شعار Levant Time

ملخص اليوم

إسرائيل وواشنطن تتقاسمان تدمير البنى التحتية للنظام الإيراني

«لقد انتهى أمرهم (...) هذه الحرب أقوى بسبعة أضعاف من سابقتها». بهذه الكلمات القليلة، لخّص وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، المنحى الذي اتخذته - أو بدأت تتخذه - الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط الماضي ضد نظام الملالي في إيران. وأكد الوزير الأميركي أن هذه الحرب لا تزال في بداياتها، موضحاً أن طائرات وقوات عسكرية جديدة ستصل قريباً إلى الشرق الأوسط للمشاركة في العمليات العسكرية. تعكس تصريحات وزير الحرب بوضوح التطورات الجارية في إيران. وقد تميّز يوم الرابع من آذار 2026 بالقصف العنيف والمكثف الذي شنه الطيران الإسرائيلي ضد المباني ومراكز القيادة والبنى التحتية التابعة للنظام في منطقة طهران. واستهدفت المقاتلات الإسرائيلية بشكل خاص أكثر من مئة مركز تابع لـ «البسيج» (الذراع القمعية المسلحة للحرس الثوري الإسلامي). وفي هذا السياق، أكد مصدر رسمي إسرائيلي أنه «لن يبقى أي مبنى تابع للحرس الثوري قائماً»، موضحاً أن الجيشين الأميركي والإسرائيلي يتقاسمان مهمة تدمير البنى التحتية العسكرية والمدنية التابعة للنظام. وبحسب المصدر نفسه، يركز سلاح الجو في الدولة العبرية عملياته على غرب إيران لتدمير المباني ومراكز القيادة والمنشآت المدنية، بينما تتولى الولايات المتحدة المنطقة الجنوبية الغربية لتدمير المواقع النووية، والصواريخ البالستية، ومنصات الإطلاق، ومراكز إنتاج الصواريخ، والدفاعات الجوية، والقوى البحرية. تركيا هدف لصاروخ إيراني... ولعلّ الحدث الأبرز الذي طبع هذا اليوم، الرابع من آذار، تمثّل في إطلاق صاروخ بالستي إيراني باتجاه... تركيا! غير أن وحدة تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) تمكنت من اعتراض الصاروخ. وفي النتيجة العملية، لم توفر تركيا انتقاداتها لسلوك النظام الإيراني، وذهبت إلى حد وصف إطلاق الصواريخ الإيرانية باتجاه دول الخليج بـ «الخطأ الجسيم». ومن الأحداث البارزة الأخرى لهذا اليوم، إعلان قطر تفكيك خلية تخريبية زرعها الحرس الثوري الإيراني للقيام عمليات تجسس وتخريب في البلاد. بعد قبرص ودول الخليج (التي كانت وما زالت هدفاً للصواريخ الإيرانية)، تظهر محاولة الاعتداء على تركيا، بما لا يدع مجالاً للشك، رغبة الحرس الثوري في توسيع رقعة الصراع أكثر فأكثر، آملًا في حشد تعبئة دولية تهدف إلى وقف الهجوم الأميركي والإسرائيلي. ومن الأحداث البارزة الأخرى خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية: دخول القاذفات الأميركية من طراز «B-52» خط المواجهة. ويعني هذا التطور، من الناحية العملية، أن الطائرات الأميركية والإسرائيلية باتت تسيطر الآن بشكل كامل على الأجواء الإيرانية (لا سيما في جنوب إيران ومنطقة طهران)، وهو ما أكده وزير الحرب يوم الأربعاء خلال مؤتمر صحافي. ويُشار في هذا الصدد إلى أن طائرات «B-52» هي قاذفات ثقيلة، وبالتالي بطيئة نسبياً، ويمكن للرادارات رصدها بسهولة، مما يجعل منها أهدافاً سهلة المنال. إن لجوء الأركان العامة الأميركية إلى زجّ القاذفات من طراز «B-52» في المعركة، إنما يعود، في الواقع، إلى كون الأجواء باتت تخضع بشكل شبه كامل لسيطرة السلاح الجوي الأميركي والإسرائيلي. ويكتسي دخول هذه القاذفات خط المواجهة أهمية قصوى في مسار العمليات العسكرية، نظراً لقدرة هذه الطائرات على نقل وإلقاء قنابل من العيار الثقيل جداً وبدقة متناهية. الجبهة اللبنانية وعلى صعيد العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية، كثّف الطيران الإسرائيلي غاراته ووسع نطاقها لتشمل مناطق جديدة، مستهدفاً البنى التحتية ومستودعات الذخيرة ومخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة. وخلال صبيحة هذا الأربعاء، 4 آذار، شُنّت غارات عنيفة ومكثفة استهدفت الضاحية الجنوبية. واتسمت الساعات الأربع والعشرون الماضية بتوسيع رقعة الهجمات الجوية؛ فللمرة الأولى، استهدف الطيران الإسرائيلي منطقة الحازمية، حيث نفذ غارة على فندق كومفورت (Comfort)، حيث أفادت معلومات عن لجوء دبلوماسي إيراني إليه. ولم تترشح أي معلومات حتى الساعة عن مصير الدبلوماسي المذكور. وبموازاة ذلك، طال القصف الجوي الإسرائيلي مناطق جديدة، لا سيما السعديات (على طريق الجنوب)، وبشامون وعرمون، حيث تتردد معلومات عن مقتل مسؤول في الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين. وفي بعلبك، أدت غارة جوية إلى تدمير مبنى مؤلف من أربعة طوابق بالكامل، ما أسفر عن سقوط عدد من القتلى. ميدانياً، واصلت القوات الإسرائيلية الأربعاء انتشارها، الذي لا يزال محدوداً، داخل الأراضي اللبنانية، حيث وصلت إلى بلدة الخيام الاستراتيجية الواقعة على بعد ست كيلومترات من الحدود. وفي غضون ذلك، عززت وحدات المدفعية الإسرائيلية تواجدها بشكل ملحوظ على طول الخط الحدودي. وبينما تستمر الغارات الجوية في أكثر من منطقة، برز تطور خطير يوم الأربعاء، تمثّل في طلب الجيش الإسرائيلي من سكان كامل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني إخلاء قراهم والتوجه شمال النهر. ويزيد هذا النداء من مخاوف السلطة والأوساط المحلية التي تحذر من نوايا إسرائيلية لإنشاء منطقة عازلة واسعة، قد تسمح للدولة العبرية، في مرحلة لاحقة، بفرض شروط سياسية وأمنية تتجاوز بكثير مندرجات القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن واتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني 2024. وباتخاذه المبادرة الانتحارية بإعادة فتح جبهة جنوب لبنان، بإيعاز من الحرس الثوري الإيراني، يكون حزب الله قد قدّم لإسرائيل، على طبق من فضة، الذريعة الذهبية التي تتيح لها، في المدى المنظور، فرض اتفاقات استراتيجية على الدولة اللبنانية وفق شروطها الخاصة...

الجيش الإسرائيلي يحتل مواقع جديدة في جنوب لبنان
بقلم
ميشال توما
نُشر
مارس 3, 2026 - 21:22

المبادرة التي اتخذها حزب الله ليلة 1 إلى 2 آذار/مارس لإعادة تنشيط جبهة جنوب لبنان، بناءً على طلب الحرس الثوري الإيراني على الأرجح، هل ستؤدي إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي لجزء من المنطقة الجنوبية للبلاد؟ طرح هذا السؤال بحدة يوم الثلاثاء 3 آذار/مارس 2026 في ضوء إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، عن قرار الدولة العبرية بـ «السيطرة على مناطق إضافية» في جنوب لبنان «لحماية المجتمعات الحدودية». بمعنى أوضح، سيتقدم الجيش الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية وسيحتل قطاعات جديدة ستضاف إلى المواقع الاستراتيجية الخمسة التي لم تنسحب منها قوات الجيش الإسرائيلي بعد تطبيق وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. قد يكون لهذا الاحتلال الجزئي الجديد لأراضٍ جديدة بالقرب من الحدود بين البلدين تفسيران. قد يكون ذلك مقدمة لإنشاء منطقة عازلة بين لبنان وإسرائيل بهدف زيادة تأمين الحدود وشمال إسرائيل. السؤال المطروح حينها هو ما قد يكون مدى وعمق هذه «المنطقة الأمنية»، وما هي التبعات السياسية التي قد تترتب على هذا الاحتلال على صعيد المفاوضات الثنائية. هل ستستغل الدولة العبرية هذا التقدم في الأراضي اللبنانية لفرض اتفاق سلام أو على الأقل تفاهم أمني ملزم؟ بل إن بعض المراقبين يذهبون في هذا الإطار إلى حد التفكير في احتلال أجزاء من الأراضي أوسع بكثير من منطقة عازلة، ملمحين في هذا الصدد إلى سيناريو محتمل مماثل لعام 1982. يستند أنصار هذه الأطروحة إلى النداءات المتكررة التي أطلقها الجيش الإسرائيلي لسكان الجنوب لإخلاء قراهم في أقرب وقت ممكن. لكن هناك فرضية أقل طموحًا بكثير، سياسيًا، تُطرح في ضوء السياق الحالي. قد تكون المواقع الجديدة التي تحتلها إسرائيل لها وظيفة تسهيل عمليات محددة ومستهدفة بدقة قد تقوم بها وحدات كوماندوز في عمق الأراضي اللبنانية. لذلك، سيتعين الانتظار بضعة أيام لمعرفة المزيد عن النوايا الحقيقية لحكومة نتنياهو. في الوقت الحالي، قام الجيش اللبناني بانسحاب تكتيكي من حوالي عشرين موقعًا غير بعيد عن الحدود مع إسرائيل. على أي حال، وفي انتظار أن تتضح النوايا الحقيقية لتل أبيب، يعاني سكان جنوب لبنان مرة أخرى من ويلات النزوح القسري، بينما واصل الطيران الإسرائيلي يوم الثلاثاء، ولليوم الرابع على التوالي، قصف ضاحية بيروت الجنوبية بشكل متقطع بالإضافة إلى العديد من القرى في المناطق الجنوبية. وفي فترة ما بعد الظهر، استهدف غارة جوية في صيدا مقرًا لحركة «الجهاد الإسلامي». غارات مكثفة ضد طهران في إيران، أعلن الطيران الإسرائيلي عن شن الموجة التاسعة من الهجوم الجوي يوم الثلاثاء ضد مراكز وبنى تحتية لنظام الملالي في طهران. وقد شُنت غارات مكثفة على عدة قطاعات من العاصمة التي كانت مغطاة في وقت متأخر من بعد الظهر بسحابة كثيفة من الدخان الأسود. استهدفت إحدى هذه الغارات، على وجه الخصوص، المبنى الذي كان من المقرر أن يجتمع فيه 88 خبيرًا مدعوين لانتخاب المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية. وقد دمر المبنى بالكامل. بالإضافة إلى ذلك، أسفر هجوم جوي عن مقتل وزير الدفاع الإيراني الجديد الذي كان قد خلف قبل يومين وزير الدفاع السابق الذي قُتل في 28 شباط/فبراير خلال الموجة الأولى من الغارات على العاصمة. وقد سمحت هذه الموجة الأولى لطيران الدولة العبرية بتحييد الدفاعات الجوية الإيرانية وبالتالي ضمان السيطرة الكاملة على المجال الجوي لمنطقة طهران. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن إطلاق الصواريخ استمر يوم الثلاثاء ضد عدة دول خليجية. وقد أصيب مقر السفارة الأمريكية في الرياض بشكل خاص بصاروخين لم يسفرا إلا عن أضرار مادية طفيفة. وفي وقت مبكر من المساء، سمع دوي انفجار قوي في دبي. لم يستثنِ هذا القصف الإيراني أي دولة خليجية، بل شمل حتى سلطنة عمان التي بذلت جهودًا مضاعفة في السنوات الأخيرة لتكون وسيطًا بين الجمهورية الإسلامية والغرب. لقد أدى تصعيد إطلاق الصواريخ باتجاه الخليج إلى تدهور كبير في العلاقات بين الأنظمة الملكية والجمهورية الإسلامية. خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية، تبنت عدة دول خليجية، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر وسلطنة عمان، خطابًا عدائيًا وصارمًا ومفتوحًا تجاه طهران، وهو ما لن يخلو من تأثير جاد على الملامح القادمة للشرق الأوسط.

