شعار Levant Time

ملخص اليوم

الملف الإيراني: الخيار العسكري لا يزال قائماً
بقلم
LevantTime .
نُشر
يوليو 6, 2026 - 22:35

انطلق هذا الأسبوع على وقع هدوء حذر، وسط تعليق مؤقت لأبرز ملفات المنطقة الساخنة، بدءاً من احتمالات استئناف المحادثات بين واشنطن وطهران، وصولاً إلى التراجع الإسرائيلي عن "منطقتين نموذجيتين" في جنوب لبنان. ويعود هذا التوقف الموقت، بالدرجة الأولى، إلى مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، والتي تمتد حتى الخميس، بالتزامن مع الترقب القائم لقمة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقررة يومي الثلثاء والأربعاء، 7 و8 تموز، في أنقرة. وتكتسب هذه القمة أهمية استثنائية نظراً لمشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فيها، بعد أشهر من التوتر مع الحلفاء الأوروبيين. وقبيل توجهه إلى تركيا، حرص ترامب على توجيه رسالة حازمة مفادها أنه لن يتراجع خطوة واحدة في الملف الإيراني. وفي مؤتمر صحافي عقده في البيت الأبيض، أعاد رسم أولوياته مجدداً، واضعاً طهران في مرمى تهديداته، إذ قال: "إما أن نتوصل إلى اتفاق، أو ننهي المهمة بالكامل. وإنجاز هذه المهمة لن يكون صعباً، لكني أفضّل خيار الاتفاق، لأنني لا أريد إلحاق الأذى بـ91 مليون إنسان"، مؤكداً بأن الجيش الأميركي قادر على "تدمير الجسور الإيرانية في غضون ساعة واحدة". وتابع الرئيس الأميركي هجومه بالنبرة الوعيدية نفسها: "يمكننا سحق شبكة الطاقة لديهم، وكل تلك المحطات الضخمة التي بنيت هناك، في جزء بسيط من الأمسية. هم يدركون ذلك جيداً. لم يعد لديهم مال اليوم، ونحن لم نمنحهم سنتاً واحداً." ومع ذلك، جدد ترامب التأكيد على أن هدفه ليس "إطاحة النظام في إيران، وإن كان الواقع يعكس ذلك. فالنظام الأول اختفى، والثاني انتهى، وأعتقد أن النظام الثالث سيكون أكثر عقلانية. لكن، دعونا نرى ما سيحدث". كذلك، ذكّر دونالد ترامب بأن واشنطن تعتزم استعادة "الغبار" النووي الإيراني، "أي المواد المخصبة" (اليورانيوم المخصب)، مجدداً تشديده على أن إيران "لا يمكنها حيازة السلاح النووي". ورداً على سؤال حول قضية مضيق هرمز، الذي تسعى طهران للإبقاء عليه تحت سيطرتها، اكتفى الرئيس الأميركي بالإشارة -كإجابة وحيدة- إلى أنه "آلة رائعة لتوليد المال". وكما هو معلوم، ترفض الولايات المتحدة، إلى جانب الدول العربية وأوروبا، أن يخضع هذا الممر المائي الاستراتيجي لسيطرة نظام الملالي. من جهة أخرى، أعرب الرئيس الأميركي عن رغبته في مساعدة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي على إنهاء الحرب المستمرة بينهما منذ أكثر من أربع سنوات، قائلاً: "أعتقد أننا أقرب بكثير إلى اتفاق مما يظنه الناس. الرئيس بوتين يريد لهذه الحرب أن تنتهي، والرئيس زيلينسكي بات هو الآخر يريد لها نهاية الآن. سوف نتوجه إلى قمة الناتو في أنقرة حيث سنناقش هذا الأمر، وأعتقد أننا سننجح في وضع حد لهذه الحرب". ماكرون في دمشق أكد البيت الأبيض أن دونالد ترامب سيلتقي على هامش قمة الناتو فولوديمير زيلينسكي، إضافة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان من المقرر أن يستقبل مساء الإثنين نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويرافقه وفد من رجال الأعمال الفرنسيين. وتُعد هذه الزيارة الأولى لرئيس فرنسي إلى دمشق منذ نحو 17 عاماً؛ إذ بدأت العلاقات بين فرنسا وسوريا في عهد بشار الأسد بالتدهور عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وهو الاغتيال الذي وُجهت فيه أصابع الاتهام إلى دمشق. ولاحقاً، قطعت باريس علاقاتها الدبلوماسية مع النظام السوري في أعقاب حرب عام 2011، إثر هجوم استهدف سفارتها هناك. وفي صلب المحادثات الفرنسية-السورية، يبرز بطبيعة الحال الوضع في المنطقة، وهو الملف الذي سيكون أيضاً محور لقاء مرتقب في واشنطن بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس ترامب. وإذ يظل هذا اللقاء بلا موعد محدد بعد وفقاً للمسؤول الإسرائيلي، فإنه يكتسب أهمية خاصة في وقت تتقدم فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران بصعوبة بالغة، لاسيما وأن ترامب كان قد أظهر في وقت سابق نوعاً من التحفظ حيال فكرة استقبال نتنياهو في البيت الأبيض. هدوء نسبي في لبنان تنسحب التهدئة الدبلوماسية على لبنان، حيث من المتوقع أن يعود قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأميرال براد كوبر، في الأيام المقبلة ليعرض على السلطات اللبنانية مقترحاً لآلية انسحاب إسرائيلي تدريجي، تماشياً مع الترتيبات الأمنية لاتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي الموقّع في واشنطن، وفق ما أفادت قناة "الحدث" الإخبارية. وفي هذا السياق، جدد رئيس الجمهورية جوزاف عون التأكيد على أهمية إعادة انتشار الجيش اللبناني على طول الحدود الجنوبية، مشدداً في الوقت عينه على ضرورة تكثيف الضغوط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي لا تزال تحتلها في الجزء الجنوبي من البلاد. وحذر عون، خلال لقاء عبر تقنية الفيديو مع ممثلين عن "المجموعة الأميركية من أجل لبنان (ATFL)، "من أن "استمرار الاحتلال يقوّض شرعية الدولة، ويحول دون انتشار الجيش، ويهدد ركائز سلام عادل ودائم". كما شدد على أنه "لا يمكن أن تكون هناك حرب أهلية في لبنان"، على الرغم من "محاولات البعض تأجيجالتوترات الطائفية"، في إشارة ضمنية إلى "حزب الله". ميدانياً، لا يزال الوضع في لبنان متقلباً؛ إذ يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات التفجير في عدد من بلدات بنت جبيل ومرجعيون والنبطية، بالتزامن مع غارات موضعية. وأدت ضربة استهدفت النبطية الفوقا يوم الإثنين إلى سقوط ثلاث ضحايا: مديرة مدرسة ووالدتها وعاملة المنزل لديهما. إلى ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي العثور على مخازن أسلحة ضخمة في بلدة حداثا، حيث ينفذ عمليات تفجير واسعة ويقدمها كقاعدة عملياتية لـ"حزب الله". وأعلن في هذا الإطار تدمير "عشرات البنى التحتية العسكرية" في البلدة ومصادرة أكثر من 150 قطعة سلاح. كما وجه تحذيراً إلى سكان القرى الحدودية الجنوبية، مذكّراً إياهم بضرورة الامتناع عن استقبال نازحين من البلدات التي تُعتبر معاقل للحزب. وعلى صعيد آخر، أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، والتي زعم فيها أن بعض القرى المسيحية الحدودية طلبت "الضم" إلى إسرائيل لحمايتها من "حزب الله"، موجة استنكار واسعة في البلاد. وسارعت البلديات والمخاتير والفعاليات المحلية في نحو خمس عشرة قرية معنية إلى رفض هذه الادعاءات، منددة بـأخبار "عارية من الصحة تماماً"، ومجددة تمسكها المطلق بسيادة الدولة اللبنانية. حل الحكومة في غزة يُسجل تطور بارز آخر على المستوى الإقليمي، تمثّل في إعلان حركة "حماس" حل حكومتها في قطاع غزة، بعد نحو عشرين عاماً من تولّيها السلطة عام 2007، وذلك بهدف تسهيل نقل المسؤوليات إلى "اللجنة الوطنية لإدارة القطاع"، وهي هيئة مؤلفة من تكنوقراط أُسّست في إطار المباحثات التي سبقت وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025. ويظل هذا التطور، الذي استقبله بعض المحللين بنوع من التشكيك، حدثاً يستوجب المتابعة لما قد يحمله من تغيير في المشهد السياسي الفلسطيني. وتقدّم "حماس" هذا القرار بوصفه وسيلة لـ"حرمان الاحتلال من أي ذريعة" لاستمرار الحرب، مؤكدة في الوقت عينه رغبتها في تسليم الصلاحيات الحكومية إلى اللجنة الجديدة. ومن جانبه، أكد رئيس اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، علي شعث، جاهزية هذه الهيئة لتولي مسؤولياتها فور توفر الإمكانات اللازمة. في المقابل، لا يبدو أن تل أبيب مقتنعة بهذه الخطوة؛ إذ تُصر على تجريد الفصيل الموالي لإيران من السلاح، تماشياً مع ما تنص عليه خطة السلام التي جرت المفاوضات بشأنها برعاية الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، الخطوة بمثابة "خدعة" تهدف إلى التهرب من نزع السلاح، وكتب عبر منصة "إكس": "طالما احتفظت حماس بسلاحها، فإن أي حكومة مدنية ستعمل بالطبع وفقاً لتوجيهات هذه الحركة. إسرائيل تُصر على التنفيذ الكامل لخطة ترامب، والتي تتمثل مبادؤها الأساسية في نزع سلاح حماس وبقية المنظمات الأخرى، فضلاً عن جعل قطاع غزة منطقة منزوعة السلاح بالكامل".

