


النصّ الذي يلي طويل، لكنه يشكّل كلاً متكاملاً سيكون من المصطنع تجزئته. فليعذرنا القارئ. انطلق هذا النصّ من احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في فرنسا، متّخذاً منها نقطة انطلاق لتأمّل أوسع في المجتمع والعالم والشأن السياسي ومستقبل الأجيال المقبلة. وهو لا يدّعي تقديم أجوبة نهائية، بل يسعى، قبل أي شيء وبكل تواضع، إلى طرح الأسئلة وإثارة المزيد من التساؤلات وفتح باب التفكير والتأمّل.
“You who build the altars now to sacrifice your children, you must not do it any more.”
في عام 1969، قدّم الشاعر الكندي ليونارد كوهين إلى العالم، ضمن أغنيات ألبومه الثاني Songs from a Room، أغنية Story of Isaac، المستوحاة من قصة إسحاق الذي يستعدّ إبراهيم للتضحية به امتثالاً للمشيئة الإلهية.
لكن كوهين، الذي لطالما كان شديد الحساسية إزاء التحوّلات الاجتماعية والسياسية من حوله، قلب منظور الرواية التوراتية، انسجاماً مع روح العصر. فلم يعد إبراهيم هو الذي يروي محنته، بل إسحاق، الطفل البالغ من العمر تسع سنوات، الذي يرى والده يدخل غرفته، ثم يقتاده، والفأس في يده، إلى جبل كان الأب العجوز يعتقد أنه سينفّذ فوقه أمراً من الله.
كان الأب يمضي في طريقه مقتنعاً تماماً بضرورة ما هو مقدم عليه، فيما يتبعه الطفل طائعاً. غير أن وراء الثقة ووعد الحماية اللذين يُفترض أن يجمعا الأب بابنه، كان يلوح ما لا يمكن قبوله، وما يبعث على الهلع: رجل بالغ يستعدّ للتضحية بطفله باسم حقيقة يعتقد أنه المؤتمن عليها.
كان كوهين يكتب في زمن كانت فيه حرب فيتنام، والتمرّد على السلطة، ورفض القيم الموروثة، والتشكيك في التراتبيات التقليدية، تهزّ المجتمعات الغربية. وكانت هذه التحوّلات جزءاً مما سيصفه لاحقاً بـ“الكارثة النفسية”، أي ذلك الانقطاع في الصلة بالله، وكذلك انحلال الرابطة التعاقدية بين البشر؛ وهي أزمة ستصبح، مع مرور السنوات وتوالي أعماله، إحدى هواجسه الأساسية.
وهكذا، تجاوزت أغنية Story of Isaac مجرّد إدانة الحرب، لتطرح تساؤلاً حول ذلك الميل البشري الغريب إلى التضحية بالأجيال اللاحقة باسم قناعات ويقينيات وضرورات أخرى رفعها البشر أنفسهم إلى مرتبة المطلقات.
كان كوهين يحذّر قائلاً: “A scheme is not a vision”. فالمشروع ليس رؤية. وخلال حفل أقامه في برلين عام 1972، قدّم الأغنية بإهداء إلى أولئك الذين “لن يتردّدوا في التضحية بجيل لمصلحة جيل آخر”.
وبعد أكثر من نصف قرن، كيف يمكن ألّا نستحضر كلمات المغنّي الكندي، ولا سيما أمام صور طلاب المدارس الثانوية الفرنسية الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجاً على تدهور ظروف تعليمهم، وأمام ردود الفعل الحادّة والمتناقضة تماماً التي أثارتها انتفاضتهم؟
صحيح أن أغنية كوهين تتناول، بوضوح، الشباب الذين يُجنَّدون ليكونوا وقوداً للمدافع، وأنها لا تزال، من هذه الناحية، شديدة الصلة بواقعنا.
ولكن ما الصلة بين هؤلاء المراهقين الذين يطالبون بمعلّمين، وصفوف دراسية لائقة، وآفاق للمستقبل، وبين الطفل التوراتي الذي يقوده أبوه إلى قمة جبل موريا ليقدّمه قرباناً؟
إنها تتمثّل، تحديداً، في جيل يُطلب منه أن يضع ثقته في عالم يبدو الكبار فيه أقلّ قدرة، يوماً بعد يوم، على الوفاء بوعودهم وتوفير ما يهتدي به أبناؤهم.