الحكومة اللبنانية تعلن عمل حزب الله العسكري غير شرعي
بقلم
ميشال توما
نُشر
مارس 2, 2026 - 19:16

في اليوم الثالث من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على النظام الإيراني (عملية "زئير الأسود")، تسارعت وتيرة الأحداث على الجبهة العسكرية وامتدت إلى لبنان. خلال ليلة الأحد 1 مارس/آذار إلى الاثنين 2 مارس/آذار، وطوال يوم الاثنين، اندلعت أعمال عنف على الجبهة اللبنانية عقب هجمات صاروخية شنّها حزب الله على شمال إسرائيل، وتحديداً منطقة حيفا. متجاهلاً بوقاحة الموقف الواضح لجميع الفصائل السياسية المحلية تقريباً، وعلى رأسها الحكومة المركزية التي حذّرت الحزب الموالي لإيران صراحةً من أي محاولة للتدخل في الصراع الإيراني، اتخذ حزب الله قراراً انتحارياً بجرّ لبنان إلى هذه الحرب (حرب أخرى لا طائل منها) ثأراً لمقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، الذي اغتيل يوم السبت 28 فبراير/شباط الماضي، خلال أول غارة جوية إسرائيلية على طهران. وكان رد الفعل على إعادة تنشيط جبهة جنوب لبنان سريعاً. بعد أقل من ساعة من الضربات الصاروخية، شنت إسرائيل غارات جوية مكثفة، إلى جانب قصف بحري، على الضواحي الجنوبية لبيروت وبعض البلدات في جنوب البلاد. استهدفت إحدى هذه الغارات النائب محمد رعد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله ونائب الأمين العام للحزب. وأسفر هذا الهجوم أيضاً عن مقتل نحو ثلاثين شخصاً. في الوقت نفسه، نشر الجيش الإسرائيلي قائمة تضم نحو خمسين قرية في جنوب لبنان ووادي البقاع، مؤكداً على ضرورة إخلاء سكان هذه المناطق. تسبب هذا النداء في ازدحام مروري خانق على مشارف الضواحي الجنوبية وعلى طرق جنوب لبنان طوال ليلة الأحد وحتى صباح الاثنين. استمرت الغارات على ضواحي وقرى جنوب لبنان ووادي البقاع صباح ومساء الاثنين. وأعلنت إسرائيل أنها قتلت اثنين من كبار مسؤولي حزب الله، أحدهما رئيس المخابرات. أثار قرار الحزب الشيعي التدخل في الصراع الإيراني استنكاراً واسعاً في الأوساط السياسية، لا سيما داخل الحكومة. أدان الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام صراحةً سلوك حزب الله، مؤكدين أنه من غير المقبول أن ينجرّ لبنان إلى حرب لا تعنيه. موقف الحكومة وبري عقد مجلس الوزراء صباح الاثنين اجتماعاً استثنائياً مطولاً في قصر بعبدا، تلا فيه السيد سلام بياناً رسمياً يُشير إلى أن الحكومة باتت تعتبر العمليات العسكرية والأمنية لحزب الله "غير قانونية" و"محظورة". ويوضح البيان أن الجيش اللبناني كُلِّف باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا القرار، لا سيما فيما يتعلق بتسليم أسلحة الجماعة الموالية لإيران إلى الدولة واعتقال المخالفين. وفي معرض رفضها لأي إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، دعت الحكومة حزب الله إلى حصر أنشطته في الشؤون السياسية البحتة. يُشكّل هذا القرار الصادر عن مجلس الوزراء نقطة تحوّل جوهرية، إذ يُقرّ رسميًا بعدم شرعية الجهاز العسكري لحزب الله، وبالتالي يُجرّد الحزب الشيعي رسميًا من صفة "حركة المقاومة" التي طالما تمسك بها، وفرضها على السلطات اللبنانية لعقود. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن مصادر مُقرّبة من رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل، نبيف بري، قد أيّد موقف الدولة بشأن عدم شرعية ميليشيا حزب الله. وتؤكد هذه المصادر نفسها أن بري، في ضوء التطورات الأخيرة، قرر سحب الدعم السياسي الذي كان يُقدّمه للجماعة الموالية لإيران. وإذا ما تأكدت هذه المعلومات، فسيُشير ذلك إلى قطيعة، أو على الأقل فتور في العلاقات، بين أمل وحزب الله. ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أنه في ثمانينيات القرن الماضي، اندلعت حرب حقيقية، استمرت لعدة أشهر، بين الفصيلين الشيعيين. انتهت العملية بهزيمة حركة أمل، التي تحالفت سياسياً منذ ذلك الحين مع الحزب الموالي لإيران. وإذا تأكد تأييد السيد بيري لقرار مجلس الوزراء باعتبار العمليات العسكرية والأمنية لحزب الله غير قانونية، فسيمثل ذلك ضربة قوية للتحالف بين الفصيلين الشيعيين، وهو تحالف عرقل الحياة السياسية اللبنانية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وستكون هذه النقطة المحورية أكثر أهمية لأنها ستحدث في سياق التراجع الحالي لـ"إمبراطورية" الملالي الإيرانية تحت وطأة الضربات.في إطار الهجوم الأمريكي الإسرائيلي (الذي يحمل الاسم الرمزي "زئير الأسود"). المواقف الأمريكية والبريطانية فيما يتعلق بتقدم عملية "زئير الأسود"، واصلت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية غاراتها المكثفة يوم الاثنين على مواقع عسكرية إيرانية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي ومستودعات الصواريخ ومواقع الإطلاق. وبعد تأمين المجال الجوي لطهران والسيطرة الكاملة عليه، سيطر سلاح الجو الإسرائيلي على غرب إيران. وتتيح هذه السيطرة الجوية للحليفين تدمير مخزونات الصواريخ الإيرانية بشكل منهجي. في الوقت نفسه، واصل الحرس الثوري الإسلامي ضرباته الصاروخية المتقطعة على دول الخليج، حتى أنه وصل إلى القاعدة البريطانية في قبرص. على الصعيد السياسي، أشار الرئيس دونالد ترامب في مقابلة مع صحيفة أمريكية إلى أنه لا يستبعد إرسال قوات برية "إذا لزم الأمر". كما أوضح رئيس البيت الأبيض أن العملية متقدمة على الجدول الزمني بفضل تصفية عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين في الساعات الأولى من الهجوم. وأشار كذلك إلى أن "العملية الرئيسية لم تبدأ بعد". من جانبه، أوضح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أهداف ونطاق الهجوم على إيران خلال اجتماع مع ضباط وجنود أمريكيين. وأكد هيغسيث أن ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية وبرنامج النظام النووي يشكلان خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة وحلفائها. وشدد الوزير الأمريكي على ضرورة إسقاط النظام في طهران. وأيد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر هذا الرأي، مؤكداً على ضرورة تدمير مخزونات الصواريخ الإيرانية ومواقع إطلاقها. وأشار في هذا السياق إلى أن حكومته وافقت على الطلب الأمريكي باستخدام القواعد البريطانية لشن غارات على المواقع العسكرية الإيرانية.

وقائع انتحار مُتنبأ به
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
مارس 2, 2026 - 04:35

أكان ثمة مفرٌّ؟ لبنانُ الذي غدا منذ عام 1973 الجبهةَ النشطة الوحيدة لكلّ الحروب الإقليمية دون استثناء، أكان في مقدوره، للمرة الأولى، أن ينأى بنفسه عن صراع وجودي تخوضه إحدى مكوّناته السياسية — حزبُ الله — لا سيما أن هذا الأخير يُشكّل جزءاً عضوياً لا يتجزأ من الحرس الثوري الإيراني، الذي يتعرّض اليوم لنيران مشتركة إسرائيلية أمريكية في طهران؟ لا. لقد أعرض حزب الله، في استعلاء لافت، عن التحذيرات الدولية التي نقلتها الدولة اللبنانية في الأيام الأخيرة، والقاضية بأن تدخّله في الحرب الدائرة بين إيران ومحور واشنطن وتل أبيب سيُفضي إلى إبادته، ويُلقي بلبنان في وهدة الكوارث. وكأنه أراد أن يوجه صفعة مدوية لرئيس الجمهورية، جوزاف عون، ولحكومة نواف سلام. في الليلة الفاصلة بين الأول والثاني من مارس، أطلق الحزب الموالي لطهران صواريخه وسيّر طائراته المسيّرة صوب مواقع الجيش الإسرائيلي في شمال إسرائيل، وفي مقدّمتها حيفا، ثم أعلن رسمياً أن هذا العمل ردٌّ مشروع على اغتيال وليّ الفقيه علي خامنئي في الثامن والعشرين من فبراير الماضي في طهران. بهذه الخطوة، فتح حزب الله مجدداً أبواب الجحيم على مصاريعها، متصرفاً على عادته المُتأصّلة بشكل أحادي الجانب، إذ لا مرجعية له سوى ولائه المباشر للحرس الثوري. وقد انتهز الإسرائيليون الذريعة التي طالما انتظروها، فانقضّوا فوراً بسلسلة من الغارات شديدة العنف على الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت — خمس عشرة غارة في غضون دقائق معدودة، كانت ارتجاجاتها بذلك الثقل المدمّر الذي أودى بحسن نصرالله ثم بهاشم صفي الدين في أواخر سبتمبر 2024 — في ما أعلنه الإسرائيليون رداً انتقامياً. وأفاد الجيش الإسرائيلي لاحقاً بأنه استهدف “بدقة شديدة عدداً من الشخصيات البارزة والقادة” في الحزب عبر هذه الغارات، دون أن يُدلي بمزيد من التفاصيل. وأصدر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام بياناً وصف فيه إطلاق الصواريخ على إسرائيل بأنه تصرف طائش ومري، مؤكداً أن “الدولة اللبنانية لن تقبل أن يُزجّ بلبنان في مغامرات جديدة، وأنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات وحماية اللبنانيين”. من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي أن رئيس هيئة أركانه أجاز عملية عسكرية ضد حزب الله، واتهم الحزبَ الموالي لإيران بإشعال فتيل الحرب في لبنان، مهدداً بأن يدفع “كل عدو يهدد أمننا” الثمن الباهظ لغطرسته. كما أعلنت وسائل الإعلام الإسرائيلية الرسمية أن العملية «ستمتد لأيام عدة”، وطالبت سكان قرى عديدة في جنوب لبنان والبقاع بالإخلاء الفوري. انهيار نفسي لا مناص منه وإن كانت خطوة حزب الله تُمزّق ثماني وأربعين ساعة من الهدوء اللبناني المباغت وغير المألوف في مثل هذه الظروف — ولا سيما في وقت تنجرف فيه منطقة الخليج بأسرها، والعراق وحتى قبرص، في دوامة الحرب على إيران — فإنها لا تستحق كبير الاستغراب. صحيح أن ثمة من راهن على استنارة الحزب وبُعد نظره السياسي، خاصة في أعقاب الضربات الإسرائيلية القاتلة لعام 2024 التي أبادت كامل قيادته العسكرية — وفي طليعتها أمينه العام نصرالله، ثم خلفه هاشم صفي الدين. بيد أن هذا الرهان يكشف عن جهل بنيوي عميق بطبيعة حزب الله. منذ النكسة الكبرى لعام 2024، تضاعفت الضغوط الأمريكية على الدولة اللبنانية لإرغام الحزب على تسليم سلاحه للجيش اللبناني وتفكيك مواقعه جنوبي الليطاني. ولا تزال منظومته شبه العسكرية هدفاً لعمليات اغتيال مُتتالية ينفّذها الجانب الإسرائيلي؛ كما تُرصَد مخازن أسلحته ومحاولاته استعادة قدراته الضاربة بدعم من الحرس الثوري — أو تحت إشرافه المباشر ربما — وتُدمَّر بصورة منهجية بواسطة سلاح الجو الإسرائيلي، ولا سيما في بعلبك شمالي الليطاني. ثمة فضلاً عن ذلك توافق سياسي شبه مُجمَع عليه على الساحة اللبنانية حول ضرورة