نظام الملالي يفقد أوراقه تدريجياً
بقلم
ميشال توما
نُشر
يوليو 3, 2026 - 23:53

في الظاهر، يبدو أنّ الوضع في لبنان، وكذلك، بدرجة أقل، في المنطقة، موضوع في خانة «الاستراحة»... غير أنّه لا ينبغي الركون إلى المظاهر، إذ إنّ قطع الأحجية، في الواقع، تُوضَع وتُرتَّب تدريجياً وبهدوء من جانب اللاعبين الذين يبدو واضحاً أنّهم يمسكون بمفاتيح اللعبة. ولإدراك البعد الحقيقي للمعركة الدائرة حالياً في المشرق، وما يتجاوزه بكثير، يكفي الربط بين المناورات والتحركات، أو ما يسميه الناطقون بالإنكليزية الـ«moves»، التي يقوم بها أصحاب القرار الساعون إلى رسم المشهد الجيوسياسي الجديد في المنطقة. وإذا كان لا بدّ من استخلاص ملامح خط توجيهي للتطورات الجارية، فيمكن تبيّن عزلة متزايدة، تتصاعد تدريجياً، للنظام الإيراني على المستوى الدولي. فقد أفادت وكالة رويترز، الجمعة 3 تموز، بأنّ قادة حلف شمال الأطلسي، المجتمعين في أنقرة، يُتوقّع أن يعلنوا أنّ إيران يجب ألا تمتلك أبداً أسلحة نووية. لكنّ الأخطر بالنسبة إلى طهران أنّ الحلف سيطالب الجمهورية الإسلامية صراحة بـ«الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز». وكان الاتحاد الأوروبي قد اتخذ هذا الأسبوع موقفاً متقدماً في الاتجاه نفسه، رافضاً أي محاولة إيرانية لفرض رسم عبور، بذريعة «الخدمات المقدمة»، على السفن التي تسلك هذا الممر البحري الدولي. وتشكّل هذه النقطة، في المرحلة الراهنة، المعركة الأساسية التي يخوضها الحرس الثوري الإيراني وأقطاب السلطة في طهران. وبنبرة تهديدية، يشوبها قدر من الغطرسة المهينة تجاه إدارة ترامب، صرّح رئيس البرلمان ورئيس فريق المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، الجمعة بلا مواربة: «لن نسمح للولايات المتحدة (!) بالتدخل في مضيق هرمز، وسنواصل وضع قواعد الملاحة في المضيق». ويثير الموقف الإيراني في هذا الملف غضباً متزايداً لدى الإدارة الأميركية، ما دفع مسؤولاً أميركياً قبل 48 ساعة إلى القول إنّ «صبر الرئيس دونالد ترامب حيال إيران بدأ ينفد». كما أبلغ مسؤولون أميركيون كبار موقع أكسيوس أنّ المفاوضين الأميركيين أبلغوا المندوبين الإيرانيين، خلال المحادثات التي عُقدت هذا الأسبوع في الدوحة، أنّ إصرار إيران على فرض رسم عبور في مضيق هرمز قد ينسف الاتفاق الإطار بين واشنطن وطهران. ويحظى هذا الموقف الحازم الذي تعتمده إدارة ترامب في هذا الشأن بدعم كامل من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يسهم في زيادة عزلة الجمهورية الإسلامية. ومن المرجح أنّ هذه العثرات في مسار التفاوض مع طهران كانت موضع بحث خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس ترامب، الجمعة، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قد يُستقبل قريباً في البيت الأبيض. الورقة اللبنانية أما الورقة الثانية التي يحاول النظام الإيراني التشبث بها يائساً، وهو يتخبط في إنكار كامل للوقائع الجديدة، فهي الورقة اللبنانية. فقد حرص السيد قاليباف على العودة إلى الهجوم في هذا المجال، وإعادة طرح «البند اللبناني» من مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن في منتصف حزيران، وكذلك التفاهم الذي تم التوصل إليه أخيراً في سويسرا مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، والذي ينص على دور مباشر لإيران في مسار الحل في الجنوب، وبالتالي على تعزيز قبضتها على الساحة اللبنانية. وفي تصريح أدلى به الجمعة، دعا السيد قاليباف، من دون أي وازع، «كل الأطراف اللبنانية إلى العمل على تطبيق البند المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن، لأنّ ذلك يجنب الفتن»(!) غير أنّ هذه المحاولة الإيرانية لإعادة تنشيط وصايتها على لبنان باءت بالفشل، كما يجدر التذكير، عقب الاتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في منتصف حزيران في واشنطن، برعاية وزير الخارجية ماركو روبيو. وتنص خريطة الطريق هذه على آلية تدريجية، تحت إشراف أميركي وثيق، تفضي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان وانتشار الجيش اللبناني، بالتزامن مع تفكيك البنية الميليشيوية لحزب الله. وقد أُبرز البعد السيادي لهذا الاتفاق الإطار، الذي يفصل بالكامل مسار الحل اللبناني عن المحادثات الأميركية ـ الإيرانية في إسلام آباد، مرة جديدة الجمعة على لسان الرئيس جوزاف عون ووزير الخارجية اللبناني جو رجي. فقد أكد رئيس الدولة، خلال استقباله وفداً جامعياً وممثلين عن نقابة الأطباء والرابطة المارونية، أنّ الوثيقة الموقعة بين لبنان وإسرائيل تتيح للدولة اللبنانية استعادة زمام ملف الجنوب، بحيث يكون لبنان وحده سيد قراره في هذا المجال، ويتولى بنفسه، لا أي دولة ثالثة، التفاوض على أي مشروع تسوية. وفي إشارة بالكاد مواربة إلى حزب الله، لاحظ الرئيس عون أنّ الذين يعارضون الاتفاق الإطار الموقع مع إسرائيل يتصرفون على هذا النحو «لأنهم اعتادوا العيش تحت الوصاية»... وفي السياق نفسه، جدد وزير الخارجية اللبناني، جو رجي، تأكيد تصميم الحكومة على أن تتحمل وحدها، بعيداً عن أي إملاءات خارجية، مسؤولية وضع حد للحرب. وأمام الموقف الحازم الذي تعتمده السلطة اللبنانية، ترى الجمهورية الإسلامية أنّ الورقة اللبنانية تفلت من يدها، فتحاول، تبعاً لذلك، نسف الاتفاق الإطار مع إسرائيل عبر تنظيم معارضة لهذا المستند، والسعي إلى التحكم بتحركات اضطرابية في الشارع بهدف إسقاط حكومة نواف سلام، بغية انتزاع إلغاء الاتفاق الإطار، بما يمهد الطريق لإعادة إطلاق الانخراط الإيراني في اللعبة السياسية الداخلية في لبنان. لكن الرئيس عون كان حازماً أيضاً في هذا الشأن، الجمعة، مشدداً على أنّ اللجوء إلى الشارع وإلى الفتنة الداخلية لإسقاط الحكومة يشكل «خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه». مشروع القوة المتعددة الجنسيات وتصطدم محاولات الحرس الثوري الإيراني لإعادة تفعيل وصايته على لبنان بعامل آخر بالغ الأهمية: مشروع إنشاء قوة متعددة الجنسيات يُفترض أن تتولى المهمة بعد قوات اليونيفيل التي تنتهي ولايتها في نهاية السنة. وقد بدأ القادة الفرنسيون والإيطاليون بالفعل تحركاتهم في هذا الإطار، وهم يحظون في هذا الصدد بدعم كامل من الولايات المتحدة. وقد أشاد مسؤول فرنسي رفيع، الجمعة، بـ«الدور الإيجابي الذي تؤديه الولايات المتحدة في لبنان». ولتعزيز هذه الدينامية الخارجة من الأزمة، والتي تتم بالتالي من دون الجمهورية الإسلامية، حرص الاتحاد الأوروبي على التشديد على دعمه الكامل للاتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي ولخيارات السلطة اللبنانية في هذا المجال، مؤكداً ضرورة تطبيق بنود الوثيقة الموقعة في واشنطن. وهكذا يجد النظام الإيراني نفسه مجرداً من أوراقه الرئيسية، الواحدة تلو الأخرى. وأمام وضع كهذا، يُظهر الجناح المتشدد في السلطة مخالبه، كما يتضح من الهجمات المباشرة التي يشنها شبه يومياً على الجناح المسمى «معتدلاً»، ولا سيما على الرئيس الحالي ورئيس البرلمان. وعلى ضوء هذه الانتكاسات، تتحدث بعض الأوساط السياسية في إيران عن مشروع يرمي إلى ضخ حياة جديدة في الحرس الثوري، لكن بصيغة أكثر «قبولاً»، أو أكثر «قابلية للتحمل». غير أنّ قلّة نادرة فقط من الفصائل الساذجة، أو الانتهازية بصورة مخجلة، قد تظل تنطلي عليها مثل هذه المناورات السياسية الصادرة عن الجناح المتشدد في الجمهورية الإسلامية.

صفحة جديدة في العلاقات بين لبنان وسوريا؟
بقلم
تالين بشراوي
نُشر
يوليو 2, 2026 - 23:20

