شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ألف هضبة

ريمون إدّه، في مديح "الهزيمة"

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر مايو 14, 2026 - 03:29

في العاشر من أيار 2000، رحل ريمون إدّه، بعد منفًى تجاوز عقدين في باريس.

كان إدّه، في المشهد السياسي اللبناني، شخصيةً فريدة من نوعها.

تحتفظ ذاكرة سياسية بعينها من صورته اليوم بملامح المثالي المتعنّت، المنفصل عن الواقع، إذ رفض كلّ التسويات السياسية التي سعت إلى رتق الثغرات ترقيعاً موقتاً، انطلاقاً من غريزة البقاء الآني على حساب القيم الجوهرية للجمهورية والأسس الأولية للدولة، من اتفاقية القاهرة إلى اتفاق الطائف.

أمتعند، العميد؟ غير أنّ المفارقة التاريخية تقول عكس ذلك تماماً، إذ كان ما نُقم عليه داخل طائفته هو بالذات امتناعُه عن الانجراف مع تيّارات التعصّب الهوياتي، ورفضُه الإصغاء إلى نشيد العفاريت والرصاص، خلافاً لأحزاب الشارع والتنظيمات المسلحة في تلك الحقبة.

على غرار ميشال الخوري، زعيم الكتلة الدستورية، واصل العميد قائد الكتلة الوطنية صدّ موجات التطرف، رافضاً الاستسلام لإغواء السلاح الذي كان يحصد في الشارع اللبناني والمسيحي، بما في ذلك بين أنصاره أنفسهم. غير أنّ العنف أجهز في نهاية المطاف على عزيمته. وبعد أن وقع ضحيةً لسلسلة من محاولات الاغتيال من أطراف متعددة، آثر الرحيل. دون أن يعلم، على الأرجح، أنّ هذا الرحيل سيكون إلى غير رجعة.

الرجل الذي كان على حقّ

تروي الرواية الصغيرة أنّ ريمون إدّه طلب أن يُنقش على قبره شاهدٌ قبري يقول: “هنا يرقد ريمون، الذي كان على حقّ”. كان العميد عنيداً، بالمعنى الحرفي للكلمة، كلّما تعلّق الأمر بالتمسّك بفقرات عموده الفقري الأخلاقي.

بيد أنّ هذه الصياغة لم تخلُ، مع الوقت، من مزيج معقّد بين الإعجاب والسخرية وشيء من المرارة. كأنّها صارت شاهداً قبرياً لنمط بعينه من السلوك السياسي، مثاليّ إلى حدّ البراءة، يأبى الانحناء والتكيّف مع معطيات السياسة اللبنانية. وتكاد هذه الصورة تُعرِّف فئةً أنثروبولوجية قائمة بذاتها: السياسي اللبناني النزيه العاجز، القليل الموهبة في فنون الـ«virtù» الميكيافيلية. “خاسر”، بمعنى ما.

هكذا، أبقى الزمن السياسي اللبناني من ريمون إدّه صورةَ رجل استشعر الكوارث مقبلةً، لكنّه، برفضه التنازلات حفاظاً على نقاء يديه، انتهى معزولاً في المنفى، وكاد يتحوّل إلى كاساندرا مارونية، في حين آثر الشارع أن يتبع الزعماء البراغماتيين والشعبويين أو رجال الميليشيا.

ومن المرجّح أنّ إدّه وقع بالفعل ضحيةً لصلابته السياسية، حين رفض عرض ميشال الخوري بتوحيد الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية في قطب وطني واحد في مواجهة “الحربجيون”، مطلع السبعينيات. “لن يضع ابنُ إميل إدّه يدَه في يد ابن بشارة الخوري أبداً!” كان ردّه على الشيخ ميشال.

وكان ذلك على الأرجح أحد أخطاء العميد السياسية، إذ إنّ غياب القطب المركزي الذي كان يمكن أن يمثّله هذا المحور الوطني فتح الطريق أمام صعود التطرف، وفي مقدّمته سيّد الخيوط حافظ الأسد، الذي أتقن توظيف النزاعات الداخلية ليتربّع ثلاثة عقود على كرسيّ الهيمنة على بلد الأرز.

`

الوظيفة والقامة

بيد أنّه ربّما حان الوقت، في ظلّ المعطيات الراهنة، للنسف النهائي لأسطورة «المثالية» و«الطوباوية» التي ما فتئت تُحيط بريمون إدّه، ذلك الغريب عن إطار الطائفية اللبنانية بمختلف تمظهراتها: الطائفية والهوياتية والشعبوية والعسكرانية.

ريمون إدّه — وكاتب هذه السطور لم يعرفه شخصياً، غير أنّه يستخلص قراءته من مواقف الرجل ومساره — هو بلا شكّ الأكثر إثارةً للجدل بين الزعماء السياسيين المسيحيين (إن لم يكن بشارة الخوري، يا للمفارقة). لماذا؟ لأنّ السلطة التي كانت تستهويه لم تكن السلطة السياسية التي يتنافس عليها الساسة التقليديون. كان إدّه يبحث عن صلاحية حقيقية، قادرة على تجسيد شيء يتخطّاها: معرفةٍ وكيانٍ داخلي وانسجامٍ وتجربةٍ وقدرةٍ على الإرث، بل شكلٍ من أشكال النبل الروحي أو الفكري.

كان يميّز بغريزة بين الوظيفة والقامة.

في هذا، كان يحمل تصوّراً بالغ القِدَم للشرعية، يكاد يكون يونانياً أو وسيطياً. فالسلطة الحقيقية، إذ لا تنبثق من المنصب وحده، لا بدّ أن تنبع من تناغم حقيقي بين الكينونة والكلمة والفعل.