إعادة احتكار العنف المشروع إلى كنف الدولة، مما يعني أن حزب الله مدعوٌّ، عاجلاً أم آجلاً، إلى التنازل عما يُشكّل عماد تفوّقه — بل هيمنته الشمولية على سائر المكونات السياسية اللبنانية طيلة العقدين الماضيين — أي ترسانته العسكرية. وهو ما يأباه أشد الإباء، متجاهلاً بوقاحة سافرة السلطة التنفيذية اللبنانية — ومتحدياً، في ما يتخطى ذلك، رغبة اللبنانيين الجامحة في العيش أخيراً في مناخ الحياد إزاء الصراعات الإقليمية. بل الأمر أعمق من ذلك وأوجع: مع اختفاء خامنئي وصفوة قادة الحرس الثوري في غضون الثماني والأربعين ساعة الأخيرة، فقد حزب الله دفعةً واحدة كل مرتكزاته الوجودية. وليس ذلك على الصعيد السياسي والعسكري وحسب؛ إذ إن العقيدة التأسيسية لحزب الله ذاتها — منذ أن أُسِّس مطلع الثمانينيات أداةً مُفضَّلة لتصدير الثورة الإسلامية إلى لبنان — قد طُعنت في صميمها. بإردائهم خامنئي قتيلاً، أسقط الأمريكيون والإسرائيليون المرجعية السياسية والعسكرية والروحية لحزب الله وأتباعه؛ بل أسقطوا، في منظوره هو، لا أقل من ممثل الله على الأرض. وفي العقلية المُشبَّعة بروح الفرقة الإمّاتية لهذا الحزب الثيوقراطي المتشبع بثقافة الاستشهاد والولاء لطهران — الذي يُشبه في جوهره فرقة أخروية مهدوية — لن يُفضي هذا المزلزَل إلا إلى انهيار تعويضي شامل وانفصال تام عن الواقع. بعبارة أخرى، مع اغتيال وليّ الفقيه، تبخّرت كل آفاق التعالي والمعنى في أعماق حزب الله. إنها صدمة إنكارية ذات طاقة تدميرية قادرة على أن تُفضي إلى انهيار نفسي شامل. الرد الوحيد المتاح لهذه الصدمة، بالنسبة لميليشيا مُحاصَرة — مهما اعترتها نزعات البراغماتية السياسية — في مسلك البقاء وفيّة لرسالتها وعقيدتها ومعتقداتها، وهي في الآن ذاته تُواجه أفول نجمها العسكري والسياسي وتفكّك أسطورتها التأسيسية، لن يكون سوى انتحار استراتيجي على نهج ماسادا. حتى لو اقتضى ذلك الدمار الشامل للبنان وأهله، بدءاً، مرةً أخرى، من «البيئة الحاضنة» للحزب — الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. ولا بد أن إسرائيل لن تقف عند هذه المناطق، كما فعلت في 2024 حين لم تتردد في قصف جبيل والشمال وبيروت. لقد أوقع حزب الله لبنان في الحرب بحتّ نزعته التدميرية الذاتية وحدها، دون أي مكسب واقعي أو مُجدٍ، مجرد بطولة فارغة أخيرة، وبارود شرف في خدمة قيادة إيرانية لم تكترث يوماً — كما أثبتت ذلك مراراً ومراراً على مدى العقدين الماضيين — بالأرواح العربية التي تتساقط قرباناً لحساباتها الجيوسياسية ومصالحها الخاصة. هذا هو الاسم الآخر للعبث — على منوال جيم جونز وديفيد كوريش. ليس على لبنان أن يدفع ثمن هذيان أخروي إماتي، ونزعة موت أشعلها انزلاق نفسي مرضي ذو طابع عرفاني في أتون العدم المطلق. ثمة يقين واحد لا يُلتوى عليه: كانت إسرائيل تترقّب — على الأرجح بمعرفة مسبقة بالسلوك المتوقع — هذه الإيماءة الانتحارية بالذات، لتتموضع في مكانة الضحية وتُسوّغ تدخلاً عسكرياً مُدبَّراً ومُحكَم التحضير — أو لعلّه، ومن يدري، غزو محتمل تُرهَص له الأرض. ومرةً أخرى، كما في 2024 حين ادّعى نصرة غزة، أتاح حزب الله لإسرائيل — انتقاماً لخامنئي وتصدياً لما يجري من تآكل للإمبراطورية الإيرانية — الذريعة الذهبية المُصاغة، في إيماءة رمزية لا تخلو من صدى مع زوبير، ذلك الوجيه الفارسي الذي أهدى، وفق ما أورده هيرودوت، بشكل دسيس «من الداخل»، مفاتيح بابل إلى دارا الأول.

انتقاماً لخامنئي، يطلق الحرس الثوري العنان لغضبه في كل الاتجاهات

في اليوم الثاني من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على النظام الإيراني، تصاعدت العمليات العسكرية يوم الأحد 1 مارس/آذار 2026، بشكلٍ يمكن وصفه بـ"النوعي"، وذلك بعد التأكيد الرسمي في طهران على نبأ وفاة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، علي خامنئي، الذي قُتل في أولى الغارات الجوية التي نُفذت صباح السبت 28 فبراير/شباط على مقر إقامته في العاصمة الإيرانية. وقد أكد التلفزيون الرسمي نبأ وفاة المرشد خلال ليلة السبت إلى الأحد، وأعلنت السلطات على الفور الحداد الوطني لمدة أربعين يومًا. وأثار نبأ وفاة خامنئي ابتهاجًا شعبيًا واحتفالات في شوارع طهران والعديد من المدن الرئيسية الأخرى. إلا أن النظام الإيراني أكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تجاوزتا "الخط الأحمر"، مُعلنًا أن الرد سيكون "سريعًا وحاسمًا". وبالفعل، شنّ نظام الملالي هجومًا واسع النطاق صباح الأحد ثأرًا لمقتل المرشد الأعلى. فيما يبدو تصعيدًا انتحاريًا، أو تأكيدًا على التمسك الأعمى بعبادة الموت والاستشهاد، كثّف الحرس الثوري ضرباته الصاروخية يوم الأحد ضد إسرائيل، وبالأخص ضد دول الخليج، حتى أنه شمل - في تطور غير مسبوق - قبرص، حيث استهدف صاروخان القاعدة البريطانية في الجزيرة. كما شمل الهجوم البحرين ودبي والكويت وضواحي الرياض في المملكة العربية السعودية. ولم تسلم حتى سلطنة عُمان، التي لعبت في السنوات الأخيرة دور الوسيط والمُوفّق بين نظام الملالي والولايات المتحدة، من الهجوم، بذريعة استهداف سفينة أمريكية راسية في ميناء عُماني. غارات على مراكز القيادة في إطار الهجوم الإسرائيلي، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي عشرات الغارات صباح الأحد في مناطق مختلفة لتحييد الدفاعات الجوية الإيرانية وتعزيز سيطرته على المجال الجوي. وأشار متحدث عسكري إسرائيلي ظهرًا إلى أن هذا الهدف قد تحقق إلى حد كبير، مما مكّن الطائرات الإسرائيلية من توجيه ضرباتها بدقة أكبر. في الواقع، استهدفت غارة جوية في وقت مبكر من بعد الظهر مركز قيادة في قلب طهران، يتألف من عدة مبانٍ كبيرة متجاورة. ويُظهر مقطع فيديو نشره الجيش الإسرائيلي هذه المباني - أربعة أو خمسة مبانٍ - وهي تنهار تمامًا تحت وطأة القنابل الإسرائيلية، مُخلفةً أعمدة كثيفة من الدخان الأبيض. ويبدو أن سلاح الجو قد بدأ سلسلة غارات واسعة النطاق تستهدف مراكز القيادة، ولا شك، شخصيات رئيسية في النظام الإيراني. يوم السبت، أشار مصدر مُعتمد في تل أبيب إلى أن هذه الغارات تُشكل "مرحلة أولى ستستمر أربعة أيام". مجلس انتقالي تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه عقب وفاة المرشد الأعلى، تم تشكيل مجلس انتقالي يضم الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجي، ورجل دين عضو في مجلس الخبراء وفيلق الحرس الثوري الإسلامي، علي رضا عرفي. ويُكلف هذا المجلس الثلاثي بضمان استمرار القيادة المؤقتة إلى حين انتخاب مرشد أعلى جديد. مقتل سبعة مسؤولين كبار تجدر الإشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي أعلن مساء السبت عن مقتل سبعة مسؤولين كبار في النظام، وهم: علي شمخاني، الأمين العام لمجلس الدفاع والمستشار الشخصي للمرشد الأعلى للشؤون الأمنية. محمد بكبور، قائد القوات البرية في الحرس الثوري الإسلامي. عزيز ناصر زاده، وزير الدفاع ورئيس الصناعات العسكرية. محمد شيرازي، رئيس المكتب العسكري للإمام خامنئي. صلاح الأسدي، رئيس قسم الاستخبارات في قيادة الطوارئ. حسين جبل أمليان، رئيس جمعية تطوير الأنظمة النووية والبيولوجية والكيميائية (SPND)، المسؤولة عن تطوير التقنيات العسكرية والبرامج النووية والبيولوجية. رضا مزفاري نيا، عضو سابق في جمعية تطوير الأنظمة النووية والبيولوجية والكيميائية (SPND). اجتماع المجلس الأعلى للدفاع في بعبدا على الصعيد اللبناني، دعا الرئيس جوزيف عون المجلس الأعلى للدفاع إلى اجتماع استثنائي صباح الأحد، عُقد في قصر بعبدا. يؤكد البيان الصادر عقب المناقشات، على مسمع الجميع، أن قرار الحرب والسلام يقع حصراً على عاتق الدولة اللبنانية. وهو بمثابة تحذير "دبلوماسي" ولكنه صريح للغاية لحزب الله حتى لا ينجرف إلى جرّ البلاد إلى حرب جديدة عقيمة لا طائل منها ولا تعنيه بأي شكل من الأشكال.

/