طبعت الأحداث اللبنانية يوم الخميس، 2 تموز 2026، حدثٌ بارز تمثّل في الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى بيروت. وقد التقى خلالها جلّ المسؤولين السياسيين والروحيين، وقادة الأحزاب الكبرى... باستثناء "حزب الله". ولكلّ من عاصر "زمن الوصاية السورية" (أو الاحتلال كما يفضّل البعض تسميته)، فإنّ هذه الزيارة لا يمكن إدراجها في خانة اللقاءات العادية، وينطبق الأمر نفسه على المواقف التي واكبتها؛ ولا سيما تصريح رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي أكّد "التمسّك بالعلاقات الأخوية" المبنية على "التنسيق والتعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية" لكلا البلدين. ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، عزل هذه الزيارة عن سياقها العام؛ إذ تأتي في توقيت تزايدت فيه، في الآونة الأخيرة، التهديدات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكانية اللجوء إلى القوات السورية لنزع سلاح "حزب الله"... وهو ما نفته دمشق بشكل قاطع وتكراراً، وتحديداً على لسان رئيسها أحمد الشرع. وبناءً على ذلك، فإنّ حضور الوزير السوري يهدف إلى طمأنة القادة اللبنانيين بهذا الشأن. كذلك، لا يمكن إغفال الاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان وإسرائيل يوم الجمعة الماضي في واشنطن؛ وهو مسار لم يشمل أي دولة عربية، وعكس رغبة السلطة اللبنانية في فصل الملف اللبناني بشكل قاطع عن الملفات الإقليمية الأخرى. والأرجح أنّ السلطة السورية الجديدة تريد جسّ النبض بغية فهم معالمه. أما من حيث الشكل والمضمون، فقد تركت زيارة وزير الخارجية السوري أصداءً إيجابية جداً في الأوساط اللبنانية. ونقل الشيباني إلى الرئيس عون دعوة للقيام بزيارة رسمية إلى سوريا. كما توالتالتصريحات التي تؤكد احترام أمن كلا البلدين وسيادتهما. وكرر الوزير السوري في مناسبات عدة أن الرغبة السورية تكمن في تعزيز التعاون بين البلدين. وفي هذا السياق، وُقِّع اتفاق بين الشيباني ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام لإنشاء لجنة مشتركة تهدف إلى تعزيز هذا التعاون على المستويات كافة، "في إطار احترام المصالح المشتركة"، وفق ما شدد عليه سلام. لقاءات مع مروحة واسعة من الشخصيات قد يكون سرد جميع الشخصيات التي التقاها الوزير السوري خلال زيارته الرسمية أمراً يبعث على الملل، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن باقة الشخصيات التي زارها الوزير السوري كانت لافتة، ولا سيما أن هذه اللقاءات جرت في يوم واحد، وشملت على وجه الخصوص (مع استبعاد "حزب الله"): الرئيس جوزاف عون، رئيس الوزراء نواف سلام، رئيس مجلس النواب نبيه بري، البطريرك الماروني بشارة الراعي، مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، رئيس حزب الكتائب سامي الجميل، نائب رئيس الوزراء طارق متري، ووزير الخارجية جو راجي. ولم يأتِ الوزير السوري على ذكر "حزب الله" إلا في ختام لقائه مع بري، عندما أكد "بقاءه منفتحاً" على لقاء مع الحزب "إذا اقتضت مصلحة البلدين ذلك". ويُذكر في هذا السياق أن "حزب الله" أدى دوراً محورياً في دعم النظام السابق في دمشق، وانخرط منذ عام 2011 في معارك ضد المجموعات التي انبثقت عنها السلطة الجديدة في سوريا. كما اندلعت اشتباكات على الحدود في مناسبات عدة، منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، بين مجموعات مقربة من الحزب الموالي لإيران والقوات السورية الجديدة. يُشار إلى أنه في الوقت الذي كان فيه السيد الشيباني يواصل جولته في بيروت، هزّ العاصمة السورية دمشق يوم الخميس، قرابة الساعة الثالثة بعد الظهر، تفجير استهدف مقهى في قلب المدينة، وأسفر عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل وإصابة 22 آخرين، بحسب وزارة الصحة السورية. وأعطت السلطات السورية توصيفاً أولياً للعبوة الناسفة، واصفةً إياها بأنها "بدائية الصنع". وأوضحت وكالة "فرانس برس" أن هذا الاعتداء هو الأكثر دموية منذ التفجير الذي استهدف كنيسة في حزيران 2025، والذي أوقع آنذاك 25 قتيلاً، وكان تنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابي قد تبنى ذلك الهجوم. تحالف أم لا ضد اتفاق واشنطن؟ وفي لبنان أيضاً، لا يزال توقيع الاتفاق الإطاري في واشنطن يوم الجمعة الماضي بين اللبنانيين والإسرائيليين يثير عاصفة من الردود. إلّا أنّ المعلومات المسرّبة حول إمكان تشكيل تحالف رباعي لإسقاطه في البرلمان – يجمع كتل بري وجنبلاط والتيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل و"حزب الله" – بدأت تتهاوى. وغداة زيارة باسيل لبري الأربعاء، والتي ساهمت في تغذية التكهنات، جاءت المفاجأة من جانب جنبلاط يوم الخميس؛ إذ صرّح لصحيفة "لوريان لو جور" الناطقة بالفرنسية بأنه "لن يكون جزءاً من تحالف لإسقاط الاتفاق الإطاري"، وإن عاد ووصف النص بأنه "دعسة ناقصة" من الدولة ومطالباً بمراجعته. وجدد جنبلاط انتقاداته على هامش زيارة الوزير السوري لمنزله في بيروت، مستخدماً عبارات حملت شيئاً من الغموض، حيث قال إنه "يفضل علاقة متوازنة مع سوريا على اتفاق قد يكون أسوأ من اتفاق 17 أيار"، في إشارة إلى الاتفاق المبرم بين لبنان وإسرائيل عام 1983، والذي انتهى به المطاف إلى الإلغاء تحت تأثير نظام حافظ الأسد. وأمام هذا الموقف الملتبس (على أقل تقدير) لجنبلاط، والموقف المعادي لـ"حزب الله" (حيث وصف النائب حسن فضل الله النص مجدداً بأنه "صك استسلام")، شهد يوم الخميس تحركاً لافتاً لعدد من الأحزاب السيادية دعماً لمسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وجهود عون وسلام. وفي مقابلة صحفية، اعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية أن النص يشكّل السبيل الوحيد الممكن لضمان الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، فضلاً عن نزع سلاح "حزب الله" وعودة السيادة اللبنانية الحقيقية. وفي هذا السياق، يُشار إلى أن رئيس حزب الكتائب سامي الجميل ورئيس حركة الاستقلال ميشال معوض، زارا الرئيس عون في قصر بعبدا على رأس وفدين موسعين، حيث جددا دعمهما لرئيس الدولة. كما يُسجّل أيضاً موقفاً أعلنه بري في مقابلة مع صحيفة محلية يوم الخميس، أبدى فيها "استعداده" للسير في تسوية بشأن هذا الاتفاق الإطاري إذا توافرت الرغبة في ذلك. فهل هي بداية انعطافة بالمعنى السياسي للكلمة؟ المفاوضات مؤجلة إلى ما بعد الجنازة على جبهة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، يبدو جلياً أن هذا المسار قد أُرجئ إلى الفترة التي ستلي جنازة المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، الذي قُتل في ضربة إسرائيلية في بداية الحرب في 28 شباط. ومن المتوقع أن تستمر هذه الجنازة المنتظرة منذ فترة طويلة (إذ كان مقرراً إجراؤها في آذار) أياماً عدة، وستشكل بلا شك فرصة يغتنمها نظام طهران لإحياء مشاعر الانتماء لدى مؤيديه للجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، فإن التوترات بين الجانبين الأمريكي والإيراني لا تزال ملموسة. فبينما يواصل النظام الإيراني المطالبة بالسيطرة على مضيق هرمز، أظهر الأمريكيون يوم الخميس موقفاً حازماً، مؤكدين أن الوضع في المضيق يجب أن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، أي مفتوحاً أمام الجميع، وفق ما جاء في تصريحات نقلتها قناة "الحدث". وختاماً، يُشار إلى انعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي يوم الخميس حول الحرب في الشرق الأوسط، بناءً على طلب البحرين. وتزامن ذلك مع تقديم سفير إيران لدى الأمم المتحدة شكوى ضد التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع الإسرائيلي، والتي وصف فيها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بأنه "هدف للتصفية".

غموض يلف استئناف الحوار الأميركي-الإيراني في الدوحة

هل عدنا إلى المربع الأول في ظل الغموض الذي يكتنف منذ يومين استئناف المحادثات الأميركية-الإيرانية في الدوحة، رغم الإعلان المسبق عنها؟ الغالب أن الأمر ليس كذلك، وإن كان السؤال مشروعاً. فالحقيقة تبدو أكثر دقة وتعقيداً، لكن اللعبة أبعد ما تكون عن السهولة. ولا يبدو أن طهران وواشنطن في وارد تقديم تنازلات جديدة، تضاف إلى تلك التي جرى القبول بها في إطار مذكرة التفاهم الموقعة بينهما في 18 حزيران. وفي حين تستضيف الدوحة اليوم المبعوثَين الأميركيَّين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب وفد تقني إيراني سينضم إليه، الأربعاء، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، تؤكد السلطات القطرية عدم إدراج أي لقاء مباشر رفيع المستوى مع مسؤولين إيرانيين على الجدول في هذه المرحلة. وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، خلال مؤتمر صحافي عُقد خلال النهار، أنه لا توجد خطط لعقد أي اجتماع مباشر بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في الأيام المقبلة. ونقلت وكالات أنباء إيرانية ويمنية عن كاظم غريب آبادي توضيحه في هذا الصدد أن الجولة الأولى من المباحثات التقنية، في إطار مجموعات العمل المعينة، ستُعقد "عندما تتوفر الظروف الملائمة وبعد الاتفاق على الزمان والمكان". وأشار إلى أن "المشاورات بهذا الشأن مستمرة عبر الدول الوسيطة". وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، مساء الثلاثاء، أن غريب آبادي سيجري مباحثات، الأربعاء، مع المسؤولين القطريين تتركز تحديداً على ملف الأصول الإيرانية المجمدة البالغة ست مليارات دولار؛ وهي مسألة تشكل أولوية بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية التي تواجه صعوبات مالية جمة. المضيق والأصول المجمدة وفقاً لماجد الأنصاري، فإن المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، المتواجدين في الإمارة، سيجريان مباحثات حصرية مع الوسطاء القطريين والمسؤولين المحليين بهدف تقييم تطبيق بروتوكول التفاهم الموقع في منتصف حزيران. وستتناول المناقشات مجمل الملفات الإقليمية، بما فيها الملفان الإيراني واللبناني. وبعبارة أخرى، عاد الوسطاء إلى العمل مجدداً في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بين الولايات المتحدة وإيران، التي ترى أنها قدمت ما يكفي من التنازلات في إطار مذكرة التفاهم. والسؤال المطروح الآن هو: كيف سيتم حل عقدة مضيق هرمز وعقدة الأصول المجمدة؟ إذ تتمسك طهران بما تدّعيه حقاً لها في السيطرة على المضيق، في وقت يواجه فيه هذا الطرح معارضة عربية وأميركية وأوروبية شرسة. وقد كان المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية واضحاً للغاية في هذا الشأن؛ فلا مجال بالنسبة إلى الدوحة للقبول بسيطرة إيرانية على المضيق. كما أكد ماجد الأنصاري أن الأموال الإيرانية المجمدة، والمقرر الإفراج عنها بموجب مذكرة التفاهم، لم يتم تحويلها بعد. من جانبها، تتمسك طهران بخطاب متشدد، بل ومهدد؛ فقد حذر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، من أن أي خرق لمذكرة التفاهم من قبل واشنطن سيجابه برد فوري. وقال: "لن يمر أي إجراء دون رد"، في إشارة إلى الغارات الأميركية التي استهدفت مواقع إيرانية عندما هاجمت طهران ناقلات نفط عبرت مضيق هرمز مستخدمة الممر الذي وفرته سلطنة عمان بالتنسيق مع واشنطن. كما شدد إسماعيل بقائي على ضرورة أن تلتزم الولايات المتحدة بـ"تعهدها المتمثل في إنهاء الحرب على جميع الجبهات، ولا سيما في لبنان". وبحسب قوله، فإن على واشنطن، إذا لزم الأمر، إجبار إسرائيل على احترام بنود الاتفاق. بزشكيان يندد بالهجمات على المفاوضين أهمية وقف الأعمال العدائية على الجبهة اللبنانية كانت أيضاً محط تركيز من الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الذي حرص خلال جولة له في محافظة قم، على توضيح أن الاتفاق مع واشنطن أُبرِم "بتنسيق كامل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي وبدعم من المجلس الأعلى للأمن القومي". بيد أن هذا الخطاب يعكس، مرة أخرى، وجود تيارين متواجهين في إيران. ووفقاً لموقع "إيران إنترناشيونال"، فقد دافع مسعود بزشكيان عن الفريق المكلف بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، مؤكداً أنه نسق مع مجتبى خامنئي في أدق تفاصيل هذا المسار. وقال: "للأسف، تعمد بعض الجماعات، استكمالاً للعمليات النفسية التي تقودها وسائل إعلام معادية، إلى إضعاف هذا التقدم من خلال مهاجمة فريق المفاوضات والتشكيك في القرارات الوطنية". وبحسب "إيران إنترناشيونال"، تأتي تصريحات بزشكيان في وقت تواجه فيه حكومته ضغوطاً متزايدة من الفصائل الأصولية المتشددة المناهضة للحوار مع واشنطن. وذكر الموقع أن العديد من رموز التيار المتشدد اتهموا الرئيس وفريقه المفاوض بتقديم تنازلات، مشككين في الوقت عينه بدعم المرشد الأعلى للقرارات الأمنية الرئيسية. ترقّب في لبنان في لبنان، حيث يثير الاتفاق الإطار مع إسرائيل بدوره موجة من الاستياء، لا يزال الانتظار سيد الموقف حيال وضع ترتيبات هذه الوثيقة موضع التنفيذ. وتنص الوثيقة، من بين أمور أخرى، على انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاعات المحتلة حالياً في جنوب لبنان، حيث يُفترض أن ينتشر الجيش اللبناني، بالتوازي مع التفكيك التدريجي للبنى التحتية العسكرية لـ"حزب الله". وكما هو معلوم، يتعين على إسرائيل الانسحاب أولاً من "مناطق نموذجية"، في خطوة منسقة مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، التي أجرى قائدها، الأميرال براد كوبر، الإثنين، جولة شملت بيروت وتل أبيب. وغداة هذه الزيارة، استقبل الرئيس اللبناني جوزاف عون قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، لإجراء محادثات تتمحور حول دور المؤسسة العسكرية في تطبيق الاتفاق الإطار. ميدانياً، لا يزال الوضع متقلباً؛ إذ استهدفت المدفعية الإسرائيلية بلدات الهبارية في قضاء مرجعيون، وبيت ياحون في قضاء بنت جبيل، ومجدل زون في قضاء صور. وباتت هذه البلدة الأخيرة مشطورة إلى جزئين بعد تفجير نفق تحت الأرض عائد لـ"حزب الله"، ما تسبب في انفجار هائل. وفي غضون ذلك، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بزيارة قام بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، برفقة وزير دفاعه يسرائيل كاتس، إلى القطاع الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. وفي خطاب وجهه إلى العسكريين، أشار نتنياهو إلى أن تل أبيب "بدأت بتفكيك المحور الإيراني، عبر توجيه ضربات مباشرة إلى الجمهورية الإسلامية، وإقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان". وأكد أن الجيش سيبقى في الجنوب "طالما أن حزب الله لم يُنزع سلاحه ويشكل تهديداً لإسرائيل". غير أنه أشار في الوقت عينه إلى أن الترسانة العسكرية للحزب "باتت تعادل 8% فقط مما كانت عليه قبل الحرب"، وأنه "تم القضاء على 9000 مقاتل".