إنه شكل آخر من التضحية.
أشدّ خفاءً، هذه المرّة.
أزمة واضحة الأسباب، ولكن…
انطلقت احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في فرنسا، في منتصف أيلول/سبتمبر 2026، من إحدى مدارس كريتاي، قبل أن تمتدّ إلى مئات المدارس. وقد نشأت على خلفية مطالب ملموسة: نقص المعلّمين، والتفاوت في فرص التعليم، وتردّي أحوال بعض المباني المدرسية، واكتظاظ الصفوف، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بآليات الانتقاء للالتحاق بالجامعات.
وعليه، تبدو أسباب الأزمة، للوهلة الأولى، واضحة تماماً. ففي عدد من المدارس، ولا سيما في الضواحي الشعبية، لم يعد المطلوب سوى تأمين الحدّ الأدنى من المقوّمات التي تتيح للطلاب الدراسة في ظروف مقبولة. ولم يعد النقاش يتناول حتى التوجّهات التربوية أو الغايات النهائية للتعليم.
وهذا وحده كافٍ للدلالة على حجم المشكلة.
وسرعان ما اتّسعت الحركة لتشمل مختلف أنحاء البلاد. وانضمّ طلاب الجامعات والمعلّمون والنقابات وأولياء الأمور إلى التحرّكات، فيما أُضيف إلى المطالب التعليمية التنديد بالعنف الشرطي، وتساؤلات أوسع حول التفاوتات الاجتماعية.
غير أن هذه المطالب تطرح، من دون شكّ، إشكالية تتجاوز المدارس الثانوية بأشواط.
فالمدرسة من أولى المؤسسات التي تتشكّل فيها المواطنة، وهي تحمل في طيّاتها بذور تجدّد المجتمع. أفليس بلوغ التدهور في بعض المؤسسات التعليمية حدّاً متقدّماً علامة صارخة على ذلك المصير المحتوم من “نزع السحر عن العالم” الذي ينتظر تلامذتها؟
المدرسة، بمعنى من المعاني، هي الوعد بالعالم الآتي.
غير أن هذا الوعد يبدو، بالنسبة إلى بعض هؤلاء الشباب، مولوداً ميتاً.
فهل يُستغرب، والحال هذه، أن يكتشف جيل، في سنّ مبكرة، وبأكثر الصور قتامةً وبشاعةً، وفي مهد الثقافة نفسه، أن العالم الموعود به قد تحطّم قبل أن يصل إليه، وأن يشعر بالحاجة إلى التعبير عن غضبه؟
مجتمع في طور التفكّك؟
قد يبدو مغرياً، بالطبع، اعتبار هذه التحرّكات تعبيراً جديداً عن روح أيار/مايو 1968، أو تكراراً للاحتجاجات في المدارس الثانوية والجامعات التي هزّت فرنسا بصورة دورية منذ ذلك الحين. ولا شكّ في وجود صلة تاريخية، تتجلّى في روح التمرّد والرغبة المتجدّدة في التغيير، وهما من السمات المميّزة للتاريخ الاجتماعي والسياسي الفرنسي. ولعلّ هذه الصلة ضرورية لفهم ما يجري اليوم. لكن ما تكشفه التحرّكات الراهنة، أبعد من النزعة التمرّدية بحدّ ذاتها، قد يكون التحوّلات العميقة التي يشهدها مجتمع بشري آخذ في التفكّك.
في عام 1968، انتفض قسم من الشباب الفرنسي على عالم كان يرفض سلطته وتراتبياته ومحظوراته وقيمه جملةً وتفصيلاً. وكانت الاحتجاجات الجامعية آنذاك جزءاً من حركة عابرة للحدود، تشكّك في العلاقات الاجتماعية والأخلاق التقليدية والبنى العائلية والمؤسسات السياسية. وحين التقت تطلّعات الطلاب بتطلّعات الطبقة العاملة، تحوّلت الانتفاضة إلى أزمة مجتمع بأسره.
لكن العالم كان لا يزال “محكوماً” بأيديولوجيات نسقية، تؤطّر التفكير وتمنح الوجود معنى، بصرف النظر عن قيمتها الفعلية. وكانت هذه الأيديولوجيات، بما تنطوي عليه غالباً من نزعة غنوصية تدّعي القدرة على فكّ رموز التاريخ ومعرفة معناه، تعد بـ“إعادة السحر” إلى العالم وقيادة مسيرة البشرية إلى برّ الأمان.
وهكذا، كان قسم كبير من ذلك الجيل يعيش في مجتمع يدفعه النمو الاقتصادي، وتحرّكه القناعة بأن التقدّم قادر على فتح آفاق جديدة للتحرّر. وكان يتمرّد على عالم يعتقد أنه يستطيع تغيير أسسه. فلم تكن المؤسسات تُعتبر عصيّة على المساس أو التغيير، وظلّت وراء الاحتجاجات ثقة بإمكان ابتكار نظام اجتماعي آخر. بعد تحطيم كلّ شيء. أو كلّ شيء تقريباً.
وكان الصراع بين الأجيال، إلى حدّ ما، صراعاً أيضاً حول معنى الحرية. فقد نشأ الآباء في عالم طبعته الحروب والحرمان والواجبات الجماعية ومتطلّبات إعادة الإعمار. وفي ظلّ ثقافة تقليدية سلطوية لم تكن قد عرفت بعد موسيقى الروك، ولا ذلك القدر من التحرّر الجنسي. أما أبناؤهم، فأرادوا التمرّد على القيود التي صاغت هذا الميراث.
في أغنية Dialogue، كان ماكسيم لو فوريستييه يجعل الأب يقول لابنه: “لقد صنعت هذا العالم من أجلك”، فيجيبه الابن، غير الراضي عن الإرث الذي آل إليه، بأنه لم يطلب منه ذلك أصلاً، وأن عليه الآن أن يعيد بناء العالم ويجعله أكثر إشراقاً بقليل للأجيال المقبلة.
لم تكن المسألة، إذاً، مجرّد رفض المستقبل الذي رسمه الآباء، بل المطالبة بحرية ابتكار مستقبل آخر.
وفي هذه الأجواء تحديداً، ظهرت أغنية Story of Isaac.
كان ممكناً النظر إلى إبراهيم، الأب في أغنية كوهين، بوصفه تجسيداً ليقينيات عالم قديم، فيما يمثّل ابنه إسحاق الأجيال التي تُفرض عليها التضحيات باسم قيم أو أيديولوجيات أو حروب لم تخترها.
وليس المقصود، بالطبع، إضفاء صورة مثالية على تلك الحقبة، أو تجاهل ما عرفته من مخاوف مادية وتفاوتات وتناقضات. فالأيديولوجيات كانت، في نهاية المطاف، قيداً بقدر ما كانت مرجعاً. ثم إن طلاب 1968 لم يشكّلوا جيلاً متجانساً، ولم تكن مطالبهم تختزل في توق رومانسي إلى الحرية. ولم يكن سارتر وكامو أكثر صواباً من آرون. فلم يمتلك أيّ منهم مفاتيح مستقبل سيتكفّل التاريخ نفسه بتكذيب كثير من اليقينيات التي أحاطت به.
ومع ذلك، ظلّت قائمة، على اختلاف المشارب، قناعة بأن للتاريخ معنى، وبأن التقدّم قابل للتوجيه، وبأن المستقبل، وإن تعذّرت معرفته مسبقاً، يمكن بناؤه. ثمرة الغنوص الفلسفي الهيغلي والماركسي الذي تبلور خلال القرون السابقة…
غير أن هذه القناعة بالذات كانت ستبدأ بالتآكل تدريجياً.
زوال السحر وقد فقد سحره
تروي التحرّكات في المدارس الثانوية والجامعات اللاحقة، في هذا السياق، قصة مختلفة. ففي عام 1986، انتفض الطلاب على مشروع دوفاكيه، وما حمله من تهديد بتشديد الانتقاء الجامعي. وقد ترك مقتل مالك أوسكين، الذي تعرّض للضرب على أيدي عناصر من الشرطة، أثراً عميقاً ودائماً في الذاكرة السياسية الفرنسية. وفي عامي 1990 و1998، كان طلاب المدارس الثانوية يندّدون أصلاً بأوجه القصور في النظام التعليمي، ويطالبون بموارد إضافية.
