


يرزح لبنان منذ سنوات تحت هذا المنطق المزدوج للعنف والإقصاء، ذلك «التصعيد نحو الأقصى» الشهير — بتعبير رينيه جيرار المستوحى من كلاوزفيتز — الممزوج بلحظات من التواطؤ الموضوعي والتهدئة في العداوة. وهو البلد الوحيد الذي يدفع ثمن المواجهة مع إسرائيل، لا حتى خدمةً لقضية عربية، القضية الفلسطينية العادلة والمشروعة، بل لإرضاء ملالي طهران.
لذا، لا يمكن تبرير سلوك حزب الله الذي أشعل ثلاثة حروب مدمّرة في أعوام 2006 و2024 و2026، بدواعي المواجهة مع الدولة العبرية. نعم، سيتذرّع بعضهم بذريعة قرى شبعا ومزارع كفرشوبا لتبرير استمرار المقاومة، غير أنّ هذه الحجّة فُنّدت بالخرائط منذ عام 2006، بوصفها اختلاقاً يهدف إلى تبرير استمرار مشروع حزب الله، وكان في حينه ذريعة لتبرير بقاء الاحتلال السوري للبنان باسم الصراع مع إسرائيل.
الحقيقة مرّة، لكنّ قولها واجب: إذا كان مقاتلو حزب الله يخوضون المعارك على الأراضي اللبنانية، وكانوا هم أنفسهم لبنانيين خُلَّصاً، فإنّهم يفعلون ذلك لصالح إيران وبأمر منها. حزبهم أشعل ثلاثة حروب بالطلب، بتحريض من طهران. وباسم إرادة مصطنعة لمقاومة إسرائيل، دعا حزب الله الإسرائيليين حرفياً إلى احتلال لبنان. ليس لأنّهم كانوا بحاجة إلى ذريعة — لكن لماذا تُقدَّم إليهم مجاناً؟ لماذا تُزرع الحواجز الإسرائيلية على طريق القدس عبر الأراضي اللبنانية؟ لماذا يُسهَم، على هذه المفارقة، في إحياء “إسرائيل الكبرى”؟
حين طُولب بردّ احتكار القوة الشرعية إلى الدولة، وحاضنته الإيرانية تتعرّض للهجوم ومرجعه يُغتال، اختار الحزب طريق الانتحار بالتصعيد. والدولة اللبنانية لا يمكن تحميلها مسؤولية هذا الاختيار. أصلاً لم يستشرها يوماً قبل اتّخاذ قراراته الحربية. والأدهى أن تضطرّ الدولة، في كل مرّة وبكل الطرق، إلى تحمّل تداعيات التلاعبات الاستراتيجية الإيرانية على حساب اللبنانيين، فيما يؤدّي مقاتلو الحزب في كل مرّة دور البيادق...
سلام المغلوبين
لبنان لا يريد هذه الحرب، على الرغم من الحماسة المحمومة لهذا وذاك في توظيفها لتسوية حسابات داخلية. إنّها، مرّة أخرى، حرب بين إسرائيل وإيران تدور على أرضه. لا «أخيار» هنا ولا «أشرار»، بل محتلّان يجب أن يكفّا عن توظيف لبنان ويعترفا بسيادته ويعودا إلى حدودهما، وميليشيا يجب أن تسلّم سلاحها إلى الدولة اللبنانية وتكفّ عن إيصال مجتمعها إلى الانتحار بتحويله إلى وقود حرب بالطوع والرضى.
