Logotipo de Levant Time

دياكرونيا

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (7/7)
Por
وسام سعادة
Publicado
يوليو 11, 2026 - 13:57

يقترح هذا البحث رحلةً عبر تمثلات الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى التجربة المعيوشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الإرث اليوناني والكتابي والهندي وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللا رجعة، بل وحتى إمكانية الفعل نفسها حين يبدأ المعنى في التصدع. وقد نُشر هذا النص في سبعة فصول مترابطة، يتتبع فيها خيطاً فكرياً دقيقاً لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وهذه هي الحلقة السابعة والأخيرة. أنظمة الاهتزاز: باتوتشكا، البوروشا، ومسألة الجبهة في العصر الخوارزمي غير أن لكل نظام نسقه الخاص من الاهتزاز، ضمن أفق فكري يستلهم أعمال يان باتوتشكا (1907-1977). ولكي يتضح مدى أهمية هذا الطرح، ينبغي أولاً تحديد طبيعة المشروع الفلسفي لهذا الظاهراتي التشيكي. فقد كان تلميذاً لكل من إدموند هوسرل ومارتن هايدغر، لكنه لم يفكر في العالم من راحة كرسي جامعي، بل من قلب الاضطرابات السياسية والتشبع الإيديولوجي اللذين طبعا القرن العشرين. وبصفته أحد مؤسسي ميثاق 77 في براغ وناطقه الرسمي، وهو مبادرة مدنية أخلاقية للدفاع عن الشرعية وحقوق الإنسان دفع حياته ثمناً لها، بلور في كتابه “المقالات الهرطوقية في فلسفة التاريخ” مفهوم “الاهتزاز” الجذري. [1] ولا يدل الاهتزاز، بعيداً عن كونه مجرد رد فعل سياسي، على تحول في علاقة العالم بذاته داخل التجربة التاريخية. فقبل الصدمة، يعيش الإنسان داخل “عالم الحياة” ( Lebenswelt ) اليومي، حيث تهيمن اعتبارات البقاء والراحة والإدارة التقنية: فضاءٌ وظيفي تتعاقب فيه الأشياء والأدوار من غير أن يُطرح السؤال عن أي معنى نهائي. [2] ويقع الاهتزاز حين تبدأ هذه البنية القائمة على البداهات العملية بالتشقق. [3] فالعالم لا يختفي، لكنه يكف عن أن يكون مفهوماً بصورة بديهية، فيُجبر الإنسان على الانتقال من مجرد البقاء البيولوجي إلى وجود روحي عارٍ. [4] ويرتبط هذا الاهتزاز، عند باتوتشكا، ارتباطاً مباشراً بتجربة الانفجار التاريخي والخطر الأقصى. وهو يرث بذلك، وفي الوقت نفسه يقلب، النشأة الهايدغرية لمفهوم الدازاين، التي كانت هي الأخرى مسكونة بصدمة الحرب العالمية الأولى. فقد وجد مفهوم Unheimlichkeit عند هايدغر، أي فقدان الألفة أو اكتشاف الإنسان أنه بلا مأوى، جذره التاريخي الخفي في تجربة الخنادق، حيث انهار العالم المألوف ليترك الإنسان وجهاً لوجه أمام الاحتمال الخام للموت. ولدى الفيلسوفين معاً تؤدي الكارثة وظيفة ظاهراتية كبرى، إذ تحطم قابلية العالم للاستعمال. فعند مواجهة الخطر، تكف الأشياء عن أداء وظائفها، وتتوقف الروتينات، وتفقد الخطابات الرسمية مظهرها الزائف من الحقيقة. ويختبر الدازاين عند هايدغر قلقه أمام العدم، بينما يُلقى