كانت السلطة لديه تستلزم، في آنٍ واحد، شرطين نادراً ما يلتقيان: علوّاً حقيقياً في المعرفة أو التجربة أو الفكر، واعترافاً عضوياً صاعداً من القاعدة، من ثقل الواقع البشري ومن نبض الجماعة الحيّة.

إن أخطأ في اختبار الواقع، فلم يكن ذلك لإحجامه عن شدّ سواعده. بل لرفضه الانخراط في لعبة الأبطال المزيّفين والميليشياويين. وثمّة فارق جوهري هنا.

لم يشأ أن يرضخ لوهم الحلّ بالقوة والعنف. وفي ذلك، وبالفعل، كان على حقّ. وللأسف، والحال أنّ لبنان على ما هو عليه، فهو على حقّ في كلّ يوم دون انقطاع.

جمع إدّه الثقافةَ والعمقَ وشيئاً من الاعتراف الشعبي المبني على مواقف المبدأ لا على البطولات الحربية. شعبيٌّ لا بالمعنى الانتخابي الخام، بل بالمعنى الذي يجعل الكلمةَ تلتقي فعلاً بالناس، فتتداولها الأرواح وتُحوِّل، وتُولِّد انتماءً حرّاً لا طاعةً مفروضة. لقد صنع إدّه السياسة حيث لم يتوقّف الآخرون طوال نصف قرن عن هدمها.

في ذلك، نجد شيئاً بالغ التوسّطية، بالغ القِدَم مرّةً أخرى: الفكرة القائلة بأنّ السلطة ليست آليةً مؤسّسية فحسب، بل علاقةٌ حيّة بين إنسان ومدينة. شرعيةٌ ممتحَنة في الزمن الطويل.

في هذا، كما في كثير ممّا سواه، كان متسقاً تماماً.

ربّما كان متسقاً أكثر ممّا ينبغي لرجل السياسة؟

الخاسرون المجيدون

فهل كان ريمون إدّه “خاسراً”، كما تُلمح إلى ذلك “مدرسة” سياسية بأسرها، تقيس النجاح بعدد الجماهير المحتشدة في التجمّعات وصناديق الاقتراع؟ كما شخصيات من بعده، كنسيب لحود وسمير فرنجية، لنذكر بعضهم فحسب؟

لقد آن الأوان لتحطيم أسطورة أنّ الشخصية التي لا تجعل عبادة الذات أساساً لشرعيتها السياسية محكومٌ عليها بأن تُطرح خارج الملعب السياسي أو تُهمَّش، بحجّة الواقعية.

أن تكون مخطئاً مع سارتر بدلاً من أن تكون على حقّ مع آرون؟

لا.

ثمّة شخصيات باتت مرجعيات بالتحديد لأنّ معرفتها اختُبرت وأُقرّت وتجسّدت. لقد عبرت تناقضات العالم الحقيقي دون أن تفقد عمودها الفقري كلّياً. جسّدت شكلاً من أشكال الحقيقة لم تُكافئها عليه لحظة التاريخ الآنية. وهذا يُضيف ثقلاً إلى كلامها لا يُنقص منه.

درجت هذه الشخصيات على استشعار الكوارث مقبلةً، وإدراك المآزق، ورفض بعض التنازلات... ثمّ الخسارة على الرغم من ذلك. أو أحياناً بسببه. وفيها شيء من المأسوية بمعناها النبيل. ليس بالضرورة وضعيةُ الملعون الرومانسية، بل مواجهةُ الوضوح الراسخ لموازين القوى. وهي تكشف شيئاً عسيراً على القبول: أنّ الوقوف على أرض الحقّ لا يحمي من الفشل ولا من العزلة ولا من الدمار... لكنّه ربّما يقي من الشنار.

أعطى ليونارد كوهين روايتَه الثانية هذا العنوان البديع: “Beautiful Losers”، أو “الخاسرون المجيدون” في الترجمة الفرنسية “Les Perdants magnifiques”. والترجمة تُفقد الصورة شيئاً من حدّتها. فهؤلاء «الخاسرون» ليسوا “رائعين”. هم ببساطة في سجلّ مغاير تماماً لسجلّ الآخرين. أجنحتهم الضخمة لا تتيح لهم السير في مدارج العامة.

لبنان مليء بالمنتصرين التكتيكيين والخاسرين التاريخيين. كثيرٌ ممّن انتصروا في الحروب الرمزية أو العسكرية خلّفوا وراءهم فراغاً أو ركاماً أو خوفاً. في حين حافظت بعض الشخصيات «المهزومة» على شكل من أشكال الشرعية الأخلاقية، لأنّها أدركت شيئاً جوهرياً في مسألة العيش المشترك والسيادة والعنف والكرامة الإنسانية.

ريمون إدّه واحدٌ من هؤلاء.

قَبِل أن يدفع ثمن بُعد نظره بدلاً من أن يخون قراءته للواقع كي ينتمي إلى معسكر المنتصرين.

يبدو كأنّه كان يسكنه توتّر سوفوكليّ تقريباً، يُؤثر الهزيمة العادلة على الانتصار المُهين. ليس حبّاً للهزيمة لذاتها، لا. بل لأنّ انتصاراً اشتُري بثمن الكذب أو العمى كان سيتحوّل في نهاية المطاف، في نظره، إلى ضرب آخر من الدمار.

ولهذا، على الأرجح، لم يرد يوماً في أعماقه حقّاً أن يصبح رئيساً لجمهورية لم تتوقّف، بعد أكثر من عشرين عاماً على رحيله، عن بيع نفسها مراراً وتكراراً لمن يدفع أكثر، بدلاً من أن تقرر أن تكون.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل