شعار Levant Time
العودة إلى المقال
سياسة

دعم الجيش: المساعدات والقدرات والتحديات الاستراتيجية (٢/٣)

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم نايلة عساف
نُشر فبراير 12, 2026 - 14:53

في ظل ظروف إقليمية وداخلية شديدة الحساسية، يستلزم تحليل وضع القوات المسلحة اللبنانية (الجيش اللبناني) تجاوز مجرد تعداد المساعدات والمعدات المطلوبة، ليشمل دراسة الأسس السياسية والعقائدية والاستراتيجية للمؤسسة العسكرية. فالمسألة الجوهرية لا تكمن فيما يمتلكه الجيش بقدر ما هي، فيما يُطلب منه القيام به من قبل الدولة، أو ما ترفض الأخيرة تحمّل مسؤوليته تجاهه.

 

منذ أواخر عام ٢٠٠٠، يحظى الجيش اللبناني بدعم دولي مستمر، لا سيما من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وعدد من الشركاء الأوروبيين الآخرين. ولم يقتصر هذا الدعم على تسليم المعدات وبناء البنى التحتية الجديدة، بل شمل بالدرجة الأولى إدخال نهج منظم لتطوير القدرات. وقد شكّل وضع رؤية مشتركة للقدرات مع الولايات المتحدة نقطة تحول، إذ تم التركيز على تعزيز المكتسبات القائمة بدل إنشاء قدرات جديدة.

 

تقوم هذه المقاربة، التي أدت إلى وضع خطة تطوير القدرات (Capability Development Plan)، على تمييز جوهري: يشير اللواء المتقاعد مارون حتي إلى أن الاستراتيجية العسكرية الوطنية تحدد ما يجب أن يكون الجيش قادرًا على إنجازه تنفيذًا لتفويض واضح من الدولة. بينما تهدف خطة تطوير القدرات إلى تعزيز فعالية الإمكانات المتاحة. وتوضح هذه الفروق كلاً من التقدم المحرز والقيود المستمرة، لا سيما في المجالات البنيوية مثل إدخال الطائرات المسيرة، والذكاء الاصطناعي، والأهم من ذلك، الدفاع الجوي الذي لا يزال غائبًا حتى الآن.

 

سؤال تم تجاهله عمدًا: دعم الجيش… إلى أي غاية؟

 

في صميم النقاش حول هذه الخطة يبرز سؤال يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه شديد الحساسية على الصعيد السياسي: ما هي بالضبط المهمة الموكلة إلى الجيش اللبناني؟ منذ تأسيسه، وبشكل خاص خلال نحو عشرين عامًا، ساهمت المساعدات الدولية، ولا سيما من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، إلى جانب العديد من الدول الصديقة الأخرى، في تفادي المؤسسة العسكرية لمختلف الانتكاسات، لكنها لم تُدعَم يومًا بسياسة وطنية حقيقية للأمن والدفاع يحظى بتأييد جماعي.

 

رسميًا، أصبحت المهام المعروفة والمتكررة واضحة: الحفاظ على الاستقرار، مكافحة الإرهاب، مراقبة الحدود والدفاع عنها، وضمان الأمن الداخلي. أما على الصعيد غير الرسمي، فلا يزال الغموض سائداً، بسبب وجود قوة مسلحة موازية، حزب الله، التي تحظى بحماية سياسية داخلية مستمرة. في هذا السياق، فإن تعزيز الجيش دون تحديد مهامه بوضوح يوازي تقوية مؤسسة مع تعطيل قدرتها على العمل.

 

الأمر الأخطر من ذلك، أن محاولة إخضاع الجيش لحزب الله تعادل تجريده من روحه وكيانه، وتشكل مساسًا برسالته الأساسية. كم من مرة سُمِعَتخطابات متفاخرة، أُطلق عليها بشكل متكلف مصطلح «استراتيجية» ، تحدد دور الجيش بوظيفة الشرطة الداخلية (بطبيعة الحال ضد المعارضة)، بينما تُترك مهمة الدفاع عن الوطن لحزب الله… ومنذ هزيمة الأخير، كُلف الجيش بمهمة جديدة: ضمان احتكار الدولة للسلطة، أي نزع سلاح حزب الله. وستتركز أعمال المؤتمر المزمع عقده في باريس في آذار ٢٠٢٦ على السبل العملية لتنفيذ هذه المهمة، مع استشراف السيناريو الذي قد يواجهه الجيش في حال رفض حزب الله تسليم السلاح.

 

ويبدو دور السلطة التشريعية محوريًا في هذا الإطار. فالتأجيل المستمر للنقاشات حول الدفاع الوطني، والانغماس في لجان، واللجوء الدائم إلى ما يسمى «إجماعًا مستحيل التحقيق»، ليس مجرد حالة من الجمود، بل خيار سياسي متعمد. في هذه الحالة، قد تتحول المساعدات الدولية إلى تمرين على التوازن: دعم مؤسسة يُنظر إليها على أنها جديرة بالثقة، مع حرمانها في الوقت نفسه من الغطاء السياسي الضروري لتقوم بمهمتها بالكامل. هذا أحد الفخاخ التي تواجه الجيش في سياق مؤتمر الدعم المقبل في باريس.

 

تعليق مشروع تعزيز استراتيجي كبير

 

لقد ترك هذا الغموض السياسي آثارًا ملموسة. فقد شكلت المبادرة السعودية، التي أُطلقت عام ٢٠١٣ وقدمت في إطارهامنحة بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قاعدة صلبة لبناء قدرات الجيش، شملت القوات البحرية ونظام دفاع جوي يغطي الطبقتين الدفاعيتين الأولى والثانية (مدافع وصواريخ محمولة على الكتف، بارتفاع يصل إلى ٦ كلم) لمواجهة الطائرات المسيرة. وكان من شأن هذه المساعدات السعودية أن تمثل قفزة نوعية في الأمن الاستراتيجي للبنان. لا سيما عبر حماية مراكز اتخاذ القرار السياسية والاستراتيجية والعملياتية. وما يثير القلق هو ضعف مراكز اتخاذ القرار في الدولة، على مختلف المستويات، أمام القدرات التي تمتلكها الأطراف المتحاربة على المسرح اللبناني، في ظل عجز الجيش عن مواجهتها.

 

وقد أظهر التوقف المفاجئ للمشروع السعودي، نتيجة التدخل الإعلامي والسياسي الغاضب لحسن نصرالله، مدى هشاشة أي تخطيط عسكري في ظل توازن القوى السياسية الإقليمية والداخلية. كما ترك ذلك الدولة والجيش عرضة لتهديدات من نوع جديد، مثل استخدام الطائرات المسيرة، دون توفر وسائل حماية مناسبة.

 

تحولات في طبيعة الحرب والتحديات التكنولوجية

 

لقد غيّرت النزاعات الأخيرة طبيعة الحرب بشكل جذري، إذ شكلت الاستخبارات، والتفوق التكنولوجي، ودمج القدرات عبر الذكاء الاصطناعي عوامل حاسمة. وتُظهر المواجهات الأخيرة في المنطقة أن الأطراف التي تعاني من عجز تكنولوجي هيكلي تجد نفسها دائمًا في موقف ضعيف. وقد أعادت هذه التحولات إلى الحرب عنصر المفاجأة الذي قد تمتلكه.

 

في هذا الإطار، السؤال الذي يطرح نفسه لا يقتصر على كيفية احتواء الجماعات المسلحة غير الرسمية، بل بكيفية تمكين الجيش اللبناني من بلوغ مستوى تكنولوجي وعسكري يضمن له المبادرة والمصداقية العملياتية، مع مراعاة عامل مهم جدًا: الوقت اللازم لتحويل التمويل إلى قدرات فعلية. ويُقاس هذا العامل الزمني بالسنوات… ولتجريد حزب الله من سلاحه اليوم، كان ينبغي البدء بالتحضير منذ عام ٢٠١٥، وعدم الاعتماد مطلقًا على إسرائيل أو أي دولة أخرى للقيام بذلك.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم يبقى: أي جيش نريد بحلول عام ٢٠٣٥؟

 

القدرات والموارد البشرية والأوهام الاستراتيجية

 

إن حصر النقاش في مجرد قائمة بالمعدات يشكل خطأً فادحًا. فالجيش يُبنى على قدرات متكاملة، ترتكز على الأفراد، وعقيدة واضحة، وسلسلة قيادة فعّالة، بالإضافة الى دعم سياسي مستمر ومستدام. وبالفعل، ساهمت جهود تطوير القدرات في الحفاظ على الجهاز القائم وتحسينه، إلا أن هذا الأخير لا يزال قديمًا إلى حد كبير مقارنة بالتحولات السريعة للحرب الحديثة.

 

يتطلب ضبط الحدود، ومراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة، أو الانتشار الدائم للجيش على الأرض، وجود عناصر بشرية متاحة ومدربة، تتقاضى رواتب مناسبة وتحظى بالدعم على المدى الطويل. وأي مهمة طموحة، مثل نزع سلاح منظمة مسلحة بكثافة، تتطلب موارد وإرادة سياسية تتناسب مع حجم التحديات. كما يستلزم ذلك أيضًا التزامًا ماليًا واضحًا من قبل الدولة، لا سيما من خلال تخصيص نسبة محددة من الناتج المحلي الإجمالي للاستثمار في مجالي الدفاع والأمن.