ومع مطلع الألفية الجديدة، أخذت طبيعة الاحتجاج تتغيّر تدريجياً. ففي عام 2005، تظاهر طلاب المدارس الثانوية ضد قانون فيون، ثم جاءت الحركة المناهضة لعقد العمل الأول عام 2006 لتكشف قلقاً يتجاوز أسوار الجامعات: هشاشة الانتقال إلى الحياة المهنية.
وهكذا، تبدّلت وجهة الاحتجاج بصورة ملحوظة خلال نحو نصف قرن. فلم يعد الهدف الأساسي التحرّر من عالم تُرفض قيمه، بل العثور على مكان في مجتمع باتت وعوده بالاستقرار والترقّي الاجتماعي تزداد غموضاً.
وبدأ الخوف من الإقصاء يحلّ، جزئياً، محلّ التمرّد على القيود.
ولم يقتصر هذا التحوّل على الشباب. ففي عام 2016، عبّرت تجمّعات حركة Nuit debout في ساحة الجمهورية عن رغبة في استعادة شكل من أشكال التداول الجماعي خارج أطر التمثيل التقليدية. وبعد عامين، أغلق أصحاب السترات الصفراء المحاور الرئيسية للطرقات، معبّرين عن إحباطات فرنسا الطرفية التي لم تعد ترى نفسها في خطابات السلطة وآليات عملها.
ومع أن هذه الحركات لم تكن تتشابه في تركيبتها الاجتماعية أو مطالبها أو حتى تطلّعاتها السياسية، فإنها عبّرت، بأشكال مختلفة، عن شعور مشترك بسلب القدرة على التأثير في المصير.
حتى زوال السحر نفسه فقد سحره، إن صحّ التعبير.
فلم تعد المسألة هذه المرّة اختراع عالم جديد، بقدر ما أصبحت استعادة القدرة على التأثير في عالم تبدو قراراته خارجة عن متناول أولئك الذين يتحمّلون عواقبها. وهكذا، تحوّلت أزمة المؤسسات إلى أزمة تمثيل أيضاً.
وهل في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب؟
تكمن إحدى مفارقات الحياة السياسية الفرنسية في التوتّر بين شرعية كاريزمية يجسّدها الأفراد، وشرعية جمهورية يُفترض أن تترسّخ في المؤسسات. فالجمهورية تسعى إلى “امتصاص” كاريزما قادتها ونقلها إلى المؤسسات، فيما تواصل فرنسا البحث عن رجال العناية الإلهية. وفي ظلّ هذا التوتّر الدائم بين رمزية “الرجل القوي”، الموروثة من الملكية والإمبراطورية، وبين النظام الديمقراطي البرلماني للجمهورية الثالثة، ظلّت فرنسا تتأرجح طوال قرنين.
إنها علاقة متشابكة من الحبّ والكراهية مع السلطة، أو ما يُعرف بـhainamoration، استطاع عبقري اسمه ديغول أن يؤسّس الجمهورية الخامسة انطلاقاً منها.
ولكأن الفرنسيين، إذا استعرنا أبيات كورناي في مسرحيته Cinna وحرّفنا معناها قليلاً، لا يكادون يرفعون حكّامهم إلى الذروة حتى يصبح همّهم إسقاطهم منها.
أليست هذه، في نهاية المطاف، إحدى مفاتيح الديمقراطية؟
التداول على السلطة؟
حتى حين تحكمه العاطفة، بل واللاعقلانية أحياناً؟
تفكّك المجال السياسي
لكن استمرار هذه المعادلة كان يقتضي أن يستند “الرجال الأقوياء” إلى أحزاب متينة، وإلى مؤسسات قادرة على البقاء من بعدهم، وإلى التزام بالمبادئ الديمقراطية.
وفي فرنسا التي كانت تنخرها الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية، وصل إيمانويل ماكرون إلى السلطة عام 2017، مكرّساً التراجع المدوّي لليمين واليسار التقليديين.
ادّعت الماكرونية أنها تتجاوز خصوماتهما القديمة، وأنها تستبدل الولاءات الأيديولوجية بنهج يقوم على البراغماتية والكفاءة والتكيّف مع التحوّلات الاقتصادية. لكنها لم تنجح في حلّ التناقضات التي كانت تعصف بالمجتمع الفرنسي. فقد ورثتها قائمة، ثم شهدت إعادة تشكّلها وتطرّفها أحياناً.