لقد أتاحت إيران لإسرائيل فرصة استكمال تصفية القضية الفلسطينية بفضل حماقة حماس، وها هو السيناريو ذاته يتكرّر اليوم مع حزب الله. كلا المشروعين لا يُبالي بلبنان دولةً سيّدة مستقلّة. انتصار إسرائيل سيُفضي إلى سلام المغلوبين المفروض على لبنان. وانتصار حزب الله، ولو بالتخلّي، سيُفضي إلى حلقة جديدة من الانتقام من الدولة اللبنانية — ومن اللبنانيين الرافضين لهذه الحرب والمعارضين لمشروعه. من يريد الانخراط في المعركة وتصفية الحسابات بدعم هذا الطرف أو ذاك، مع تلك المزايدة اللذيذة والبغيضة من أعماق أرائك صالونات أميركا الشمالية وأوروبا، يُسهم في تدمير لبنان، عن قصد أو عن غير قصد.
مهما يكن مآل الصراع، لبنان ليس غايةً لأيٍّ من الطرفين. سيُصنع الحلّ على حسابه، في الفضاء الدولي، لأنّه رضي مرّة أخرى، بمزيج من العجز القراري والعجز ببساطة، بأن يُحوَّل إلى ساحة مواجهة.
بيد أنّ اللبنانيين ليسوا عاجزين حقاً عن التأثير في مآل صراع يتجاوزهم. بمقدورهم، بل من واجبهم، الانحياز إلى الشرعية اللبنانية — بشرط أن تواصل هذه الأخيرة أخذ نفسها بجدية. أكثر من أي وقت مضى. وهي الفرصة الوحيدة الباقية لإنقاذ لبنان.
إيران أولاً
حان الوقت لأصحاب النزعة المتعصّبة في كل الطوائف الذين يدعمون حزب الله أن يفهموا أنّ الحزب لا يقاتل من أجل راية فلسطين، ولا من أجل كرامة المجتمع الشيعي، ولا من أجل الجنوب والبقاع وسائر الأراضي اللبنانية، بل من أجل إيران، إيران أولاً وإيران فقط. لقد حوّلت “المقاومة لإسرائيل” كما يخوضها حزب الله لبنانَ إلى حقل خراب دون أن تُقدّم القضية الفلسطينية قيد أنملة. بل على العكس، نُهبت مكتسبات تحرير عام 2000 وقُلبت رأساً على عقب لمجد طهران الأكبر. لم يعد لبنان، مرّة أخرى، سوى حقل خراب شاسع من النازحين والعاطلين.
أمّا المعسكر المناهض لحزب الله، فعليه من جهته أن يفهم أنّ المجتمع الشيعي لا مسؤولية له عن ورم حزب الله الذي هو نتاج عوامل متراكمة، وأنّه لا يمكن مطالبة المثقفين والقوى العزلاء بالقيام بانتفاضة ديمقراطية داخل الجماعة في مواجهة ميليشيا مسلّحة حتى الأسنان وهي تحت نار المدافع، ولا بتشكيل ما يشابه لقاء قرنة شهوان لتجريد حزب الله من الشرعية. فمثال قرنة شهوان بالذات يستحيل تكراره: كان لذلك اللقاء راعٍ هو الكنيسة المارونية بإشراف نصر الله صفير ويوسف بشارة، القادرَين على جمع قوى سياسية مسيحية كانت تتحاشى الجلوس معاً والحوار. فمن هي السلطة الشيعية، روحية كانت أم زمنية، القادرة على توحيد صفوف المعارضة الشيعية، في وقت بات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى قد ابتلعه هو الآخر الحزبُ؟
لا. الحل السياسي لمشكلة حزب الله لبناني، لا شيعي. يكمن في تشكيل تحالف من قوى تمثيلية من مختلف الطوائف، بما فيها شخصيات شيعية، هدفه من جهة الحفاظ على فكرة الدولة وتعزيز قدرتها القرارية في المرحلة المقبلة، ومن جهة ثانية الإرادة على القطع مع منطق العنف والإقصاء، والدعوة إلى ثقافة التواصل والحياد والسلام.
بدون ذلك، لبنان محكوم عليه حتماً بالزوال. وكلّ الناس ستحمل مسؤولية ذلك. ليس حزب الله وحده، وبالتأكيد لا المجتمع الشيعي وديمقراطيوه الشجعان.