 

تحديد المهام الاستراتيجية بوضوح

 

في بيئة يهيمن عليها عنصر الاستخبارات، تبرز خمس مهام أساسية لمستقبل الجيش اللبناني: جمع وتحليل المعلومات؛ الدفاع عن الحدود ومراقبتها؛ القدرة على تنفيذ عمليات هجومية داخلية مع ضمان النجاح الدائم؛ ممارسة الردع؛ والتكامل والتشغيل البيني مع الجيوش الحليفة. وعند تنفيذ هذه المهام الاستراتيجية بشكل فعال، تتحدد مصداقية الجيش وكفاءته واستدامة المؤسسة العسكرية.

 

التغطية السياسية ومسؤولية الدولة

 

تبقى المسؤولية السياسية جوهر المشكلة. فالدولة كثيرًا ما تنتظر من الجيش تنفيذ مهام لم تُتخذ بشأنها أي قرارات واضحة ومعلَنة. ورغم أن هناك تقدمًا تدريجيًا وإيجابيًا يظهر في إعادة النظر ببعض التغطيات السياسية الضمنية، إلا أن مسألة الكلفة السياسية والأمنية لهذا التقدم ما زالت قائمة.

 

وتُظهر دراسة النقاط الحيوية لحزب الله – من القاعدة الشعبية الى العمق الاستراتيجي، مرورًا بالتغطية السياسية الداخلية، والموارد المالية، والاتصالات الاستراتيجية – أن وحده القرار الوطني الحاسم، المدعوم بتماسك حكومي حقيقي وجهود حوارية داخل المجتمع المعني، قادر على توفير الشروط اللازمة لتحرك فعّال للجيش يحقق النتائج المرجوة ويؤكد سيادة الدولة.

 

من المعدات إلى القدرة العملياتية المستدامة

 

امتلاك المعدات لا يشكل بحد ذاته قدرة فعلية. فمثلا، ضمان تواجد بحري دائم على مدار ٣٦٥ يومًا في السنة، وفي جميع الظروف، يتطلب تنظيمًا واضحًا وتقسيمًا محددًا للمناطق البحرية الوطنية، ووسائل بحرية، وعناصر بشرية متخصصة وذات كفاءة تكنولوجية، الى جانب تدريب مستمر، وصيانة دائمة للحفاظ على الجاهزية التشغيلية، وبنية تحتية، ما يمثل تكلفة سنوية كبيرة.

 

الدفاع مكلف، لكنه حيوي، ما يجعل تحديد الأولويات أمرًا ضروريًا: فالأولوية تكون لتعزيز القدرات القائمة بالكامل قبل السعي لاكتساب قدرات جديدة. ولا يجب أن يثير هذا الإنفاق القلق بشأن المالية العامة؛ إذ يمكن توزيعه على عدة سنوات، بشرط أن يتم التخصيص قانونًا لنسبة محددة من الناتج المحلي الإجمالي للاستثمار في هذا المجال… وهنا يظهر الدور الأساسي للسلطة التشريعية.

 

الفاعلية العسكرية والتماسك السياسي

 

يكشف فحص المساعدات والقدرات والتحديات التي تواجه الجيش اللبناني حقيقة ثابتة: لا يمكن فصل الفاعلية العسكرية عن التماسك السياسي. فبدون تفويض واضح، وغطاء سياسي ومالي مضمون، واستراتيجية وطنية دفاعية وعسكرية صريحة، تظل الاستثمارات في المعدات والكوادر البشرية إلى حد كبير غير مجدية.

 

وفي هذا الإطار، يؤكد الجنرال مارون حتي، على ضرورة تقدير الجهود الجوهرية التي انطلقت منذ نحو عشرين عامًا وما زالت مستمرة داخل هيئة أركان الجيش، حيث ساهمت المقاربة الدقيقة لتطوير القدرات في الحفاظ على التماسك المهني والعملي للمؤسسة في ظل ظروف سياسية ومالية صعبة جدًا. ومع ذلك، يلعب عامل الزمن ضد هذه الجهود: فالحرب تتطور بسرعة تفوق قدرة الجيش على مجاراتها، ويجب أن تراعي المساعدات الدولية هذا الواقع.

 

وعليه، فإن هذا النجاح الجزئي للمؤسسة العسكرية لا يعفي الدولة من مسؤوليتها الأساسية، فهي وحدها القادرة ليس فقط على تحويل هذه الجهود التقنية إلى استراتيجية دفاع وطنية حقيقية، بل وأيضًا على وضع توجيهات وخيارات استراتيجية واضحة للقوات المسلحة اللبنانية للمستقبل القريب.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل