شعار Levant Time

رأي

٢١ سنة على اغتيال رفيق الحريري: كيف تغيّر لبنان… ولو كان حيّاً اليوم؟

في 14 شباط 2005 لم يُغتل رجل فقط، بل اهتزّ توازن كامل. اغتيال رفيق الحريري كان نقطة تحوّل في تاريخ لبنان الحديث: لحظة انتقل فيها البلد من وصاية مباشرة إلى صراع داخلي مفتوح على كل الاحتمالات. بعد 21 عاماً، يبدو السؤال أكبر من الذكرى: ماذا تغيّر؟ وأين أصبح لبنان؟ ولو كان الحريري حيّاً اليوم، كيف كان سيتعامل مع الانهيار؟ من الزلزال إلى الانقسام أخرج الاغتيال مئات الآلاف إلى الشارع، وانسحبت القوات السورية، وولد انقسام حاد بين معسكري 14 و8 آذار. لكن التحرّر من الوصاية لم يؤدِّ إلى استقرار، بل إلى مرحلة استقطاب طويل حول السيادة وسلاح حزب الله ودور لبنان الإقليمي. منذ ذلك الحين، صار كل استحقاق داخلي مرتبطاً بتوازنات خارجية، من انتخاب الرئيس إلى تشكيل الحكومات. الاقتصاد: من إعادة الإعمار إلى الانهيار كان الحريري عنوان إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية: بنى وسط بيروت، أعاد وصل لبنان بالعالم، وراهن على الاقتصاد الحر والخدمات. لكن النموذج نفسه استمرّ بعد اغتياله بلا شبكة الأمان السياسية التي كان يوفّرها. تراكم الدين، تأجّلت الإصلاحات، وبقي الاقتصاد ريعياً هشّاً. مع الحرب السورية ثم انتفاضة 2019، انفجر النظام المالي. انهارت العملة، تبخّرت الودائع، وتآكلت الطبقة الوسطى. لم يسقط لبنان فجأة عام 2020، بل كان يسير نحو الهاوية منذ سنوات، لكن من دون شخصية قادرة على فرض تسوية توقف الانحدار. لبنان وسط تحوّلات المنطقة في هذه السنوات، تغيّرت المنطقة جذرياً: صعود إيران، تبدّل أولويات الخليج، تحوّل سوريا إلى ساحة صراع مفتوح. تعمّق ارتباط لبنان بمحور تقوده طهران بقيادة علي خامنئي، وازداد حضوره في النزاعات الإقليمية عبر حزب الله. في المقابل، تراجعت “الحريرية السياسية”، خصوصاً مع ابتعاد سعد الحريري عن المشهد. اختلّ التوازن الوطني، وبدا لبنان أقل قدرة على لعب دور الوسيط وأكثر انخراطاً في صراعات الآخرين. العدالة والذاكرة أُنشئت المحكمة الخاصة بلبنان، وصدر حكم بإدانة أحد المتهمين غيابياً، لكن شعوراً واسعاً بقي بأن العدالة لم تكتمل. اغتيال الحريري لم يكن جريمة فردية، بل بداية مرحلة من العنف السياسي. وبين من يراه رمزاً للأمل والانفتاح، ومن ينتقد نموذجه الاقتصادي، يبقى اغتياله لحظة فاصلة لا يمكن تجاوزها. لو كان حيّاً اليوم… ماذا كان سيفعل؟ السؤال افتراضي، لكن يمكن قراءته عبر أسلوب الرجل. في الاقتصاد: كان سيذهب سريعاً إلى اتفاق واضح مع صندوق النقد الدولي، ويطلق إعادة هيكلة فعلية للمصارف والدين العام. لم يكن من أنصار إدارة الأزمة بالإنكار، بل بعقد تسوية كبيرة: دعم دولي مقابل إصلاحات جدّية في الكهرباء والحوكمة. في العلاقات العربية: كان سيعمل على إعادة وصل لبنان بعمقه الخليجي والدولي، مستفيداً من أي تقارب إيراني–عربي لتخفيف الضغط عن الداخل. قوته كانت في شبكة علاقاته وقدرته على جمع المتناقضين. في ملف السلاح: الأرجح أنّه لم يكن سيختار الصدام المباشر مع حزب الله، بل حواراً تدريجياً حول استراتيجية دفاعية، مع تقوية مؤسسات الدولة اقتصادياً وأمنياً لخفض الحاجة إلى السلاح خارجها. في استعادة الثقة: كان يدرك أن السياسة تحتاج إلى أمل. ربما كان سيطلق مشاريع سريعة التأثير تعطي الناس إشارة بأن الدولة لم تمت بعد. بين الرجل والمرحلة هل كان سينجح؟ لا أحد يملك جواباً قاطعاً. فالمنطقة اليوم أكثر تعقيداً، والدعم الخارجي مشروط بإصلاحات قاسية. لكنه على الأرجح كان سيحاول فرض تسوية كبيرة قبل الوصول إلى هذا الانهيار العميق. بعد 21 عاماً، يبقى السؤال الحقيقي: هل كانت المشكلة في غياب رفيق الحريري، أم في عجز اللبنانيين عن استكمال مشروع الدولة التي حاول بناءها؟ لبنان تغيّر كثيراً منذ 2005: العملة انهارت، التحالفات تبدّلت، والثقة بالدولة تآكلت. لكن الحاجة لم تتغيّر: دولة سيدة، عادلة، قادرة على حماية اقتصادها ومواطنيها. الذكرى ليست حنيناً فقط، بل امتحاناً. فاغتيال الحريري كان لحظة كسر. أما إنقاذ لبنان اليوم، فيحتاج إلى لحظة قرار لا تقلّ شجاعة.

بين المطرقة والسندان
بقلم
كريم ثابت
نُشر
فبراير 12, 2026 - 12:30

ما شهدناه لم يكن فصولَ مأساةٍ إغريقية، بل المعاشة حقيقةً، واقعًا، حاضرًا، إذلالا، لا يُغتفر. في أقل من أسبوعين، تعاقبت على شاشاتنا مشاهدُ مسرحيةٍ هزلية، ثم وضع سريالي، فكارثةٌ إنسانية. ثلاثة فصول متباينة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة: الداء اليومي الذي ينهش لبنان المنهك. كرنفال الفاشلين «ما الرابط بين هذا الرجل والشعب؟ بين هذا البرجوازي الضخم، المتخم، الذي يرتاد المقاهي، ورجل يعمل… أليس أعظم بؤس هذا العصر أن يكون هذا الرجل هو من يتحدث باسم الشعب، في صفوف الشعب، وعن الشعب». كلمات شارل بيغوي في كتابه «المال»، الموجّه إلى جان جوريس، مرشده الفكري، تنطبق تماماً على غالبية ممثلي الشعب الذين يسعون، في كل مناسبة وتحت أي ذريعة، للدفاع عن «مصالح» ناخبيهم. ومع ذلك، يبدو أن قول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء إلا الحقيقة، أو حتى جزء منها، مهما كانت مملة أو حزينة أو صعبة الاستيعاب، ليس من مبادئهم. ولكن، هل هذا مفاجئ حقاً؟ وهل يمكن أن ننتظر منهم أفضل من ذلك؟ خلال ثلاثة أيام، شهدنا عرضاً ومسرحيةً غريبة، تافهة، هزلية، ومهينة، كادت تتحول إلى اشتباك عنيف. لم تكن مسرحية هزلية على طريقة فيدو، بل كانت الجلسة البرلمانية المخصصة لمناقشة قانون موازنة العام ٢٠٢٦. شخصيات تفيض بالعموميات والأكاذيب والمغالطات ونصف الحقائق، وأخرى، لإرضاء الغضب المشروع للمتظاهرين عند أبواب البرلمان أو لجني أصوات إضافية في الانتخابات المقبلة، تقترح رفع رواتب متقاعدي الجيش دون أي دراسة مسبقة. ولا ننسى الواعظون الذين يعتلون المنصة وَيَطْنَبُونَ بالهراء، أو أولئك الذين يوافقون ببساطة على موازنة سيئة، ظالمة وسخيفة، رغم أن ممثليهم في الحكومة يعارضونها. عجيب أمرهم! وكل ذلك في جو من الفوضى كما في حظيرة الدواجن، حيث تصيح الدجاجات وتتنازع فيما بينها بينما بدا الديك على العارضة عاجز عن السيطرة، حتى اضطر لإيقاف البث التلفزيوني، إما لتفادي مزيد من الإحراج أمام العالم، أو لتمرير قرارات غير شعبية على نحو سري. باختصار، كان مشهداً من الضجيج الصاخب والفوضى، حيث يصرخ كلٌ على هواه، يحتج، ويشير بإيماءات صاخبة ويصيح بالفضيحة، بينما الشعب يعاني، يتحمل، ولا يحرك ساكناً. قال أفلاطون عن الديمقراطية: «عندما تكون الحقيقة مكلفة، يصبح الكذب فعالاً». وبرلماننا المخزي خير دليل على ذلك. مَشهد مسرحي عبثي هل كان ينبغي تصديق قصة بابا نويل عندما حطّ رئيس الأركان في واشنطن؟ أم أن المهمة الموكلة إليه كانت منذ البداية محفوفة بالمخاطر ومقدّر لها أن تغرق على ضفاف نهر بوتوماك؟ هل كان الأمر نتيجة نقص في التحضير أو ضعف نفسي، سذاجة من جانبه، أم أنها كانت ببساطة فخّاً وقع فيه هيكل؟ وهل حزب الله يخترق أركان الجيش إلى هذا الحد، وهل أن الإرادة لمواجهة الميليشيا مرة واحدة وإلى الأبد غائبة فعلياً؟ لا شك أن جواب قائد الجيش على سؤال السيناتور غراهام سيكون موضع العديد من التفسيرات، وسيثير المزيد من النقاش والجدل، لكنه قد يتحول، للأسف، إلى مصدر لمشكلات جديدة وتعقيدات شديدة لا يحتاج إليها بلدنا أبداً. لذلك، لنا الحق، إن لم يكن الواجب، في طرح هذه الأسئلة، بالنظر ليس فقط إلى الاحتياجات الملحّة للجيش، ومصداقية الدولة وسلطتها، بل خصوصاً إلى الأمل الذي كان يحمله كل لبناني صادق في نجاح هذه المهمة، التي آمل ألا تنتهي بخيبة أمل. قال أبقراط: «عندما يرغب أحدهم في الصحة، يجب أولاً أن نسأله إن كان مستعداً لإزالة أسباب مرضه». وعندما نطلب مساعدة الآخرين، لا يجوز أن نتحفّظ أو نتظاهر بالذكاء الزائف. حقيقة واضحة كنهج لاباليس. هل كان غراهام، في الواقع، يبعث برسالة واضحة إلى الدولة اللبنانية عبر ممثلها؟ ومع ذلك، كان بإمكان الجنرال، أن يتصرّف بحنكة ومهارة (فكانت هناك عدة إجابات ممكنة)، بدلاً من الردّ بتلقائية على سؤال فخّ السيناتور المعروف بموقفه العميق تجاه إسرائيل؛ موقف لا يخفيه عن أحد. حتى دارين لحود، عضو الكونغرس من أصل لبناني والذي يحمل لبنان في قلبه، كان واضحاً جداً في تصريحاته بشأن حزب الله. ومع ذلك، حدث ما حدث! من الواضح أننا أضعنا مرة أخرى فرصة ذهبية لمحو الماضي، وتأكيد إرادتنا الحقيقية في السيطرة على مصيرنا، وفتح فصل جديد واعد. لنأمل ألاينعكس هذا المشهد السريالي سلباً على الجميع. فالأمر يتعلق بمصير بلد يطغى عليه الفساد واللامساواة، وسكانه فقراء، منهكون، يائسون وعلى حافة الانهيار. لذلك، يظل التشكيك والحذر واجباً حتى إشعار آخر! مأساة طرابلس في أي غابة نعيش؟ صحيح أننا نتساءل عن ذلك يوميًا، لكن ما حدث مؤخراً في طرابلس ليس مجرد كارثة إنسانية، بل هو قبل كل شيء نتيجة تراخٍ إجرامي وفساد مستشري على كل المستويات. كارثة بهذه الضخامة كانت لتطيح برؤوس كثيرة في أي بلد يحترم نفسه. كان يجب على بعض وزرائنا وكبار المسؤولين تقديم استقالاتهم، وكان يجب أن يُلقى بآخرين في السجن. لوحة حزينة تعكس انهيار الدولة، وتفككها المتقدم، وانتشار الظلم في البلاد. قال سيوران بنبرة لاذعة: «ما يزعج في المآسي العامة هو أن أي شخص يعتقد نفسه مؤهلًا بما فيه الكفاية للحديث عنها». ونواب المدينة بارعون في الظهور على الشاشات، وانتفاخ الصدور، واتهام الدولة بالإهمال. لكن، أين كانوا عندما ضربت الكارثة العاصمة الشمالية للمرة الأولى قبل أسابيع قليلة؟ الأمر نفسه ينطبق على الدولة. المليونيرات الطرابلسيون، الذين كان بإمكانهم المساهمة في ترميم المباني المهددة بالخطر، غابوا تماماً. وعلى الرغم من رفع الأعلام الحمراء ورغم تهديدات انهيار عشرات المنازل، لم تُتخذ أي إجراءات جدية لمعالجة المشكلة. لم يحرك أحد ساكناً. وأودت الكارثة المدينة مرة أخرى في ٨ شباط. واليوم، لا زلنا نحصي القتلى والجرحى، جميعهم ضحايا انعدام المسؤولية واللامبالاة من إدارة متصلبة وفاسدة. ولو عبى حساب إثارة غضب مناصري حزب الله، فإن مجرد تملق سكان الجنوب على حساب بقية المناطق لا يكفي. صحيح أن هذا الجزء من البلاد، المدمر بفعل لامبالاة الميليشيا المسلحة، يستحق اهتمام الدولة، لكن ليس على حساب المناطق الأخرى المتضررة التي تحتاج أيضاً إلى تمويل عاجل، ومساعدة جدية، وحماية، ورعاية من الدولة. طرابلس ليست سوى مثال أوحد. الخطر يطرق أبوابنا، ومخاطر سخط شعبي ذات عواقب غير متوقعة قد تفاجئ السلطات عاجلاً أم آجلاً. الغضب يتصاعد، وهذه المدينة، التي تُركت طويلاً (وبشكل متعمد) لمصيرها، لها الحق في التعبير عن موقفها. سدّ الثغرات أو الاكتفاء بالإصلاحات الترقيعية لم يعد يجدي نفعاً. هناك حاجة ملحّة إلى حالة طوارئ وخطة إنقاذ جادة لمواجهة الأسوأ. اعتبر فولتير أن «السياسة وسيلة يقوم من خلالها رجال ونساء بلا مبادئ بإدارة رجال ونساء بلا ذاكرة». أوافق بحذر على الجزء الأول من هذه المقولة، إذ لا زلت مقتنعاً بوجود رجال ونساء بيننا ذوي مبادئ وحسن نية. أما الجزء الثاني، فأميل إلى الموافقة عليه. فالوضع السياسي الراهن في بلدنا هو التجسيد الأمثل لذلك، إذ أننا حتى اليوم نستمر في إعادة الأشخاص نفسهم والبدء من جديد. هل نحن حقاً مستسلمون إلى هذا الحد أم مصابون بنسيان جماعي؟ ألم يثبت عبث شخصياتنا الهزيلة المحلية حدود قدرتهم على اللعب بنا؟ أليس أداؤهم الكارثي مادة للتفكير؟ هل نحن محكومون بأن نسقط إلى الأبد من كارثة إلى أخرى؟ مسألة تستحق التأمل.