الإنسان المهتز عند باتوتشكا في مواجهة محدوديته القصوى. وفي الحالتين يبقى العالم قائماً، لكن قابليته الفورية للفهم تكون قد انهارت، فيُنتزع الإنسان من ثرثرة “الهم” ( Das Man ) ومن بداهاته المطمئنة. [5] غير أن باتوتشكا يفارق أستاذه الألماني جذرياً عند مخرج هذه الأزمة، إذ ينجز انعطافة أخلاقية حاسمة. ففي فلسفة هايدغر، يفضي الخروج من اللاأصالة إلى أنطولوجيا فردية: فـ الوجود نحو الموت يعزل الدازاين، لأن أحداً لا يستطيع أن يموت مكاني. وتتحقق الأصالة عبر “العزم” ( Entschlossenheit )، وهو قرار سيادي، مأساوي ومنفرد، يتقبل فيه الإنسان مصيره الخاص. وهذه الأولوية الممنوحة للقرار الخالص، المنفصل عن أي مطلب أخلاقي كوني، هي التي أتاحت لهايدغر تاريخياً الانزلاق إلى وهم عزم جماعي تجسد في المصير القومي الاشتراكي. أما باتوتشكا، فيرى على العكس أن الكارثة لا تفرق البشر، بل تؤسس مجتمعاً مفارقاً. فذروة العنف تفتح قفزة إلى ما وراء القوة: فالإنسان المهتز ليس مجرد من يخاف الموت جسدياً، بل من يدرك فجأة أن الحرب والتنظيم التقني وصراعات المصالح ليست سوى أصنام خاوية. ولأن ضحايا الكارثة يتقاسمون التجرد نفسه، فإنهم يعترفون بعضهم ببعض بوصفهم كائنات حرية، خرجت نهائياً من سلطان القوة. وإذا مددنا هذا المنظور الظاهراتي عبر “الأنظمة الكوسمولوجية” المختلفة، أي عبر الكيفيات التاريخية التي ينكشف بها العالم وينتظم، اتضح أن لكل عصر هشاشته الأنطولوجية الخاصة. فالنظام لا يتحدد فقط بأدواته أو بأزماته الداخلية، بل أيضاً بالمسار الذي يتخذه اهتزازه. ففي النظام الدوري، القريب من الأزمنة الأسطورية أو من السامسارا، حيث تستند الاستمرارية إلى التكرار الكوني، يتخذ الاهتزاز شكل انقطاع العودة نفسها، أي دوار التصدع الذي يصيب يقين التكرار. أما في النظام الأخروي، المشدود إلى وعد بالخلاص أو إلى نهاية خطية، فإن الاهتزاز يتجسد في استعصاء النهاية على الحسم، تاركاً الإنسان أمام فراغ انتظار معلق فقد يقينه الإلهي. وفي النظام الفوضوي، حيث يحاول النظام السياسي والمفهومي احتواء القوى البدئية، يظهر الاهتزاز من خلال عودة اللامتشكل إلى قلب المتشكل، كاشفاً هشاشة كل بناء إنساني. [6] أما في النظام الخوارزمي المعاصر، الذي يقوم على قابلية الواقع للحساب بصورة شاملة وعلى وهم السيطرة التقنية المطلقة، فإن الاهتزاز الأقصى يتمثل في تجاوز اللامتوقع لكل ما هو قابل للحساب. إنها اللحظة التي يحطم فيها الممكن العارض وهم الإحكام السيبراني. [7] وعندما تحطم الكارثة، أو الخطر الأقصى، هذه القشرة التقنية الأخيرة، يحدث الاختراق الميتافيزيقي الحقيقي. فإذ يُلقى الإنسان في مواجهة العدم، يتحد مع أقرانه ليؤسس “تضامن المهتزين”. وعلى خلاف التحالفات السياسية التقليدية، التي تقوم على المصالح المادية أو على العداء المشترك، يجمع هذا التضامن أولئك الذين لم يعد لديهم ما يدافعون عنه، لا وطن، ولا طبقة، ولا سلطة، بل كرامتهم العارية وحدها. فالإنسان المهتز عند باتوتشكا لا يسعى إلى السيطرة على مصيره أو إلى إغلاق التاريخ بقرار سيادي؛ بل يُبقي جرح الكارثة مفتوحاً ليستمد منه مقاومة أخلاقية كونية. وفي نهاية المطاف، يعيد هذا اللقاء تعريف معنى المقدس نفسه. فتضحية المهتز ليست استثماراً نفعياً في سبيل انتصار إيديولوجي مستقبلي، بل تقوم بوصفها شهادة خالصة في مواجهة العبث، فعلاً “يفتح” العالم بدلاً من أن يغلقه داخل يقينيات دوغمائية. والبنية التي يمنحها باتوتشكا لتضحية المهتز، أي العطاء الخالص الذي لا ينتظر مقابلاً، والذي “يفتح” العالم ولا يغلقه، تجد صدىً عميقاً في مفهوم اليَجْنَا ( yajña ، यज्ञ)، أي التضحية الكونية في التقليد الفيدي. ففي الريغفيدا (X.90)، يصف نشيد بوروشا سوكتا خلق العالم كله بوصفه ثمرة التفكيك التضحيَوي لـ البوروشا ( Puruṣa ، पुरुष)، الإنسان الكوني الأول. فالكون لا يولد بفعل إرادة أو سلطة، بل من خلال بذل كامل للذات، لا يُبقي شيئاً ولا ينتظر عائداً. [8] وهذه التضحية لا تُؤدَّى للحصول على شيء، بل لأنها الشرط الذي يجعل نظام العالم نفسه ممكناً. وهنا تبدو القرابة مع تضحية المهتز عند باتوتشكا مدهشة: ففي الحالتين، ليس المعروض قرباناً شيئاً يملكه الإنسان، بل وجوده ذاته، ويغدو الفعل ذا دلالة كوسمولوجية، لا أخلاقية أو سياسية فحسب. ومن خلال رفضه التفاوض على وجوده في مستوى الامتلاك أو السلطة، واختياره الشجاع أن يقيم في مستوى الكينونة، يبلغ المهتز “الحياة في الحقيقة”. [9] فهو لا يسعى إلى استعادة “سلام” زائف، ليس في كثير من الأحيان سوى اسم آخر للتعبئة التقنية السلبية، بل يحافظ على الصفاء المؤلم الذي انكشف له في قلب التمزق. وهكذا تجعل هذه الحبكة الظاهراتية من تضامن المهتزين القوة الروحية الوحيدة القادرة على مواجهة الليل العدمي للحداثة. وفي أنطولوجيا باتوتشكا، يجد تضامن المهتزين نموذجه في تجربة الجبهة. فهو يظل مرتبطاً ارتباطاً لا ينفصم بالقرب الفعلي من الموت، وبالاقتلاع من الحياة اليومية الذي تحدثه المواجهة المباشرة مع الفناء. غير أن بنية التجربة نفسها تبدلت في عالم مفرط الرقمنة؛ فالتقنية لم تعد تكتفي بإدارة البقاء، أي تلك “الحياة العارية” التي تحدث عنها أغامبن، بل أصبحت تستعمر أفق الحضور ذاته. لقد كانت تضحية البوروشا تفترض تمزقاً حقيقياً، وماديةً لا يمكن اختزالها للقرابين. أما العالم الرقمي، فيتجه على العكس نحو نزع التجسد. وهكذا يغدو “تضامن المهتزين” مهدداً بالتحول إلى مجرد “ترابط الغاضبين”، حيث لا يعود الالتزام يشرك الجسد فعلاً، بل يقتصر على إسقاطه التخيلي. ويحل استعراض الذات محل التعرض للخطر، فيما تتحول جماعة المصير إلى مجرد تجمع لملفات شخصية. ومع ذلك، فإن تجربة الجبهة لم تختف، بل انتقلت إلى موضع آخر. فهي تتمثل اليوم في الحفاظ على مناطق الظل، وعلى فضاءات العتامة الأنطولوجية التي يفلت فيها الوجود من تحوله إلى بيانات، ومن اختزاله إلى تدفقات قابلة للقياس ومعلومات قابلة للاستثمار. ولم تعد الجبهة تقع فقط على خط النار، بل عند الحد الذي تُختبر فيه لا قابلية الإنسان للاختزال أمام الرقمنة الشاملة للكينونة: حيث يتحول الجسد أولاً إلى صورة، ثم تُختزل الصورة نفسها إلى تداول محاكاة بلا سماكة هيولية، وقد جُردت من الهيولى ( hylē ) كما من القوة ( potentia ). وما يبقى عندئذ ليس الحضور، بل أثره المجرد القابل للحساب. ومن ثم تصبح الجبهة موضع مقاومة الشفافية المطلقة. ففي الهند الفيدية، كان الريتا ( Ṛta )، أي النظام الكوني للعالم، يصان من خلال لغز التضحية الذي لا يقبل الاختزال. أما العقلانية التقنية المعاصرة، فتميل إلى إلغاء كل منطقة ظل، وإذابة كل سر في أحادية الحساب. وإذا كانت التضحية تفتح ثغرة نحو ما يتجاوز السيطرة البشرية، فإن خوارزمية الواقع تسعى إلى إغلاق تلك الثغرة، برد الكينونة نفسها إلى أفق قابليتها للتنبؤ. ومن ثم قد تكون الجبهة الحقيقية لعصرنا هي، على وجه التحديد، صون كل ما يبقى في الإنسان وفي العالم عصياً على كل عملية حساب. غير أن مشروع الإغلاق هذا يحمل في داخله تناقضه الخاص. فكلما اتسع وعد السيطرة الكاملة على الواقع، تعمق، بالنسبة نفسها، الإحباط الناتج عن استحالة القضاء نهائياً على اللامتعين الملازم للوجود. وكلما ادعت التقنية أنها قادرة على تحييد الحدث، اصطدمت بذلك الباقي الذي يستعصي على نماذجها. وهكذا تغدو الشفافية المطلقة أفق رغبة محكوم عليها بألا تتحقق أبداً. ومن هذا التوتر تنشأ دينامية تسارع تدفع السعي إلى السيطرة بنفسه نحو الكارثة التي كان يطمح إلى تجنبها. ولا تخلو هذه الرؤية من صدى لبعض حدوس الفكر الهندي المتعلقة بـ الكالي يوغا. فالعصر المظلم لا يظهر فيه مجرد مرحلة انحطاط، بل اللحظة التي تبلغ فيها تناقضات دورة تاريخية حد التشبع. والكارثة ليست حادثاً خارجياً يقطع نظام العالم، بل هي اكتمال منطق أصبح عاجزاً عن وضع حدود لنفسه. ومع ذلك، فكلما اقتربت، كانت قد تجاوزت نفسها، بمعنى ما. إذ إن الاقتراب الأقصى من الانحلال يكشف في الوقت ذاته حدود ما كان يدعي أنه الكلية نفسها. وهكذا، فإن الحركة التي تبدو مندفعة نحو الإغلاق النهائي تصطدم، على نحو مفارق، بما لا تستطيع استيعابه: تعالٍ سلبي، واحتياط من الكينونة يستعصي على كل تشكّل صوري. وفي أفق الكالي يوغا، لا تكون النهاية نهاية مطلقة، بل النقطة التي يجعل فيها استنفاد شكلٍ ما ظهور بداية أخرى ممكناً من جديد. تبقى الكارثة واقعية، لكنها تكف عن أن تكون نهائية. وما ينكشف في قلب الانهيار المعلن ليس الانتصار الحاسم للحساب، بل استحالته الميتافيزيقية. فحيث بدا أن كل شيء سيختزل إلى الشفافية، يبقى الظل؛ وحيث بدا أن الكينونة قد تحولت بأكملها إلى معلومة، يبقى دائماً فائض يستعصي على الاستيعاب. فلعل الوفاء لهذا الباقي هو الموضع الذي يتحدد فيه اليوم تضامن المهتزين الحقيقي. [1] يان باتوتشكا، “المقالات الهرطوقية في فلسفة التاريخ” ( Essais hérétiques sur la philosophie de l’histoire )، ترجمة إيريكا أبرامز، تقديم بول ريكور، لاغراس، دار فردييه، 1981. يظهر مفهوم “الاهتزاز” ( otřes بالتشيكية) بصورة رئيسية في المقالتين الخامسة والسادسة من الكتاب، المخصصتين لحروب القرن العشرين بوصفها خبرات حدّية، ويتواصل عبر مفهوم “تضامن المهتزين”، أي الرابطة الأخلاقية والسياسية التي تجمع أولئك الذين خبروا تجربة الجبهة وقرب الموت. وفي التقليد السنسكريتي، يمكن مقارنة هذا الاهتزاز بمفهوم سامفيغا ( saṃvega ، संवेग)، أي الصدمة الوجودية المفاجئة أو رجّة اليقظة التي تولد من مواجهة المعاناة ( duḥkha ، दुःख)، أو عدم الدوام ( anitya ، अनित्य)، أو اقتراب الموت ( maraṇa ، मरण). ففي النصوص البوذية والجاينية، يشكل سامفيغا ما يهز الوجود العادي ( saṃsāra ، संसार) ويفتح الطريق نحو حياة أصيلة. غير أن سامفيغا يندرج ضمن أفق سوتيريولوجي خلاصي ( soteriological )، فهو مرحلة في مسار يقود إلى التحرر ( mokṣa ، मोक्ष). أما الاهتزاز ( otřes ) عند باتوتشكا فلا يحمل أي غاية خلاصية؛ إنه بنية أنطولوجية للوجود التاريخي، لا محطة في مسار روحي. وبعبارة أخرى: سامفيغا صدمة داخلية تحرر الإنسان من التاريخ، أما الاهتزاز فهو صدمة جماعية تُلزم الإنسان بالتاريخ. [2] يحتل مفهوم “عالم الحياة” ( Lebenswelt ) موقعاً مركزياً في ظاهريات هوسرل المتأخرة. انظر: إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والظاهريات المتعالية، ولا سيما الفقرات §§33-55. وقد ورث باتوتشكا هذا المفهوم مباشرة، لكنه راديكله بنزع أساسه الذاتي-الترنسندنتالي، ليجعله مجالاً للتجربة السابقة على الشخص، والتاريخية في آن واحد. [3] تشير عبارة “بنية البداهات العملية” إلى ما يسميه باتوتشكا، متابعاً هايدغر، نظام السقوط ( Verfallenheit )، أي انغماس الوجود في عالم “الهم” ( das Man ) اليومي. انظر: مارتن هايدغر، الوجود والزمان، §§35-38. [4] يان باتوتشكا، مرجع سابق. ويشكل هذا التقابل البنية الناظمة للمقالتين الخامسة والسادسة، حيث يصف باتوتشكا الانتقال من الحركة الأولى للوجود، أي الارتكاز ( Verankerung )، التي يهيمن عليها هاجس البقاء والأمان، إلى الحركة الثالثة، أي الاختراق ( Durchbruch ) نحو الوجود التاريخي الأصيل. وانظر أيضاً: يان باتوتشكا، “العالم الطبيعي وحركة الوجود الإنساني”. [5] حول الجذر التاريخي الخفي لمفهوم Unheimlichkeit عند هايدغر في صدمة الحرب العالمية الأولى، انظر: روديغر سافرانسكي، هايدغر وزمنه؛ وكذلك فرانسواز داستور، هايدغر ومسألة الزمن. أما بخصوص مفهوم Unheimlichkeit نفسه، فانظر: مارتن هايدغر، الوجود والزمان، §§40 و58. ويكمن الفارق الحاسم بين هايدغر وباتوتشكا في مكانة الكارثة. فعند هايدغر، يبقى القلق ( Angst ) أمام العدم بنية وجودية صورية تكشف محدودية الدازاين بمعزل عن أي مضمون تاريخي محدد. أما باتوتشكا، فيرفض هذا التجريد؛ فالاهتزاز ( otřes ) عنده تاريخي وسياسي على نحو لا يمكن اختزاله، وهو معقود على حروب القرن العشرين بوصفها أحداثاً جماعية وفريدة. وبهذا ينجز باتوتشكا عملية تجسيد تاريخي للتحليل الوجودي عند هايدغر. فحيث يرى هايدغر في الأزمة انكشافاً أنطولوجياً عاماً، يراها باتوتشكا حدثاً حضارياً مؤرخاً يحمل مسؤولية أخلاقية لا تستطيع الأنطولوجيا الصورية أن تضطلع بها وحدها. وانظر حول هذه القراءة النقدية: إتيان تاسان، “جماعة المهتزين”، وكذلك تقديم بول ريكور لـ “المقالات الهرطوقية في فلسفة التاريخ”. [6] حول النظام الفوضوي والتوتر بين الصورة واللامتشكل في الكوسموغونيات الأولى، انظر: بول ريكور، رمزية الشر، ولا سيما الفصل المخصص لأساطير الفوضى والخلق. ويحلل ريكور ما يسميه “أسطورة الخلق الدرامي”، التي تمثلها إنوما إيليش البابلية، باعتبارها بنية رمزية يولد فيها النظام الكوني من الصراع مع الفوضى البدئية. فـ تيامات، قوة اللامتشكل والمياه غير المتمايزة، لا بد أن تُهزم وتُمزق على يد مردوخ حتى يولد الكون المنظم. ويبين ريكور أن الشر، في هذا النمط من التفكير، ليس أمراً ثانوياً أو عرضياً، بل هو ملازم لفعل الخلق نفسه، ومنقوش في بنية الواقع. فالنظام لا ينتصر نهائياً على الفوضى، وإنما يحتويها ويكبتها من غير أن يقضي عليها. ولذلك فإن عودة اللامتشكل إلى قلب المتشكل ليست حادثاً طارئاً، بل إمكانية بنيوية دائمة. وتلتقي قراءة ريكور مع عمل هرمان غونكل ( Schöpfung und Chaos in Urzeit und Endzeit ) الذي أبرز لأول مرة الاستمرارية بين الكوسموغونيا والإسكاتولوجيا في التقاليد السامية، حيث يعود التهوم ( Tehom )، أي غمر المياه البدئي في سفر التكوين، بوصفه تهديداً أخروياً في نهاية الأزمنة. وللمقارنة مع الكوسموغونيات الفيدية، حيث يهزم إندرا التنين فرترا ( Vṛtra ) لكي تنطلق المياه والنور ( Ṛgveda I.32)، انظر: يان غوندا، رؤية الشعراء الفيديين؛ وجورج دوميزيل، سعادة المحارب وشقاؤه. كما يمكن الرجوع إلى هانس بلومنبرغ، شرعية الأزمنة الحديثة، حول محاولة الحداثة، وإخفاقها، في القضاء نهائياً على قلق الفوضى البدئية عبر تحويله إلى “مشكلة” عقلانية قابلة للحل. [7] برنار ستيغلر، التقنية والزمن، الجزء الأول: خطيئة إبيميثيوس؛ وكذلك أنطوانيت روفروي، “الحكومية الخوارزمية وآفاق سياسة نقدية للويب”، حيث تحلل حدود قابلية الواقع للحساب في مواجهة الطابع العارض الذي لا يمكن استنفاده. [8] ويندي دونيغر (ترجمة)، الريغفيدا : مختارات، نيويورك، بنغوين كلاسيكس، 1981، النشيد X.90 (بوروشا سوكتا)، ص 31-33. [9] تشكل “الحياة في الحقيقة” مفهوماً محورياً في فلسفة باتوتشكا. فهي تدل على أسلوب في الوجود لا يختزل نفسه في التكيف مع مقتضيات البقاء أو المنفعة أو الامتثال الاجتماعي، بل يقوم على مواجهة الحقيقة الكامنة في الشرط الإنساني كما تنكشف في الخبرات الحدّية: الأزمات التاريخية، ومواجهة الفناء، وانهيار البداهات. وهي