من العراق إلى لبنان، انطلقت معركة حصر السلاح بيد الدولة

كان الغموض لا يزال سائداً مطلع الأسبوع بشأن موعد استئناف الاجتماعات التقنية بين طهران وواشنطن، بعدما كان الطرفان قد قرّرا الثلاثاء الماضي، في سويسرا، تشكيل أربع مجموعات عمل مخصّصة لملفات رفع العقوبات، والملف النووي، وإعادة الإعمار. ورغم تضرّر المحادثات بين العاصمتين بفعل المواجهة العسكرية حول مضيق هرمز، الذي تريد إيران فرض سيطرة كاملة عليه، ورفض طهران السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول منشآتها النووية، فإن هذه المحادثات لم تنقطع، بحسب مصادر متطابقة عدّة نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية ووسائل إعلام أميركية. وأعلن الرئيس دونالد ترامب، الاثنين، عبر شبكته الاجتماعية «تروث سوشال»، أن مسؤولين إيرانيين طلبوا عقد اجتماع متابعة، وأن هذا الاجتماع يفترض أن يعقد الثلاثاء في الدوحة. غير أن طهران سارعت إلى نفي الإعلان، مؤكدة أنه لا لقاءات ولا اجتماعات تقنية لمجموعات العمل مقرّرة هذا الأسبوع في قطر. إلا أن البيت الأبيض أكد أن المفاوضين الأميركيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف سيتوجهان إلى قطر «لعقد اجتماعات رفيعة المستوى»، من دون تحديد موعد. وبحسب موقع «أكسيوس» الأميركي، من المرتقب أن يكونا الثلاثاء في الدوحة لإجراء محادثات مع المسؤولين القطريين. وأشار الموقع إلى أن الوفدين التقنيين الأميركي والإيراني، المكلّفين تنفيذ مذكرة التفاهم الموقّعة في 18 حزيران، سيعقدان الأربعاء اجتماعات منفصلة مع الوسيطين القطري والباكستاني. وأكد دبلوماسي وصفته وكالة الصحافة الفرنسية بأنه قريب من الملف أن قنوات الاتصال بين البلدين لا تزال مفتوحة، ما يعني عملياً أن الوساطة التي يقودها كل من قطر وباكستان قد استؤنفت بعد تصاعد التوتر وتبادل التهديدات بين الطرفين. الاثنين، عاد الهدوء إلى الجبهة الأميركية-الإيرانية: فتوقفت التهديدات المتبادلة التي كانت قد استؤنفت بعد الهجمات الإيرانية أواخر الأسبوع الماضي على ناقلات نفط كانت تعبر هرمز، كما توقفت ضربات الطائرات المسيّرة الإيرانية والهجمات الأميركية المضادة. ويبدو أن هذا الهدوء تقرر باتفاق مشترك، إذ أعلن مسؤول أميركي مساء الأحد تعليق الهجمات المتبادلة لإفساح المجال أمام مواصلة المحادثات التقنية والحفاظ على حرية حركة السفن في مضيق هرمز. لكن المعركة لم تُحسم بعد، إذ لا تزال طهران متشددة حيال ما تعتبره حقاً لها في السيطرة على هذا الممر البحري الاستراتيجي. غير أن الجمهورية الإسلامية، التي كانت تراهن على تعاون سلطنة عُمان لخلق سابقة تنتهك القانون البحري الدولي، سرعان ما خاب ظنها. فقد أكدت مسقط، الاثنين، أنها لن تتخذ أي إجراء يخالف هذا القانون، لكنها تبقى مستعدة لمناقشة طهران في إمكان فرض رسوم محتملة، شرط أن تكون في مقابل خدمات فعلية تقدَّم. حصر السلاح في العراق. ماذا عن لبنان؟ على المستوى الإقليمي أيضاً، يبرز عنصر آخر يستحق التوقف عنده نظراً لأهميته الاستراتيجية. فقد حدّدت الحكومة العراقية للفصائل المسلحة الموالية لإيران مهلة ثلاثة أشهر لتسليم أسلحتها، تنتهي في 30 أيلول. ويأتي هذا الإعلان في وقت يُنتظر فيه وصول رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، إلى الولايات المتحدة، التي كانت، كما هو معروف، تدعو إلى نزع سلاح هذه الفصائل. كما يأتي غداة حملة توقيف غير مسبوقة في الوسط السياسي العراقي. فقد أوقف ما لا يقل عن 200 شخص، بينهم عدد كبير من النواب ووزراء سابقون ورجال أعمال، في إطار عملية نُفذت تحت عنوان مكافحة الفساد. وصودرت عشرات ملايين الدولارات في عدد من المنازل. وتعكس العمليتان معاً تصميم السلطة في العراق على التحرر من نفوذ الجمهورية الإسلامية، التي لم تعلّق على الإعلان. ولا يمكن فصل هذين التطورين عن مسار التحول الذي دخلته المنطقة منذ العملية العسكرية الإسرائيلية-الأميركية ضد إيران. على المستوى السياسي، يشترك العراق ولبنان في أوجه شبه كثيرة، ولا سيما في ما يتعلق بالنفوذ الإيراني وأثره المزعزع للاستقرار في البلدين. غير أن الفارق الأساسي بينهما يكمن في القدرة والإرادة على التحرك: ففي العراق، تُرجمت إرادة تقليص نفوذ الفصائل المسلحة إلى إجراءات ملموسة، بينما لا تزال الخطوة نفسها، التي اتخذت في لبنان في آب 2025، تصطدم بالتردد المحيط بتنفيذها. وهي لا تزال تفتقر إلى الوضوح، وباتت اليوم مرتبطة بمجموعة إجراءات وردت في الاتفاق الإطار الذي أبرمته بيروت وتل أبيب الأسبوع الماضي في واشنطن. وتنص المرحلة الأولى من هذا الاتفاق على انسحاب إسرائيلي من «مناطق نموذجية» في جنوب لبنان. غير أن هذا الانسحاب لا يزال منتظراً. وتشكل زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية، براد كوبر، إلى بيروت، حيث أجرى محادثات مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل والرئيس جوزاف عون، تمحورت حول التحضيرات لتنفيذ الوثيقة الموقعة في واشنطن، مؤشراً إلى بداية هذا المسار. يبدو أن إسرائيل تتحضر لانسحابات جزئية تدريجية حتى «الخط الأصفر»، كما يدل على ذلك التفجير الواسع لأنفاق تابعة لحزب الله في مجدل زون، ومنازل في قرى أخرى، ولا سيما حداثا. وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، الاثنين، أن بلاده لن تنسحب من لبنان ما دام الحزب لم يُنزع سلاحه، في وقت ترفض فيه التشكيلة الموالية لإيران رفضاً قاطعاً تسليم سلاحها. وإذا كانت حدة التوتر التي تجلت ميدانياً عبر تحركات احتجاجية لجمهور الحزب بعد توقيع الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي قد تراجعت سياسياً، فإنها لا تزال قائمة. ويواصل مسؤولو الميليشيا التحذير من أي محاولة لنزع السلاح، مؤكدين مراراً عزمهم على مواجهة المسار الدبلوماسي المنطلق بين بيروت وتل أبيب. إلا أن المرحلة لا تزال مرحلة تهدئة. فالثنائي أمل-حزب الله لا يعتزم، على الأقل «في الوقت الراهن»، الذهاب نحو التصعيد. وقد أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري، المعارض أيضاً لنص الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي، تمسكه باستقرار البلاد والحفاظ على الهدوء، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الحكومة نواف سلام. ومن خلال أحد مسؤوليه، محمود قماطي، أعلن حزب الله أنه لا يعتزم في الوقت الراهن سحب وزرائه من الحكومة، حتى وإن أكد أن «الحزب يملك الوسائل لإسقاطها». الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم ترحب بالاتفاق وعلى الرغم من هذه الأصوات المعترضة، التي تدور كلها في الفلك نفسه، أو التحفظات التي أبداها بعض السياسيين، ومن بينهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، على بعض بنود الوثيقة اللبنانية-الإسرائيلية، فإن الاتفاق الإطار يحظى بإجماع واسع، بقدر ما يخرج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني ويمنع جنوب لبنان من أن يبقى صندوق صدى لصراعات المنطقة. وقد رحبت الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، وهي الهيئة الأساسية التي تمثل اللبنانيين في الخارج، الاثنين، بإبرام هذا الاتفاق، معتبرة في بيان موقّع من رئيسها فارس وهبة أن المسار الذي انخرطت فيه السلطات اللبنانية «ينسجم مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية ومع قرارات الحكومة الهادفة إلى إعادة قرار الحرب والسلم حصراً إلى الدولة». وترى الجامعة، كما شدد فارس وهبة، أن هذا المسار يشكل «خطوة أولى نحو استعادة لبنان سيادته الكاملة على كامل أراضيه الوطنية»، وأنه «يعيد وصل لبنان بتقليد دبلوماسية لبنانية جريئة، كما كانت قائمة غداة الاستقلال، قبل أن يُنتزع قرار الحرب والسلم من سلطة الدولة». وأضاف وهبة: «للمرة الأولى منذ عقود، يفاوض البلد باسمه الخاص ولمصلحة أمته»، مشدداً على أن «اللبنانيين، في الداخل كما في الانتشار، يتطلعون إلى استعادة لبنان الطبيعي، حيث تعود الثقافة والفنون والحياة والفرح لتتقدم على لغة السلاح». وأكد رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم عزمه على دعم الرئيس والحكومة في هذه المهمة، داعياً اللبنانيين «إلى اليقظة وإحباط أي محاولة لزرع الفوضى، لا سيما أن بعض الأطراف المسلحة، المرتبطة بمنظومة فساد متجذرة في مفاصل الدولة العميقة، تجد مصلحتها في إبقاء ملف السلاح خاضعاً لتوازنات إقليمية». وختم بيان الجامعة بالتشديد على أن «ما تحقق ينبغي الآن الحفاظ عليه من خلال التزام جدي وثابت، لا الاحتفاء به كما لو أنه نهاية المطاف»، مجدداً التأكيد أن «الاستقلال الذي يتطلع إليه لبنان يجب أن يكون كاملاً ونهائياً».

توقيع الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي في واشنطن يخرج إيران من المعادلة

بعد قرابة شهرين من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وفي اليوم الرابع من الجولة الخامسة من المحادثات التي عُقدت في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، بإشراف وزير الخارجية ماركو روبيو، وُقّع مساء السبت، بتوقيت بيروت، «اتفاق إطار» بين لبنان وإسرائيل. وجرت المراسم بحضور روبيو ومفاوضي البلدين، ولا سيما، من الجانب اللبناني، السفير اللبناني السابق لدى واشنطن سيمون كرم، والسفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى. ووقّعت الوثيقة سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، وسفير إسرائيل يحيئيل لايتر، اللذان ألقيا كلمتين مقتضبتين شكرا فيهما إدارة ترامب على جهودها، وشددا على أهمية هذا الحدث. ويُعدّ هذا الاتفاق الإطاري أول عمل دبلوماسي رسمي يُبرم بين لبنان وإسرائيل منذ توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983، الذي أُجهض لاحقاً. ويمثل هذا الإنجاز، بعد خمس جولات من المفاوضات، خطوة أولى ستليها مفاوضات طويلة في المستقبل، بهدف التوصل إلى انسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان، بالتوازي مع مسار نزع سلاح حزب الله. وفي هذا السياق، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء السبت، إلى أن هذه الخطوة الأولى ستمهّد الطريق لاتفاقات أخرى، على أن تكون المرحلة النهائية، كما قال السفير لايتر مساء السبت، اتفاق سلام مستقبلياً بين البلدين. وعملياً، تنص الوثيقة على إنشاء «منطقتين تجريبيتين» فوراً، إحداهما شمال الليطاني، حيث سيتعين على الجيش اللبناني الانتشار لمنع أي وجود ميليشيوي في القطاعات المعنية. وأفاد مصدر إسرائيلي في وقت متأخر من المساء بأن انتشار الجيش اللبناني سيتم بدعم أميركي مباشر، قد يترجم بإيفاد خبراء عسكريين أميركيين. وعليه، فإن الأمر يتعلق بنقطة انطلاق ستتبعها خطوات أخرى، تقود تدريجياً إلى انسحاب إسرائيلي بالتوازي مع انتشار القوات النظامية المحلية ونزع سلاح حزب الله. وفي هذا الإطار، وبناءً على تعليمات الرئيس جوزاف عون، شدد الوفد اللبناني على ضرورة أن يذكر الاتفاق الإطاري صراحة الحاجة إلى «انسحاب كامل» للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. أما في ما يتصل بمدى هذا الاتفاق، فقد أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي مساءً أن «عملية نزع سلاح حزب الله، المنصوص عليها في الوثيقة، ستُطبّق جنوب الليطاني وشماله». لكن الدلالة الجيوسياسية لهذا الاتفاق الإطاري هي التي تستقطب خصوصاً اهتمام المحللين والأوساط السياسية في لبنان. فالوثيقة المعنية تكرّس عملياً إبعاد إيران عن مسار معالجة الأزمة اللبنانية ومشكلة جنوب لبنان. وخلال الأسابيع الماضية، لم يوفر نظام الملالي أي جهد لفرض دور إيراني مباشر في المساعي الرامية إلى إيجاد مخرج للنزاع اللبناني، ولا سيما في الجنوب. وخلال المفاوضات الأخيرة بين إدارة ترامب والجمهورية الإسلامية، كان القادة الإيرانيون يشترطون، كمدخل لأي اتفاق مع واشنطن، الوقف الكامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب. وكان هذا الإصرار يخفي بصعوبة رغبة طهران في انتزاع موقع وازن لها في أي مسار لحل سياسي في لبنان. وقد بدا أن هذا الدور الإيراني، الذي يطالب به الحرس الثوري، قد تكرّس خلال المحادثات الأميركية-الإيرانية التي انطلقت هذا الأسبوع في سويسرا بإشراف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس. وكانت تلك المحادثات قد أفضت إلى تفاهم يرمي إلى إشراك إيران في مسار مراقبة الوضع في جنوب لبنان. غير أن الاتفاق الإطاري الذي وُقّع في واشنطن مساء السبت يستبعد أي ضلوع للجمهورية الإسلامية، وبالتالي لحزب الله، ويحصر جهود التهدئة وإعادة الأمن والسيادة اللبنانية بالإطار اللبناني-الإسرائيلي وحده، تحت إشراف أميركي صارم ومنفرد. وهذا ما يفسر رد الفعل الحاد لحزب الله في ساعة متأخرة من مساء السبت. فقد عاد النائب في الحزب حسن فضل الله في هذا السياق إلى لازمة التهديد بـ«الحرب الأهلية»، معتبراً أن اتفاق واشنطن يهدف إلى تقويض مسار إسلام آباد، المرتكز، بوضوح، على إعادة إحياء دور إقليمي راجح للجمهورية الإسلامية في المنطقة، ولا سيما في لبنان. وعلى مستوى المواقف السياسية، أعلن وزير الخارجية الأميركي في وقت متأخر من المساء أن هذا الاتفاق الإطاري «يرسي أسس مسار محدد بوضوح، يهدف إلى استعادة سيادة لبنان، ونزع سلاح حزب الله، وتفكيك بنيته التحتية». أما الرئيس جوزاف عون، فشدد من جهته على أن الهدف المنشود هو «إرساء سيادة حصرية للدولة اللبنانية على أراضيها». وأضاف: «لم يعد جائزاً بعد اليوم الحديث عن احتلال، أو تبعية، أو وصاية»، في إشارة شبه واضحة إلى محاولات إيران فرض هيمنتها على الساحة اللبنانية. تصعيد عسكري، هرمز وعلي الطاهر على الصعيد العسكري، تجدر الإشارة إلى أن إبرام الاتفاق الإطاري في واشنطن سبقه إعلان الجيش الإسرائيلي، بعد ظهر السبت، «السيطرة الكاملة على تلة علي الطاهر»، ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة. وقال القيادة العسكرية الإسرائيلية: «نحن نسيطر الآن بالكامل على تلة علي الطاهر، وبذلك يكون حزب الله قد خسر معقله الذي كان يتيح له تهديد الأراضي الإسرائيلية». ولا تكتسب السيطرة على تلة علي الطاهر أهمية عسكرية فحسب، بل تشكل أيضاً لإسرائيل مكسباً جيوسياسياً أساسياً. فقد حوّل الحرس الثوري الإيراني باطن هذه المنطقة إلى شبكة واسعة جداً من الأنفاق والبنى التحتية، تضم غرف قيادة مجهزة بعناية، ومستودعات كبيرة للصواريخ والذخائر المتنوعة. وبات عشرات من عناصر حزب الله، والأهم من ذلك عدد من الضباط الكبار وكوادر الحرس الثوري، عالقين في هذه الأنفاق، من دون أي منافذ خروج، نتيجة سيطرة الجيش الإسرائيلي على المنطقة. ودفع هذا التطور مصدراً عسكرياً إسرائيلياً إلى القول إن السيطرة الكاملة على علي الطاهر من جانب قوات الدولة العبرية «تمثل نهاية دور إيران وحزب الله». غير أن الحزب الموالي لإيران نفى في وقت متأخر من المساء سقوط التلة المعنية في يد الجيش الإسرائيلي. وعلى المستوى الإقليمي البحت، اتهم الرئيس دونالد ترامب الجمهورية الإسلامية بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، موضحاً أن الإيرانيين أطلقوا أربع طائرات مسيّرة باتجاه سفن في مضيق هرمز. وأكد الرئيس الأميركي أن ثلاثاً من هذه الطائرات أُسقطت في تلك المنطقة على يد القوات الأميركية، مشيراً إلى أن الطائرة الرابعة أصابت مباشرة الجزء العلوي من سفينة تجارية كبيرة، ما تسبب بأضرار جسيمة. وفي هذا الإطار، أفادت وسيلة إعلام إيرانية، السبت، بأن «قناة اتصال مباشرة أُنشئت بين الأميركيين والإيرانيين لتفادي أي خلل على مستوى مضيق هرمز». إلا أن هذه المعلومة نفاها لاحقاً، وبشكل قاطع، الحرس الثوري الإيراني. وقبيل منتصف الليل، أعلن الجيش الأميركي أنه نفذ ضربات ضد أهداف إيرانية في منطقة المضيق. وأوضحت القيادة العسكرية أن الطيران الأميركي شن غارات على مستودعات صواريخ وطائرات مسيّرة، وعلى مراكز رادار، رداً على الهجوم الإيراني على السفينة التجارية.

لبنان-إسرائيل: روبيو يسعى لانتزاع إعلان نوايا
بقلم
LevantTime .
نُشر
يونيو 26, 2026 - 01:01

في اليوم الثالث من الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن، كان يُفترض أن تفضي مناقشات وُصفت بالشاقة بين الوفدين السياسيين-العسكريين اللبناني والإسرائيلي إلى إعلان نوايا يحدّد إطار مفاوضات أكثر تفصيلاً وتعاون مستقبلي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة. وكان من المقرر إعلان وتوقيع إعلان النوايا بين لبنان وإسرائيل عند الساعة الحادية عشرة ليلاً، بتوقيت بيروت، غير أنّ الإعلان تأخر بسبب استمرار المناقشات بين الطرفين. وبحسب مصادر مختلفة ومتطابقة، فإنّ وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، يضع ثقله كاملاً في الميزان من أجل دفع لبنان وإسرائيل إلى توقيع إعلان النوايا هذا. في غضون ذلك، سُجّلت خلال نهار الخميس ومساء اليوم نفسه عدة حوادث متفرقة بين الجيش الإسرائيلي ومسلحين من حزب الله. وقبيل منتصف الليل، شنّ طيران الدولة العبرية غارة على بلدة بيت ياحون، في قضاء بنت جبيل. وقد تركزت نقاشات هذا اليوم الأخير من الجولة الخامسة من المفاوضات، من دون مفاجأة، على الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل الترسانة العسكرية لحزب الله. وهما موضوعان كان الطرفان يجدان صعوبة في التفاهم بشأنهما، في وقت كان وزير الخارجية الأميركي، خلال جولته في الخليج، يتحدث عن تحقيق تقدم في المفاوضات. بالنسبة إلى إسرائيل، الخاضعة لضغوط أميركية قوية من أجل الانسحاب، أقله حتى الخط الأصفر، تبدو المعادلة واضحة: لا انسحاب ما دامت التشكيلة الموالية لإيران تحتفظ بسلاحها وتشكل تهديداً لشمال البلاد. أما لبنان، من جهته، فيؤكد إرادته بسط سيادته على كامل أراضيه، ويرى أن بقاء الجيش الإسرائيلي في الجنوب سيعقّد مهمته. ولذلك تطالب بيروت بانسحاب إسرائيلي كامل ومسبق، في حين ترغب تل أبيب في أن ينتشر الجيش اللبناني في الجنوب قبل انسحاب قواتها. وكان الطرفان يجدان صعوبة أيضاً في التوصل إلى تفاهم حول «المناطق النموذجية» التي ستشكل نقطة انطلاق لانسحاب إسرائيلي لا يزال جدوله الزمني بحاجة إلى تحديد. وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نجح في إقناع دونالد ترامب بالتوقف عن المطالبة بانسحاب، ما دامت واشنطن شريكة في مشروع «المناطق النموذجية» في الجنوب، التي ستنسحب منها إسرائيل تدريجياً مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني. وقد أكد نتنياهو مجدداً، في خطاب ألقاه في نهاية اليوم، أنّ قواته ستبقي على وجود لها في «المناطق الأمنية في غزة ولبنان»، وأنّ «مهام لا تزال ينبغي تنفيذها في مواجهة إيران وحزب الله وحماس». صحيح أنّ تل أبيب خفّضت بشكل ملحوظ عملياتها في الجزء الجنوبي من البلاد، إلا أنّ جيشها يواصل القضاء على مقاتلين من حزب الله. فقد قُتل ثلاثة أشخاص في ضربة نفذتها طائرة مسيّرة واستهدفت سيارة قرب ميفدون، في قضاء النبطية. والملف اللبناني، كما هو معلوم، مُدرج في المناقشات بين واشنطن وطهران، بإصرار من الجمهورية الإسلامية التي تريد أن تبقي يدها العليا على أي مسار يتصل بمصير البلاد، والتي نصّبت نفسها ناطقة باسم لبنان، رغم الرفض اللبناني الرسمي لأي تدخل إيراني في شؤونه. وضارباً عرض الحائط بانتقادات الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لسلوك طهران، أعلن قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، مرة جديدة، أنّ على إسرائيل أن تغادر «كامل الأراضي اللبنانية» بمحض إرادتها، وإلا فإنها ستُرغم على «الفرار تحت وطأة الهزيمة». وتواصل طهران وضع الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من جنوب لبنان شرطاً لمواصلة مفاوضاتها مع واشنطن. من جهتها، أكدت الولايات المتحدة ودول الخليج، في بيان مشترك صدر في ختام الاجتماع الوزاري لمجلس التعاون الخليجي الذي انعقد في المنامة، ضرورة الفصل بين المسارين الدبلوماسيين الجاريين في واشنطن وسويسرا. وسار التكتل النيابي لحزب الله في الاتجاه نفسه الذي يسلكه الحرس الثوري الإيراني، داعياً الدولة اللبنانية إلى «الاستفادة من الدعم الإيراني»، ومحذراً إياها من «تنازلات قد تُقدَّم إلى تل أبيب». وردت إسرائيل فوراً، على لسان وزير دفاعها، يسرائيل كاتس، الذي أعلن أنّ بلاده «ستضرب إيران بقوة إذا هاجمتنا بسبب عملياتنا في لبنان». شدّ حبال حول هرمز على المستوى الإقليمي، اشتدّ الخميس شدّ الحبال حول مضيق هرمز بشكل واضح، بعدما رفض الحرس الثوري الإيراني مبادرة عُمانية، مدعومة من واشنطن ودول الخليج، تهدف إلى تأمين الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي. ويهدد هذا التطور بتعقيد المسار الدبلوماسي الجاري من أجل تحقيق سلام في المنطقة، خصوصاً أنّ إيران، التي تعلن نفسها منتصرة في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي تواجه صعوبات مالية واقتصادية كبيرة، تسعى إلى مراكمة مكاسب من هذا النوع. وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، فإن رسوم العبور قد تدرّ على طهران ما يصل إلى 40 مليار دولار سنوياً. وهو مبلغ كفيل بإنعاش النظام، ولا سيما إذا بقيت أصوله مجمدة من قبل واشنطن. وفي مؤشر إلى أزمة ناشئة، أعلنت البحرية البريطانية في نهاية اليوم أنّ ناقلة نفط «أصيبت بجسم متفجر مجهول المصدر جنوب شرق ميناء عُماني». كما اضطرت ثلاث سفن شحن أخرى، بينها ناقلة نفط، كانت تعبر الممر نفسه، إلى العودة أدراجها، بحسب المصدر نفسه. وكانت طهران تراهن على عُمان للالتفاف على الضغوط الدولية وفرض رسوم عبور في هرمز، إلا أنّ السلطنة سارعت إلى النأي بنفسها عن ذلك، معلنة إنشاء ممرين مؤقتين جديدين على طول سواحلها، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية. وأكد وزير خارجيتها، بدر البوسعيدي، أنه لن تُفرض أي «رسوم عبور»، موضحاً في الوقت نفسه أن مسقط تواصل مناقشاتها مع طهران بشأن تكاليف مرتبطة ببعض الخدمات الإدارية وخدمات الأمن البحري. وإذا كان هذا القرار قد لقي ترحيباً واسعاً من دول الخليج، فإن الحرس الثوري الإيراني، الذي يعتزم الحفاظ على السيطرة على أحد أبرز معابر الطاقة في العالم، سارع إلى رفضه. ففي بيان مضاد، أكد أنّ «الطرق الوحيدة المسموح بها لعبور مضيق هرمز هي تلك التي أعلنتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية». واتهم مسقط بعدم التشاور معه، محذراً من أنّ أي سفينة تسلك مساراً آخر ستعرّض نفسها لـ«عقوبات»، من دون أن يحدد طبيعتها. ولم يتأخر الرد الأميركي. ففي البحرين، حيث يشارك في الاجتماع الوزاري لمجلس التعاون الخليجي، رفض ماركو روبيو بشكل قاطع أي فكرة لفرض رسوم عبور أو إتاوات في المضيق، مؤكداً أنّه «لا يمكن لأي دولة أن تدّعي امتلاك ممر بحري دولي». وبالنسبة إلى واشنطن، يتجاوز النقاش بكثير إطار الخليج. فالمسؤولون الأميركيون يخشون أن يشجع أي سابقة في هرمز قوى أخرى على تحويل العبور في مضائق استراتيجية حول العالم إلى مورد مالي، ما قد يؤدي إلى «فوضى تامة»، كما حذر روبيو. ويبقى أن نرى أي تأثير سيكون لهذه الحلقة على المفاوضات الأميركية-الإيرانية. فمن جهة، يعتبر الحرس الثوري الإيراني أنّ أي تنازل بشأن هرمز يعني خسارة نفوذ إقليمي. ومن جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة، وإن كانت حريصة على التوصل إلى اتفاق مع إيران، لا تريد القيام بذلك «بأي ثمن»، كما أكد ماركو روبيو في المنامة. وقد كرر رئيس الدبلوماسية الأميركية أنّ أي بند في الاتفاق المقبل مع إيران يجب ألا يعرّض للخطر «أمن واستقرار وازدهار» دول الخليج، في محاولة واضحة لطمأنة هذه الملكيات، فيما يُنتظر عقد اجتماع تقني جديد بين خبراء أميركيين وإيرانيين في سويسرا في نهاية الشهر. وقد تجلى هذا الالتزام في البيان الختامي للاجتماع الوزاري في المنامة. فقد أُدرجت مسألة الصواريخ الباليستية فيه، رغم أنها لا ترد في مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، ورغم رفض طهران، باسم توازن القوى الإقليمي، أن يكون هذا الملف موضع تفاوض. ودعا وزراء خارجية دول الخليج واشنطن إلى إدراج مسألة الصواريخ الإيرانية والجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران في المفاوضات الهادفة إلى وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط. وقال وزراء مجلس التعاون الخليجي إنّ «السلام والأمن الإقليميين الدائمين يتطلبان معالجة مجمل التهديدات الإيرانية، بما في ذلك صواريخها الباليستية ومسيّراتها ودعمها للجماعات المسلحة في المنطقة».

مفاوضات واشنطن: سياسة الخطوات الصغيرة
بقلم
LevantTime .
نُشر
يونيو 24, 2026 - 22:43

تركّز اليوم الثاني من الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي عُقدت هذا الأربعاء 24 يونيو في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، على بحث الآلية العملية التي ينبغي وضعها من أجل «إدارة» الانسحاب الجزئي، والرمزي في المرحلة الراهنة، للقوات الإسرائيلية من بعض قطاعات المنطقة الحدودية. ووفقاً للمداولات الجارية في هذا الإطار، يُفترض أن يحلّ الجيش اللبناني تدريجياً محلّ الوحدات الإسرائيلية التي تنسحب تباعاً. وتشير مصادر مطلعة عادةً إلى أن عملية التسلم هذه ستتم عبر وحدات من الجيش اللبناني، بإشراف وإطار «أمني» وعملياتي من القيادة العسكرية الأميركية. ومن المقرر أن تتواصل المباحثات الجارية في واشنطن حول هذا الموضوع لليوم الثالث، هذا الأربعاء 24 يونيو. وفي ما يتعلق بالغاية النهائية من هذه المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، قال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية، الأربعاء، إن إدارة ترامب تعمل على «وضع حد نهائي لدورات العنف بين لبنان وإسرائيل». وأضاف، في ما يبدو حرصاً على تحديد إطار المفاوضات — وربما لإبقائها بعيداً عن الاستعراضات الإعلامية الهيمنية لنظام الملالي — أن «لبنان وإسرائيل يتفاوضان بصفتهما دولتين ذاتي سيادة من أجل تحقيق السلام». وفي انتظار اتضاح نتائج هذه الجولة الخامسة، لا يزال هدوء هش ومتوتر يخيّم على الأرض في المنطقة الجنوبية، على طول الحدود مع إسرائيل. غير أن هذه التهدئة تتخللها يومياً تقريباً حوادث أمنية موضعية، كما حصل هذا الأربعاء عندما قتل الجيش الإسرائيلي عنصرين من حزب الله كانا يقتربان من المواقع الإسرائيلية في قطاع تلة علي الطاهر الاستراتيجية. وفي موازاة ذلك، أطلقت مسيّرة إسرائيلية صاروخاً على سيارة كانت تسلك طريق كفر رمان، في قضاء النبطية، ما أدى إلى مقتل شخصين. وفي أواخر بعد الظهر، سُجلت غارة أخرى بمسيّرة في النبطية الفوقا، فيما وُجهت نيران مدفعية نحو بلدة ياطر في قضاء بنت جبيل. وتأتي هذه الحوادث الموضعية فيما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، أن الدولة العبرية «لم تُنهِ عمليتها في جنوب لبنان»، مشدداً في هذا السياق على أنه ما دام في منصبه رئيساً للوزراء، فإن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب بالكامل من المنطقة العازلة التي يعمل على إقامتها وترسيخها في المنطقة الجنوبية اللبنانية، بهدف تأمين شمال إسرائيل. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، قد أشار الأربعاء إلى أن إدارة ترامب لم تطلب من إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان. ولإقفال هذا الملف اللبناني، الذي يبدو أنه يتقدم إذاً بـ«خطوات صغيرة»، تجدر الإشارة إلى أن الرئيس جوزف عون جدد التأكيد هذا الأربعاء أن مفاوضات واشنطن منفصلة تماماً عن المباحثات الأميركية-الإيرانية التي انطلقت في سويسرا. البُعد الإقليمي أما في ما يتعلق بالتطورات الإقليمية، فلا تزال ثلاثة ملفات أساسية تُبقي الخلافات قائمة بين الأميركيين والإيرانيين في قراءة الاتفاق الإطاري المبرم بين الطرفين وتفسيره. فإدارة ترامب، وبصورة أكثر تحديداً سيد البيت الأبيض، لا تفوّت مناسبة للتأكيد أن خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيقومون بالفعل بتفتيش المواقع النووية الإيرانية، وهو ما لا ينفك أركان النظام الإيراني ينفونه نفياً قاطعاً. وفي الوقت نفسه، يؤكد الرئيس ترامب بوضوح أن الأصول الإيرانية التي سيتم الإفراج عنها ستُستخدم حصراً لشراء القمح والذرة والصويا، لحساب الشعب الإيراني، مباشرة من السوق الأميركية، بما يعود بالفائدة على المزارعين والمنتجين الأميركيين. غير أن هذا الطرح يرفضه كبار المسؤولين في طهران، الذين يكررون على مسامع من يريد أن يسمع أن السلطة الإيرانية وحدها هي التي تقرر كيفية استخدام الأصول التي ستفرج عنها الإدارة الأميركية. وثمة موضوع آخر يشكل موضع خلاف بين واشنطن وطهران، هو إدارة الملاحة البحرية الدولية في مضيق هرمز. فالنظام الإيراني يواصل التحرك على أكثر من مستوى لفرض سيطرته وسيادته على المضيق كأمر واقع، عبر فرض رسوم لقاء خدمات إدارية و«بيئية» و«أمنية» يُفترض أن تُقدَّم للسفن التي تعبر هذا الممر البحري. ومن الواضح أن الأمر يتعلق برسم عبور لا يريد الإفصاح عن اسمه… وهو ما دفع الرئيس ترامب إلى التأكيد، الأربعاء، أنه إذا سعى الإيرانيون إلى فرض رسم عبور مقنّع في مضيق هرمز، فسوف يوقف بكل بساطة المفاوضات مع طهران.

أزمة المنطقة: حراك ديبلوماسي مكثف وسط تزايد المساحات الرمادية

شهد يوم الثلاثاء استنفاراً ديبلوماسياً واسعاً تمحور حول ملفين يتصدران واجهة الأحداث الدولية منذ فترة: المحادثات الجارية بين واشنطن وطهران، والمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وفي هذا السياق، انطلقت أعمال الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في البنتاغون، وسط تأكيد حازم من رئيس الجمهورية جوزاف عون على الثوابت التي يجب أن تحكم هذه المباحثات الممتدة على مدى ثلاثة أيام، وفي مقدمها احترام السيادة اللبنانية. وكان الرئيس عون، الذي انتقد مراراً التدخل الإيراني السافر في الشؤن الداخلية اللبنانية، قد ساوى بين طهران وتل أبيب قائلاً: "لن نقبل بأقل من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وجميع الوصايات الخارجية"، في إشارة واضحة، وإن غير مباشرة، إلى إيران. ونقل بيان صادر عن مكتبه تطلعه إلى أن تفضي هذه المحادثات إلى "استعادة لبنان سيادته الكاملة على كل شبر من أراضيه". وبالنسبة إلى بيروت، يكمن الهدف الأساسي لهذه المحادثات في تحويل اتفاق وقف إطلاق النار إلى آلية تنفيذية ملموسة تضمن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وعودة النازحين، وإطلاق سراح الأسرى. ووفقاً لمصادر قصر بعبدا، التي نقلت عنها وكالة الأنباء المحلية "المركزية"، فقد زُوّد رئيس الوفد اللبناني، السفير سيمون كرم، بتوجيهات دقيقة للتمسك بهذه الأولويات، مع البحث في الوقت عينه عن ترتيبات عسكرية وأمنية قابلة للتطبيق على الأرض، حيث لا يزال وقف إطلاق النار يواجه خروقات ميدانية. وفي هذا الإطار، أطلق الجيش الإسرائيلي النار يوم الثلاثاء على مجموعات من الأشخاص وصفهم بـ"الإرهابيين" التابعين لـ"حزب الله" الموالي لإيران، وذلك في محيط تلة علي الطاهر الاستراتيجية، ما أسفر عن سقوط قتيلين على الأقل. وفي سياق متصل، أفادت معلومات تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية بأن المحادثات تركز بشكل خاص على إنشاء "مناطق تجريبية" في جنوب لبنان. وبحسب صحيفة "هآرتس"، فإن تل أبيب أعدت خرائط عدة تلحظ انسحاباً تجريبياً من بعض المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني والخط الأصفر، على أن ينتشر فيها الجيش اللبناني تحت إشراف أميركي. وفي لبنان، تُشير المعطيات إلى أن المحادثات ذات الطابع العسكري والأمني ستليها، يوم الخميس، مناقشات أخرى ذات أبعاد سياسية، ترتبط على وجه الخصوص بنزع سلاح "حزب الله". وإذ يحظى مشروع "المناطق التجريبية" بدعم أميركي بطبيعة الحال، لكونه يشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة الجيش اللبناني على ضبط الأمن في الشطر الجنوبي من البلاد، ومنع أذرع طهران من التمدد مجدداً هناك، فإنه يصطدم مع ذلك بعقبتين رئيسيتين: الأولى تكمن في إشراك الجمهورية الإسلامية، الرافضة لإرخاء قبضتها عن لبنان، في الآلية المرتقب إبصارها النور، دون تقديم أي تفسيرات رسمية حتى الآن لخلفيات هذا الحضور المستغرب في أقل تقدير. أما العقبة الثانية، فتتمثل في أن لبنان لا يبدو مشاركاً في التحضيرات الملموسة لهذه الترتيبات، وهو ما عكسته مضامين الاتصالين الهاتفيين اللذين تلقاهما جوزاف عون من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وكان المسؤولان الأميركيان قد اتصلا به يوم الثلاثاء للإعراب عن دعمهما لمواقفه ولمواقف الحكومة الهادفة إلى استعادة السيادة اللبنانية. وبحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية، فقد أطلعاه على أن "التحضيرات المتعلقة بتشكيل هذه الخلية وآلية عملها قيد الدرس حالياً". وأمام هذا المشهد، يبقى السؤال مطروحاً حول طبيعة الدور الذي سيتولاه لبنان في هذا الإطار، في وقت تواصل فيه بيروت المطالبة بفصل المسارين التفاوضيين؛ اللبناني-الإسرائيلي من جهة، والإيراني-الأميركي من جهة أخرى. نداء جو راجي إلى الدول العربية من عمان، حيث شارك في أعمال الدورة الـ165 لمجلس وزراء الخارجية العرب في جامعة الدول العربية، طالب وزير الخارجية جو رجي الدول العربية بدعم "استقلالية مسار التفاوض اللبناني" بعيداً عن المحور الأميركي-الإيراني، مشدداً على أن مستقبل لبنان لا ينبغي أن يُقرّر في غيابه. ويبدو أن هذه الرغبة لا تزال تحظى بدعم واشنطن، وهو ما أكده جي دي فانس في رده على رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي كان قد استفسر منه عن الموقف الأميركي حيال لبنان و"حزب الله". وأكد فانس في رده لجعجع أن الولايات المتحدة تعتبر الرئيس عون والحكومة اللبنانية "السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد". وشدد نائب الرئيس الأميركي على أن المباحثات مع طهران "لا تهدف إلى منحها دوراً في مستقبل لبنان، بل إلى الضغط عليها لكي تحثّ حزب الله على احترام التزاماته". وفي مطلق الأحوال، فإن المعسكر السيادي، الذي شنّ عليه الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم هجوماً عنيفاً مجدداً يوم الثلاثاء، متّهماً إياه بخدمة المصالح الإسرائيلية، لا يعتزم التراجع. وفي هذا السياق، وقّعت أكثر من 400 شخصية لبنانية نداءً لإنقاذ لبنان، يرتكز على ثلاث أفكار رئيسية: الالتفاف حول الدولة، دعم المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ورفض الوصاية التي تسعى إيران إلى فرضها على لبنان عبر ذراعها العسكرية المتمثلة في "حزب الله". وفي الإطار عينه، سلّم تكتل "الجمهورية القوية"، ونواب حزب "الكتائب"، ومجموعة من النواب المستقلين (من بينهم أشرف ريفي، وميشال معوض، وفؤاد مخزومي)، رئيس الحكومة نواف سلام مذكرة يطالبون فيها الدولة اللبنانية بإعداد ملف قانوني ومالي وديبلوماسي لمطالبة جمهورية إيران الإسلامية بتعويضات عن الأضرار والخسائر الناتجة عن الحرب الأخيرة التي أشعلت إيران جبهتها في لبنان. على خط موازٍ، لا تزال الديبلوماسية الفرنسية حاضرة بقوة في مرحلة ما بعد الحرب في لبنان. ففي ثلاث اتصالات هاتفية أجراها مع جوزاف عون، ونواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، استعرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستجدات المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وتثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، والتحضيرات لمرحلة ما بعد "اليونيفيل". وفي وقت من المقرر أن تنتهي فيه مهمة القوة الدولية بدءاً من سنة 2027، تجري باريس مشاورات مع عدد من الشركاء الأوروبيين لتحديد صيغة وجود دولي بديل محتمل. ملامح استياء بالتوازي، دخلت المحادثات الأميركية-الإيرانية مرحلة جديدة، مع قرار الطرفين تشكيل أربع مجموعات عمل تُعنى برفع العقوبات، الملف النووي، إعادة الإعمار الاقتصادي في إيران، ومتابعة الالتزامات. وفي حين يُبدي المسؤولون الأميركيون تفاؤلهم، بدأت ملامح التبرّم والامتعاض تطفو على السطح، بالتزامن مع وجود الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي في إسلام آباد، لإجراء محادثات مع المسؤولين الباكستانيين الذين يقودون الوساطة مع واشنطن. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أكد أن إيران وافقت على عمليات تفتيش لمنشآتها النووية "على أعلى مستوى"، وأن "المفتشين سيكونون على الأرض في الوقت المناسب"، وهو ما سارعت طهران إلى نفيه. إذ أعلنت الجمهورية الإسلامية، على لسان مسؤوليها، أنها لا تنوي السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش بعض المواقع النووية التي تعرضت لقصف إسرائيلي وأميركي مؤخراً. وجاء رد دونالد ترامب حاسماً: "إذا كانت إيران تبحث عن المشاكل، فما عليها إلا أن تحاول حيازة السلاح النووي". أما نقطة الخلاف الثانية فترتبط بالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة؛ إذ أعلنت طهران عن اتفاق يقضي بتحرير فورى لـ12 مليار دولار على دفعتين، قيمة كل منهما ست مليارات دولار. غير أن دونالد ترامب أشار إلى أن هذه الأموال ستوضع في حساب مغلق وتُخصّص حصراً لشراء مواد غذائية وطبية أميركية. وسارعت طهران، عبر سفيرها لدى الأمم المتحدة، إلى رفض هذا التفسير، مؤكدة أن إيران وحدها ستظل صاحبة القرار في كيفية استخدام أصولها. وفي وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى ضمان استخدام هذه الأموال لدعم الشعب الإيراني، الذي يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، يحاول نظام الملالي، المحاصر بأزمته المالية، تعويم نفسه مالياً لضمان بقائه واستمراريته. النزاع حول مضيق هرمز ترتبط نقطة الخلاف الثالثة بمسألة مضيق هرمز؛ إذ أعادت طهران التأكيد على رغبتها في الاحتفاظ بالسيطرة الإدارية على هذا الممر الاستراتيجي، الذي شهد يوم الثلاثاء أعلى حركة ملاحة بحرية منذ بدء الحرب. وأعلنت إيران وسلطنة عمان بدء محادثات حول آليات وتكاليف الخدمات المستقبلية المتعلقة بإدارة هذا المحور، في وقت تعارض فيه واشنطن بشدة أي سيطرة إيرانية على المضيق. وفي هذا السياق، جدّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي بدأ يوم الثلاثاء جولة في الخليج، التأكيد فور وصوله إلى أبو ظبي على أنه "لا يُسمح لأي دولة بفرض رسوم مرور أو عوائد على ممر مائي دولي". وتهدف هذه الجولة إلى "طمأنة الدول الحليفة في الخليج بشأن مذكرة التفاهم مع إيران". ومن المقرر أن يناقش روبيو مع قادة الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين مذكرة التفاهم مع إيران، وأمن مضيق هرمز، وضمانات الاستقرار التي تطالب بها هذه الدول التي كانت قد تعرضت لهجمات من إيران خلال حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

من لوسارن إلى واشنطن، لبنان يدافع عن سيادته
بقلم
تالين بشراوي
نُشر
يونيو 23, 2026 - 00:40

تواصلت، الاثنين، في لوسرن بسويسرا، المفاوضات بين الوفدين الإيراني والأميركي عقب الاتفاق الإطاري الذي وُقّع بين الطرفين الأسبوع الماضي. غير أن هذا المسار الدبلوماسي لا يزال في بداياته، فيما تبقى العديد من مناطق الغموض قائمة. وتتزايد التساؤلات: هل نتجه نحو مرحلة تستعيد فيها إيران نفوذها في المنطقة، أم نحو حقبة من التوازنات الإقليمية؟ ولعل لبنان هو أحد أكثر الأماكن التي تُطرح فيها هذه الأسئلة. في مساء الاثنين، أفاد مسؤول أميركي بالتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل لإنشاء آلية لمراقبة وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، بإشراف «سنتكوم»، القيادة المركزية الأميركية. وأضاف المسؤول أن الاتفاق سبقه اتصال أجراه وزير الخارجية ماركو روبيو مع الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكانت المسألة اللبنانية في صلب المفاوضات في سويسرا، وقد سعت إيران إلى نسب الفضل لنفسها في وقف إطلاق النار في الجنوب، في حين أن المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لا تزال مقررة غداً الثلاثاء في واشنطن. ونظراً إلى المحادثات التي أجراها جاي دي فانس مع الإيرانيين في سويسرا بشأن جنوب لبنان، من دون أي تشاور مسبق مع السلطة اللبنانية، وهو ما يشكل هفوة خطيرة، حرص الرئيس جوزاف عون على وضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن لبنان يرحب «بكل مساعدة من أجل إنهاء الحرب»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه يميز بوضوح بين المساعدة والتدخل، في إشارة واضحة إلى إيران. وقال بلا مواربة: «نحن بلد سيّد، ولا أحد يفاوض باسمنا». وقد باشرت سفيرة لبنان في واشنطن، ندى حمادة معوض، اتصالات مع كبار المسؤولين الأميركيين لنقل هذا الموقف إليهم، مشددة على أن أي تفاوض يتعلق بلبنان يجب أن يتم بالتشاور المباشر مع الرئيس عون. وعلى إثر هذا الموقف الحازم الذي اتخذته بعبدا، اتصل كل من جاي دي فانس، والمفاوض الأميركي جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، برئيس الجمهورية للتباحث معه في الإجراءات التي طُرحت في سويسرا بهدف تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، والتي تتمثل في «خلايا لخفض التصعيد». ومن المفترض أن تُشرف على هذه الخلايا لجان تضم لبنانيين وأميركيين وإيرانيين. ويوازي هذا الإجراء فكرة «المناطق النموذجية» التي ذُكرت في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن. وإذا كان الرئيس اللبناني قد اتخذ هذا الموقف الحازم حيال المفاوضات التي جرت من دون التشاور مع السلطة، فذلك لا يعود فقط إلى المفاوضات نفسها، بل أيضاً إلى مواقف جميع أقطاب المعسكر الإيراني. ولعل المثال الأبرز في هذا السياق يتمثل في اللوحات التي نُصبت على طريق المطار، وتُظهر المرشد الأعلى الإيراني الذي اغتيل، علي خامنئي، ونجله، المرشد الحالي المفترض، الذي لا يزال متوارياً عن الأنظار، مجتبى خامنئي، مع عبارة ضخمة تقول: «شكراً لإيران الوفية»! وإلى جانب التصريحات المتكررة لكوادر حزب الله التي تنتقد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وتشيد بموقف نظام الملالي، أطلق قائد «فيلق القدس»، التابع للحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، الاثنين، تهديداً بالغ الدلالة ضد إسرائيل. وقال: «إذا لم تنسحبوا طوعاً من جنوب لبنان، فستتكبدون هزيمة شبيهة بملحمة العام 2000». وبذلك تكون إيران قد استولت، بشكل مباشر، على ما كان في السابق مصدر فخر لحزب الله، أي الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 أيار 2000. النووي والقمح والذرة في لوسرن... في لوسرن، وعلى الرغم من توترات مساء الأحد، استمرت المحادثات طوال الليل من الأحد إلى الاثنين. وبدت الأصداء، صباح الاثنين، إيجابية لدى الطرفين، حتى وإن بقيت الخلافات في وجهات النظر قائمة. وقد غادرت الوفود الرسمية لإفساح المجال أمام وفود «تقنية» لمواصلة النقاشات. في اليوم السابق، تسببت التصريحات «النارية» للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي هدد بضرب إيران إذا «لم توقف دعمها لوكلائها»، ولا سيما حزب الله في لبنان، في مغادرة الإيرانيين قاعة المفاوضات قبل أوانها، ما أوحى باحتمال حصول تعثر. غير أن الحكومتين الباكستانية والقطرية أعلنتا، صباح الاثنين، تحقيق «تقدم مشجع». وهكذا أفضت المحادثات إلى «خريطة طريق لمناقشات تمتد على 60 يوماً»، وفتحت الباب أمام مفاوضات تقنية فورية. من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بفخر أن المحادثات حققت «تقدماً كبيراً»، معرباً خصوصاً عن ارتياحه لرفع القيود عن صادرات النفط والمنتجات البتروكيميائية. كما أكد رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة. أما في الملف النووي، فقد أقرت إيران بحصول «مناقشات مقتضبة جداً» خلال المفاوضات في سويسرا. وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن أي تفاصيل لم تُبحث بعد. ومن جانبه، يُنتظر أن يتوجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان غداً الثلاثاء لمواصلة المشاورات بشأن المفاوضات. أما نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، رئيس الوفد الأميركي، فكان كثير التصريحات. فقد اعتبر أن المحادثات أفضت إلى قاعدة صلبة جداً، مسلطاً الضوء على أن الإيرانيين قبلوا بعودة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإجراء عمليات تفتيش لديهم، وهو ما نفاه الإيرانيون لاحقاً بشكل قاطع. كما قال إنه واثق من أن البرنامج النووي الإيراني أصبح من الماضي نهائياً، في تباين واضح مع غموض التصريحات الإيرانية في هذا الشأن. وفي وقت لاحق من النهار، شرح جاي دي فانس البنود المالية في «الصفقة» خلال مؤتمر صحافي، محاولاً تبريرها أمام الرأي العام الأميركي، إذ شدد على أن «الأموال الإيرانية المفرج عنها ستخدم مصالح المزارعين الأميركيين»، في إشارة إلى صفقات محتملة مقبلة، لا سيما في ما يتعلق بالقمح والذرة. وحرص على التأكيد أن الولايات المتحدة ستضمن ألا تستخدم إيران الأموال التي ستصل إليها «لتمويل الإرهاب». وهي طريقة للرد على الانتقادات العديدة التي بدأت تستهدف هذه المفاوضات. تلة علي الطاهر على الجبهة الإسرائيلية، يبدو أن التهدئة هي السائدة في الوقت الراهن. فقد أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي وجّه إلى مجنديه إشعاراً بالتسريح بسبب وقف إطلاق النار. وعلى الأرض، شهد الجنوب هدوءاً لليوم الثالث على التوالي، مع تسجيل بعض الخروقات المحدودة. وقد أتاح وقف إطلاق النار عودة حذرة إلى القرى الواقعة على خطوط المواجهة الأولى، كما أتاح اكتشاف جثث قتلى كانت لا تزال تحت الأنقاض. وفي تقرير إعلامي آخر لافت، بثته القناة 12 أيضاً، ورد تفسير لشدة المعارك التي دارت حول تلة علي الطاهر الاستراتيجية، الواقعة في مرتفعات النبطية في الجنوب. وبحسب التقرير، تشكل هذه المنطقة قاعدة أساسية لحزب الله، وهي عبارة عن شبكة متداخلة من الأنفاق، يديرها خصوصاً جنرالات من الحرس الثوري الإيراني. ووفقاً للتقرير نفسه، فإن اقتراب القوات الإسرائيلية من هذه المنطقة هو ما يفسر الاهتمام الإيراني المفاجئ بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان. ومن جانبها، لا تعتزم إسرائيل بالتأكيد ترك هذا الموقع البالغ الأهمية لحزب الله، وهي تسعى منذ الآن إلى انتزاع موافقة، عبر المفاوضات، على أن تكون تلة علي الطاهر ضمن «المناطق النموذجية» الموضوعة تحت سيطرة الجيش اللبناني، تمهيداً لإخراج حزب الله منها. فهل يمكن أن تكون هذه النقطة هي الشرارة المحتملة لمعارك جديدة في حال فشل هذه المساعي؟ في جميع الأحوال، أعلن كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، الاثنين، أن «الجيش الإسرائيلي يحتفظ بحرية الحركة في لبنان».