وعلى الرغم من سعي ماكرون إلى صناعة أسطورة “الرجل القوي”، فقد اعتمد مراراً على صورة تسويقية برّاقة، من دون أن يتمكّن من استعادة كاريزما الشخصيات الكبرى في الجمهورية الخامسة، مع أنه حاول ممارسة الصلاحيات التي تتيحها مؤسساتها بما تمتّع به أسلافه البارزون من virtù، بالمعنى الميكيافيلي للكلمة.
نشأت الماكرونية، بمعنى من المعاني، على خلفية تفكّك المجال السياسي في أعقاب العولمة، لكنها لم تقدّم شيئاً ملموساً لإعادة بنائه. بل إن التآكل لم يفعل سوى التسارع.
وبعد نحو عقد، يجد الوسط الرئاسي نفسه محروماً من الغالبية البرلمانية، ومحاصراً بين قوى تبدو رؤاها للمجتمع عصيّة على التوفيق. ولم يبدُ مصير الجمهورية الخامسة، بل مصير فرنسا عموماً، بهذا القدر من الغموض منذ أكثر من نصف قرن.
ومع مراعاة الفوارق التاريخية بطبيعة الحال، يذكّر المشهد الراهن، من بعض جوانبه، بـ“السهل” أو “المستنقع” في المؤتمر الوطني خلال الثورة الفرنسية، أي تلك الكتلة التي تموضعت بين الجيرونديين والجبليين، وكان تبدّل اصطفافاتها قادراً على ترجيح كفّة موازين القوى الثورية.
وتقف المقارنة التاريخية، بالطبع، عند هذا الحدّ. لكن “المستنقع” لم يكن قوة محايدة، تماماً كما أن الماكرونية ليست محايدة. فالتموضع في الوسط لا يلغي القناعات أو الحسابات أو المناورات. بل قد يتحوّل إلى أداة هائلة للسلطة، عندما ينجح من يحتلّ هذا الموقع في استغلال التناقضات التي يدّعي أنه يسعى إلى تجاوزها.
ولعلّ إحدى مفارقات الماكرونية تكمن هنا تحديداً: أنها جعلت تجاوز الانقسامات منهجاً للحكم، فيما أسهمت، عبر خياراتها السياسية وحساباتها التكتيكية، في إعادة تشكيل تلك الانقسامات نفسها. وإن كانت فرنسا لا تزال، في نهاية المطاف، مهدّدة بالانزلاق إلى هذا الاتجاه أو ذاك، خارج إطار العقد السياسي الديمقراطي الجمهوري.
ومع جان لوك ميلانشون ومارين لوبان، يبدو النقاش السياسي الفرنسي آخذاً في التمحور أكثر فأكثر حول تصوّرات متنافسة للشعب والأمة والسيادة والانتماءات الاجتماعية والثقافية. إنها عودة إلى حجج سابقة على العولمة، في عالم يشهد إعادة تشكّل على أسس هويّاتية وانكفاءً متزايداً على الذات.
ومن البديهي أن مشروعي اليسار المتطرّف واليمين المتطرّف ليسا متطابقين. ولا يمكن الخلط فعلياً بين برنامجيهما السياسيين ومرجعياتهما الثقافية، أو بين علاقتهما بالحرّيات والمؤسسات والحقوق… على الرغم من اشتراكهما في الحنين إلى “الرجل القوي” والافتتان بـ… فلاديمير بوتين.
غير أن المواجهة السياسية لم تعد تتمحور حول توزيع الثروات وعلاقات الإنتاج والدور الاقتصادي للدولة فحسب، بل باتت تتعلّق أيضاً بتحديد من ينتمي إلى الجماعة الوطنية، ومن تعرّض للنسيان أو الإقصاء، ومن يحقّ له الادّعاء بأنه يتحدّث باسم الشعب.
ومن مقتضيات مرحلة ما بعد العولمة أن المسألة الاجتماعية باتت تستعير، بصورة متزايدة، لغة الهوية. وهكذا، يتحوّل مطلب بسيط كوجود معلّمين في المدارس الثانوية إلى جزء من سجال يضع الضواحي في مواجهة الأرياف، والفئات التي يُفترض أنها محظوظة في مواجهة تلك التي تعتبر نفسها متروكة لمصيرها، بل ويضع الجميع بعضهم في مواجهة بعض، في تنافس محاكاتي غريب على الإحباط والمعاناة…
عودة المكبوت
ولا تقتصر هذه التحوّلات على فرنسا. بل لعلّها تشكّل إحدى أكثر مفارقات العولمة إثارةً للقلق.