نسيب لحود… لا يزال الرئيس الحلم
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
فبراير 10, 2026 - 15:51

في ذكرى غياب نسيب لحود، وفي بلدٍ اعتاد أن يَستهلك رؤساءه قبل أن يختبرهم، وأن يُسقِط المعايير قبل أن يرفعها، يبقى اسم نسيب لحود خارج لعبة الاستهلاك هذه. لا لأنّه غاب عن السياسة، بل لأنّه حضر فيها بطريقة مختلفة: حضور الفكرة لا حضور الصفقة، حضور المشروع لا حضور المحاصصة. ولهذا، كلّما دخل لبنان في مأزقٍ رئاسي جديد، عاد اسم نسيب لحود بوصفه «الرئيس الحلم»؛ لا كحنينٍ رومانسي، بل كمقياسٍ أخلاقي وسياسي لما كان يمكن أن يكون. لم يكن نسيب لحود ابن لحظةٍ عابرة ولا مرشّح ظرف. هو ابن مدرسة سياسية واضحة: مدرسة الدولة. دولة الدستور والمؤسسات، لا دولة التسويات فوق الطاولة وتحتها. منذ دخوله الحياة العامة، قدّم نفسه باعتباره رجل مشروع لا رجل موقع. لم يسعَ إلى الرئاسة كغاية، بل إلى الرئاسة كأداة لإعادة بناء الدولة. في بلدٍ تحوّلت فيه الرئاسة إلى جائزة ترضية أو أداة تعطيل، كان لحود يطرحها وظيفة سيادية بضوابط دستورية واضحة. تميّز نسيب لحود بثلاث سمات نادرة في السياسة اللبنانية. أولها الوضوح. لم يُتقن اللغة الرمادية، ولم يختبئ خلف العبارات المطاطية. في السيادة، كان واضحاً: لا دولة مع سلاح خارجها، ولا شراكة حقيقية مع قرار أمني مصادَر. في الإصلاح، كان صريحاً: لا اقتصاد من دون قضاء مستقل، ولا عدالة اجتماعية من دون نظام ضريبي عادل، ولا إدارة من دون محاسبة. هذا الوضوح جعله «غير قابل للتسويق» في سوقٍ سياسي يفضّل الغموض لأنه يوسّع هوامش المناورة. السمة الثانية هي الاستقلالية. لم يكن نسيب لحود رهينة محور، ولا أسير زعامة، ولا تابعاً لمرجعية خارجية. الاستقلالية هنا لم تكن شعاراً، بل ممارسة يومية: في الموقف، في الخطاب، وفي التحالفات. لهذا، لم يُنتَج اسمه في غرف التسويات، ولم يُرفَع بقرار إقليمي. وهذه بالذات كانت نقطة قوته ونقطة ضعفه في آنٍ معاً: قوته عند الناس، وضعفه عند منظومة لا تحبّ من لا يُمسَك. أما السمة الثالثة، فهي الأخلاق السياسية. في بلدٍ تُدار فيه السياسة بمنطق الغلبة أو الابتزاز، كان لحود يقدّم نموذجاً مغايراً: احترام الخصم، الاحتكام إلى الدستور، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية. لم يُعرَف عنه فساد، ولا مقايضة، ولا استخدام للخطاب التحريضي. لهذا بدا، في عيون كثر، «مثالياً» أكثر مما ينبغي. لكن السؤال الحقيقي: هل المشكلة في مثاليته أم في انحدار السياسة؟ حين طُرح اسمه جدياً لرئاسة الجمهورية في مراحل مفصلية، بدا كأنّ النظام اللبناني يلفظه تلقائياً. ليس لأنّه غير كفوء، بل لأنّه كفوء أكثر مما يسمح به نظام قائم على التعطيل المتبادل. رئيسٌ مثل نسيب لحود كان يعني بداية مساءلة حقيقية، وإعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والسلاح، وبين السلطة والقضاء، وبين الداخل والخارج. وكان يعني أيضاً نهاية «المنطقة الرمادية» التي تعيش عليها منظومة كاملة. اليوم، بعد الانهيار المالي، وتفكّك المؤسسات، وسقوط الثقة الداخلية والخارجية، يبدو نسيب لحود أكثر راهنية مما كان عليه في حياته السياسية. أفكاره عن الدولة، والسيادة، والإصلاح، باتت بديهية عند شريحة واسعة من اللبنانيين، بعدما دفعت أثمان تجاهلها. المفارقة المؤلمة أنّ لبنان احتاج إلى الانهيار ليفهم أنّ «الرئيس الحلم» لم يكن ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. نسيب لحود لم يكن قديساً، ولا معصوماً عن الخطأ. لكنه كان رجل اتجاه. وفي السياسة، الاتجاه أهمّ من التكتيك. لذلك، حين يُقال إنّ نسيب لحود لا يزال الرئيس الحلم، فالمقصود ليس شخصه بقدر ما هو النموذج الذي مثّله: رئيس لا يساوم على الدولة، ولا يختصرها، ولا يستخدمها. رئيسٌ يُعيد للرئاسة معناها، وللدولة هيبتها، وللمواطن كرامته. في انتظار أن ينضج النظام بما يكفي ليختار من يشبه نسيب لحود، سيبقى اسمه حاضراً كمرآةٍ قاسية: كلّ رئيسٍ يُقاس به، وكلّ تسوية تُفضَح عند مقارنتها به. وربما، في هذا الحضور الرمزي المستمر، تكمن أهمّيته الأعمق.

العصا الغليظة والتأثير الرادع!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
فبراير 7, 2026 - 11:14

ماذا لو رضخت إيران أمام الانتشار الكثيف للقوة الأميركية؟ وماذا لو لم تتحدَّ الأسطول الأميركي الذي جاء ليرسو في مياهها بالذات، مياه الخليج الفارسي؟ في هذه الحال، ستكون قد فقدت ماء وجهها، وهي اللم يمضِ وقت طويل على تبجّحها وإعلانها، على الملأ، أنها تسيطر على أربع عواصم عربية! لا ينبغي أن نُخطئ الفهم: سيكون على طهران أن تختار ما بين الحرب والتسوية، أي بين المواجهة أو التراجع، وهو تراجع قد يعيد إلى الواجهة دبلوماسية «المدفعية» التي طالما شُجبت في الأوساط الأكاديمية. هذه الدبلوماسية المزعومة، التي سبقت الحرب العالمية الأولى، كانت تقوم على قصف سواحل دولة ما من البحر، إذا كان عليها ما تُلام عليه، وغالباً ما كان ذلك بسبب ديون مالية. ولجعل الخصم يصغي إلى صوت العقل، أليس من الأفضل اللجوء إلى الخداع أو إلى طلقات التحذير، أي إلى تهديد غير متبوع بالتنفيذ، بدلاً من الانخراط في مواجهة عسكرية تُحصى نتائجها بعدد الضحايا وبحجم الدمار؟ هذا هو المأزق الذي يواجهه اليوم آيات الله: تقديم الاعتذار الضمني، والخضوع، ومحاولة حفظ ماء الوجه، أو المحو عن الخريطة. سوابق تاريخية لم ينتظر أحد الأميركيين لاستخدام «العصا الغليظة». ففي عام 1793، إبان التقسيم الثاني لبولندا، قامت كاترين الثانية، إمبراطورة روسيا، بتطويق مقر الجمعية العمومية البولندية: وبعد أن وجّهت مدافعها نحو المقرّ المذكور، فرضت وجهة نظرها تحت التهديد. «لقد انتُزع التصويت في صمت يملؤه الرعب، إذ جعل الاحتلال أي معارضة أمراً مستحيلاً»، كما تروي لنا المصادر. ومن المرجح أن هذه الممارسة القسرية لم تغب عن أذهان أنصار مبدأ مونرو في الولايات المتحدة، بحيث تمكّن الرئيس ثيودور روزفلت من التصريح، مرتين عامي 1904 و1905، قائلاً: «رغم التردد، وفي حالات صارخة من الظلم أو العجز، يحق للولايات المتحدة أن تمارس ما يُسمّى بـ“سلطة الشرطة الدولية”.» نيوجيرسي وعقيدة واينبرغر من المؤكد أن دونالد ترامب لن يزجّ بقواته دعماً للمتظاهرين الإيرانيين المطالبين بالخبز والحرية. فهذا آخر ما يشغله. في الواقع، لا يسعى إلا إلى تسوية ملفات النووي، والصواريخ، وقطع الدعم عن الوكلاء مثل حزب الله والحوثيين، وإلى التحكم، في الخفاء، بإمدادات الصين من المحروقات. ومع ذلك، لن نشهد هذه المرة، كما حصل عام 1984 قبالة سواحل بيروت، إعادة تمثيل للانسحاب المذلّ للبارجة الأميركية «نيوجيرسي». ففي هذه الحالة، ستُطبَّق عقيدة واينبرغر، وهي واضحة لا لبس فيها: إذا كان لا بد من إشراك القوات الأميركية كملاذ أخير، «فيجب إشراكها بلا تحفظ وبنية واضحة لتحقيق النصر (with the clear intention of winning) أو عدم إشراكها إطلاقاً". من جهة أخرى، من المتفق عليه أن النظام الإيراني، على الرغم من قدراته التخريبية، غير قادر على صدّ هجوم القوات الأميركية–الإسرائيلية المشتركة. وسيضطر إلى الرضوخ ما لم يكن انتحارياً. وفي نهاية المطاف، إذا قدّم تنازلاً في الملف النووي أو فيغيره، فسيفقد شيئاً من هيبته، وقد يضطر حتى إلى «ابتلاع قبعته» كي يبقى في الحكم. والخشية أن يتدخل دونالد ترامب، مكتفياً بنصر شكلي، أي بانتصار زائف يمكنه التباهي به كيفما شاء. ومن هنا يأتي قلق وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، من احتمال أن يخرج نظام آيات الله معزَّزاً، في حال لم تقدم الولايات المتحدة على الهجوم. إذ لا معنى لإعلان النصر إن لم يحدث تغيير في النظام بطهران. فما جدوى استعمال الوجوه نفسها والبدء من جديد؟ وخلاصة القول: من دون تدخل عسكري، تكون إيران قد ربحت الجولة مرة أخرى!

تدخل إنساني في طهران ودفاع شرعي في كاراكاس!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
يناير 31, 2026 - 12:07

من لم يرحب بإطاحة نيكولاس مادورو، الديكتاتور الذي دفع ثمانية ملايين من مواطنيه إلى النزوح، أي ربع سكان فنزويلا؟ ولكن هل هذا يعني أن الإدارة الأمريكية كانت على حق في شن هذه الغارة الجريئة بالقرب من كاراكاس؟ وفقًا لميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 الذي يقدس السيادة الوطنية ويضمن السلام بين الأمم، لا يجوز لدولة اللجوء إلى القوة المسلحة إلا في حالتين، وهما الدفاع عن النفس واعتماد قرار من مجلس الأمن يجيز لها ذلك. ومع ذلك، يمكن لدولة أن تتدخل في أراضي دولة أخرى استجابة لطلب ملح من حكومتها الشرعية: ألم يهبط مشاة البحرية الأمريكية على سواحلنا عام 1958 بطلب من الرئيس كميل شمعون؟ الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 صوت آخر: وافق برونو ريتيلو، السيناتور الفرنسي، على عملية 3 يناير بحجة أن الرئيس الفنزويلي كان متواطئاً مع مهربي المخدرات. في نظره، لم يكن القبض على مادورو وزوجته من قبل الولايات المتحدة سوى عملية دفاع عن النفس وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. من الصعب الموافقة على هذه الأطروحة: لا يشكل الاتجار بالمخدرات، في نظر الفقه الدولي، عملاً من أعمال «العدوان المسلح» الذي يبرر الدفاع عن النفس المذكور. كان من الأفضل لزعيم الجمهوريين أن يستشهد بتدخل إنساني، كما لن يتأخر دونالد ترامب، المرعوب من القمع السائد في إيران، عن فعله. هل هناك التزام بالتدخل على عاتق الدول؟ يتعدى التدخل الإنساني بسهولة مبادئ سيادة وسلامة أراضي دولة ثالثة، كما كان الحال في البوسنة والهرسك (1992-95)، وكوسوفو (1999). نفذت عمليات عسكرية هناك، ليس بطلب من حكومة شرعية كما في لبنان عام 1958، بل ضد الحكومة المذكورة. لهذه «الحرب باسم الإنسانية»، يقدم جان-باتيست فيلمر التعريف التالي: «استخدام القوة من قبل دولة بهدف وقف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ضد أفراد ليسوا من مواطني الدولة المتدخلة ودون موافقة السلطات المحلية». ويبرر مؤيدو هذا المبدأ ذلك باسم الضرورة الملحة. ويمكن للولايات المتحدة أن تتصرف على هذا النحو في إيران؛ فقد تستند إلى الإدانة التي أصدرها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في 23 يناير الماضي، لما وصفه بـ«القمع غير المسبوق» الممارس في بلاد آيات الله. في ذلك التاريخ، أدت أكثر من 5000 حالة وفاة و25000 عملية اعتقال بالمفوض السامي فولكر تورك إلى دعوة طهران لإعادة النظر في موقفها وإنهاء «قمعها الوحشي، وخاصة المحاكمات السريعة والعقوبات غير المتناسبة». لكن منذ ذلك الحين، ازداد عدد الضحايا ويتحدثون عن أكثر من 30 ألف قتيل! «ضربة إنسانية» باسم الحرية! هل يمكن لحجم انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية أن يبرر التدخل الإنساني لآلة الحرب الأمريكية؟ نظريًا، لا يُفرض التدخل إلا في مواجهة انتهاك واسع النطاق ومستمر لحقوق الإنسان. إذا لم يكن الأمر كذلك، فهل يجب الامتناع عن العمل ما دامت الفظاعة لم تصل إلى سقف معين، وهو، على سبيل المثال، 50000 ضحية؟ من المفهوم أنه إذا جاءت «ضربة إنسانية» لمساعدة المتظاهرين الإيرانيين، فإنها ستكون مشوبة ببعض الانتهاكات للقانون، وهي انتهاكات لن يتردد فقهاء القانون المدققون في انتقادها. ولكن ماذا عسانا نفعل، فالأمر يتعلق بالخلاص ولا مجال للتأنق! لا نمنح الشك لمن يدوسون القانون، ولا نمنح الحرية لأعداء الحرية!

قراءة في حدث شاذّ: ثورة أم اضطراب عابر؟
بقلم
كريم ثابت
نُشر
يناير 30, 2026 - 17:34

إنّ القمع الوحشي الذي يمارسه الملالي والحرس الثوري (الباسداران) لإجهاض الثورة الشجاعة التي أطلقها المواطنون الإيرانيون يحمل في طيّاته السمات الملازمة لكل ديكتاتورية. أكثر من ثلاثين ألف قتيل، وأربعون ألف معتقل لا يُعرف حتى اليوم مصيرهم، وعدد لا يُحصى من المفقودين، والأرقام مرشّحة للارتفاع كلما تكشّفت الحقيقة المروّعة. سرعان ما حلّ الرعب مكان الأمل بالتغيير المنتظر منذ زمن طويل. يبدو أن النظام أعاد فرض “النظام”، ولكن بأي ثمن، والأهم: إلى متى؟ في غياب معارضة موحّدة، أصبح النظام الديكتاتوري، المتخلّف والفاسد، طليق اليدين ليحرق ويدمّر كل ما يتحرّك. يفعل ذلك بشكل منهجي، خبيث، ووحشي، من دون أي وازع أو ضمير. طوق النجاة الوحيد الذي تتشبّث به غالبية الإيرانيين يتمثّل في احتمال تدخّل أميركي، لكن أحداً لا يعرف مسبقاً عواقبه، سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي. صحيح أنّ النار ما زالت تحت الرماد، غير أنّ الاشتعال لن يعود إلا إذا تهاوى النظام تحت ضربات الضغط الأميركي. وفي الأثناء، تُحصى الضحايا يومياً، فيما العالم لا يزال ساكناً. لا مظاهرات في شوارع العواصم الكبرى، ولا انتفاضات طلابية في الجامعات، ولا مواقف حازمة لسياسيين على شاشات التلفزة الدولية؛ فقط عتاب خجول، وإدانات على استحياء، ونوبات غضب عقيمة. ومع ذلك، لم يمضِ وقت طويل حتى كان العالم بأسره يهتزّ من أجل غزة، هي أيضاً ضحية مجزرة ممنهجة. ما يدعو إلى الحكّ في الذقن وطرح الأسئلة: أهي ازدواجية المعايير؟ وهل هناك قمع يُدان بأعلى الصوت، وآخر يُتقبَّل ولا يحظى برفض عالمي؟ لكن لننتقل إلى لبنان. عند تمحيص الثورة الإيرانية بعدسة مكبّرة، يحقّ لنا أن نتساءل عمّا إذا كان مصطلح «ثورة» يليق حقاً بالأحداث التي هزّت بلدنا عام 2019. أهو توصيف دقيق؟ أم مبالغ فيه بعض الشيء؟ أم حتى خارج السياق؟ لا شكّ أن السخط الشعبي الناتج عن غلاء المعيشة الخانق، والهدر الهائل للدولة، وغياب العدالة الفاضح، والفساد المستشري، والنقص الفادح في الخدمات على مختلف المستويات، وانعدام الأمن السائد، كلّها عوامل برّرت تماماً رفض شعب شبه كامل أن يُداس كرامته يومياً من قبل دولة فاشلة. لكن عند التدقيق أكثر في أيام تشرين الأول/أكتوبر 2019، ألا يمكن القول إن ما حصل لم يكن سوى انتفاضة، أو هبّة، أو صدمة عابرة، سرعان ما تبيّن أنها بلا نتائج؟ صحيح أنّ الاشتباكات بين المتظاهرين والقوى الأمنية، ولا سيما الوحشية المنفلتة لحرس نبيه بري، أسفرت عن عدد كبير من الجرحى، بعضهم في حالات خطرة. غير أنّ الدم، بخلاف المأساة الإيرانية، لم يسِل بغزارة. لم تُسجَّل وفيات، ولا دمار واسع، ولا حالات اختفاء أو أحكام تعسّفية. وبالمحصّلة، كانت هبّة تحوّلت كل مساء إلى مهرجان شعبي موسيقي، ثم ما لبثت أن تلاشت. عندها يحقّ لنا أن نتساءل: لماذا أخفقت المعارضة اللبنانية وتعثّرت؟ لمعالجة ذلك، تتبادر إلى ذهني أسئلة كثيرة. هل يقوم وجود “وحوشنا” المحليين على قبولنا نحن بالخضوع لهم؟ هل نحن، في غالبيتنا، محكومون بالبقاء ضحايا مافيا هرمية تتحكّم بمصائرنا بلا رادع؟ هل نعاني من متلازمة ستوكهولم؟ مهما تعدّدت الذرائع لتفسير فشل 2019 وتهدئة ضمائرنا، من محسوبيّة وزبائنية وطائفية وغياب مفهوم المواطنة، والفردانية، والانتماءات الحزبية والطائفية، وغياب سردية وطنية جامعة، والسلاح الميليشيوي غير الشرعي، وانعدام هدف واضح وقيادة موحّدة… يبقى، برأيي، أنّ عنصراً أساسياً كان مفقوداً لقلب طغيان أقلية وتحقيق التغيير الذي تطمح إليه كلّ المجتمعات المتحضّرة. لعلّ الإجابة نجدها لدى إتيان دو لا بويسي في كتابه «خطاب في العبودية الطوعية»، الذي كُتب بين عامي 1546 و1548: «كونوا أحراراً بأن تكفّوا عن الخدمة، فإذا بكم أحرار». عبارة في غاية الوضوح والحسم. فبحسب الكاتب، إن الطغيان ممكن لأن الشعب يرضى بعبودية لا تعود أسبابها إلى نقص في الشجاعة، بل إلى غياب الإرادة. هذا الاتهام القاسي، الذي لا يزال صالحاً في لبنان اليوم، يستحق أن يوقظ فينا التفكير. فالدفاع عن حريتنا لا يتطلّب سوى التوقّف عن خدمة هذه الأقلية. وعندما نكفّ عن طاعتها، تفقد قوّتها. صحيح أنّه لا يمكن صنع عجة من دون كسر البيض، وأن مخاطر العنف ليست مستبعدة. لقد ذقنا منها القليل قبل ست سنوات، لكن عودة أشدّ وأكثر دموية تبقى احتمالاً قائماً إذا قرّرت الإرادة الشعبية أن تمسك بزمام مصيرها. وللساخرين الذين قد يتهكّمون على مثل هذا الطرح، أقدّم مثالاً بسيطاً. لدينا فرصة لتوحيد غالبية الشعب حول قضية مشتركة، عزيزة على الجميع، تتجاوز الانتماءات الدينية والسياسية، وأعني بها الفضيحة المالية التي جرّدت معظم المودعين من مدّخراتهم، على اختلاف فئاتهم. في أي بلد يحترم نفسه، كانت الشوارع لتحسم الأمر جذرياً لو لم تبادر الدولة سريعاً إلى الحل. وهذا ما لم يحصل لدينا. في البرلمان، ذلك القصر الحقيقي للعار، يُنوَّم الشعب منذ ست سنوات بوعود جوفاء. وفي الحكومة تُطرح علينا حلول مهينة وغير عادلة، تستخفّ بكرامتنا وعقولنا. إذا وُجدت إرادة شعبية ووطنية حقيقية لتغيير الواقع، عندها فقط يمكن الحديث عن ثورة، ثورة لا ينبغي هذه المرّة أن تُجهَض أو تُهدَّد أو تُخنَق على يد حزب الله وسائر الميليشيات التي فقدت أصلاً بريقها وقدرتها على الإيذاء. على الرغم من الأخطار المحدقة، وبسلاح الإرادة وحده، انخرط الإيرانيون الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه بشجاعة في المسار الثوري، فاستحقّوا تقديرنا واحترامنا. صحيح أنّهم أُسكتوا مرحلياً، لكن ذلك ليس سوى تأجيل. فكل ديكتاتورية، مهما بلغت شراستها، محكوم عليها سلفاً بأن تُرمى في مزابل التاريخ. أما في لبنان، فقد أضعنا الفرصة منذ عام 2019، ولم نخرج بعد من المأزق. غير أنّه لم يفت الأوان بعد لفعل الصواب.

