


هل عدنا إلى المربع الأول في ظل الغموض الذي يكتنف منذ يومين استئناف المحادثات الأميركية-الإيرانية في الدوحة، رغم الإعلان المسبق عنها؟ الغالب أن الأمر ليس كذلك، وإن كان السؤال مشروعاً. فالحقيقة تبدو أكثر دقة وتعقيداً، لكن اللعبة أبعد ما تكون عن السهولة. ولا يبدو أن طهران وواشنطن في وارد تقديم تنازلات جديدة، تضاف إلى تلك التي جرى القبول بها في إطار مذكرة التفاهم الموقعة بينهما في 18 حزيران.
وفي حين تستضيف الدوحة اليوم المبعوثَين الأميركيَّين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب وفد تقني إيراني سينضم إليه، الأربعاء، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، تؤكد السلطات القطرية عدم إدراج أي لقاء مباشر رفيع المستوى مع مسؤولين إيرانيين على الجدول في هذه المرحلة.
وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، خلال مؤتمر صحافي عُقد خلال النهار، أنه لا توجد خطط لعقد أي اجتماع مباشر بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في الأيام المقبلة.
ونقلت وكالات أنباء إيرانية ويمنية عن كاظم غريب آبادي توضيحه في هذا الصدد أن الجولة الأولى من المباحثات التقنية، في إطار مجموعات العمل المعينة، ستُعقد "عندما تتوفر الظروف الملائمة وبعد الاتفاق على الزمان والمكان". وأشار إلى أن "المشاورات بهذا الشأن مستمرة عبر الدول الوسيطة".
وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، مساء الثلاثاء، أن غريب آبادي سيجري مباحثات، الأربعاء، مع المسؤولين القطريين تتركز تحديداً على ملف الأصول الإيرانية المجمدة البالغة ست مليارات دولار؛ وهي مسألة تشكل أولوية بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية التي تواجه صعوبات مالية جمة.
المضيق والأصول المجمدة
وفقاً لماجد الأنصاري، فإن المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، المتواجدين في الإمارة، سيجريان مباحثات حصرية مع الوسطاء القطريين والمسؤولين المحليين بهدف تقييم تطبيق بروتوكول التفاهم الموقع في منتصف حزيران. وستتناول المناقشات مجمل الملفات الإقليمية، بما فيها الملفان الإيراني واللبناني.
وبعبارة أخرى، عاد الوسطاء إلى العمل مجدداً في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بين الولايات المتحدة وإيران، التي ترى أنها قدمت ما يكفي من التنازلات في إطار مذكرة التفاهم.
والسؤال المطروح الآن هو: كيف سيتم حل عقدة مضيق هرمز وعقدة الأصول المجمدة؟ إذ تتمسك طهران بما تدّعيه حقاً لها في السيطرة على المضيق، في وقت يواجه فيه هذا الطرح معارضة عربية وأميركية وأوروبية شرسة. وقد كان المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية واضحاً للغاية في هذا الشأن؛ فلا مجال بالنسبة إلى الدوحة للقبول بسيطرة إيرانية على المضيق.
كما أكد ماجد الأنصاري أن الأموال الإيرانية المجمدة، والمقرر الإفراج عنها بموجب مذكرة التفاهم، لم يتم تحويلها بعد.
من جانبها، تتمسك طهران بخطاب متشدد، بل ومهدد؛ فقد حذر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، من أن أي خرق لمذكرة التفاهم من قبل واشنطن سيجابه برد فوري. وقال: "لن يمر أي إجراء دون رد"، في إشارة إلى الغارات الأميركية التي استهدفت مواقع إيرانية عندما هاجمت طهران ناقلات نفط عبرت مضيق هرمز مستخدمة الممر الذي وفرته سلطنة عمان بالتنسيق مع واشنطن.
كما شدد إسماعيل بقائي على ضرورة أن تلتزم الولايات المتحدة بـ"تعهدها المتمثل في إنهاء الحرب على جميع الجبهات، ولا سيما في لبنان". وبحسب قوله، فإن على واشنطن، إذا لزم الأمر، إجبار إسرائيل على احترام بنود الاتفاق.
بزشكيان يندد بالهجمات على المفاوضين
أهمية وقف الأعمال العدائية على الجبهة اللبنانية كانت أيضاً محط تركيز من الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الذي حرص خلال جولة له في محافظة قم، على توضيح أن الاتفاق مع واشنطن أُبرِم "بتنسيق كامل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي وبدعم من المجلس الأعلى للأمن القومي". بيد أن هذا الخطاب يعكس، مرة أخرى، وجود تيارين متواجهين في إيران.
ووفقاً لموقع "إيران إنترناشيونال"، فقد دافع مسعود بزشكيان عن الفريق المكلف بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، مؤكداً أنه نسق مع مجتبى خامنئي في أدق تفاصيل هذا المسار. وقال: "للأسف، تعمد بعض الجماعات، استكمالاً للعمليات النفسية التي تقودها وسائل إعلام معادية، إلى إضعاف هذا التقدم من خلال مهاجمة فريق المفاوضات والتشكيك في القرارات الوطنية".
وبحسب "إيران إنترناشيونال"، تأتي تصريحات بزشكيان في وقت تواجه فيه حكومته ضغوطاً متزايدة من الفصائل الأصولية المتشددة المناهضة للحوار مع واشنطن. وذكر الموقع أن العديد من رموز التيار المتشدد اتهموا الرئيس وفريقه المفاوض بتقديم تنازلات، مشككين في الوقت عينه بدعم المرشد الأعلى للقرارات الأمنية الرئيسية.
ترقّب في لبنان
في لبنان، حيث يثير الاتفاق الإطار مع إسرائيل بدوره موجة من الاستياء، لا يزال الانتظار سيد الموقف حيال وضع ترتيبات هذه الوثيقة موضع التنفيذ. وتنص الوثيقة، من بين أمور أخرى، على انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاعات المحتلة حالياً في جنوب لبنان، حيث يُفترض أن ينتشر الجيش اللبناني، بالتوازي مع التفكيك التدريجي للبنى التحتية العسكرية لـ"حزب الله".
وكما هو معلوم، يتعين على إسرائيل الانسحاب أولاً من "مناطق نموذجية"، في خطوة منسقة مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، التي أجرى قائدها، الأميرال براد كوبر، الإثنين، جولة شملت بيروت وتل أبيب.
وغداة هذه الزيارة، استقبل الرئيس اللبناني جوزاف عون قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، لإجراء محادثات تتمحور حول دور المؤسسة العسكرية في تطبيق الاتفاق الإطار.
ميدانياً، لا يزال الوضع متقلباً؛ إذ استهدفت المدفعية الإسرائيلية بلدات الهبارية في قضاء مرجعيون، وبيت ياحون في قضاء بنت جبيل، ومجدل زون في قضاء صور. وباتت هذه البلدة الأخيرة مشطورة إلى جزئين بعد تفجير نفق تحت الأرض عائد لـ"حزب الله"، ما تسبب في انفجار هائل.
وفي غضون ذلك، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بزيارة قام بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، برفقة وزير دفاعه يسرائيل كاتس، إلى القطاع الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. وفي خطاب وجهه إلى العسكريين، أشار نتنياهو إلى أن تل أبيب "بدأت بتفكيك المحور الإيراني، عبر توجيه ضربات مباشرة إلى الجمهورية الإسلامية، وإقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان". وأكد أن الجيش سيبقى في الجنوب "طالما أن حزب الله لم يُنزع سلاحه ويشكل تهديداً لإسرائيل". غير أنه أشار في الوقت عينه إلى أن الترسانة العسكرية للحزب "باتت تعادل 8% فقط مما كانت عليه قبل الحرب"، وأنه "تم القضاء على 9000 مقاتل".