أَثْمَنُ مِنْ أَيِّ مَنْصِبٍ: الإِيمَانُ بِأَنَّ وِلَايَةَ الأُمَّةِ تَعْلُو عَلَى وِلَايَةِ الْفَقِيهِ، وَالثِّقَةُ بِأَنَّ الطَّرِيقَ الشِّيعِيَّ فِي لُبْنَانَ لَا يَمُرُّ بِطَهْرَانَ بَلْ بِالْمِيثَاقِ اللُّبْنَانِيِّ. هَذِهِ الْقَنَاعَةُ لَمْ تَكُنْ وَلِيدَةَ اللَّحْظَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَحْدَهَا. هِيَ ذَاكِرَةٌ تَمْتَدُّ مِنْ جَبَلِ عَامِلٍ إِلَى الْحَاضِرِ، عَبْرَ سِلْسِلَةٍ فِكْرِيَّةٍ بَدَأَتْ مَعَ السَّيِّدِ مُحْسِن الأَمِينِ، وَمَرَّتْ بِالإِمَامِ مُوسَى الصَّدْرِ، وَبَلَغَتْ عُمْقَهَا مَعَ الإِمَامِ مُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ، ثُمَّ وَجَدَتْ تَرْجَمَتَهَا النَّقْدِيَّةَ فِي تَأَمُّلَاتِ السَّيِّدِ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينِ — رَحِمَهُ اللهُ — الَّذِي نَعِيشُ اللَّيْلَةَ فِي فَضَاءِ مَا أَسَّسَهُ، وَفِي حَضْرَةِ نَجْلِهِ السَّيِّدِ عَلِيٍّ. هَذِهِ السِّلْسِلَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَارِيخِ أَفْكَارٍ. هِيَ إِجَابَةٌ عَلَى سُؤَالٍ يَعِيشُهُ الشِّيعَةُ اللُّبْنَانِيُّونَ الْيَوْمَ فِي قَلْبِ الْحَرْبِ: إلى ما يرمز الإِمَامُ الْحُسَيْنُ؟ وَما معنى كَرْبَلَاء. سَأَلَ السَّيِّدُ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينُ هَذَا السُّؤَالَ في محاضرته بطيردبّا عام 1993، وطرحه بدقة من يعرف حدود اليقين. وجوابه أن عاشوراء ذاكرة حية — لكنها تموت في الاستخدام الخاطئ. حين تتحوّل إلى مجرد طقس، إلى “مشجبٍ لتعليق أحزان جديدة”، إلى مناسبةٍ لتفجير حزن متراكم يتغذّى من خيبة تتلو خيبة — تكفّ كربلاء عن أن تكون طاقةً محركة وتصير ثقلاً. وحذّر من طريقَين كلاهما خاطئ: الأول يجعل من الحاضر صورةً مكررة من التاريخ، واهماً “أن مجرد استحضار كربلاء كفيل بأن يُنشئ في عصرنا حركة انحياز شاملة لقضايا الحق والعدل”. والثاني ينسف العلاقة بين الحاضر والماضي كلياً، فيُحيل كربلاء إلى سردية مأساوية لا غير. والطريق الثالث — طريقه — هو قراءة الحدث في شروطه التاريخية لاستخلاص ما ثبت من الدوافع الإنسانية عبر الزمن: الحرية، والعدل، والكرامة. فما جوهر كربلاء في هذه القراءة؟ عبّر عنه السَّيِّدُ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينُ بِصُورَةٍ لَا تُنْسَى: الْحُسَيْنُ رَأَى “جَوْهَرَةَ الْعَدْلِ وَالْوَحْدَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمُسَاوَاةِ تُسْرَقُ مِنَ الدِّينِ تَحْتَ شِعَارِ الدِّينِ نَفْسِهِ”. رَأَى الإِسْلَامَ يُوَظَّفُ لِتَغْطِيَةِ نَقِيضِهِ. رَأَى الْفُقَهَاءَ يُفْتُونَ وَالْقُرْآنَ يُتْلَى وَصَوْتَ الأَذَانِ يَدْوِي — وَخَلْفَ هَذَا كُلِّهِ سُلْطَةٌ تَنْهَبُ وَتَسْتَبِدُّ وَتُبِيدُ. وَسَأَلَ: “مَاذَا كَانَ يَسَعُ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْمُرَعِبَةَ أَنْ يَفْعَلَ؟” لَمْ يَذْهَبِ الْحُسَيْنُ إِلَى كَرْبَلَاءَ طَلَبًا لِلْمَوْتِ. ذَهَبَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَحْيَا عَلَى نَقِيضِ مَا هُوَ. رَفَضَ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ، وَكَانَ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يُبَايِعَ فَيَعِيشَ — لَكِنْ عَلَى أَيِّ حَيَاةٍ؟ عَلَى حَيَاةٍ تَقْبَلُ الظُّلْمَ شَرْطًا لِلاسْتِمْرَارِ. هَذَا الْخِيَارُ لَمْ يَكُنْ مُتَاحًا لَهُ. لِأَنَّ الْغَايَةَ لَمْ تَكُنِ الْمَوْتَ — كَانَتْ رَفْضَ الْكَذِبِ. وَالْمَوْتُ كَانَ مَا اقْتَضَاهُ هَذَا الرَّفْضُ، لَا مَا طَلَبَهُ. هَذَا مَا قَالَهُ هُوَ نَفْسُهُ: “إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلَا بَطِرًا وَلَا مُفْسِدًا وَلَا ظَالِمًا، إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي”. رُبَّ قَائِلٍ يقول إن الإمام المعصوم يعلم بمصيره مسبقاً، وإن هذا العلم يجعل الموت اختياراً لا عاقبة. والجواب أن العصمة ليست جبراً — هي انسجام مطلق بين الفعل والحقيقة. الحسين لم يقبل الموت، بل رفض الكذب، والموت كان ما اقتضاه هذا الرفض. وفي التجربة المسيحية ما يضيء هذا: المسيح يعلم بمصيره ومع ذلك لا يُقال إنه طلب الموت، بل إنه رفض خيانة الحقيقة؛ والعلم بالمصير لا يجعل الموت غايةً، يجعله شهادةً على أن ثمة ما هو أعظم من الخوف منه. وشهادة الحسين هي ما أسماه رينيه جيرار “الفارماكوس” — التضحية التي لا تُعيد إنتاج العنف بل تفضح آليّته وتُبطلها. ثَمَّةَ سَرِقَةٌ ثَانِيَةٌ أَشَارَ إِلَيْهَا السَّيِّدُ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينُ: سَرِقَةُ عَقِيدَةِ الاخْتِيَارِ. مُعَاوِيَةُ “هُوَ أَوَّلُ حَاكِمٍ فِي الإِسْلَامِ يُعْمِلُ مِعْوَلَ الْهَدْمِ بِأَسْمَى عَقِيدَةٍ جَاءَ بِهَا الإِسْلَامُ هِيَ عَقِيدَةُ الاخْتِيَارِ” — فَحَوَّلَ الظُّلْمَ إِلَى قَضَاءٍ وَالاعْتِرَاضَ إِلَى كُفْرٍ. وَالْحُسَيْنُ ثَارَ عَلَى هَذَا تَحْدِيدًا: عَلَى تَطْبِيعِ الظُّلْمِ وَتَقْدِيسِهِ وَجَعْلِهِ إِرَادَةَ اللهِ. هَذَا التَّشْخِيصُ يَكْتَسِبُ الْيَوْمَ حِدَّةً لَا تُحْتَمَلُ. الَّذِينَ يَخُوضُونَ الْحَرْبَ بِاسْمِ الْحُسَيْنِ يُعِيدُونَ إِنْتَاجَ مَا قَاوَمَهُ: يَجْعَلُونَ مِنَ الْحَرْبِ قَدَرًا وَمِنَ الشَّهَادَةِ فَرِيضَةً وَمِنَ الْمُعَارَضَةِ خِيَانَةً. يَسْرِقُونَ الْجَوْهَرَةَ مَرَّةً أُخْرَى، تَحْتَ شِعَارِ الْجَوْهَرَةِ نَفْسِهَا. وَأَسْمَحُ لِي، وَإِبْرَاهِيمُ شَمْس الدِّينِ بَيْنَنَا اللَّيْلَةَ، أَنْ أَسْتَحْضِرَ مَا قَالَهُ فِي جَبِّ جَنِّينَ عَامَ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِيَةٍ، وَقَدْ نَقَلْتُهُ فِي كِتَابَاتِي آنَذَاكَ: إِنَّ اللهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَشَرِ لِيُدَافِعُوا عَنْهُ. وَلَا أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَقُولَ: أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ شُهَدَاءَ فَأَنَا أَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ. الإِلَهُ الضَّعِيفُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى دِمَائِنَا لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ. وكأنك تكتب عمّا يحصل كل يوم… مُنْذُ مَطْلَعِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، رَأَى السَّيِّدُ مُحْسِن الأَمِينُ أَنَّ الطُّقُوسَ الَّتِي حَوَّلَتْ ذِكْرَى كَرْبَلَاءَ إِلَى دَمٍ يُسْفَكُ كُلَّ عَامٍ فِي شَوَارِعِ التَّطْبِيرِ هِيَ تَشْوِيهٌ لِمَعْنَى الشَّهَادَةِ الْحُسَيْنِيَّةِ — تَضَعُ الْمَوْتَ فِي مَرْكَزِ الْمَشْهَدِ حِينَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَامَةُ فِي الْمَرْكَزِ. تَلَقَّى عَلَى هَذَا الْمَوْقِفِ اتِّهَامَاتٍ بِالزَّنْدَقَةِ مِنْ أَوْسَاطِ عُلَمَاءِ جَبَلِ عَامِلٍ أَنْفُسِهِمْ. وَمَضَى فِي مَا رَأَى. وَبَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ، كَانَ الشَّيْخُ مُحَمَّد جَوَادَ مُغْنِيَّةَ — الْفَقِيهُ الْعَامِلِيُّ اللُّبْنَانِيُّ — أَوَّلَ مَنْ رَدَّ عَلَى وِلَايَةِ الْفَقِيهِ الْخُمَيْنِيَّةِ بِمُعَالَجَةٍ فِقْهِيَّةٍ مَكْتُوبَةٍ صَرِيحَةٍ، يُؤَكِّدُ فِيهَا أَنَّ السُّلْطَةَ السِّيَاسِيَّةَ فِي زَمَنِ الْغَيْبَةِ تَعُودُ إِلَى الأُمَّةِ لَا إِلَى الْفَقِيهِ. كَتَبَ ذَلِكَ عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ قُبَيْلَ وَفَاتِهِ، فِي لَحْظَةٍ كَانَتْ فِيهَا الْمُعَارَضَةُ لِخُمَيْنِي مَا تَزَالُ مُمْكِنَةً. وَأَتَمَّ الإِمَامُ مُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ هَذِهِ الدَّائِرَةَ فِي وَصَايَاهُ وَفِي مُؤَلَّفِهِ نِظَامُ الْحُكْمِ وَالإِدَارَةِ فِي الإِسْلَامِ، حَيْثُ مَيَّزَ بَيْنَ وِلَايَةِ الْفَقِيهِ الْمُطْلَقَةِ — حُكْمِ الْفَقِيهِ عَلَى الدَّوْلَةِ وَالْمُجْتَمَعِ — وَبَيْنَ وِلَايَةِ الأُمَّةِ عَلَى نَفْسِهَا فِي زَمَنِ الْغَيْبَةِ. وَطَالَبَ الشِّيعَةَ اللُّبْنَانِيِّينَ فِي وَصَايَاهُ بِأَنْ يَكُونَ انْتِمَاؤُهُمُ الْوَطَنِيُّ هُوَ الأَسَاسَ — لُبْنَانَ وَطَنًا نِهَائِيًّا لَا تَعْلُو عَلَيْهِ وِلَايَةٌ أُخْرَى. وَمُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ هُوَ مَنْ حَوَّلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ إِلَى أَدَبٍ سِيَاسِيٍّ عَمَلِيٍّ في صلب مشروع لبناني وطني إنساني أممي. إِذَا كَانَ مُحْسِن الأَمِينُ قَدْ أَصْلَحَ طَقْسَ الذَّاكِرَةِ، وَمُوسَى الصَّدْرُ أَعْطَى الشِّيعَةَ كَرَامَتَهُمُ الاجْتِمَاعِيَّةَ، وَمُغْنِيَّةُ وَشَمْسُ الدِّينِ وَضَعَا الإِطَارَ الْفِقْهِيَّ لِلرَّفْضِ، وَمُحَمَّد حَسَن الأَمِينُ كَشَفَ كَيْفَ يُسْرَقُ اسْمُ الْحُسَيْنِ لِتَغْطِيَةِ مَا نَاضَلَ الْحُسَيْنُ ضِدَّهُ — فَإِنَّ مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ هُوَ مَنْ بَنَى بِهَذِهِ الْمَوَادِّ كُلِّهَا الْمَعْمَارَ السِّيَاسِيَّ: الدَّوْلَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ، الدَّوْلَةُ لِكُلِّ أَبْنَائِهَا، الدَّوْلَةُ الَّتِي تَكْفُلُ التَّنَوُّعَ وَلَا تَهْضِمُهُ، والتي تحرص على الجماعات والأفراد في ظلّ تكاملٍ ثقافي طبيعي مبني على حسن إدارة نموذج العيش المشترك وعلى فكرة الهوية المركّبة وثقافة التعاطف “empathie”. ما يجعل من لبنان ما كان يسميه رونيه ماهو “un style de civilisation”. وكان لهذا البناء السياسي ركيزةٌ فلسفية لا يتنازل عنها: لا حلَّ شيعياً خالصاً للمشكلة الشيعية. مشاكل كل طائفة في لبنان هي مشاكل اللبنانيين جميعاً، ولا تُحلّ بمنطق الانكفاء الطائفي والهوياتي، بل بمنطق الحل الوطني التعابري الذي يتجاوز الطائفة ويطال المجتمع بأسره. في هذا يستمرّ محمد حسين في منطق الإمام محمد مهدي شمس الدين العاملي اللبناني: الدولة وحدها هي المشروع، وهي الضامن الوحيد الصالح لجميع المكوّنات — وللشيعة قبل سواهم. وهذا الكلام ليس كلاماً للتاريخ وحده: إنه ردٌّ مباشر على كل من يبحث اليوم عن “حلٍّ شيعي للمشكلة الشيعية”، أو يُراهن على مخرج طائفي ضيّق ينقذ جماعةً على حساب الكيان والعيش المشترك. منسجماً مع نفسه ورؤيته للبنان، عمل محمد مع رفاقه بنجاح لكسر كلّ المتاريس ودمج الفكر العاملي بطوق نصرالله صفير إلى الحرية وحسن خالد إلى العدالة والمساواة. فضرب بعرض الحائط دوامة العنف الرمزي الموروث من الحرب، والذي لطالما استعملته معظم قوى الاحتلال من أجل منع أي مصالحة لبنانية. ديناميّةُ إعادة نسيج الوحدة الوطنيّة أغضبت سلطة الوصاية، وخاصةً نداء بيروت 2004. لكن المصالحة انتصرت على العنف والكراهية في يوم 14 آذار 2005. غير أن محمد حسين لم يكن يُخفي خيبته من مآلات تلك المرحلة. كان يرى في مديونية الطبقة السياسية اللبنانية وهروبها من المسؤولية أحد الأسباب الجوهرية لانتكاسة مشروع السيادة. وقد تجلّى ذلك في مشروع قانون الانتخاب “الأرثوذكسي” الذي عمّق الطائفية، ثم في الصفقات الرخيصة التي أوصلت ميشال عون إلى الرئاسة وأعطت حزب الله حرية التصرف. لم يكن يرى في ذلك مجرد أخطاء تكتيكية، بل إفلاساً سياسياً وأخلاقياً — إذ إن الزعامات على رأس جماعاتها، من فرط غياب المسؤولية وضعف إيمانها بقدرتها الذاتية على نسج التفاهمات الداخلية، ومن خوف الواحد من الآخر، تلجأ إلى راعٍ إقليمي يزوّدها بالمال والسلاح وفوائد القوة لتستقوي على شركائها وتهيمن عليهم. وهذا دليلٌ قاطع على وهنٍ يتخفّى باسم البحث عن قوة، لا يُفضي إلا إلى النكبة والنكسة، ومن ثمّ الإحباط. لماذا هذا الإصرار على المصالحة رغم كل ذلك؟ وَكَانَتْ لَهُ قَاعِدَةٌ ذهبية يُرَدِّدُهَا مُسْتَعِيرًا إِيَّاهَا مِنْ حَمِيد فَرَنْجِيَّةَ: “إذا اتَّفَقَ اللُّبْنَانِيُّونَ على الشرّ أصبح خَيْرًا؛ وإذا اخْتَلَفُوا على الخير، أصبح شَرًّا”. وَالتَّوَافُقُ عِنْدَهُ لَيْسَ أُسْلُوبًا مِنْ بَيْنِ أَسَالِيبَ: هُوَ شَرْطُ وُجُودِ لُبْنَانَ نَفْسِهِ. وَصَدِيقِي هِشَامُ دَبْسِي يَعْرِفُ أَنَّ مُحَمَّد حُسَيْن بَدَأَ حَيَاتَهُ السِّيَاسِيَّةَ مُنَاضِلًا فِي صُفُوفِ الْفَتْحِ، وَمُؤَسِّسًا لِلْمُنَظَّمَةِ الشَّعْبِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ فِي الْجَنُوبِ. إنه، شأنه شأن سمير فرنجية، أتمّ رحلته إلى أقاصي العنف — عرف ما يعني أن تؤمن بالسلاح طريقاً للتغيير — قبل أن يُدير ظهره له ببرودة المقتنع لا بضعف التائب. وَكَتَبَ عَنْ سَمِير فَرَنْجِيَّةَ وَهَانِي فَحْصٍ يَصِفُ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْسَهُ: تِلْكَ الرِّحْلَةُ مِنَ الأَحْمَرِ إِلَى الأَبْيَضِ، مِنَ الْفَتْحِ إِلَى بِنَاءِ الثَّقَافَةِ الْوَطَنِيَّةِ الْجَامِعَةِ. وَكَانَ يَرَى أَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ غِيَابِ الْحَرْبِ، بَلْ “أَرْقَى مَرَاتِبِ الأَخْلَاقِ وَرِسَالَتُهَا الأَسْمَى”. فِي اللَّيْلَةِ ذَاتِهَا الَّتِي أَطْلَقَ فِيهَا حِزْبُ اللهِ حَرْبَهُ العبثية والتائهة، غَادَرَنَا مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ. وَكَادَ رَحِيلُهُ يَمُرُّ دُونَ أَنْ يُلْحَظَ فِي زَحْمَةِ مَا كَانَ يَجْرِي. لَكِنَّ فِي هَذَا التَّقَاطُعِ مَعْنًى وَاضِحًا: مَا نَاضَلَ ضِدَّهُ فِكْرِيًّا طَوَالَ مَسِيرَتِهِ — قِرَاءَةُ الْحُسَيْنِ بِوَصْفِهِ بَطَلَ الْمَوْتِ، وَإِيرَانُ بِوَصْفِهَا مَرْجِعًا، وَجَوْهَرَةُ الْعَدْلِ مَسْرُوقَةً مِنْ جَدِيدٍ تَحْتَ شِعَارِ الْجَوْهَرَةِ نَفْسِهَا — هُوَ مَا انْفَجَرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. نَحْنُ الْيَوْمَ لَسْنَا نَسْتَذْكِرُ فَحَسْبُ. نَقُولُ إِنَّ الْحُسَيْنَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ الْحَيَاةِ لَا مِنْ أَجْلِ الْمَوْتِ. وَنَقُولُ إِنَّ الشِّيعِيَّةَ اللُّبْنَانِيَّةَ — شِيعِيَّةُ جَبَلِ عَامِلٍ، شِيعِيَّةُ مُحْسِن الأَمِينِ وَمُوسَى الصَّدْرِ وَمُغْنِيَّةَ وَمُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ وَهَانِي فَحْصٍ وَمُحَمَّد حَسَن الأَمِينِ — لَيْسَتِ امْتِدَادًا لِمَشْرُوعٍ إِمْبَرَاطُورِيٍّ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ نَسِيجِ هَذَا الْوَطَنِ الصَّعْبِ وَالضَّرُورِيِّ. التَّارِيخُ لَنْ يَنْسَى أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ النَّحِيلَ، الْجَالِسَ بَيْنَ كُوبِ الْقَهْوَةِ وَسِيجَارَتِهِ، كَانَ يَبْنِي — بِيَدَيْهِ وَعَقْلِهِ وَفِي صَمْتٍ كَامِلٍ — الأَرْضِيَّةَ الْفِكْرِيَّةَ لِمَشْرُوعٍ لُبْنَانِيٍّ وَاحِدٍ: لُبْنَانُ الَّذِي لَا يَقُومُ عَلَى تَوَازُنِ الْقُوَى، بَلْ عَلَى قُوَّةِ التَّوَازُنِ. بكل تأكيد، سينجلي هذا الليل الطويل، ويبزغُ نورُ التوازن والعقلانية والعيش المشترك كي يعود لبنان الكبير ذلك النمط الحضاري الفريد الذّي لطالما حلُم به وعمل من أجله محمد، سمير ورفاقهم وملهميهم.

ريمون إدّه، في مديح "الهزيمة"
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
مايو 14, 2026 - 03:29

في العاشر من أيار 2000، رحل ريمون إدّه، بعد منفًى تجاوز عقدين في باريس. كان إدّه، في المشهد السياسي اللبناني، شخصيةً فريدة من نوعها. تحتفظ ذاكرة سياسية بعينها من صورته اليوم بملامح المثالي المتعنّت، المنفصل عن الواقع، إذ رفض كلّ التسويات السياسية التي سعت إلى رتق الثغرات ترقيعاً موقتاً، انطلاقاً من غريزة البقاء الآني على حساب القيم الجوهرية للجمهورية والأسس الأولية للدولة، من اتفاقية القاهرة إلى اتفاق الطائف. أمتعند، العميد؟ غير أنّ المفارقة التاريخية تقول عكس ذلك تماماً، إذ كان ما نُقم عليه داخل طائفته هو بالذات امتناعُه عن الانجراف مع تيّارات التعصّب الهوياتي، ورفضُه الإصغاء إلى نشيد العفاريت والرصاص، خلافاً لأحزاب الشارع والتنظيمات المسلحة في تلك الحقبة. على غرار ميشال الخوري، زعيم الكتلة الدستورية، واصل العميد قائد الكتلة الوطنية صدّ موجات التطرف، رافضاً الاستسلام لإغواء السلاح الذي كان يحصد في الشارع اللبناني والمسيحي، بما في ذلك بين أنصاره أنفسهم. غير أنّ العنف أجهز في نهاية المطاف على عزيمته. وبعد أن وقع ضحيةً لسلسلة من محاولات الاغتيال من أطراف متعددة، آثر الرحيل. دون أن يعلم، على الأرجح، أنّ هذا الرحيل سيكون إلى غير رجعة. الرجل الذي كان على حقّ تروي الرواية الصغيرة أنّ ريمون إدّه طلب أن يُنقش على قبره شاهدٌ قبري يقول: “هنا يرقد ريمون، الذي كان على حقّ”. كان العميد عنيداً، بالمعنى الحرفي للكلمة، كلّما تعلّق الأمر بالتمسّك بفقرات عموده الفقري الأخلاقي. بيد أنّ هذه الصياغة لم تخلُ، مع الوقت، من مزيج معقّد بين الإعجاب والسخرية وشيء من المرارة. كأنّها صارت شاهداً قبرياً لنمط بعينه من السلوك السياسي، مثاليّ إلى حدّ البراءة، يأبى الانحناء والتكيّف مع معطيات السياسة اللبنانية. وتكاد هذه الصورة تُعرِّف فئةً أنثروبولوجية قائمة بذاتها: السياسي اللبناني النزيه العاجز، القليل الموهبة في فنون الـ«virtù» الميكيافيلية. “خاسر”، بمعنى ما. هكذا، أبقى الزمن السياسي اللبناني من ريمون إدّه صورةَ رجل استشعر الكوارث مقبلةً، لكنّه، برفضه التنازلات حفاظاً على نقاء يديه، انتهى معزولاً في المنفى، وكاد يتحوّل إلى كاساندرا مارونية، في حين آثر الشارع أن يتبع الزعماء البراغماتيين والشعبويين أو رجال الميليشيا. ومن المرجّح أنّ إدّه وقع بالفعل ضحيةً لصلابته السياسية، حين رفض عرض ميشال الخوري بتوحيد الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية في قطب وطني واحد في مواجهة “الحربجيون”، مطلع السبعينيات. “لن يضع ابنُ إميل إدّه يدَه في يد ابن بشارة الخوري أبداً!” كان ردّه على الشيخ ميشال. وكان ذلك على الأرجح أحد أخطاء العميد السياسية، إذ إنّ غياب القطب المركزي الذي كان يمكن أن يمثّله هذا المحور الوطني فتح الطريق أمام صعود التطرف، وفي مقدّمته سيّد الخيوط حافظ الأسد، الذي أتقن توظيف النزاعات الداخلية ليتربّع ثلاثة عقود على كرسيّ الهيمنة على بلد الأرز. ` الوظيفة والقامة بيد أنّه ربّما حان الوقت، في ظلّ المعطيات الراهنة، للنسف النهائي لأسطورة «المثالية» و«الطوباوية» التي ما فتئت تُحيط بريمون إدّه، ذلك الغريب عن إطار الطائفية اللبنانية بمختلف تمظهراتها: الطائفية والهوياتية والشعبوية والعسكرانية. ريمون إدّه — وكاتب هذه السطور لم يعرفه شخصياً، غير أنّه يستخلص قراءته من مواقف الرجل ومساره — هو بلا شكّ الأكثر إثارةً للجدل بين الزعماء السياسيين المسيحيين (إن لم يكن بشارة الخوري، يا للمفارقة). لماذا؟ لأنّ السلطة التي كانت تستهويه لم تكن السلطة السياسية التي يتنافس عليها الساسة التقليديون. كان إدّه يبحث عن صلاحية حقيقية، قادرة على تجسيد شيء يتخطّاها: معرفةٍ وكيانٍ داخلي وانسجامٍ وتجربةٍ وقدرةٍ على الإرث، بل شكلٍ من أشكال النبل الروحي أو الفكري. كان يميّز بغريزة بين الوظيفة والقامة. في هذا، كان يحمل تصوّراً بالغ القِدَم للشرعية، يكاد يكون يونانياً أو وسيطياً. فالسلطة الحقيقية، إذ لا تنبثق من المنصب وحده، لا بدّ أن تنبع من تناغم حقيقي بين الكينونة والكلمة والفعل. كانت السلطة لديه تستلزم، في آنٍ واحد، شرطين نادراً ما يلتقيان: علوّاً حقيقياً في المعرفة أو التجربة أو الفكر، واعترافاً عضوياً صاعداً من القاعدة، من ثقل الواقع البشري ومن نبض الجماعة الحيّة. إن أخطأ في اختبار الواقع، فلم يكن ذلك لإحجامه عن شدّ سواعده. بل لرفضه الانخراط في لعبة الأبطال المزيّفين والميليشياويين. وثمّة فارق جوهري هنا. لم يشأ أن يرضخ لوهم الحلّ بالقوة والعنف. وفي ذلك، وبالفعل، كان على حقّ. وللأسف، والحال أنّ لبنان على ما هو عليه، فهو على حقّ في كلّ يوم دون انقطاع. جمع إدّه الثقافةَ والعمقَ وشيئاً من الاعتراف الشعبي المبني على مواقف المبدأ لا على البطولات الحربية. شعبيٌّ لا بالمعنى الانتخابي الخام، بل بالمعنى الذي يجعل الكلمةَ تلتقي فعلاً بالناس، فتتداولها الأرواح وتُحوِّل، وتُولِّد انتماءً حرّاً لا طاعةً مفروضة. لقد صنع إدّه السياسة حيث لم يتوقّف الآخرون طوال نصف قرن عن هدمها. في ذلك، نجد شيئاً بالغ التوسّطية، بالغ القِدَم مرّةً أخرى: الفكرة القائلة بأنّ السلطة ليست آليةً مؤسّسية فحسب، بل علاقةٌ حيّة بين إنسان ومدينة. شرعيةٌ ممتحَنة في الزمن الطويل. في هذا، كما في كثير ممّا سواه، كان متسقاً تماماً. ربّما كان متسقاً أكثر ممّا ينبغي لرجل السياسة؟ الخاسرون المجيدون فهل كان ريمون إدّه “خاسراً”، كما تُلمح إلى ذلك “مدرسة” سياسية بأسرها، تقيس النجاح بعدد الجماهير المحتشدة في التجمّعات وصناديق الاقتراع؟ كما شخصيات من بعده، كنسيب لحود وسمير فرنجية، لنذكر بعضهم فحسب؟ لقد آن الأوان لتحطيم أسطورة أنّ الشخصية التي لا تجعل عبادة الذات أساساً لشرعيتها السياسية محكومٌ عليها بأن تُطرح خارج الملعب السياسي أو تُهمَّش، بحجّة الواقعية. أن تكون مخطئاً مع سارتر بدلاً من أن تكون على حقّ مع آرون؟ لا. ثمّة شخصيات باتت مرجعيات بالتحديد لأنّ معرفتها اختُبرت وأُقرّت وتجسّدت. لقد عبرت تناقضات العالم الحقيقي دون أن تفقد عمودها الفقري كلّياً. جسّدت شكلاً من أشكال الحقيقة لم تُكافئها عليه لحظة التاريخ الآنية. وهذا يُضيف ثقلاً إلى كلامها لا يُنقص منه. درجت هذه الشخصيات على استشعار الكوارث مقبلةً، وإدراك المآزق، ورفض بعض التنازلات... ثمّ الخسارة على الرغم من ذلك. أو أحياناً بسببه. وفيها شيء من المأسوية بمعناها النبيل. ليس بالضرورة وضعيةُ الملعون الرومانسية، بل مواجهةُ الوضوح الراسخ لموازين القوى. وهي تكشف شيئاً عسيراً على القبول: أنّ الوقوف على أرض الحقّ لا يحمي من الفشل ولا من العزلة ولا من الدمار... لكنّه ربّما يقي من الشنار. أعطى ليونارد كوهين روايتَه الثانية هذا العنوان البديع: “Beautiful Losers”، أو “الخاسرون المجيدون” في الترجمة الفرنسية “Les Perdants magnifiques”. والترجمة تُفقد الصورة شيئاً من حدّتها. فهؤلاء «الخاسرون» ليسوا “رائعين”. هم ببساطة في سجلّ مغاير تماماً لسجلّ الآخرين. أجنحتهم الضخمة لا تتيح لهم السير في مدارج العامة. لبنان مليء بالمنتصرين التكتيكيين والخاسرين التاريخيين. كثيرٌ ممّن انتصروا في الحروب الرمزية أو العسكرية خلّفوا وراءهم فراغاً أو ركاماً أو خوفاً. في حين حافظت بعض الشخصيات «المهزومة» على شكل من أشكال الشرعية الأخلاقية، لأنّها أدركت شيئاً جوهرياً في مسألة العيش المشترك والسيادة والعنف والكرامة الإنسانية. ريمون إدّه واحدٌ من هؤلاء. قَبِل أن يدفع ثمن بُعد نظره بدلاً من أن يخون قراءته للواقع كي ينتمي إلى معسكر المنتصرين. يبدو كأنّه كان يسكنه توتّر سوفوكليّ تقريباً، يُؤثر الهزيمة العادلة على الانتصار المُهين. ليس حبّاً للهزيمة لذاتها، لا. بل لأنّ انتصاراً اشتُري بثمن الكذب أو العمى كان سيتحوّل في نهاية المطاف، في نظره، إلى ضرب آخر من الدمار. ولهذا، على الأرجح، لم يرد يوماً في أعماقه حقّاً أن يصبح رئيساً لجمهورية لم تتوقّف، بعد أكثر من عشرين عاماً على رحيله، عن بيع نفسها مراراً وتكراراً لمن يدفع أكثر، بدلاً من أن تقرر أن تكون.

تمزّقات
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
مايو 8, 2026 - 21:28

أن تكون الأطراف المختلفة في لبنان معنيةً مباشرةً بالمعركة الوجودية التي تدور رحاها على أرضه، فذلك أمرٌ طبيعي تماماً. والعكس سيكون مرضاً. غير أنه بين اللامبالاة والحماس الجياش، بل الانخراط الأعمى، يمتد طيفٌ عاطفي بكامله يُطمس، كالعادة، لصالح تحالفات قاتلة للبلد مع صراع يسكنه لكنه يتجاوزه كلياً. كما كان الأمر دائماً، على أي حال. الجسد اللبناني في حالة من العوز المناعي. يجتذب كل فيروس وكل داء. ومن هنا نزعته إلى مداعبة الموت باستمرار. وعلى خلاف أفكار هيمنة الهوية الصادمة التي تطفو على السطح بمناسبة مريحة في كل أزمة، فإن مصدر الهشاشة الوجودية للبنان ليس التعددية، بل ثقافة سياسية بالية. كونفدرالية قبائل تقودها زعامات كاريزمية لا تزال، بعد مئة عام على تأسيس لبنان الكبير، تتحاشى بناء الدولة وإدارة الشؤون العامة بعقلانية ورشد، وتصر على التماهي مع الأقوى بحسب ما تقتضيه التحولات الإقليمية والدولية. لكن القضية ليست هنا. الردود المحاكاتية دمّرت هذا البلد دون استثناء منذ نشأته. وهي نتاج سباق نحو الهيمنة حتى الحلول الكلي، تتراكب فيه الهواجس الفردية المُحمَّلة إلى جسد جماعي، ومحاولة الاستقواء بالخارج تعويضاً عن عجز داخلي عن تحقيق سيادة شاملة. ثمة منطقان مقترحان لكسر هذه الحلقة المفرغة. الأول هو الطلاق بين الطوائف أو المناطق، في ضرب من العودة إلى صيغ ما قبل لبنان الكبير، وهذا يستلزم أولاً إرادة مشتركة للانفصال، وعلى الأرجح تهجيراً للسكان إن كان الطابع الجوهري للمشروع طائفياً. أما الثاني فهو بناء شرعية وطنية محترِمة للتعددية، قائمة على خمسة أسس: الحرية، والعدالة، والمساواة، والتعايش، والمواطنة. لكن ذلك يستلزم هو أيضاً إرادة يجب أن تكون واسعة وفردية وعرضانية. وإلا فلن ينكسر الانعكاس الطائفي أبداً، وسيواصل الزعماء إدارة البلد كـ«لويا جيرغا» رهينة للاهتزازات الإقليمية، يعزفون كخبراء سيزمولوجيين في الداخل على صفائح التكتونية بين المجموعات اللبنانية. هذان المشروعان لا يزالان يتنافسان في لبنان منذ عام 1920، فيما أُغلق باب الثالث، مشروع الاندماج في كيان أشمل. ومع ذلك، ينص دستور الطائف في ديباجته على أن لبنان بحدوده الحالية وطنٌ نهائي لجميع أبنائه. فهل التشكيلات السياسية اللبنانية الراهنة، بعد إخفاق العابرية التي تجسّدها انتفاضة الرابع عشر من آذار، على هذه الشاكلة من التفكير؟ السؤال يستحق أن يُطرح ويُجلّى، دون مراوغة. لكن الأشد إقلاقاً ليس النقاش حول مصير لبنان الكبير في حد ذاته، بل الطريقة التي آثرت مكوناته خوضه بها — في أسوأ الظروف الميدانية — في كره متبادل صريح، يُضاف إليه إرادة انتقام تتردد أصداؤها كعودة كارثية لمكبوت عميق. في هذا السياق، يصعب إلا أن نعود إلى هذه الإرادة للثأر أو الانتقام المحاكاتي، وإلى الآلية التي تحكمها: عودةٌ إلى حقبة أسطورية وهمية حين كانت هذه الجهة أو تلك الأقوى، فقدتها وهي الآن في متناول اليد. هذا تعبير عن هذيان مرضي عميق. قد تتكرر الوقائع في مظهرها، لكن الأوقات تغيّرت، وفي الشرق الأوسط التوازنات هشة. المشاريع الجزئية، السيادوية أو الانفصالية، واهنة إن لم تكن طائشة، لا لأنها محفوفة بالمخاطر، بل لأنها تتوقف على عوامل لم تكن يوماً في يد من يتمسك بها بشراسة. في لبنان لا يُقرَّر، أو يكاد. ولا سيما إن لم تتوحد جهوده عابراً للطوائف — وهذا لا يتحقق بضعة وجوه منشقة مستعدة للخروج عن انتماءاتها الطائفية، مصلحةً أو قناعةً، لتلتحق بالمعسكر الآخر في وهم واجهة عابرة للطوائف. الرابع عشر من آذار 2005 دليلٌ على ذلك. لم تكن الولايات المتحدة تريد — وقد قاله ديفيد ساترفيلد صراحةً — انسحاباً سورياً من لبنان. وقد حدث بفضل تلك المظاهرة العملاقة التي كانت وليدة إرادة سياسية ومدنية جامعة. في لبنان يُحاوَل التكيف بأفضل ما يُمكن، والإبحار بصيرةً لمنع السفينة من الغرق كلياً. هذه السفينة تحتاج إلى ربان هادئ معتدل لإدارة الملاحة في المياه العكرة. وهذا الربان هو الدولة، على الرغم من كل عيوبها، لأنها اليوم البوصلة الوحيدة، الفضاء الوحيد الذي يمكن أن يجمعنا. وهي تستحق أن تنال الدعم الأوسع في مهمتها المحفوفة بالمخاطر، دون أن تُساء معاملتها وتُمزَّق من قِبَل طموحات البعض ونشواتهم وانتكاساتهم النوستالجية المحمومة.

عدوٌّ نافع، عدوٌّ حقيقي
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
مايو 5, 2026 - 17:29

ثمة ما يستوجب الشكر لنعيم قاسم: أنه لا يملك كاريزما سلفه حسن نصر الله، ولا بلاغته، ولا فضيلته السياسية. على امتداد السنوات، وحتى انزلاقه السوري على الأرجح، جسّد نصر الله في الوجدان العربي الإسلامي فكرةً بعينها عن الصمود أمام إسرائيل. وقد أفلح بموهبته الخطابية في إنجاز مأثرة من الطراز الأول: أن يُنسي الجميع أنه، تحت خطابه المناهض للإمبريالية في ادعاء «المقاومة»، لم يكن سوى رأس الحربة لمشروع إيراني إمبريالي بامتياز، شُيِّد على دماء مواطنيه اللبنانيين، من اليسار اللبناني إلى أركان الرابع عشر من آذار. بيد أن في خطاب حزب الله التباساً يُصانُ بعناية فائقة، لدرجة أنه يستلزم جهوداً إقناعية استثنائية... والواضح أن السحر لم يعد يجدي مع قاسم، الذي يستمد بريقَه المحدود من صورة المنظِّر العقائدي الجامد، لا من صورة الخطيب التاريخي. وضع كارل شميت، في صميم تعريفه للسياسة، التمييزَ بين الصديق والعدو باعتباره الفعلَ السيادي الأسمى. فمن يَفصِل في هذا التمييز يقرر، ومن يقرر يكون سيداً. وقد أضاف جوليان فروند، مدقِّقاً في الفكرة، أنه لا أحد يملك ترف اختيار أعدائه، بل العدو هو من يختارك؛ والتظاهر بتجاهله لا يجعله يختفي، بل يجردك من أسلحتك في مواجهته. غير أن ما لم يستشرفه شميت ولا فروند كلياً، هو التوظيف المنحرف الذي يحتجّ به فاعلٌ سياسي بالغ الحذق، حين يُبرز عدواً بديلاً ليخفي العدو الحقيقي، ولا سيما حين يتحصّن بغطاء المقدس، الذي يجعل كل من يجرؤ على الإشارة إلى هذا الاستبدال يُصنَّف فوراً في خندق الخيانة... ذلك أن ما يكشفه خطاب نعيم قاسم بين السطور، وما كان نصر الله يتقن إخفاءه تحت مزيج محكم من الحجة والأدب، هو أن إسرائيل ليست العدو الرئيسي لحزب الله. إسرائيل هي «دعوته»، بالمعنى الخلدوني الذي استخدمه ميشيل سورا في كتابه «دولة البربرية»، أي التبرير والوقود الوجودي. أما العدو الحقيقي، الذي يتربص به الحزب منذ نشأته، فهو مزدوج وداخلي. أولاً، المجتمع الشيعي ذاته، الذي يتعيّن إخضاعه بكل الوسائل لولاء مطلق لولاية الفقيه، بإخماد كل معارضة لبنانية أو ديمقراطية أو مجرد نقدية في صفوفه. وثانياً، الدولة اللبنانية، التي لا ينبغي تدميرها — إذ سيكون ذلك فاضحاً وعكس المطلوب وظيفياً — بل استثمارها وشلّها واستعمارها من الداخل وتفريغها من جوهرها، باسم طهران ولحسابها، حتى تصبح اللباسَ القانوني لمشروع سلطة لم يكن لبنانياً قط. وهكذا يرتفع التستر المشروع في مواجهة الشدائد إلى مستوى فن الحكم الهجومي: فحزب الله يعلن رغبته في تحرير لبنان... فيما يحتله سياسياً وعسكرياً. ويزعم في الآن ذاته أنه يدافع عن السيادة بينما يُخضع كل قرار استراتيجي لطهران. ويستدعي الشعب اللبناني إلى الوحدة بينما يُصنّف خونةً من يأبى الذوبان فيها. ويرفع أخيراً إسرائيل — بموهبة فريدة في الإخراج المسرحي — ستاراً يجري خلفه الدراما الحقيقية. ما يجعل الدراما مرعبة بالفعل هو أن العدو الخارجي المبرِّر للدعوة ليس اختراعاً. إسرائيل موجودة، وتشنّ غارات قاتلة، وتحتل أجزاء من الأراضي اللبنانية، وتنتهك اتفاق 27 نوفمبر بوحشية موثقة، وتمنح بذلك حزب الله ذريعةً لا تنضب، تتجدد مع كل قرية تُهدم. شرعية مقاومة العدوان الإسرائيلي لم تكن اختراعاً. هي حقيقية، متجذرة في القانون الدولي وفي ذاكرة شعب اكتوى فعلاً بنيران الاحتلال — وإن كان حزب الله قد محا كل أثر لذلك الماضي محواً تاماً وعنيفاً منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وهنا بالضبط تكمن الحنكة الإجرامية للمنظومة. فحزب الله لم يصنع هذا العدو من عدم. بل استولى عليه وسخّره لأغراضه، وبات مرهوناً ببقائه هيكلياً — وكذا تل أبيب، في واقع الأمر، ولهذا ربما تجاورا بلا إزعاج طوال سنوات طويلة، قبل أن تصبح إيران، لإسرائيل المتصالحة مع العالم العربي السني، العدوَّ المختار. فبدون العدوان الإسرائيلي، تنهار الدعوة. وبدون الدعوة، تفقد الهيمنةُ الداخليةُ درعها الدلالي. في هذه الجدلية، يشكّل السلام مع إسرائيل كارثة وجودية مزدوجة: سيجد الحزب نفسه مكشوفاً في الداخل، مطالَباً بتسليم أسلحته، محروماً من كل خطاب يبرر سيطرته على الأرض وفتحه المارثي للمُلك، أي مركز السلطة، الدولة. في هذه العقدة الغوردية يقف اليوم رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، مدعوَّيْن إلى قفزة مستحيلة. من جهة، شارع شيعي وأبعد منه لبناني، لا يزال مثخناً بالجراح، لا تزال تعبره غضبة مشروعة لمجتمع تقصفه تل أبيب بلا هوادة ودون تمييز. ومن جهة أخرى، إرادة داخلية ودولية للقضاء أخيراً على هذا الوضع شبه الدولتي الشاذ، وإعادة احتكار العنف الشرعي إلى دولة لبنانية لم تمارسه يوماً بالكامل منذ الطائف. هاتان الضغطان تنتميان إلى سياقات زمنية مختلفة ومناخات وجدانية متنافرة. فمن يحاول التوفيق بينهما يتعرض لاتهامه في آنٍ واحد بالتواطؤ مع العدو والخيانة لشعبه. وبقدر ما يبدو استعادة احتكار العنف الشرعي ضرورياً وجوهرياً لبقاء الدولة اللبنانية، فإن حدوثه تحت وطأة سلام مفروض مع إسرائيل يجعله بالغ الإشكالية. لا تستطيع الجماعة الدولية في هذا السياق أن تضع ثقل ضغطها الأساسي على الأقطاب السياسية اللبنانية الثلاثة، كأنها العقبات الرئيسية أمام التطبيع. إذ سيكون ذلك قلباً لعبء الإثبات بخفة جنائية. إن استعادة السيادة اللبنانية تمر بشرطين مسبقَيْن لا يمكن تحقيقهما إلا بضغط دولي متسق: أن تُرغَم طهران مرة وأخيرة على إطلاق حزامها الناقل البيروتي، وأن تُجبَر إسرائيل على كبح آلتها التدميرية التي تعمل بإفلات تام من العقاب، مُنهيةً بذلك تزويدَ حزب الله بوقود شرعيته الدائمة. أن يُطلب من نواف سلام وجوزاف عون، بل ومن نبيه بري، أن يمضوا قُدُماً دون توفر هذين الشرطين معاً، هو أن يُطلب منهم المشي على الماء — أو، بصورة أدق، التوقيع على حكم إعدامهم السياسي، بل وربما الجسدي. فنعيم قاسم لا يملك الكلام وحده. وراء الخطاب الأيديولوجي وصور المقاومة الأسطورية، ثمة تنظيم يضاهي الحشاشين في أساليبه، أثبت قدرته وإرادته على إزاحة كل عقبة في طريق هيمنته. وشبح السادات، الذي اغتيل لأنه جرؤ على رسم طريق نحو السلام لم يستطع حراس الحرب الأبدية احتماله، لا يزال يخيم على كل أفق للمصالحة في الشرق الأوسط. وهذا ليس وسواساً بالاضطهاد ولا نزعة كارثية. إنه ببساطة المرارة الواقعية للأشياء. هل ينبغي التذكير بأن القوى الغربية، بعد أن حرّضت حكومة السنيورة على اتخاذ قرارها التاريخي المتعلق بتفكيك شبكة الهاتف الثابت لحزب الله على طريق مطار بيروت عام 2008، لم تجد سوى كلمات إدانة خافتة إزاء حملات مايو 2008 العقابية على بيروت والجبل اللبناني؟ هل يدرك دونالد ترامب — الذي تستند قوته اليوم إلى غموض الانتخابات النصفية — ثقل ما يحاول فرضه في الظروف الراهنة على جوزيف عون، مُكرَهاً إياه على الاجتماع بنتنياهو؟ ما وراء الاستغراب، ثمة تهور وطيش لا يحركهما إلا هاجس الشكليات. الشجاعة الحقيقية اليوم ليست في مطالبة السلطات اللبنانية بالتبجح في مواجهة عدو مزدوج تحكمه المحاكاة ذاتها: إخضاعهم. إنها في دعم الدولة اللبنانية عملياً، من خلال خطة شاملة في مختلف الميادين، كي تتمكن من إعادة بناء مؤسساتها بعيداً عن قبضة حزب الله. ولو اقتضى ذلك تشكيل قوة متعددة الجنسيات شرعية من دول صديقة، مكلفة بصون السلم الأهلي ومساعدة القوى السياسية والأمنية اللبنانية الشرعية — المتحررة من النفوذ الهيمني الإيراني — على استعادة سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها ووضع أسس برنامج سياسي كفيل باستعادة الوحدة الوطنية.

العودة الأبدية للمأساة؟
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
أبريل 19, 2026 - 21:50

ثمة في وقف إطلاق النار اللبناني-الإسرائيلي، المُبرَم برعاية أمريكية، وعدٌ. غير أن هذا الوعد واهٍ ومشدودٌ في آنٍ معاً، هشٌّ كخيط الأقدار، يبدو قابلاً للانقطاع في أي لحظة. لبنان تعلّم منذ أمد بعيد أن يعيش بالقليل، وأن يحيل فُتات الاستقرار إلى مادة للبقاء. لذا يستقبل هذه الهدنة كأنها استراحةٌ من مرض مزمن، وإن كانت التجربة تُلقّنه أنها قد لا تعدو كونها مقدمةً لانتكاسة جديدة. هذه هي المأساة اللبنانية في أشد تجلياتها إيلاماً: التكرار الحتمي للمصيبة، وعودتها الدورية التي لم تتوقف الذاكرة الجمعية يوماً عن استباقها. فلبنان يعرف وقف إطلاق النار. يعرفه جيداً، أشد المعرفة. منذ حرب 1975، خاض من هذه التجربة ما يكفيه ليعلم أن عمرها الافتراضي لا يتوقف على إرادة الأطراف بقدر ما يتوقف على المعطيات الإقليمية، والتوازنات الداخلية للقوى الراعية، وجملة من المتغيرات التي لا يُحكم أحدٌ في بيروت قبضته عليها. فاكتسب الشعب اللبناني، من ثَمَّ، ضرباً من الحكمة المُرّة: حكمة الطفل الذي تعلّم على حسابه الخاص أن تدخل المعلمة لا يُوقف “البلطجي” إلا ريثما تلتفت إلى جهة أخرى. والعنف ما إن يجد الملعب بلا رقيب حتى يستعيد حقوقه. حتماً. بيد أن ما يثقل اليوم، فوق الضبابية الآنية، هو العمق الزمني لهذا الإحساس بالمألوف المُفزع. ذاكرة 1982 أو 2006 تعود كاللعنة، ومعها شيءٌ أعمق وأكثر بنيوية: سلطة العابر التي لا تنتهي. في الزمن اللبناني، يتعثر الحل الوسط ويتثاقل، ويتمطى القلق في البرزخ حتى يغدو شرطاً للوجود. فتعلّم المرء أن يستبطن رسالةً متناقضة، لا تكاد تُحتمل من كثرة التكرار، وقد أفضت إلى حالة شبه انفصامية كامنة: أن يعيش دوماً في الأمل ويترقب الأسوأ في آنٍ واحد. كقدَر محتوم. صِيغ هذا المنعكس البقائي عبر عقود ظل فيها الأسوأ يقع حين كان المرء قد بدأ للتو يصدّق أن الأفضل ممكن... غير أن هذه الرسالة المتناقضة، هذا الأمر التعجيزي الذي يُهيكل النفسية الجمعية اللبنانية منذ 1975، بلغت اليوم حدّاً من التطرف لا يُستهان به، وذلك لأن الفاعلين المعنيين لم يتغيروا في منطقهم العميق، وإن كانت قدراتهم التشغيلية قد تعرضت لانتكاسات جسيمة. حزب الله، المسكون بصراعات داخلية بين تيار براغماتي وجناح متشدد يعكسان في الغالب الانقسام بين الحمائم والصقور داخل النظام الإيراني نفسه، يمتلك طاقة تسويفية لا يُستهان بها. يُجيد التظاهر بأنه يؤدي دور الشريك في الدولة اللبنانية، عبر نبيه برّي أو من خلال إبقاء وزرائه في الحكومة، بينما يواصل المزايدة ويعمل في الوقت ذاته على إعادة بناء قدراته العسكرية... منتظراً اللحظة المواتية لقلب موازين القوى، كما فعل بقوة السلاح في مايو 2008... أو بـ”أناقة” أكثر كلاسيكية حين أسقط حكومة الحريري عام 2011 في اللحظة التي كان فيها الأخير يزور باراك أوباما في البيت الأبيض. إن المسار الذي اختاره جوزاف عون ونواف سلام، مسار التفاوض والتأكيد التدريجي للسيادة، يبدو في هذا السياق بالقدر ذاته ضرورياً وشائكاً. تجد الدولة اللبنانية نفسها مضغوطة بين إرادتين متخاصمتين تتقاطعان، مفارقةً، في أثرهما التخريبي: إسرائيل، التي تسعى إلى إضعاف الدولة بما يكفي لإبقائها طيّعة، مع الحرص على إبقائها صامدة بما يكفي لتظل محاوراً صالحاً؛ وحزب الله، الذي لا يمكنه الاستمرار إذا تبخرت أسلحته وانقطع الوصل الوجودي بين ذراعه اللبنانية وراعيه الإيراني، والذي يُدرك أن ديناميكية السلام، إن تمت، تُوقّع شهادة وفاته الاستراتيجية. فحركة بنت هويتها كلها على العنف المسلح وخطاب “المقاوم” لا تستطيع أن تتحول إلى قوة سياسية عادية دون أن تكف عن كونها ما تدّعي أنها عليه. إنها ستكون مدانة بالاختفاء بمنطق “هوبريسها” الذاتي — كطائفة تنهار عقيدتها — لو أنها دخلت اللعبة السياسية وقبلت بوضع السلاح. وهذا ينطبق بالمثل على الباسداران في إيران؛ ولذا فإن الهدنة مع الولايات المتحدة ستسقط على الأرجح. الحرب كفن للحياة... وكحيلة لإحكام روح التضامن والتشريع الذاتي المتواصل. العداء الخارجي في خدمة تصفية الخصوم الداخليين. وفي هذا الإطار، لا شك أن حزب الله سيبذل كل ما في وسعه لاسترداد مواقعه داخل الدولة اللبنانية وإعادتها إلى ما كانت عليه: تابعاً هزيلاً كالجثة ودمية في يد دويلته الساترابية. وللعودة إلى لبنان، المعتاد على أن يخيّم فوق المدينة الظل الشؤم للعنات الغابرة، فإن سابقة 1982 تستحق أن تحتل حيزاً أكبر في الذاكرة الجمعية. نافذة فرصة حقيقية، وإن طُعن فيها بشدة، كانت قد انفتحت بين بيروت وتل أبيب، مدعومةً بإرادة أمريكية جسّدها آنذاك وزير الخارجية ألكسندر هيغ. وكان سقوط هيغ وانهيار مناحيم بيغن كافيَين لأن تنقلب الديناميكية ويغدو اتفاق السابع عشر من مايو أكثر رموز الوهم الدبلوماسي إحراقاً، قبل أن يُلغى تحت ضغط حافظ الأسد وبعض المكوّنات السياسية اللبنانية. التاريخ في لبنان، بعيداً كل البعد عن الهزل حتى المأساوي منه، يعيد نفسه دوماً كجرح. ويكفي أدنى تغيير في واشنطن — الانتخابات النصفية — أو في تل أبيب — سقوط الحكومة الحالية — كي يسلك هذا الوقف الهشّ لإطلاق النار، ومعه كل ديناميكية التفاوض وأبطالها، الطريق ذاتها. لبنان لا يملك ترف انتظار أن ينتهي التاريخ من تكرار نفسه. لذا، وبمعزل عن الديناميكية الخارجية، فإن ما ينبغي بناؤه، وعاجلاً، هو خارطة طريق لبنانية تتمتع بشرعية سياسية وشعبية تجعلها قادرة على الصمود في وجه الضغوط الداخلية ونزوات العواصم المؤثرة، التي قد تتبدل أولوياتها في غضون أسابيع، وليست مصالحها بالتأكيد مصالح لبنان، مهما كانت نوايا هذا العالم، حسنةً كانت أم لا. السلام مع إسرائيل ليس دواءً شافياً، لكن لبنان لا يستطيع هو أيضاً أن يظل في حرب إلى الأبد، وحيداً. يُضاف إلى ذلك أن حزب الله، الذي يزعم المقاومة، لا يني يجر لبنان، في مفارقة صارخة، من خلال مغامراته الكارثية و”انتصاراته” الهذيانية، نحو سلام المهزومين. فبإضعافه للدولة وتمركزه محاوراً وحيداً مع تل أبيب لعقد الصفقات، ينخر كل مرة في ما تبقى من سيادة وسلطة. ويفعل ذلك عن سابق تصوّر وتصميم، وبأسلوب تخريبي مُحكَم. مسامير متتالية في نعش لبنان. بيد أنه لا مناص من الإقرار أيضاً بأن مؤسسات الدولة الراهنة، كما كان الحال في أعقاب ثورة الأرز عام 2005، عاجزة عن تطهير نفسها من الغرغرينا الإيديولوجية والسياسية — المحور السوري-الإيراني — التي تنخرها منذ 1990. ما تطلبه الولايات المتحدة من لبنان يُعادل أن يُطلب من مريض بالسرطان أن يعالج نفسه بنفسه رغم خطورة حالته. بالكاد يستطيع المريض أن يكافح من أجل البقاء والحفاظ على وظائفه الحيوية بما تبقى له من قوى. هذا أيضاً ينبغي استحضاره، مهما كانت رغبة شريحة واسعة من اللبنانيين العارمة في التخلص من هيمنة حزب الله. لبنان لم يعد يحتمل هذا النظام من الطوارئ الدائمة، هذه الحركة الدائرية الأبدية من الأزمة إلى الحرب ومن الحرب إلى الأزمة، التي باتت منذ 1967 تُدمر المؤسسات والناس حرفياً، وتؤجل إلى ما لا نهاية الحق الأولي في حياة تشبه ولو من بعيد الحياة الطبيعية. واللبنانيون يستحقون أن يعيشوا. لا بطولةً. بشريةً فحسب. ولو من حين إلى حين... هل تستطيع الجماعة الدولية، فيما تطالب لبنان بإبداء الشجاعة وهو محاصرٌ بين مطرقة “العدو المزدوج” وسندانه، أن تمنح الدولة اللبنانية وشعبها ضمانات راسخة ودائمة للاستقرار، بالتوازي مع مسار التفاوض الجاري، درءاً للعودة إلى تلك المأساة المصنوعة من الهشاشة والارتياب والفوضى في نهاية المطاف؟ في ضوء الحالة التي بلغها العالم اليوم، يبدو من المشروع التشكيك في ذلك. والأرجح في المقابل أنه في خضم هذه الدوامة العبثية، لا يستطيع اللبنانيون، في المحصلة، الاتكاء إلا على أنفسهم. ويغدو واجباً عليهم، من ثَمَّ، أن يعملوا على توطيد مشهد داخلي موحّد على ثوابت واضحة لا تقبل التنازل: القيم الجمهورية وروح العيش المشترك في ظل الدستور اللبناني وحده، بعيداً عن مزايدات الجميع وتباهياتهم. وإن أصرّ حزب الله على عدم الانخراط في هذا التوافق، كعادته، فإنه هو الذي سيكون قد اختار، مرة أخرى، طريق الانسداد واللامعقول في مواجهة الخيار الرصين والمُنقِذ للشرعية العقلانية. “مويرا” الأمل اللبناني في مواجهة “الهوبريس” الانتحاري للحزب. لا أحد يستطيع إنقاذ من قرّر فعلاً أن ينتهي، رغماً عنه. أما إنقاذ النفس، في هذه الحال، فواجب.

لبنان: تربيع الدائرة؟
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
أبريل 12, 2026 - 23:20

بينما ينسحب المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون من طاولة المفاوضات، تنبري الأوساط القريبة من حزب الله، على الرغم من التناقضات الصريحة داخل قيادتها، لإطلاق اتهامات الخيانة على عواهنها بحق جوزاف عون ونواف سلام. توقيت هذه الهجمات ليس عشوائياً البتة. إنه يكشف عن ذعر يُحاول أصحابه إخفاءه خلف الأثواب المعتادة للخطاب المقاومتي. فللمرة الأولى منذ التسعينيات، أفلتت الورقة اللبنانية من قبضة حزب الله، ومن ثمّ من قبضة طهران، وهذا ليس في مصلحة الحزب قطعاً. صحيح أنه يمتلك القدرة على إشعال الشوارع، إلا أنه بات أكثر عزلةً من أي وقت مضى. في عام 2006، وعقب 14 آذار 2005، لجأ إلى الحرب ثم إلى الانقلاب لتعويض هذا الضعف. بيد أننا لسنا في عام 2005، وأي محاولة منه للتورط في الداخل ستكون مجازفةً كبرى ستُغرق لبنان في العنف. ومنطق 14 آذار السلمي قد اختفى، وسيصطدم الحزب بتوترات حادة ربما يسعى إليها عن سابق قصد، لكن لا أحد يخرج منتصراً أبداً من هذه اللعبة الخطرة مع النار. الانقسام بين المسارين اللبناني والإيراني يفسّر الهجوم المزدوج الذي تتعرض له الدولة في بيروت اليوم. من جهة، ردّ فعل متهور من ميليشيا عقدت العزم على استعادة ما خسرته سياسياً عبر زعزعة الاستقرار الداخلي. والوقت يعمل دائماً لصالح حزب الله وإيران: كلما بدت إسرائيل أكثر عدوانية، ازدادت شرعية “المقاومة” وبدت “عدالة” استعادتها السلطة في بيروت أكثر مشروعية في أعين أنصارها. ومن جهة أخرى، الفخ الإسرائيلي الذي يستغل هذا التقويض لإضعاف الدولة اللبنانية أكثر قُبيل مفاوضات الثلاثاء. تل أبيب لا تريد دولةً ضعيفة جداً ولا دولةً متماسكة جداً، والانقسام الحالي يخدم مصالحها. الهجمات على السلطة التنفيذية هبة من السماء. ويُثبت حزب الله مرةً أخرى أنه متعاون بشكل لافت مع الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تفجير الدولة اللبنانية من الداخل. لكن يجب تسمية الأشياء بأسمائها. الهجوم المميت الأخير على بيروت الذي أسفر عن أكثر من ثلاثمائة ضحية يُجسّد بقسوة لا تحتاج تعليقاً ما نسميه ازدواجية المسؤولية: منطقان قاتلان بالتساوي، وأصوليتان لاإنسانيتان بالقدر ذاته. الأولى إسرائيلية تضرب دون إنذار ودون اعتبار لأرواح المدنيين، متذرّعةً بـ”دقة إصابة” زائفة تنتمي إلى عالم الدعاية الحربية؛ والثانية ميليشياوية حيث الشهادة ترقية والحرب سبب للوجود والموت المدني حجةٌ سياسية. هذا المرض له اسم: الاستشهادوية. وأن يتخفّى حزب الله بين مدنيين لا يعلمون أن جارهم هدف، ولم يُسأل أحدٌ منهم رأيه في حرب جُنِّدوا فيها قسراً، هذا هو جوهر ما كانت عليه هذه “المقاومة” دائماً: تعايش مفروض بالقوة يُصرّ البعض على تسميته حماية. سيحتجّ الأيديولوجيون بأن الدولة اللبنانية ضعيفة وأن الجيش ضعيف وأن المجتمع الدولي يتحمل المسؤولية. هذا صحيح جزئياً. لكن ما يرفضون الاعتراف به هو أن إضعاف الدولة كان أيضاً من عمل النظام الأسدي ثم حزب الله نفسه، ناهيك عن الفساد والولاءات القبلية للسيادات الداخلية. لقد عزّز حزب الله نفوذه تحت حماية النظام الأسدي قبل أن يسلّمه التيار العوني مفاتيح الدولة اللبنانية نهائياً. وقد حكم النظام الأسدي لبنان برعاية إسرائيلية أمريكية ضمن منطق تحالف الأقليات لتفتيت العالم العربي السني وتدمير القضية الفلسطينية. وبعد أن باتت فلسطين على حافة الزوال وقدّم حماس ورعاؤه المنجل لهذا الغرض، قررت إسرائيل إعادة إيران إلى حجمها الحقيقي. فإذا كان لا تفاوض مع عدو أقوى سيادياً... فما جدوى مفهوم المفاوضات؟ والدبلوماسية؟ هل يجب حسم كل شيء بالسلاح؟ وبعدها ماذا؟ هذه لعبة الحمقى من الدول الكبرى. الحدود بين الصديق والعدو غامضة ومتحركة باستمرار. المبادئ الكبرى والأيديولوجيات المتفاخرة؟ أوهام فارغة. في هذه الحرب كما في سائر الحروب، أنصار كل طرف ليسوا سوى وقود للمدافع. التعايش بين منطقَين، أحدهما يرى في الحرب فناً والآخر يريد ببساطة العيش بسلام وبناء دولة وتربية الأبناء دون خوف من صاروخ يسقط فجأة على رؤوسهم، مستحيل. ليس لأننا يجب أن نستسلم للنزعات الجوهرانية أو مشاريع الفصل. فالمشكلة ليست طائفية. حزب الله أكثر من ميليشيا: إنه حالة ذهنية. إذاً ماذا نفعل؟ لبنان بالضرورة بلد الاعتدال. لا يمكن لأي إفراط أن ينعكس إيجاباً على الساحة الداخلية. هذا لا يدافع عن التسويات الهشة التي حكمت مصير البلاد منذ 1969 حتى جرّدتها من جوهرها. هذا يدعو إلى توافق يستوعب جميع الأطراف دون أن يكون على حساب القيم الجمهورية. وكما أن حزب الله سرطان ينخر لبنان منذ أربعين عاماً، فإن إذلال أنصاره والطائفة الشيعية المجروحة في الصميم سيكون خطأً فادحاً ومروّعاً. هناك في لبنان اليوم كراهية كثيرة جداً وتصعيد حاد نحو الأطراف أكثر مما يستطيع لبنان تحمّله. والأطراف هي ما تفضله طهران وتل أبيب دائماً. فالتشدد العسكري يستجلب التدخلات الخارجية ومنطق الدعم المتبادل لتعزيز الهيمنة التقليدية. قبل مفاوضات الثلاثاء، على الدولة اللبنانية أن تدعو بسرعة إلى مؤتمر سلام داخلي يجمع جميع الأطراف للاتفاق على وثيقة مشابهة لإعلان بعبدا 2012 في عهد الرئيس ميشال سليمان، الذي التزم فيه لبنان بالحياد والابتعاد عن محاور التوتر الإقليمية منأياً بنفسه رسمياً عن أي صراع خارجي. من يرفض الدعوة سيجد نفسه عملياً خارج الشرعية الوطنية؛ ومن يشارك سيعترف بحضوره بالسلطة الشرعية للدولة اللبنانية، بعيداً عن الجزر السياسية التي نشهدها حتى الآن. هذه هي الوسيلة لاحتواء الفخَّين معاً: الانقلابي لحزب الله، والتخريبي لإسرائيل. يمكن لهذه الوثيقة أن تعالج أيضاً كيفية إجراء المفاوضات، باقتراح العودة إلى خط التهدئة الضمني الذي أرسته اتفاقيات الهدنة عام 1949، والذي كان يحدد مناطق الاشتباك العسكري بين لبنان وإسرائيل ويسمح بنوع من التعايش الهش لكن الحقيقي، قبل أن تحطّمه منطق الميليشيات نهائياً. على الدولة اللبنانية أيضاً أن تستغل الضعف السياسي الحالي لإيران والحزب الناجم عن فشل المفاوضات الإيرانية الأمريكية، لتجميع القوى التي سئمت من رهن بلادها منذ السبعينيات بمنطق الاستسلامات ونظام الملل. هذا التجمّع السياسي الشعبي العابر للطوائف ضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى. لا بد اليوم من الدفاع عن الدولة اللبنانية في مواجهة الهجوم الخفي للعدو المزدوج. المعركة الحقيقية هي التي تسعى إلى إسقاطها. والدولة، مهما تعددت نقائصها وأخطاؤها، تظل المحور الجامع للبنانيين والضمانة الوحيدة للسلام. للسلام الداخلي قبل أي شيء. أغلبنا واعٍ لمسؤوليته في الكارثة التي تضرب البلاد، وكثيرون استخلصوا الدروس ويريدون بناء دولة قائمة على الحياة المشتركة والحرية والسلام واحترام الأفراد والجماعات في التعددية واحترام الاختلاف. عانينا كثيراً. كل حروب العالم خُضنا تقريباً هنا. ندفع ثمن أخطائنا ولا نسعى إلا لأخذ مصيرنا بأيدينا. لكن على الآخرين أيضاً أن يتحملوا مسؤولياتهم، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا من خلال ديناميكية مشابهة لحركة 14 آذار 2005: تضافر الجهود الدولية مع حركة شعبية عابرة للطوائف تسعى لاستعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة ورفض نهائي للعنف باسم الحياد الإيجابي. لبنان الآن في مأزق معقد جداً. لكن الأمور يمكن أن تتغير أخيراً. .Yes, we can

لبنان، إبادة المدن "وشهادانيو" الحرب
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
أبريل 8, 2026 - 13:46

«التداعيات» الأخيرة للحرب خارج نطاق مناطق النزاع المُحدَّدة إقليمياً منذ بدايتها، وما خلّفته من ضحايا، تستوقفنا وتستدعي التأمل. لقد تناول هذان العملان، حرب العصابات لإرنستو “تشي” غيفارا، و ثورة داخل الثورة؟ لريجيس دوبريه، ولنقتصر عليهما، بإسهاب وعمق، في خضمّ العصر الذهبي الثوري لستينيات القرن الماضي، كيف أن الحرب غير النظامية، بعيداً عن اختزالها في مجرد تكتيك مضايقة تمارسه قوى ضعيفة في مواجهة خصم متفوق، تتخذ شكل مشروع أكثر دهاءً وإثارةً للقلق، لا يُشكّل فيه السكان المدنيون مجرد ملجأ أو رافد لوجستي، بل يتحولون تدريجياً إلى الرهان ذاته للمواجهة، لا تكف ديناميكية العنف عن اشتغاله وإعادة تشكيله وفق منطقها الخاص. وفي هذا الإطار، لا تكتفي حرب العصابات، هذه الحرب ما بعد الكلاوزفيتزية، بالتحرك داخل وسط اجتماعي معطى تفترض سلفاً أنه مُوالٍ أو مواتٍ بطبيعته، بل تعمل على هذا الوسط بإرادة صريحة لإعادة تشكيله وانتزاعه من حالة اللامبالاة والتذبذب، عبر استحداث أوضاع تصبح فيها أي حياد موقفاً لا يُطاق. وقد تحدث غيفارا عن استيلاد الشروط الثورية بدلاً من انتظار «نضجها الاجتماعي». هذا المنطق، الذي يمكن وصفه بـ”استراتيجية الاستقطاب المُستحثّ”، يرتكز على آلية ثابتة نسبياً، كشفت تجلياتها التاريخية في آنٍ معاً عن مرونة لافتة وفاعلية مرعبة. تنغرس منظمة ثائرة أولاً في نسيج اجتماعي لا يُعدّ بالضرورة في مجمله في صفّها، وتشنّ عمليات مُستهدفة ضد سلطة دولة أو قوة احتلال، ثم تتعرض، بصورة متعمدة أو عن حساب مُسبق، لردود فعل انتقامية غالباً ما تكون متجاوزة للحدود وتطال المقاتلين والمدنيين على حدٍّ سواء. وعبر هذا المسار، يكتسب عنف الخصم، بعيداً عن كونه مجرد كلفة استراتيجية، وظيفة عملياتية، إذ يُسهم في تهيئة شروط انقلاب عاطفي وسياسي في صفوف السكان، محوّلاً المعاناة المُعاشة إلى رافعة للتعبئة. “السمكة في الماء” إن مثل هذه الديناميكية لا تنشأ من عفو الخاطر ولا من ارتجال تجريبي، بل تنتسب إلى تقليد نظري راسخ وعريق، تجلّت صياغاته الأكثر تأثيراً في كتابات ماو تسي تونغ حول حرب الشعب المطوّلة. والاستعارة الشهيرة للسمكة في الماء، التي كثيراً ما يُستشهد بها لوصف التوحّد العضوي بين حرب العصابات والسكان، تُلمّح في حقيقتها إلى عمل دؤوب ودائم على هذا “الماء” ذاته، الذي تسعى حرب العصابات إلى تكثيفه وتسييسه، أحياناً على حساب إكراه مقصود، ضماناً لبقائها وتوسّعها. وفي الممارسة الثورية الصينية، واكبت هذه التحولات في الوسط الاجتماعي حملات دعائية ومنظومات ضغط داخلي، فضلاً عن توظيف غير مباشر لعنف الخصم، يُوكَل إليه الكشف، بوحشيته، عن الطابع القمعي للعدو. وتوفّر حرب الاستقلال الجزائرية، في هذا الصدد، مثالاً بالغ الدلالة على هذه الجدلية، إذ إن جبهة التحرير الوطني، بشنّها عمليات مثيرة في المراكز الحضرية، ولا سيما إبان معركة الجزائر عام 1957، كانت تُعرّض نفسها لقمع منهجي من الجيش الفرنسي، أسفرت أساليبه، حيث التعذيب والاختفاء القسري يتعايشان مع حصار مكثف للأحياء الشعبية، عن مفعول مناقض. فقد وجد قطاع واسع من السكان، المُحجمين في البداية أو المُتحفّظين، نفسه يُسحب تدريجياً إلى المعسكر الاستقلالي، ليس بدافع التضامن وحسب، بل أيضاً بفعل ضرورة أخلاقية ووجودية، بعد أن أضحى كل موقف وسطي لا يُحتمل تحت وطأة العنف المُعاش. وثمة ظاهرة مماثلة يمكن استقراؤها في حرب فيتنام، حيث لم يرتكز انغراس الفيتكونغ في القرى الريفية حصراً على ولاء سابق من السكان المحليين، بل على قدرته في استثمار تداعيات العمليات العسكرية الأمريكية، لا سيما القصف المكثف والتهجير القسري اللذان كانا يتخللهما، بين الحين والآخر، مجازر بحق المدنيين. وتبقى أحداث ميلاي عام 1968 شاهداً على ذلك، إذ أسهمت في تحويل عنف آني ومحدود النطاق إلى محفّز للانخراط، معزِّزةً شرعية الانتفاضة في أوساط سكانية ظلّت حتى ذلك الحين مترددة. “واحد، اثنان، فيتنامات كثيرة” وفي سياقات أكثر راهنية، لا سيما في الشرق الأوسط، هذا المختبر المثالي للابتكار في ما بعد الحرب، يظهر هذا المنطق باستمرار في أشكال متجددة، حيث تنخرط المنظمات المسلحة العاملة في مناطق مكتظة بالسكان في تفاعل دائم مع القوة العسكرية المعادية، وكثيراً ما تُغذّي ردود فعلها الانتقامية المُبثّة على الصعيد الدولي دوراتٍ من الغضب والتعبئة. وفي الأراضي الفلسطينية، أفضت مراحل الانتفاضة المختلفة، عفوية كانت أم منظّمة، بانتظام إلى ردود فعل عسكرية أسهمت آثارها على السكان المدنيين، بصورة معقدة وأحياناً متناقضة، في تعزيز ديناميكيات الالتحاق بالفصائل المسلحة. أما الحالة اللبنانية في تشكّلها الراهن، فتوضّح هذه الآلية بحدة استثنائية. إذ يجد حزب الله، الذي يُجرَّد مركزه الثوري اليوم بصورة منهجية، وتُلاحَق كوادر الحرس الثوري الإيراني وكوادره الخاصة وتُصفَّى، وتُحوَّل معاقله في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت إلى أنقاض تحت وطأة الضربات الإسرائيلية في حين كان مليونا نازح يُقتلعون من أماكن عيشهم، نفسَه مضطراً إلى تنفيذ تراجع استراتيجي نحو مناطق لا تكنّ له ودّاً يُذكر: بيروت، والمتن الجنوبي والشمالي على سبيل المثال، أوساط تلقى الحرب التي أشعلها فيها معارضة خافتة، بل عدائية مُعلنة في أحيان كثيرة. ويفتح هذا النزوح القسري مرحلة جديدة من المواجهة، تتجاوز رهاناتها بكثير السجل الإقليمي المحض لتصبح اجتماعية بامتياز. وقد ادّعى حزب الله دوماً وعلناً استلهام الأساليب التخريبية لغيفارا وتطبيقها في ميدان علم الحرب، على نحو يميزه عن الفوكوية الرسمية والدولانية التي طبّقتها منظمة التحرير الفلسطينية إبان الحرب. يخوض الحزب صراعه وفق منطق مكاني لا إقليمي، لذا تبقى البؤرة متنقلة، لأن فضاء الحرب هو فضاء ولاية الفقيه. فالأرض في حد ذاتها لا قيمة لها، هي قابلة للتخلي والاستغناء. وكذلك أبناء البؤرة، الذين حُوّلوا إلى شهادانيين مستعدين للموت في سبيل العقيدة لا في سبيل الأرض. ينتهج الحزب الإبادة الحضرية باسم الإمبراطورية المكانية الإيرانية. ويُضاف إلى ذلك، على الصعيد الحربي، طبقة نيو-أخمينية من الاستراتيجية الفارسية. فمنطق الإمبراطورية والامتدادات الجغرافية الشاسعة يفرضان أن الفرس كانوا يخوضون حروباً على جبهات متعددة، مستخدمين في سبيل ذلك حروب الوكالة ودعم الحلفاء عبر منظومة الساتراپيات. وكانوا يموّلون أيضاً المدن المعادية، بما فيها أثينا في مواجهة إسبرطة، لتحريض بعضها على بعض، مما أتاح لهم إدارة الجبهات دون الحاجة إلى الاحتلال العسكري الدائم. وتصنع فارس الحرس الثوري بذلك نوعاً من النيو-غيفارية للثورة الدائمة، مطبِّقةً منذ عقدين في المنطقة، وفي سياق هذه الحرب عبر قصف رقعة شاسعة من الأراضي، الصيغة الشهيرة للتشي: «أن نخلق واحداً، اثنين، فيتنامات كثيرة». والهدف لا يقتصر على دفع الخصوم، لا سيما دول الخليج، إلى الاستسلام والتوسل بالسلام في أسرع وقت ممكن، بل يمتد إلى تدويل النزاع قدر المستطاع من أجل، وياللمفارقة، المساهمة في إنهائه. لعبة “رابح-رابح” وراء المقاومة الحضرية لحزب الله، يتشكّل حساب من طبيعة مغايرة تماماً، يمكن وصفه بـ«اللعبة التخريبية ذات المحصلة الإيجابية» التي تصبّ حصراً في صالح المنظمة المسلحة، هذه اللعبة الشرسة والمشينة المعروفة بـ”رابح-رابح” فبانزراعه في مناطق رافضة للحرب وإدامته أنشطة تُعرّض تلك المناطق للضربات الإسرائيلية، يُرغم حزب الله إسرائيل على قصف سكان يناصبونه العداء، محوّلاً الخصم رغماً عنه إلى أداة لإعادة تشكيل الولاءات. ولا يسع المعاناة المُلحقة بأوساط كانت ترفض الحرب إلا أن تُقرّبها، بحكم الضرورة، ممن يتصدّر موقع الحامي الوحيد المتاح. غير أن الحساب يذهب أبعد من ذلك، إذ إن وجود النازحين من جنوب لبنان في تلك الأحياء يُثير في صفوف السكان المضيفين ردود فعل عدائية وأحياناً رفضاً صريحاً، وهي توترات تستثمرها المنظمة، بأثر المرآة، لتغذية شعور داخلي بالتماسك في صفوفها. فلا أسمنت أمتن من ذلك الشعور المشترك بأنك لا تنتمي إلى مكان، وأنك لن تجد أماناً إلا في صفوف الجماعة المسلحة، في دفء العصبية المجتمعية. ويكتسب تحليل هذه الظواهر عمقاً حين يستند إلى أطر مفاهيمية مستمدة من الفلسفة السياسية والأنثروبولوجيا، بدءاً بالفكر الكلاوزفيتزي الذي يُقرّ بالطابع السياسي للحرب بامتياز، مما يُمكّننا من استيعاب كيفية توظيف العنف أداةً لتحويل الذوات الجمعية. وتُنير نظرية العنف المحاكاتي التي طوّرها رينيه جيرار الطريقَ نحو فهم الكيفية التي تميل بها دوامات الانتقام إلى الاكتفاء الذاتي، إذ يأتي كل فعل عنف ليُسوّغ ما يليه، في لولبية تتشوّه معها تدريجياً الحدود الفاصلة بين المُعتدي والضحية. أما تحليلات ميشيل سورا حول أشكال السلطة المُجزَّأة في الشرق الأوسط، فتُلمّح إلى أن العنف، بعيداً عن تفكيك النسيج الاجتماعي، قد يُسهم أحياناً في إعادة تركيبه، مُفرزاً ولاءات جديدة وراسماً من جديد خطوط الانكسار المجتمعي. إن مثل هذه الاستراتيجية، القائمة على استثارة عنف الخصم أو توظيفه من أجل تحويل شعب بعينه، لا تنفك عن إثارة تساؤلات أخلاقية جوهرية. فمن جهة، قد تبدو استجابةً براغماتية لوضع تفاوت جذري، لا تملك فيه القوى الثائرة أي رافعة أخرى لمنازعة هيمنة خصم متفوق. ومن جهة أخرى، تنطوي على ضرب من توظيف المدنيين، المُعرَّضين لمخاطر متصاعدة، أحياناً دون موافقتهم الصريحة، باسم هدف سياسي يتجاوزهم. وفي هذا التوتر يتجلّى أحد المُلتبسات الجوهرية للحرب غير النظامية، حيث يغدو الفصل بين استراتيجية التحرر والتعريض المتعمد للخطر أمراً عسيراً يأبى الحسم. وهكذا، فإن حرب العصابات، حين تنخرط في مثل هذا المنطق، لا تكتفي بعكس حالة المجتمع، بل تُسهم فاعلةً في إنتاجه، محوّلةً العنف إلى رافعة للانتساب وجاعلةً من المعاناة الجماعية عنصراً تأسيسياً للتعبئة السياسية. وهذا الانزياح، الذي تكفّ فيه الجماعة الحاضنة عن كونها مجرد خلفية لتصبح مسرح الحرب بعينها، يمنح هذه النزاعات بُعداً مأساوياً عميقاً، يمر فيه بناء الولاء عبر التجربة المشتركة للعنف، وتذوب فيه الحيادية تدريجياً في استحالة البقاء على الهامش. عودة المكبوت؟ بيد أنه لا ينبغي ترك هذا المنطق دون نقيضه، إذ إن استراتيجية الاستقطاب المُستحثّ، وإن افترضت قدرة العنف على تصنيع الالتزام إلى ما لا نهاية، تصطدم عاجلاً أم آجلاً بمقاومة يمكن تسميتها، مع فرويد، عودة المكبوت. فثقافة الاستشهاد وثقافة الحياة لا تستطيعان التعايش على الدوام دون أن تتصادما، وتبقى مواجهتهما، في نهاية المطاف، حتمية. وقد قدّم انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 أجلى تجلياتها المأساوية، لا بوصفه حادثاً عرضياً بل عَرَضاً لمنظمة جعلت من الموت نمط حكم، ووجدت نفسها ذات يوم مواجهةً، في عين المدينة التي ادّعت الدفاع عنها، بتبعات ذلك الاختيار. فالإيروس والثاناتوس لا يستطيعان تقاسم الأرض ذاتها إلى الأبد، ولا بد أن يتغلب أحد المنطقين، دون أن يكون في التاريخ ما يُسوّغ الظن بأنه سيكون الثاني. غير أن حزب الله يُبدي هنا أيضاً خُبثاً وانحرافاً. فهو، وراء العصبية التي يزرعها في رحم مجتمعه، بل وأبعد من ذلك عبر استحداث توترات داخلية ثنائية القطب على شاكلة الخير في مواجهة الشر، مُلزِماً كل فرد باختيار معسكر، يرسي منذ الآن شروط مرحلة ما بعد الحرب، تلك التي لن تعني فيها سوى انتصار واحد: ذلك الذي سيطحن الأصوات المعارضة، “الأعداء الداخليين”، “الخونة”. فضحية اليوم، الساعية إلى توسيع نطاق الالتحاق في مواجهة العدو، تُقدّم نفسها علناً وبالفعل على أنها جلاد الغد، مستعداً لنصب المشانق. إن المنطق الوحيد الذي يمكن تبنّيه في مواجهة هذا المأزق الأيديولوجي هو منطق العدو المزدوج: العدو “الإقليمي”، إسرائيل، بجرائمها اليومية في حق السكان المدنيين، والعدو “المكاني”، حزب الله، بأيديولوجيته العابرة للحدود في خدمة الحرس الثوري. وللإبادة الحضرية في غزة تُجيب إبادة أخرى، متنقلة هذه المرة، تعبر المناطق من واحدة إلى أخرى. وبين العدوين، كم من ضحية بريئة ستسقط قبل أن تنتصر ثقافة الحياة في نهاية المطاف، مرة واحدة وإلى الأبد؟

تل أبيب - طهران: محاكاة دموية و"العدو المزدوج" (2/2)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
مارس 31, 2026 - 12:20

يرزح لبنان منذ سنوات تحت هذا المنطق المزدوج للعنف والإقصاء، ذلك «التصعيد نحو الأقصى» الشهير — بتعبير رينيه جيرار المستوحى من كلاوزفيتز — الممزوج بلحظات من التواطؤ الموضوعي والتهدئة في العداوة. وهو البلد الوحيد الذي يدفع ثمن المواجهة مع إسرائيل، لا حتى خدمةً لقضية عربية، القضية الفلسطينية العادلة والمشروعة، بل لإرضاء ملالي طهران. لذا، لا يمكن تبرير سلوك حزب الله الذي أشعل ثلاثة حروب مدمّرة في أعوام 2006 و2024 و2026، بدواعي المواجهة مع الدولة العبرية. نعم، سيتذرّع بعضهم بذريعة قرى شبعا ومزارع كفرشوبا لتبرير استمرار المقاومة، غير أنّ هذه الحجّة فُنّدت بالخرائط منذ عام 2006، بوصفها اختلاقاً يهدف إلى تبرير استمرار مشروع حزب الله، وكان في حينه ذريعة لتبرير بقاء الاحتلال السوري للبنان باسم الصراع مع إسرائيل. الحقيقة مرّة، لكنّ قولها واجب: إذا كان مقاتلو حزب الله يخوضون المعارك على الأراضي اللبنانية، وكانوا هم أنفسهم لبنانيين خُلَّصاً، فإنّهم يفعلون ذلك لصالح إيران وبأمر منها. حزبهم أشعل ثلاثة حروب بالطلب، بتحريض من طهران. وباسم إرادة مصطنعة لمقاومة إسرائيل، دعا حزب الله الإسرائيليين حرفياً إلى احتلال لبنان. ليس لأنّهم كانوا بحاجة إلى ذريعة — لكن لماذا تُقدَّم إليهم مجاناً؟ لماذا تُزرع الحواجز الإسرائيلية على طريق القدس عبر الأراضي اللبنانية؟ لماذا يُسهَم، على هذه المفارقة، في إحياء “إسرائيل الكبرى”؟ حين طُولب بردّ احتكار القوة الشرعية إلى الدولة، وحاضنته الإيرانية تتعرّض للهجوم ومرجعه يُغتال، اختار الحزب طريق الانتحار بالتصعيد. والدولة اللبنانية لا يمكن تحميلها مسؤولية هذا الاختيار. أصلاً لم يستشرها يوماً قبل اتّخاذ قراراته الحربية. والأدهى أن تضطرّ الدولة، في كل مرّة وبكل الطرق، إلى تحمّل تداعيات التلاعبات الاستراتيجية الإيرانية على حساب اللبنانيين، فيما يؤدّي مقاتلو الحزب في كل مرّة دور البيادق... سلام المغلوبين لبنان لا يريد هذه الحرب، على الرغم من الحماسة المحمومة لهذا وذاك في توظيفها لتسوية حسابات داخلية. إنّها، مرّة أخرى، حرب بين إسرائيل وإيران تدور على أرضه. لا «أخيار» هنا ولا «أشرار»، بل محتلّان يجب أن يكفّا عن توظيف لبنان ويعترفا بسيادته ويعودا إلى حدودهما، وميليشيا يجب أن تسلّم سلاحها إلى الدولة اللبنانية وتكفّ عن إيصال مجتمعها إلى الانتحار بتحويله إلى وقود حرب بالطوع والرضى. لقد أتاحت إيران لإسرائيل فرصة استكمال تصفية القضية الفلسطينية بفضل حماقة حماس، وها هو السيناريو ذاته يتكرّر اليوم مع حزب الله. كلا المشروعين لا يُبالي بلبنان دولةً سيّدة مستقلّة. انتصار إسرائيل سيُفضي إلى سلام المغلوبين المفروض على لبنان. وانتصار حزب الله، ولو بالتخلّي، سيُفضي إلى حلقة جديدة من الانتقام من الدولة اللبنانية — ومن اللبنانيين الرافضين لهذه الحرب والمعارضين لمشروعه. من يريد الانخراط في المعركة وتصفية الحسابات بدعم هذا الطرف أو ذاك، مع تلك المزايدة اللذيذة والبغيضة من أعماق أرائك صالونات أميركا الشمالية وأوروبا، يُسهم في تدمير لبنان، عن قصد أو عن غير قصد. مهما يكن مآل الصراع، لبنان ليس غايةً لأيٍّ من الطرفين. سيُصنع الحلّ على حسابه، في الفضاء الدولي، لأنّه رضي مرّة أخرى، بمزيج من العجز القراري والعجز ببساطة، بأن يُحوَّل إلى ساحة مواجهة. بيد أنّ اللبنانيين ليسوا عاجزين حقاً عن التأثير في مآل صراع يتجاوزهم. بمقدورهم، بل من واجبهم، الانحياز إلى الشرعية اللبنانية — بشرط أن تواصل هذه الأخيرة أخذ نفسها بجدية. أكثر من أي وقت مضى. وهي الفرصة الوحيدة الباقية لإنقاذ لبنان. إيران أولاً حان الوقت لأصحاب النزعة المتعصّبة في كل الطوائف الذين يدعمون حزب الله أن يفهموا أنّ الحزب لا يقاتل من أجل راية فلسطين، ولا من أجل كرامة المجتمع الشيعي، ولا من أجل الجنوب والبقاع وسائر الأراضي اللبنانية، بل من أجل إيران، إيران أولاً وإيران فقط. لقد حوّلت “المقاومة لإسرائيل” كما يخوضها حزب الله لبنانَ إلى حقل خراب دون أن تُقدّم القضية الفلسطينية قيد أنملة. بل على العكس، نُهبت مكتسبات تحرير عام 2000 وقُلبت رأساً على عقب لمجد طهران الأكبر. لم يعد لبنان، مرّة أخرى، سوى حقل خراب شاسع من النازحين والعاطلين. أمّا المعسكر المناهض لحزب الله، فعليه من جهته أن يفهم أنّ المجتمع الشيعي لا مسؤولية له عن ورم حزب الله الذي هو نتاج عوامل متراكمة، وأنّه لا يمكن مطالبة المثقفين والقوى العزلاء بالقيام بانتفاضة ديمقراطية داخل الجماعة في مواجهة ميليشيا مسلّحة حتى الأسنان وهي تحت نار المدافع، ولا بتشكيل ما يشابه لقاء قرنة شهوان لتجريد حزب الله من الشرعية. فمثال قرنة شهوان بالذات يستحيل تكراره: كان لذلك اللقاء راعٍ هو الكنيسة المارونية بإشراف نصر الله صفير ويوسف بشارة، القادرَين على جمع قوى سياسية مسيحية كانت تتحاشى الجلوس معاً والحوار. فمن هي السلطة الشيعية، روحية كانت أم زمنية، القادرة على توحيد صفوف المعارضة الشيعية، في وقت بات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى قد ابتلعه هو الآخر الحزبُ؟ لا. الحل السياسي لمشكلة حزب الله لبناني، لا شيعي. يكمن في تشكيل تحالف من قوى تمثيلية من مختلف الطوائف، بما فيها شخصيات شيعية، هدفه من جهة الحفاظ على فكرة الدولة وتعزيز قدرتها القرارية في المرحلة المقبلة، ومن جهة ثانية الإرادة على القطع مع منطق العنف والإقصاء، والدعوة إلى ثقافة التواصل والحياد والسلام. بدون ذلك، لبنان محكوم عليه حتماً بالزوال. وكلّ الناس ستحمل مسؤولية ذلك. ليس حزب الله وحده، وبالتأكيد لا المجتمع الشيعي وديمقراطيوه الشجعان.

تل أبيب - طهران: محاكاة دموية و"العدو المزدوج" (1/2)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
مارس 31, 2026 - 12:01

لا شكّ في أنّ النزاع الدائر أمام أعيننا في لبنان يضع إسرائيل في مواجهة إيران، وأكثر تحديداً في مواجهة حزب الله. بمعزل عن أيّ رغبة في تشييطن حزب الله — ومع ذلك، ثمة وفرة من الأسباب الوجيهة للقيام بذلك: الاغتيالات السياسية، وعمليات الخطف، والإعدامات الميدانية، والانقلابات الميليشيوية، وإهانة الجيش، وتحويل لبنان إلى مركز إقليمي لغسيل الأموال والاتجار بالمخدرات، والإسهام الواسع في الفساد، والقائمة تطول — فإنّ حزب الله، في طبيعته، فرع من فروع الحرس الثوري الإيراني، جرى تطعيمه منذ عام 1982 في جسد مجتمع شيعي مهمَّش تخلّت عنه الدولة اللبنانية. وإذ فعل ذلك، توطّن في جنوب لبنان، مالئاً الفراغ الذي خلّفته الدولة اللبنانية إبّان الحرب، قبل أن يصبح الولد المدلَّل للمحتلّ السوري. وقد تمّ هذا التوطين أوّلاً عبر إنشاء منظومة واسعة من المؤسسات الاجتماعية ذات الطابع الأيديولوجي الإسلامي التي عوّضت عن غياب المؤسسات الرسمية، فأحرزت بذلك ولاء شريحة من السكان؛ ثمّ عبر ضرب من الشرعية مستمدٍّ من خطاب المقاومة لإسرائيل ولعملائها في الجنوب؛ لكن أيضاً عبر القوة، باغتيال قيادات اليسار المقاوم، وخوض “حرب الإخوة” ضد حركة أمل، وحماية نظام الأسد في أعقاب تلك المعارك الأهلية، وفوق كل ذلك عبر إرهاب المعارضين الشيعة من غير المنتسبين إلى الحزب، من التهديد وصولاً إلى العنف والاغتيال. صحيح أنّ الحرب تفترض، بطبيعتها، من وجهة نظر أطرافها، منطقاً ثنائياً يصطدم فيه الخير بالشرّ، والصديق بالعدوّ. وليس ذلك حكراً على الحرب وحدها؛ بل هو أحد المسلّمات الأساسية للسياسي. غير أنّ الحرب، تحديداً، لا حاجة لها بالدقائق والفروق حيث تستدعيها السياسة. بيد أنّ ثنائية “الصديق-العدوّ” التي تميّز بها كارل شميت وجوليان فروند، مهما بدت مغرية نظرياً، لا تصلح لتحليل النزاع الراهن. قراءة أجدى وأكثر ملاءمة هي قراءة “العدوّ المزدوج” التي طوّرها جاك بوشار، وهي أنسب للدول الهشّة العاجزة عن التأثير في الخلافات التي تفتعلها أطراف ثالثة شبه-دولتية. “عدوّ العدوّ يبقى عدوّاً”، يقول بوشار. ومن الثابت الذي يصعب دحضه أنّ حزب الله وإسرائيل لا يتصرّفان في مصلحة لبنان، وأنّ التماثل شبه التام القائم بينهما حقيقة تفرض نفسها على المراقب. حالة التأهّب الدائم منذ عام 1948، تجد دولة إسرائيل نفسها في حالة حرب دائمة، ساعيةً إلى ترسيخ شرعية مبنيّة على اقتلاع شعب أصيل كان يقطن الأرض التي تحتلّها اليوم، أياً كانت الذرائع الأيديولوجية التي يسوقها الصهاينة لتبرير هذا الاحتلال تاريخياً. ولقد قام منطق النظام الإسرائيلي، من بن غوريون حتى نتنياهو، على الإبقاء في حالة تأهّب دائم في مواجهة أعدائه، بذريعة تهديد وجودي كثيراً ما رعاه هو نفسه، لا حرصاً على تعبئة روح التضامن الإسرائيلية فحسب، بل لتفريق صفوف خصومه أيضاً — بخلق حماس في مواجهة فتح؛ وبالتغاضي طويلاً عن الدور الإيراني في المنطقة تحت شعار ما يسمّى بـ”تحالف الأقليات”، بغية إضعاف الأنظمة العربية وإبقاء حالة الصراع السنّي-الشيعي متّقدة. وهذا المنطق، باستثناء القوس الأوسلوي الذي اغتيل مع اغتيال يتسحاق رابين في نوفمبر 1995، قام على الكراهية والإقصاء والعنف تجاه الفلسطينيين، الذين كان التخلّي عنهم وإبادتهم في صمت الشرط اللازم لأي سلام مع الدول العربية. تؤدّي إسرائيل بذلك دور شرطي الشرق الأوسط بكامل الإفلات من العقاب، فيما يواظب وهم «إسرائيل الكبرى» على استفزاز اليمين المتطرف الإسرائيلي، كما تشهد على ذلك التصريحات الأخيرة لبعض المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين. يُضاف إلى ذلك السلوك الضمّي في سوريا وفي لبنان اليوم، بفضل الحرب الجارية. أما نتنياهو، فتتجلّى فيه مبالغة في الغرور مقترنة بواقعية سياسية على خلفية من الفساد الصريح. الهيمنة الثيوقراطية لإيران الملالي في المقابل، تجد إيران نفسها هي الأخرى في حالة حرب دائمة منذ صعود الملالي، ولا سيّما منذ خميني عام 1979. مشروع ولاية الفقيه هو مشروع هيمنة ثيوقراطية عابرة للحدود، تستمدّ شرعيتها ممّن يختارون الانتساب إليها في صفوف المجتمع الشيعي. والمرشد الإيراني هو لفياثانها ومهيمنها وديكتاتورها. وكان تصدير الثورة الإسلامية هو دعوة إيران الخمينية — بالمعنى الخلدوني، أي الخطاب السياسي المُصاغ لغزو السلطة — منذ نشأتها الأولى، ولم تتخلّ عنها قط. وكانت جميع أذرعها الميليشيوية، في مقدّمتها حزب الله، قد أُنشئت لهذا الغرض تحديداً. صحيح أن الحزب تحوّل، أكثر بواقعية وانتهازية منه بقناعة أو إصلاح، إلى حزب سياسي، حرصاً على الاختراق التدريجي للنظام السياسي اللبناني. لكنّ قيادته ظلّت ميليشيوية-دينية، خاضعة كلياً في قراراتها للحرس الثوري. ومن ثَمّ، فمشروعه لا يعبأ بالمساحة اللبنانية، كما يكشفه خطاب حسن نصر الله الذي كان يخصّص عادةً شريطاً ضيّقاً للوضع اللبناني، في ختام تحليلات مطوّلة للمشهد الإقليمي من الزاوية الإيرانية. وتبقى “الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين” الوثيقة السياسية لحزب الله، على الرغم من مساعيه التجميلية الرامية إلى “تليين” وجهه بدوافع انتهازية. ولتبرير وجوده، اعتمد حزب الله دعوة المقاومة لإسرائيل، بعد أن أتمّ تصفية ممنهجة لكوادر المقاومة الوطنية التي شكّلها اليسار، ولا سيّما الحزب الشيوعي اللبناني. ثمّ وضع جزء من اليسار تحت الوصاية السورية وأحكم الأسد قبضته عليه، كما في سوريا، قبل أن تبتلعه إيران مالياً وسياسياً. وجرى تهميش القيادات المعتدلة ذات الطابع اللبناني... حتى نبيه بري أُنزل تدريجياً، ولا سيّما بعد انتهاء الوصاية السورية، إلى مرتبة الواجهة السياسية-المؤسسية في خدمة الحزب. بيد أنّ هذه الوظيفة التعبوية للمقاومة لم تحُل دون أن يضطلع حزب الله ضمنياً بدور حارس الحدود للدولة العبرية منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، بموافقة تل أبيب الضمنية. كان الهدف الأسمى لإسرائيل إسدال الستار نهائياً على القضية الفلسطينية، ليغدو الحزب في هذا الإطار حليفاً موضوعياً على الأراضي اللبنانية، على النقيض التام من خطابه في “تحرير فلسطين”. هكذا استولت إيران على القضية الفلسطينية عبر حماس وحزب الله، مكسباً حقيقياً لتل أبيب، إذ مكّنها ذلك من تبرير التصعيد الدائم في مواجهة أطراف إسلامية يستحيل تشريعها أمام المجتمع الدولي، بدلاً من أطراف سياسية معتدلة كفتح أو اليسار. وقد تصادم هذا التحالف الموضوعي بصورة متقطّعة مع الطموحات الإيرانية الرامية إلى تعظيم أوراق الضغط على إسرائيل عبر وكلائها، في سياق المفاوضات الإقليمية مع الغرب. فاهتزّ التفاهم الضمني عام 2006 مع حرب تموز. لكنّ هذه الحرب، على ما فيها من مفارقة، وما خلّفته من القرار 1701 الذي أبعد الحزب مؤقتاً عن الحدود الجنوبية، كانت الفرصة الذهبية لحزب الله — المهمَّش على الساحة اللبنانية والمعاني من شحّ الشرعية منذ اغتياله رفيق الحريري في فبراير 2005 — ليجدّد هالته ملتحفاً بـ”نصر إلهي” بيروسي. وبعد 2006، انكبّ على هدفه الأصلي والجوهري: الاستيلاء على السلطة في بيروت لحساب طهران. وكانت هذه المهمّة قد انطلقت مع ترتيبات نيسان 1996 والحملة على رفيق الحريري، بهدف تفريغ الدولة اللبنانية من مضمونها وتحويلها اقتصادياً وسياسياً إلى هيكل عظمي نحيل، في مقابل ترسيخ دويلته القائمة بذاتها. وفي السياق ذاته، أعاق عام 1993 انتشار الجيش في جنوب لبنان، متدخّلاً لدى دمشق لإلغاء القرار الذي اتّخذه الحريري في هذا الشأن. وبعد حرب تموز 2006، أعاق مجدّداً الانتشار الجنوبي وفق القرار 1701، مضاعفاً في الوقت ذاته الاعتداءات على اليونيفيل. واندرج اغتيال الحريري أيضاً في هذا الإطار من النخر الممنهج للدولة. احتلال وسط بيروت بعد حرب 2006 إيذاناً بالانتقام من الدولة اللبنانية ومن 14 آذار، ثمّ حصار السراي الكبير لإسقاط حكومة السنيورة، وانقلاب السابع من مايو 2008، ثمّ انتزاع الثلث المعطّل للحكومة في الدوحة، وتفكّك 14 آذار جرّاء الصراع المحموم على السلطة، وصعود ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية — كلّ ذلك أتمّ هذه المسيرة. كانت الدولة اللبنانية في مرمى حزب الله منذ البداية. وفقد الحزب زمامها مع انهيار الإمبراطورية الإيرانية إثر السابع من أكتوبر 2023 وحرب الإسناد الكارثية لغزة، وهو على الأرجح سيُفرغ حقده على الدولة في أعقاب هذه الحرب. وقد باشر بالفعل بالعمل على ذلك، مسلّطاً سهامه على نواف سلام كما فعل عام 2006 مع فؤاد السنيورة... في حين كان الأخير قد أوقف الحرب والدمار في روما، منقذاً الحزب الإيراني من مصير بائس. والدولة اللبنانية تسعى اليوم إلى وقف الحرب، ومع ذلك يتّجه إليها الحزب بهجماته... بينما هو من جرّها، كما في كل مرّة، إلى هذا المستنقع. وفي ختام هذا التماثل المصيري: المشروع الإمبريالي لـ”إسرائيل الكبرى”، المسكون بمنطق أصولي طائفي، لا يعادله إلا المشروع الإمبريالي لـ”فارس الكبرى”، المتجسّد على أرض الواقع بعد اتفاق 2015 النووي، مع القبضة الإيرانية على دمشق وبيروت وصنعاء وبغداد، والذي يحرّكه مغرور انتهازي فاسد آخر، المرحوم خامنئي. كلتا القوّتين مسكونتان بحنين إلى عصر ذهبي، مستند إلى أساطير دينية ورؤية ألفية وأخروية مشتركة. باختصار: “عدوّان”، نعم. لكنّهما أيضاً وجهان لعملة واحدة... ونقمتان على لبنان.

