


في ذكرى غياب نسيب لحود، وفي بلدٍ اعتاد أن يَستهلك رؤساءه قبل أن يختبرهم، وأن يُسقِط المعايير قبل أن يرفعها، يبقى اسم نسيب لحود خارج لعبة الاستهلاك هذه. لا لأنّه غاب عن السياسة، بل لأنّه حضر فيها بطريقة مختلفة: حضور الفكرة لا حضور الصفقة، حضور المشروع لا حضور المحاصصة. ولهذا، كلّما دخل لبنان في مأزقٍ رئاسي جديد، عاد اسم نسيب لحود بوصفه «الرئيس الحلم»؛ لا كحنينٍ رومانسي، بل كمقياسٍ أخلاقي وسياسي لما كان يمكن أن يكون.
لم يكن نسيب لحود ابن لحظةٍ عابرة ولا مرشّح ظرف. هو ابن مدرسة سياسية واضحة: مدرسة الدولة. دولة الدستور والمؤسسات، لا دولة التسويات فوق الطاولة وتحتها. منذ دخوله الحياة العامة، قدّم نفسه باعتباره رجل مشروع لا رجل موقع. لم يسعَ إلى الرئاسة كغاية، بل إلى الرئاسة كأداة لإعادة بناء الدولة. في بلدٍ تحوّلت فيه الرئاسة إلى جائزة ترضية أو أداة تعطيل، كان لحود يطرحها وظيفة سيادية بضوابط دستورية واضحة.
تميّز نسيب لحود بثلاث سمات نادرة في السياسة اللبنانية. أولها الوضوح. لم يُتقن اللغة الرمادية، ولم يختبئ خلف العبارات المطاطية. في السيادة، كان واضحاً: لا دولة مع سلاح خارجها، ولا شراكة حقيقية مع قرار أمني مصادَر. في الإصلاح، كان صريحاً: لا اقتصاد من دون قضاء مستقل، ولا عدالة اجتماعية من دون نظام ضريبي عادل، ولا إدارة من دون محاسبة. هذا الوضوح جعله «غير قابل للتسويق» في سوقٍ سياسي يفضّل الغموض لأنه يوسّع هوامش المناورة.
السمة الثانية هي الاستقلالية. لم يكن نسيب لحود رهينة محور، ولا أسير زعامة، ولا تابعاً لمرجعية خارجية. الاستقلالية هنا لم تكن شعاراً، بل ممارسة يومية: في الموقف، في الخطاب، وفي التحالفات. لهذا، لم يُنتَج اسمه في غرف التسويات، ولم يُرفَع بقرار إقليمي. وهذه بالذات كانت نقطة قوته ونقطة ضعفه في آنٍ معاً: قوته عند الناس، وضعفه عند منظومة لا تحبّ من لا يُمسَك.
أما السمة الثالثة، فهي الأخلاق السياسية. في بلدٍ تُدار فيه السياسة بمنطق الغلبة أو الابتزاز، كان لحود يقدّم نموذجاً مغايراً: احترام الخصم، الاحتكام إلى الدستور، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية. لم يُعرَف عنه فساد، ولا مقايضة، ولا استخدام للخطاب التحريضي. لهذا بدا، في عيون كثر، «مثالياً» أكثر مما ينبغي. لكن السؤال الحقيقي: هل المشكلة في مثاليته أم في انحدار السياسة؟
حين طُرح اسمه جدياً لرئاسة الجمهورية في مراحل مفصلية، بدا كأنّ النظام اللبناني يلفظه تلقائياً. ليس لأنّه غير كفوء، بل لأنّه كفوء أكثر مما يسمح به نظام قائم على التعطيل المتبادل. رئيسٌ مثل نسيب لحود كان يعني بداية مساءلة حقيقية، وإعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والسلاح، وبين السلطة والقضاء، وبين الداخل والخارج. وكان يعني أيضاً نهاية «المنطقة الرمادية» التي تعيش عليها منظومة كاملة.
اليوم، بعد الانهيار المالي، وتفكّك المؤسسات، وسقوط الثقة الداخلية والخارجية، يبدو نسيب لحود أكثر راهنية مما كان عليه في حياته السياسية. أفكاره عن الدولة، والسيادة، والإصلاح، باتت بديهية عند شريحة واسعة من اللبنانيين، بعدما دفعت أثمان تجاهلها. المفارقة المؤلمة أنّ لبنان احتاج إلى الانهيار ليفهم أنّ «الرئيس الحلم» لم يكن ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية.
نسيب لحود لم يكن قديساً، ولا معصوماً عن الخطأ. لكنه كان رجل اتجاه. وفي السياسة، الاتجاه أهمّ من التكتيك. لذلك، حين يُقال إنّ نسيب لحود لا يزال الرئيس الحلم، فالمقصود ليس شخصه بقدر ما هو النموذج الذي مثّله: رئيس لا يساوم على الدولة، ولا يختصرها، ولا يستخدمها. رئيسٌ يُعيد للرئاسة معناها، وللدولة هيبتها، وللمواطن كرامته.
في انتظار أن ينضج النظام بما يكفي ليختار من يشبه نسيب لحود، سيبقى اسمه حاضراً كمرآةٍ قاسية: كلّ رئيسٍ يُقاس به، وكلّ تسوية تُفضَح عند مقارنتها به. وربما، في هذا الحضور الرمزي المستمر، تكمن أهمّيته الأعمق.