فقد وعدت العولمة بفتح الحدود، وتدفّق الثروات، وتقارب المجتمعات، بل وبقدر من التلاقي في القيم السياسية والثقافية. غير أن الاندماج المتزايد بين الاقتصادات وشبكات الاتصال لم يؤدِّ إلى نشوء تضامن مماثل بين الشعوب. بل غذّى أيضاً شعوراً بسلب القدرة على التأثير في المصير لدى أولئك الذين كانوا يشهدون تحوّل بيئاتهم من دون امتلاك الوسائل اللازمة للتأثير في هذه التحوّلات.
وهكذا، عادت الأمة والدين والجماعة والأرض لتشكّل، بسرعة، ملاذات تمنح الطمأنينة، وأحياناً الانكفاء، بل والإقصاء أيضاً. وبعيداً عن التلاشي في إنسانية يُفترض أن التقدّم وحّدها، استعاد الشعور بالحاجة إلى الانتماء قوّته. أهي عودة ما كُبت من نزعات قطيعية وهويّاتية؟
هل دخلنا فعلاً، وبصورة كاملة، عصر ما بعد العولمة؟
يصعب الجزم.
لعلّ العالم يعيش إحدى تلك الفترات الانتقالية التي تولد فيها المسوخ، على حدّ تعبير غرامشي، حيث تتهاوى بعض الوعود السياسية للعولمة، في اللحظة نفسها التي تبلغ فيها أوجه ترابطنا المادي والتكنولوجي مستويات غير مسبوقة.
لم يسبق للبشر أن كانوا بهذا القدر من القرب الافتراضي بعضهم من بعض، ومع ذلك لا يبدو أن هذا القرب يساعدهم على التفاهم بصورة أفضل! فكلّما تكاثرت وسائل الاتصال، ازداد النقاش العام تشرذماً داخل عوالم منفصلة من اليقينيات. وكلّما ذابت الهويات في مصفوفة الرأسمالية، تحوّلت إلى حدود أشدّ استعصاءً على الاختراق. وتتراكب فوق التناقضات الاقتصادية صراعات ثقافية ودينية ومناطقية. وهكذا، لم يعد الخصم السياسي مجرّد شخص يدافع عن مشروع مختلف، بل قد يصبح شخصاً يُنظر إلى وجوده بحدّ ذاته على أنه تهديد يجب استئصاله.
فكيف يمكن بناء عالم مشترك، فيما يجد الأفراد الذين يتكوّن منهم صعوبة متزايدة في الاعتراف بعضهم ببعض أعضاءً في مجتمع واحد؟ وكيف يمكن مطالبة الأجيال الجديدة بإيجاد مكان لها فيه، بينما يورّثها الكبار انقساماتهم وأحقادهم ويقينياتهم المتناقضة؟
فلم تعد الصراعات بين الأجيال وحدها هي التي تتكرّر، بل باتت الصراعات التي عجزت الأجيال السابقة عن حلّها تتحوّل بدورها إلى إرث للأجيال اللاحقة. فالمراهقون لا يكتشفون فقط مدرسة تتبدّد وعودها، بل مجتمعاً يعجز أفراده أنفسهم عن الاتفاق على ما يجمعهم.
وهنا تحديداً يكمن جوهر المشكلة اليوم.
نمتلك اليوم وسائل علمية وتقنية ومادية مذهلة لتغيير العالم. ونستطيع التواصل فوراً بين قارة وأخرى، وتوسيع حدود المعرفة، وتخيّل تحوّلات كانت ستُعدّ ضرباً من الخيال العلمي قبل بضعة عقود فقط.
لكن هذا التقدّم يبدو اليوم كأنه يمضي من دون وجهة يمكن إدراك معناها.
فالذكاء الاصطناعي يهدّد بإحداث تحوّلات جذرية في العمل والتعليم وأشكال الإبداع، بل وحتى في بعض التصوّرات المتعلقة بالذكاء البشري نفسه. وتضع الأزمات البيئية الشروط المادية للوجود موضع تساؤل. أما الحروب والتصدّعات الجيوسياسية، ولا سيما مع تجدّد التهديد النووي، فتذكّرنا بهشاشة التوازنات الدولية.