الدولة والجماعات في لبنان: تاريخ طويل من الحب والكراهية (2/2)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
مارس 27, 2026 - 22:31

من أنقاض 14 آذار 2005 لم تنبثق سوى أنقاض أخرى، تجسّدت رمزياً في تلك التي خلّفها مرفأ بيروت المُدمَّر في الرابع من آب 2020. أُفرغت الدولة اللبنانية من جوهرها بفعل الحروب والاحتلالات وموجات الفساد المتلاحقة، فتحوّلت إلى منصة، وانتُزعت سلطتها السيادية تباعاً من قِبَل مختلف القوى الفعلية. مع البنية الدولتية، وحتى في الزمن البائد لمجدها وأبّهتها، أقامت الطوائف اللبنانية جميعها علاقة وهمية شبه ليبيدية، لكنها في الآن ذاته علاقة احتقار وعنف، في مكان ما على حافة الـBDSM. الشيعة، أو الرحلة إلى منتهى اللادولتية تُقيم الطائفة الشيعية، على سبيل المثال، منذ الأزل علاقة hainamoration (مزيج من الحب والكراهية) مع الدولة اللبنانية. مُهمَّشةً منذ تأسيس لبنان الكبير، متمرّدةً في صفوف اليسار الشيوعي والأحزاب العلمانية، ثم من وراء موسى الصدر، يبقى أن مشروعها التقليدي — مشروع الصدر وشمس الدين وفضل الله، في تقاليد جبل عامل — كان مشروع ولاية الأمة، الدولتية الطابع، التي يُعدّ فيها لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه (والدليل أن من تسلّح بهذه العبارة شهادةً إيمانية كان شيعياً، هو الرئيس السابق للمجلس النيابي، حسين الحسيني)، والدولة اللبنانية غايةً في حد ذاتها، في مواجهة الابتداع الخميني لولاية الفقيه والطموحات الإيرانية الكبرى لحزب الله. غير أن ثقافة المجال الشيعي العاملي جرى استبدالها تدريجياً بثقافة الفضاء التي قطّرها الباسداران، مُلحَقةً بطهران. ثم انتزع حزب الله، تحت وطأة السلاح بعد عام 2005، السيطرةَ التدريجية على مفاصل الدولة، فوق الاستثمار المؤسسي المنهجي الذي تمارسه أمل منذ تسعينيات القرن الماضي في ظل المظلة الأسدية. غير أن انهيار الإمبراطورية الإيرانية، من دمشق إلى طهران، همّش الحزبَ وردّه إلى وضعه الأصلي شبه الدولتي، عائداً إلى ما دون الخط الويبري، في حرب مفتوحة على دولة لبنانية تسعى اليوم، على عثرات، إلى استعادة سلطتها في سياق بالغ التعقيد. ويجد نبيه بري، الذي ابتلعه الحزب سياسياً منذ 8 آذار 2005، نفسَه مسؤولاً بالكامل عن مصير الثنائي الشيعي في المؤسسات، في وضع بالغ الإزعاج… وبالغ البهجة في آنٍ معاً. فإذا كان بري يواصل ابتداعاته في فن البهلوان، فإن حزب الله يُعلن الحرب صراحةً على الدولة. غير أن الاثنين لا يفقدان بوصلتهما حين يتعلق الأمر بالملك، فيشحذان سلاحهما ضد المؤسسات… في حين يشاركان فيها. يستنجد رئيس أمل بالسفير الإيراني كي يتجاهل قراراً تنفيذياً يرمي إلى طرده، في حين ينجح حزب الله في الجمع بين إطلاق كلابه الضارية على حكومة سلام… والإبقاء على وزرائه فيها! يقاطع، لكنه لا يُسلِّم حقائبه. فسياسة الكرسي الفارغ، منذ 2005، كانت دائماً هوايته المفضّلة في الإضرار دون الرحيل. وهكذا بلغت الطائفة الشيعية ذروة رحلتها إلى منتهى اللادولتية التي يجرّها إليها حزب الله منذ الثمانينيات. انهار أسطورة تصدير الثورة. وتبخّر لقب الحرس الطليعي المقاوم. لم يعد ثمة وضع خاص. نفسياً، الشيعية السياسية في أزمة وجودية. الإحباط السني ومخاطر الحدود كانت الطائفة السنية، في أصلها، معترضةً على قيام لبنان الكبير بسبب الحلم القومي العربي، غير أنها تحوّلت بلا شك نحو اللبنانوية ابتداءً من هزيمة 1967 ونهاية الحلم الناصري. إذ التفتت نحو الداخل، وأدركت ظلم غياب التوازن الإسلامي-المسيحي، فارتكزت على المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية لانتزاع الإصلاحات والمشاركة العادلة في المؤسسات. غير أن هذا الانغراس في الثقافة المجالية جرى في وجع. أولاً وجع الحصار الإسرائيلي عام 1982، حين تخلّى عنها العالم العربي فشهدت، في أعقاب سقوط الحلم القومي العربي، رحيلَ عرفات من بيروت — أسطورتان تنهاران دفعةً واحدة. ثم اغتيال رفيق الحريري عام 2005. وقد أتمّ اغتيال الحريري هذه المسيرة نحو التجذّر المجالي، وأفضى إلى ربيع بيروت والانسحاب السوري من لبنان، ثمرةً لتحالف عابر للطوائف وبروتو-مدني تجمّع تحت شعار لبنان أولاً. منذ ذلك الحين، ولا سيما بعد إمساك حزب الله بخناق المؤسسات في أعقاب أحداث السابع من مايو 2008، تعيش الطائفة السنية إحباطاً عميقاً. قادتها التقليديون مُبعَدون أو مُهمَّشون، تمثيلها مُشتَّت، وعلاقتها بالدولة مُضبَّبة. رئيس الحكومة نواف سلام يمثّل تطلّعاً إلى التجدّد، لكنه طموحٌ جنيني وهشّ، يفتقر إلى قاعدة برلمانية أو شعبية صلبة. وفي هذا الفراغ، آلية مألوفة مرشّحة لإعادة تفعيل نفسها: الجاذبية التي يمارسها الرئيس السوري أحمد الشرع بوصفه رمزاً لاسترداد سياسي-طائفي، أو الإغراء بالاحتماء في ظل أردوغان — علامتان على حيرة وجودية وسعي محموم إلى ارتساء داخلي. فإن لم تسترجع الدولة اللبنانية سلطتها وتُعيد الروح إلى مشروعها الوطني، فقد يتعمّق هذا الانزلاق ويُعيد إنتاج، في سياق مختلف، آلية عام 1967: حين لا تعود حدود الدولة كافيةً لاحتواء الأهواء، تفرّ هذه إلى الخارج. ويغلب على الظن أن توم باراك، صوت صاحب القرار الكبير، لم يُسرّب عبارته الإنكارية تجاه لبنان من قبيل الميل الأيديولوجي وحسب. إغراء لبنان الصغير: الطائفة المسيحية كانت الطائفة المسيحية، ولا سيما المارونية، الطفلَ المدلَّل للبنان الكبير حتى الحرب الأهلية. بعد الحرب، وتحديداً بعد الحروب الأهلية البينية المسيحية التي عجّلت بالهيمنة السورية، غرق المسيحيون في إحباط عميق، إذ جرى تهميش جميع شخصياتهم الشعبية ونفيها حتى عام 2005. لكن منذ ذلك الحين، انزلق خطاب العمق المسيحي. لم يعد خطاب الدولة اللبنانية ولبنان الكبير — الوظيفة التي دأبت الطائفة على تحمّلها، من بطاركة الحويك إلى صفير. ثمة بعث لإغراء الفيدرالية الهوياتية — تلك الخطابات الانفصالية القديمة من الحرب الأهلية، مُعاد توضيبها في هيئة براغماتية إدارية. شريحة من المسيحيين — صاخبة بوجه خاص — لم تعد تريد الدفاع عن أسوار سيادة لبنان الكبير بقدر ما تريد العيش في لبنان صغير حسن الإدارة، متجانس، متأوربّ وهادئ، متجاهلةً أن هوية مُجنسَنة ترغب في الإقامة في ملاذ آمن لا تستطيع التعايش في هدوء مع جيران يتحاربون باستمرار. وذلك ما لم تأخذها أنفسهم النزعة المفيستوفيلية للتدمير الذاتي باسم وحدة الطائفة الشبه-مقدّسة، كما يحدث بصورة دورية. والسخرية قاسية: مع رئاسة الجمهورية، وقيادة الجيش، ومع توازن إسلامي-مسيحي يُعترف به من قِبَل شركائهم المسلمين رغم الواقع الديموغرافي، لم يعد المسيحيون يثقون بالدولة، ويودّون ترسيم هذا الملل بصيغة أخرى. سراب. الدولة اليتيمة في اللحظة التي تسعى فيها الدولة اللبنانية، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية، إلى استعادة سيادتها وسلطتها بالكامل، لم تكن يوماً بهذا القدر من اليتم. قوى الأمر الواقع في الطائفة الشيعية، المنخرطة في مقاومة أي إعادة مركزة وفي الولاء غير المشروط لمشروع حرب إمبريالية دائمة، لا تريدها. الطائفة السنية، في حالة تيه، تنظر إليها بعيون المحبطين العاجزين من المهمّشين. الطائفة المسيحية، المُغرَوية بالانفصال الصامت في ملاذ وهمي، تتأرجح على نداء السيرينات المسموم. حتى الولايات المتحدة وأوروبا يبدو أنهما تعامل الدولة معاملة المطعون فيه. وذلك لأن الدولة، ولأول مرة ربما، لا تنتمي حقاً لأي طائفة أو مكوّن غالب. قال عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري الأسبق، في جملة بالغة السخرية والوقاحة: «حكمنا اللبنانيين لأنهم قبائل تتكاره». مروّعة الصياغة، لم تكن العبارة مع ذلك كاذبة تماماً. لكنها كانت صحيحة حين كانت كل قبيلة تبحث في الوصاية الأجنبية عن ضمانة تفوّقها على سواها، لا اليوم حيث كل طائفة يتيمة ومنهكة في آنٍ واحد. ثمة حقيقة اكتشفتها أجيال من الشخصيات السياسية والمفكرين اللبنانيين من كل الطوائف، كلٌّ في مسيرته الخاصة، في نهاية مسالك مختلفة، كثيراً ما كانت مؤلمة وأحياناً محطِّمة: لبنان الكبير هو الضمانة الوحيدة، الخلاص الأوحد للجميع. قالها رجال جاؤوا من القومية العربية فبلغوا اللبنانوية، ورجال جاؤوا من المشروع الإسلامي فاختاروا المواطَنة، ورجال جاؤوا من خصوصية مسيحية فأدركوا أن الانعزال موتٌ بطيء. وتلك الكلمات كانت، في أغلب الأحيان، لمن قالها علناً وبلا حساب، آخرَ ما قالوه. هذا الثمن يستحق أن يُصان. إن أراد اللبنانيون، أفراداً وجماعات، أن يعيشوا أخيراً في سلام، فهذه هي اللحظة بلا منازع للانضواء تحت الدولة، والإحاطة بها، وإعادة بناء مركز ثقل لبنانوي — لا للانزلاق نحو العدمية يأساً أو إرهاقاً. لكن لكي يتسنّى ذلك، لا بدّ أيضاً أن تكفّ الدولة — وفي مقدمتها أميرها، الحارس من حيث المبدأ للدستور والجمهورية — عن تخييب جميع أبنائها بالإغفال، وأن تؤمن أخيراً بنفسها. يتيمة من أب ومن أم؟ حسناً. حان الوقت لأن تصبح هي نفسها الأب.

/