التقدمية مقابل المحافظة
بقلم
أمين جول إسكندر
نُشر
يناير 26, 2026 - 09:56

نادرًا في تاريخ البشرية، كان الهجوم التقدمي بهذه القوة والانتشار كما هو اليوم. فخلال أسوأ ساعات الماركسية، اقتصرت الغولاغات والإرهاب الفكري على بعض البلدان أو الإمبراطوريات دون أن تتمكن من إخضاع بقية الغرب. لم يتمكن الإمبراطورية السوفيتية من حظر الإيمان المسيحي وحرية الفكر والتراث الثقافي إلا في الأراضي التي كانت تسيطر عليها مباشرة أو عبر ولايات تابعة. أما اليوم، فإن الهوس التقدمي يشعل النفوس في ما قد يصفه ليو شتراوس بالعدمية المدمرة. إنها وفرة من المثقفين الزائفين الذين يسعون إلى تفكيك الإنسان من خلال إعادة نظر ذكية في جميع القيم التي تميزه. يتعلق الأمر بتحويل الشخص البشري إلى فرد مجرد من كل ما يشكله اجتماعياً وثقافياً. هذا الإنسان الجديد، المجرد من مرجعياته، يوضع وحده أمام القانون، الذي هو بحد ذاته مجرد من أي حس للتمييز. المعجم التقدمي يتم شيطنة الهوية، وتوحيد التراث، وتسليم التاريخ للنزعة التاريخية المدمرة، وتنسبية الحقيقة. يؤدي عدم اليقين المعمم حتماً إلى العدمية. وتتمثل طريقة عمل هذه النزعة الفكرية اليسارية في ترهيب منهجي يهدف إلى توقع ومنع الخطابات غير المتوافقة مع الأيديولوجية العالمية منذ البداية. وسلاحها يتكون من معجم مصقول خصيصاً لإجهاض أي محاولة للنقاش حول المواضيع التي أصبحت عقيدة للعولمة. يتم عندئذٍ ربط الهووي بالفاشي الذي يرفض الآخرية ويفتقر إلى الإنسانية. ويُلصق به صفات تتكرر بلا كلل وتعود ميكانيكياً في حلقة مفرغة. من الضروري فضح هذا المعجم الخبيث لكشفه. العبارات الأكثر تكراراً هي: الانغلاق الهووي، السلوك القبلي، فتشية العرق، الهووية الدينية، والهووية العرقية. تُستخدم مصطلحات مثل مذهب، عشيرة، قبيلة، وحتى أمة بمعنى سلبي ومُهين دائماً. ويُقابلها مفاهيم جذابة، لكنها مفرغة من معناها، لأنها منفصلة عن الواقع. وهذه المفاهيم تتكرر أيضاً في حلقة مفرغة: العيش المشترك، التعايش، الشمولية، والآخرية. الأمة، التي تُشبه بالشر، يجب حلها، مع مفاهيمها عن الحدود والتاريخ والهوية. الدين المسيحي، الذي أسس للآخرية بامتياز، يُنظر إليه كعدو وعقبة أمام هذه الآخرية. يتم تجريد الإنسان من قداسته وتجريد الحياة اليومية من روحانيتها. يتم استبدال الشخص المقدس بالفرد المستهلك ودافع الضرائب. الإنسان الجديد، مثال التقدمية الووكية والليبرالية، لم يعد له بُعد متسامٍ؛ يُقيّم فقط بناءً على إنتاجيته واحتياجاته المادية والحرارية. اليوغينيّة إن الوعي الووكوي ليس سوى التعبير المتطرف لهذه الأيديولوجيا. فبعد أن تنكر للعائلة والبلدة والوطن والإيمان والتقاليد والتراث، يدفع هذا الوعي إلى حد إنكار البديهية الجنسية. إنه رفض للخلق الإلهي وحتى للطبيعة كتجلي للإلهي. إنها معارضة للخلق، حسب فيودور دوستويفسكي. وهكذا، بعد أن قتل الله، كما يقول لنا مارتن هايدغر، يبحث العدمي عن «موت الإنسان». يستمر معجم «الفكر السليم» التقدمي في الإثراء. مؤخرًا، على شبكات التواصل الاجتماعي لأحد المؤرخين المزيفين، اتُهم المحافظون والهوويون والفدراليون بتحسين النسل (اليوغينيّة). وهنا أيضاً، يعود الارتباك الفكري إلى الخطاب الأيديولوجي أكثر منه إلى الخطاب العلمي. لأن اليوغينيّة هي قبل كل شيء نتاج التقدمية. إنها ترفض الخلق بعيوبه؛ إنها تريد الكمال. يجب اختيار الإنسان الجديد حتى في جيناته. لا شيء يتعارض مع هذه الممارسة أكثر من المحافظة المسيحية. فهي تحمي الحياة، وتحرم الإجهاض والانتخاب الاصطناعي. ترى المسيحية في المريض وجه المسيح نفسه، وحضوره يتجلى من خلال الآخرية المطلقة. الانعزاليون ليست هذه المرة الأولى التي يسقط فيها التقدميون رذائلهم على المحافظين. ألم يتهموا المحافظين المسيحيين، منذ عام 1975، بالانعزالية؟ لقد حاربوهم عسكرياً وأيديولوجياً. ومع ذلك، كان لبنان الذي ينسب إليه هؤلاء الانعزاليون مفتوحاً على العالم أجمع وعلى جميع الثقافات؛ أما لبنان التقدميين، فقد وُضع خارج المجتمع الدولي، وعُزل عن الغرب وعن دول الخليج العربي على حد سواء. أخيراً، يعتبر التقدميون أنفسهم متجذرين فيما يسمونه الشرق العربي. ويريدون أن يكونوا عروبيين ومنفتحين على بيئتهم الطبيعية. ويتهمون المحافظين بأنهم حالمون متوجهون بشكل مصطنع نحو الغرب. وهنا أيضاً، يجب التحلي بالبصيرة. ففي الواقع، المحافظون متمسكون بأرضهم اللبنانية، وبانتمائهم المشرقي، وبتراثهم المسيحي الشرقي، الأنطاكي والسرياني. على النقيض من ذلك، فإن التقدميين هم الأكثر تغرباً بعمق، كما يكشف تبنيهم الكامل للإيديولوجية الغربية بامتياز، وهي الوعي الووكوي أو الليبرالية الراديكالية. إن رفض التراث، وكذلك كراهية الذات، هي سمات لا توجد في أي مكان آخر سوى في الحضارة الغربية الحالية. لا العالم الإسلامي ولا الشرق الأقصى يختبران مثل هذا الشكل من الانتحار الحضاري. وبالتالي، تشكل هذه الأيديولوجيا دليلاً تجريبياً على انتماء اليسار اللبناني (الذي يدعي أنه عربي) إلى الغرب بفضائله وعيوبه. يسود هنا، في الغرب، يقول لنا بنديكتوس السادس عشر، شكل من كراهية الذات... ولا يمكننا إلا أن نصفها بالمرضية... وهذه الأمراض تنتشر في جميع أنحاء الغرب، وتحمل معها الساحل الشامي. أمام هذا النقص المؤسف في التمييز، يذكرنا قداسته بأن توحيد البشرية ليس مهمة سياسية بل هو أمل أخروي، وأن تجاهل هوية الشعوب لدمجها في مزيج عالمي هو خطيئة كبرياء، تشبه الخطيئة التوراتية لبرج بابل.

الخليج الفارسي: مسرح للخداع
بقلم
يوسف معوض
نُشر
يناير 26, 2026 - 09:53

دونالد ترامب، يا له من سيّدٍ التشويق! ففي مياه الخليج الدافئة كما في أراضي غرينلاند المتجمّدة، يتصرّف الرئيس الأميركي وفق النمط نفسه: يصنع حدثًا صادمًا، ثم يحصد الغنيمة تحت أنظارٍ الأطراف المعنيّة المذهولة. ولا ينبغي التقليل من الطابع الاستعراضي في شخصيته، إذ يسعى إلى احتكار الأضواء وإجبار الآخرين على استرضائه لنيل رضاه. في 13 كانون الثاني/يناير، دعا المتظاهرين الإيرانيين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة والتمكّن منها، مؤكّدًا لهم أنّ المساعدة «في الطريق إليهم». غير أنّ هذا الوعد لم يكن سوى فرقعةٍ فارغة. فبعد ثلاثة أيام، تراجع الرئيس الأميركي متذرّعًا بحجّةٍ جوفاء: "أحترم كثيرًا الواقع الذي طرأ وهو جميع عمليات الإعدام التي كان مقرّرًا تنفيذها أمس قد أُلغيَت من قِبل قادة إيران. شكرًا!". وبالفعل، كان قد ربح رهانه: إنجازٌ يُضاف إلى لوحة صيده أو إلى سيرته كمرشّحٍ لجائزة نوبل للسلام. فإذا كان قد أنقذ أرواحًا بمجرد التهديد أوالخداع، فلماذا يعرّض أرواحًا أخرى للخطر بإطلاق غارة عسكرية؟ سيناريو محكم الإخراج يا له من دونالد! لقد أدار اللعبة بإتقان. والأدهى أنّ مراقبين مذهولين ما زالوا يعتقدون أنّه تراجع عند رغبة مستشاريه العسكريين وبإلحاحٍ من إسرائيل و السعودية وسائر دول الخليج، وكأنّ استراتيجيّي البيت الأبيض لم يكونوا قد وزنوا مسبقًا تبعات قصفٍ انتقائي في بلاد "آيات الله." في الواقع، لم تكن التدخّلات في اللحظة الأخيرة سوى مخارجَ وهمية استخدمها دونالد ترامب لتفادي العمل العسكري، بعدما مدّ له نتنياهو ومحمد بن سلمان طوق النجاة وأخرجاه من المأزق. ولمَ الاستغراب؟ ألم يصرّح هذا الرئيس نفسه لصحافية قائلًا: «لم يُقنعني أحد، لقد أقنعتُ نفسي بنفسي»؟ في الحقيقة، وبثباتٍ لافت، لم يتخلَّ دونالد ترامب قط عن قناعته بأنّه لا ينبغي على الولايات المتحدة الانغماس في حربٍ طويلة. وهذا لا يمنعه من مواصلة سباق التسلّح وبثّ الخشية في نفوس الجميع. سيضرب أم لا؟ خلاصة القول، لن يلجأ دونالد ترامب إلى القوة الغاشمة إلا نادرًا، ما لم تُستهدَف قواته مباشرة. وهذا ليس الحال هنا، إذ إنّ الإيرانيين ليسوا انتحاريين! وإذا كان البيت الأبيض قد أمر خلال آخر تصعيد، بإخلاء بعض القواعد الأميركية في الخليج، فذلك كان للتعمية ليس إلا. مجرد حيلة، تمامًا كالأمر الموجَّه إلى حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» بالتوجّه نحوالخليج الفارسي. وقد أوضح مصدر في البحرية الأميركية أنّ «وجود هذه الحاملة، وإن لم يكن ضروريًا لعملٍ هجومي، فإنه يشكّل مع ذلك إشارة قوية على الردع والجاهزية، موجّهة إلى الحلفاء كما إلى الخصوم". المزاج ليس مزاج عدوان، ومع ذلك فإنّ تدخّلًا بهذا المستوى قد يجد ما يبرّره ويُعدّ تدخّلًا إنسانيًا، في وقتٍ يُقتل فيه مدنيون عُزّل بلا رحمة. وماذا عنا نحن اللبنانيين؟ كما لم يتمكّن المنتفضون الإيرانيون من التعويل على ضربةٍ أميركية، لايمكننا نحن "اللبنانيين الأحرار " أن نعوّل على سقوط نظام الملالي لفكّ قبضة الحزب عن بلادنا. وإنما يقع علينا نحن بالذات استعادة المساحة المهدورة من حريّاتنا. فلنقتدِ إذًا ببطولة المنتفضين في طهران وأصفهان وسواهما. خصوصاً الآن وقد إنتقل الخوف من موقع إلى آخر، وانفكت الألسن!

ترامب ولبنان: فرصة لا تفوّت
بقلم
كريم ثابت
نُشر
يناير 23, 2026 - 20:05

يقف لبنان اليوم على مفترق طرق تاريخي حاسم. أمامه فرصة نادرة وثمينة للتخلص، نهائيًا، من أخطر أعدائه: حزب الله، المنظمة العسكرية المدعومة من إيران والتي هيمنت على الحياة السياسية الداخلية للبلاد لأكثر من أربعين عامًا. تحت ذريعة زائفة لحماية أمن لبنان والدفاع عنه ضد إسرائيل، جلب حزب الله الخراب والدمار والانهيار الاقتصادي والبؤس. يُظهر سجله بوضوح عجزه التام وعدم كفاءته: فقد فشل في الدفاع عن شبر واحد من الأراضي اللبنانية أو إلحاق أي ضرر استراتيجي جسيم بإسرائيل. ومع ذلك، ورغم هزيمته الصارخة وإحراجه، لا تزال المنظمة ترفض الامتثال لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. حتى الآن، قوبلت أفكار الرئيس ترامب ومبادراته الدبلوماسية الرامية إلى حل هذه القضية بإنكار حزب الله ورفضه القاطع للتخلي الكامل عن ترسانته العسكرية شمال نهر الليطاني. لكن هذه الدمية في يد النظام الإيراني تجد نفسها الآن في مأزق حقيقي. فهي عاجزة عن الانفصال عن راعيها، وعاجزة أيضاً عن إقناع المجتمع الشيعي - الذي تدّعي تمثيله زوراً - بأن الأمور قد حُسمت، وأن رياح التغيير لا رجعة فيها، وأن وقت السلام مع إسرائيل قد حان. عقود من العنف غير المبرر والصراع الأيديولوجي لم تُثمر للبنان سوى الركود والتراجع. في المقابل، تشهد دول الخليج العربي نمواً اقتصادياً غير مسبوق، وتطوراً اجتماعياً، ومستقبلاً أكثر إشراقاً لأجيالها الشابة. لقد تلاشت أوهام القومية العربية، وحلّت محلها الواقعية والبراغماتية والمنطق السليم. لا شك أن وصول الرئيس ترامب إلى السلطة يُمثل نقطة تحول رئيسية في المشهد السياسي للشرق الأوسط، وفرصة فريدة للبنان ليتحرر أخيراً من قبضة النظام الإيراني ووكلائه المحليين. لم يسبق لرئيس أمريكي أن قدّم للبنان، على طبق من فضة، فرصةً واضحةً كهذه لطي صفحة الماضي وبدء فصل جديد واعد لجميع مواطنيه. وخلافًا للتراخي والتردد الذي اتسمت به الإدارات الديمقراطية السابقة، فإن القيادة الأمريكية الحالية عازمة، حتى بالقوة إن لزم الأمر، على فرض السلام والاستقرار في المنطقة. وباستثناء بعض الدول والكيانات المارقة كإيران وحزب الله واليمن، وإلى حدٍّ ما العراق، فإن المزاج الإقليمي السائد يتجه من الغطرسة نحو البراغماتية. إن تصحيح وتفكيك السياسات الخارجية الكارثية والمضللة عمدًا لإدارة أوباما - وهي سياسات شجعت النظام الإيراني وأدت إلى نفور دول الخليج - ليس بالأمر الهين. ومع ذلك، فإن الرئيس ترامب يسير بلا شك في هذا الاتجاه. وبالتوازي مع هذه التطورات، يقع على عاتق لبنان نفسه دورٌ محوريٌّ إذا كان يرغب حقًا في اغتنام هذه الفرصة التاريخية وعدم تفويت القطار الذي أطلقه الرئيس ترامب. وبالتوازي مع هذه التطورات، يقع على عاتق لبنان نفسه دورٌ أساسيٌّ إذا كان يرغب حقًا في اغتنام هذه الفرصة التاريخية وعدم تفويت القطار الذي بدأه الرئيس ترامب. يجب على السلطات اللبنانية - الرئيس والحكومة - أن تُفعّل فوراً نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء البلاد. من شأن ذلك أن يُمهّد الطريق لتنفيذ إصلاحات أخرى طال انتظارها وضرورية. إن التلويح المتكرر بخطر حرب أهلية محتملة ليس إلا فزاعة تُستخدم بسخرية للتغطية على الضعف السياسي والتقاعس. إن التقاعس عن العمل سيُجبر الشعب على الاستيقاظ، والمبادرة، والتحرك. علينا أن نُصلح وضعنا الداخلي إذا أردنا أن يُؤخذ لبنان على محمل الجد من قِبل المجتمع الدولي. مع تأييد ما لا يقل عن 75% من السكان لنزع سلاح حزب الله، يجب إطلاق حملة مُنظمة جيداً وواسعة الانتشار دون تأخير. يجب الضغط على الأحزاب السياسية المُناهضة لحزب الله من قِبل ناخبيهم لدعم هذه الجهود - لا عرقلتها. هذه المرة، يجب أن ينبع الضغط من القاعدة الشعبية إلى القمة، لا العكس. يجب أن ينبع الضغط من القاعدة الشعبية إلى القمة، لا العكس، لا العكس. يمكن لهذه الحملة أن تتخذ أشكالاً متعددة، ولا ينبغي حصرها في مسار عمل واحد: المؤتمرات، والمقالات الافتتاحية، والبودكاست التواصل مع وسائل الإعلام الدولية الاجتماعات مع السفارات الأجنبية المسيرات والاحتجاجات تحت حماية الجيش اللبناني يُزخر لبنان بمواهب مستقلة مستعدة للمساهمة في هذا الجهد. مع ذلك، سيتطلب هذا تمويلاً وتنسيقاً والتزاماً مستمراً على المدى الطويل. إذا فشلت كل الوسائل المذكورة أعلاه، فلا بد أن يصبح العصيان المدني شعار الشعب: الامتناع عن دفع الضرائب، ومقاطعة الإدارات العامة، والإضرابات، والضغط المتواصل على المؤسسة السياسية. يجب أن تسود إرادتنا الجماعية لكي يرى لبنان النور من جديد. أخيراً، يبقى سؤال جوهري بلا إجابة حتى الان: هل ستتخلى إيران عن طموحاتها المهووسة بالعظمة وتأمر حزب الله بالتنحي نهائياً، أم ستُمنى، مع وكيلها، بهزيمة تاريخية أخرى على الساحة الدولية؟هل ستلقي تداعيات اجتماع ترامب-نتنياهو الأخير الضوء على مسار الأحداث القادمة؟

الأنقاض والمقاومة حتى أقصاها
بقلم
يوسف معوض
نُشر
يناير 10, 2026 - 19:18

لدينا كل الأسباب لنرتاب من لفظة "ديبيلاتيو" debellatio هذا المصطلح القانوني الجافّ، في القانون الدولي، يعرّف عن إخضاع دولة ما وإبادتها بواسطة العنف المسلّح. وهو يدلّ على حالة من الفناء العسكري والسياسي والقانوني لبلدٍ بعينه نتيجة حروب مدمّرة. حالة عرفتها قرطاجة في نهاية الحروب البونيقية، كما عرفتها ألمانيا النازية مع سقوط برلين في أيار/مايو 1945. فماذا عن لبنان؟ أليس معرّضًا لأن يلقى المصير ذاته، بذريعة ما يُسمّى «أفعال المقاومة» التي يقوم بها الحزب؟ تطبيع… ولكن بأي ثمن؟ هل يعني ذلك أن «الاتفاقات الابراهيميّة»، لكي تُلحق بلدنا بركبها الظافر، مشروطةٌ بإخضاع المناطق المتمرّدة على «السلام الأميركي.» debellatio بديبيلاتيو فهذه الاتفاقات الدولية، التي أُبرمت عام 2020 بين إسرائيل وعدد من دول الخليج، أطلقت فعلًا دينامية تطبيع دبلوماسي واقتصادي وأمني بين أنظمة عربية والدولة العبرية. وبذلك، دفعت أنصار جبهة «الممانعة» إلى موقع المعارضة الشرسة، ونعني إيران و«حاءاتها» الثلاث: حماس، الحوثيون، وحزب الله. ومع انطلاق هذا المسار، سيكون على لبنان، عاجلًا أم آجلًا، أن يختار طريقه. غير أن الحزب لا يستطيع التكيّف مع مثل هذا «الحلّ الالتفافي» الذي يتجاهل مصالح راعيه الإيراني. لذا سيلعب دور المعرقل، مانعًا دوران العجلة، إلى أن يُعقد – إن عُقد – تسوية بين الولايات المتحدة وجمهورية الملالي. ومن البديهي في لعبة شدّ الحبال الجارية، أنّ البرنامج النووي الإيراني حلّ محلّ القضية الفلسطينية التي أُقصيت إلى الهامش. فأصبحت نطنز وفوردو وغيرها من المواقع النووية حجر العثرة الحقيقي على طريق التهدئة الإقليمية. تغيّر في النموذج لنعد إلى الأساس: إن «الاتفاقات الابراهيميّة» قد تكلّفنا نحن اللبنانيين ثمنًا باهظًا، فذلك لأنها تسوقنا نحو التطبيع، الأمر الذي «سيقلب التوازن التقليدي القائم على التضامن العربي»، وهو تضامن تشكّل تاريخيًا في عدائه لإسرائيل. وبكلمة واحدة، فإن تطبيق هذه الاتفاقات من شأنه أن يُحدث تغييراً جذرياً في النموذج السائد. غير أن الحزب، الذي يمسك بالدولة اللبنانية من عنقها، لا يستطيع التخلي عن الكفاح المسلّح. وما لم تصله إشارة صريحة من طهران، فلن يسلّم سلاحه: فالسلاح هذا علّة وجوده، وهو ما يحدّد نمط عمله. ووفقًا لمنطقه الممانع، فالأجدر به المقاومة دعمًا لإيران، واعتناق «مصير غزة»، بدلاً من الانصياع لمقتضيات السلام. فتنة الأنقاض مع ذلك، لا بدّ من توضيح: بالنسبة إلى الحزب: لا يمكن التمسّك بمفهوم «ديبيلاتيو» إلا على سبيل المجاز. فمن الناحية القانونية الصرفة، لا يستقيم الأمر، بحجة أن «حزب الله» ليس دولة، بل مجرد تنظيم سياسي-عسكري. غير أن هذا الاعتراض الوجيه ليس في الحقيقة سوى مراوغة بلاغية. فهو يتجاهل واقع أن هذا الحزب الإيراني الهوى قد تغلغل إلى سائر مستويات السلطة اللبنانية وتحصّن داخلها. وفي منطق التصعيد الذي يعتمده، ألن يُغريه جرّ بلدنا إلى دوّامة، إعصار عنيف قد يكتسح كل ما يعترض طريقه؟ سواء أكان ذلك في شكل مواجهة مباشرة مع إسرائيل، أو مع النظام السوري، أو – وهو الأسوأ – في شكل حرب أهلية عبثية ومدمّرة. إن انجذاب الحزب إلى الأنقاض لا يحتاج إلى كثير من التأكيد. سوريا لم تعد واردة على لائحة التابعين*