كما أن استمرار العنصرية، وعودة النزعات السلطوية، وصعود الشعبويات، تذكّرنا بأن التقدّم الإنساني ليس حتمية تاريخية. فلا يوجد معنى للتاريخ يعفي البشر من مسؤولياتهم، ومن إرادتهم في الفعل، ومن ثقافتهم السياسية، أو من ضرورة بناء شبكات تضامن بين “أهل الخير”، بالمعنى الذي قصده إدموند بيرك.
وفي هذا العالم الذي نعجز عن رسم ملامح مستقبله، نطالب المراهقين بأن يكونوا قادرين على المنافسة، وذوي أداء عالٍ، ومستعدّين للتنقّل، ومرنين، وقادرين على التكيّف بلا نهاية!
نعدهم بالاستقلالية فيما نضاعف عوامل الغموض والقلق. ونقدّم لهم الجهد الفردي بوصفه مفتاح مستقبلهم، مع أن الظروف التي ستحدّد هذا المستقبل تخضع لآليات لا يملكون السيطرة عليها، ويجد الكبار أنفسهم صعوبة في فهمها.
ومن يستطيع، أصلاً، أن يدّعي أنه يتحكّم فعلياً بعواقب هذه التحوّلات؟
لعلّه من الضروري قول ذلك بوضوح تامّ.
لا أحد.
ولا حتى أولئك الذين يطوّرون الذكاء الاصطناعي وتقنيات النانو، فيما يردّدون على مسامعنا كل يوم أن البشرية محكوم عليها بالهلاك المحتوم بسبب ما يمضون هم أنفسهم في تطويره بكلّ حماسة…
لا بدّ أن أوبنهايمر يتقلّب في قبره!
مجتمع سائل، يقينيات متصلّبة
ولعلّ أكثر ما يثير القلق أن ردود الفعل على احتجاجات طلاب المدارس الثانوية تعكس، بحذافيرها، تناقضات العالم الذي يكتشفه هؤلاء الشباب.
فمن جهة، هناك من يريد أن يرى في كل تظاهرة طلابية إرهاصات ثورة جديدة. ومن جهة أخرى، ثمة من يتّهم الشباب بالجحود وقلّة الانضباط والعنف والعجز عن احترام السلطة.
ولا يمكن، بالطبع، تبرير أعمال العنف التي يرتكبها بعض المتظاهرين ضد الأشخاص أو المؤسسات التعليمية أو القوى الأمنية، بذريعة براءة الشباب المفترضة. لكن الإصابات الخطيرة التي تعرّض لها عدد من المراهقين خلال تدخّلات الشرطة، وآلاف التوقيفات، تثير بدورها تساؤلات مشروعة حول مدى تناسب ردّ السلطات مع ما يجري.
فالسلطة ضرورية لأي مجتمع، ولا سيما في ظلّ نظام تتراجع شرعيته منذ أشهر. لكن ينبغي لهذه السلطة أيضاً أن تستند إلى شرعية لا تقوم على قدرتها على الإكراه وحدها!
والأكثر إثارةً للقلق هو هذا الميل إلى تحويل المراهقين فوراً إلى رموز للصراعات السياسية بين الكبار. فأصواتهم تُرحَّب بها أو تُرفض بحسب مدى انسجامها مع القناعات المسبقة أو تعارضها معها.
وفي الحالتين، يبدو أن المعنيّين بالأمر أنفسهم هم أول من يُنسى.
فطلاب المدارس الثانوية ليسوا أمناء على حقيقة جديدة، مثلما أنهم ليسوا المسؤولين عن تناقضات العالم الذي يرثونه. إنهم يحملون ببساطة الأحكام المسبقة نفسها، والنزعات السلطوية نفسها، وأشكال العنف نفسها التي يحملها الكبار، ويتشكّلون في تفاعل مستمرّ مع العالم الذي يعيشون فيه. ولا شيء يتيح لنا، أصلاً، الجزم بأنهم سيبنون بالضرورة مجتمعاً أفضل.
لكنهم يدخلون عالماً لم يختاروه، وسيكون عليهم، رغم إرادتهم، تحمّل عواقبه.
وهذه العلاقة غير المتكافئة، بحدّ ذاتها، ينبغي أن تفرض علينا مسؤولية خاصة.
هل يستطيع مجتمع أن يضمن استمراره بمجرّد نقل المعارف والمؤسسات والقواعد؟ أم ينبغي له أيضاً أن ينقل إلى الأجيال التالية القناعة بأن هناك ما يستحقّ الحفظ والنقاش والتغيير المشترك؟
ألا ينبغي له أيضاً أن يمنح هذه الأجيال الوسائل التي تحول دون وقوعها أسيرة يقينيات من سبقوها؟
ولكن ماذا نورّثها اليوم؟
عالماً تتلاشى فيه المعالم والمرجعيات، ومؤسسات تعجز عن الوفاء بوعودها، وجماعات سياسية تتشرذم، وتقنيات لا نتحكّم تماماً بعواقبها، وتلك المطالبة الغريبة بالتكيّف مع تحوّلات يبدو أن أحداً لم يعد قادراً فعلياً على تحديد غاياتها النهائية.
إنه “مجتمع سائل”، تتفكّك فيه الأطر التي ينتظم ضمنها الوجود، فيما تزداد اليقينيات السياسية والهويّاتية تصلّباً. مجتمع تبدو ردود الفعل فيه، في كثير من الأحيان، فارغة من المضمون.
نعد أجيال الغد بعالم يبدو مستقبله، حتى الآن، مهدّداً بصورة خطيرة. بالكاد نعدها بإمكان البقاء على قيد الحياة. ومن دون أن نستطيع حتى أن نضمن لها شروط عيش كريم…
صرخة حياة
فهل يجوز لنا، والحال هذه، أن نتحدّث عن “جيل يُضحّى به”؟
تكمن التضحية هنا في مطالبة الأجيال التالية بتحمّل عواقب ما تخلّينا عنه، وفي تقديم مآزقنا إليها باعتبارها أقداراً محتومة، أو فرض تناقضاتنا عليها بوصفها إرثاً لا تستطيع الإفلات منه. والأهمّ من ذلك، مطالبتها بالإيمان بمستقبل يبدو أننا نحن أنفسنا تخلّينا عن القدرة على تخيّله بصورة جماعية.
باسم ماذا؟
باسم القدرة التنافسية، أو الأمن، أو السيادة، أو الهوية، أو النمو، أو ضرورات اقتصادية يُقال إنها لا تقبل التجاوز؟
وباسم أيّ ضرورات، إذا لم نعد قادرين على منحها معنى يتجاوز مجرّد استمرارها وإعادة إنتاج نفسها؟
لعلّ الأمر الأكثر إثارةً للقلق ليس تمرّد الشباب على العالم الذي نقدّمه لهم، بل ضآلة ما نملك من أجوبة حين يسألوننا عمّا يمكنهم أن ينتظروه منه.
تهديدات، وإهانات، وضربات هراوات… وسوء فهم… وفي الخلفية، وسط وأطراف متطرّفة تفرك أيديها، مترقّبةً أن تهبّ الرياح، مع جرعة سخية من virtù، في الاتجاه “الصحيح”…
كلّ طرف يسقط على هؤلاء الشباب اندفاعاته ومخاوفه وأحقاده ورغباته، من دون أن يصغي فعلياً إلى مطالب المعنيّين الأساسيين.
ومع ذلك، فإن هؤلاء المراهقين الذين ينزلون اليوم إلى الشوارع للمطالبة بظروف دراسة كريمة وبالقدرة على اختيار مستقبلهم، لا يزالون، على الرغم من كل شيء، يعبّرون عن قدر من الثقة بالمجتمع.
فإذا كانوا يحتجّون، فلأنهم لا يزالون يؤمنون بإمكان تغيير هذا المجتمع.
ولعلّ في غضبهم هذا ما تبقّى من أسباب الاطمئنان.
أما الجيل الذي يُضحّى به حقاً، فلعلّه ذاك الذي يرث مآزقنا كلها، وتخلّياتنا كلها، ويقينياتنا المتناقضة كلها، ثم ينتهي به الأمر إلى ألّا ينتظر شيئاً من العالم.
وبالتالي، إلى ألّا يطلب منه شيئاً.
فمن صرخة الطفل نعرف، في نهاية المطاف، أنه لم يُولَد ميتاً.