انتقال من نظام الوهم المطمئن إلى انفتاح على الحقيقة، لا بوصفها امتلاكاً لمعرفة، بل بوصفها تعرضاً محفوفاً بالمخاطر لما يكشفه اهتزاز المعنى. غير أن “الحياة في الحقيقة” ليست حالة مستقرة تقابل “الحياة في اللاحقيقة”، بل هي التوتر البنيوي الملازم لوجود الإنسان المهتز نفسه. فالتجربة الباتوتشكية تقوم على حركة دائمة من زعزعة الذات واستئنافها. فالاهتزاز لا يقود ببساطة إلى السقوط أو الاستسلام، بل يفتح إمكان تحول في نمط الوجود، حيث يُنتزع الإنسان من أشكال الحياة اليومية المطمئنة، مع بقائه معرضاً دائماً لإغراء العودة إلى الانغلاق. ومن ثم يسكن المهتز منطقة بينية، لا تُمتلك فيها الحقيقة مرة واحدة وإلى الأبد، بل ينبغي حملها والدفاع عنها باستمرار في مواجهة إغراء الطمأنينة، والنسيان، والاختزال التقني للعالم. (النص مترجم من اللغة الفرنسية)

الأزمة، والكارثة، واهتزاز العالم (6/7)
Por
وسام سعادة
Publicado
يوليو 9, 2026 - 15:15

يقترح هذا البحث رحلةً عبر صور الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى الخبرة المعيشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الميراث اليوناني والكتابي والهندي وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصوّرت بها الحضاراتُ الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وإمكان الفعل ذاته حين يبدأ المعنى في التصدع. ويُنشر هذا النص هنا في سبعة فصول مترابطة، يتتبع خيطاً فكرياً بالغ الصعوبة والأهمية: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وهذه هي الحلقة السادسة. القرار والحرب: أرجونا، البطل الملحمي في المهابهارتا، في مواجهة كارل شميت هل يمكن اتقاء الكارثة؟ إنها لا تُحارَب؛ بل تمارس جاذبيتها، وتطاردنا، وتتسلل إلى البنى ذاتها التي يقوم عليها العقل. وهل ما زال ممكناً الفصل بين الأزمة والكارثة؟ لعل ذلك لم يعد ممكناً: فقد تحولت الأولى إلى إيقاع، والثانية إلى أفق. وما نسميه الحكم لا يعود سوى ذلك الفن الهش: البقاء على خط اللايقين حيث يتأرجح العالم بين نهايته وبدايته من جديد. إن أطروحة كارل شميت القائلة إن “السيد هو من يقرر في الحالة الاستثنائية” تجعل من الأزمة لحظة الحقيقة في السياسي، غير أن هذا الارتقاء لا يُفهم على نحو كامل إلا إذا أُعيد إدراجه ضمن الأفق الأوسع للكارثة. فحالة الاستثناء، عند شميت، لا تظهر قط بوصفها حادثاً عارضاً يصيب نظاماً مستقراً في الأصل؛ بل تتكشف دائماً على خلفية تهديد، حقيقي أو متوقَّع، بانهيار النظامين القانوني والمؤسساتي. ومن ثم تؤدي الكارثة وظيفةً تأويلية أساسية، إذ تشكل شرط إمكان فهم الأزمة، وتبرر ضرورة وجود قرار سيادي قادر على الحيلولة دون انحلال السياسي في حالة اللامعيارية ( anomie ) [1] . ومن هذا المنظور، لا يقتصر خطاب الاستعجال والضرورة والخطر الوجودي على وصف وضع متطرف، بل يساهم في تشكيل المسرح الذي يمكن للسيادة أن تظهر عليه. وهكذا تغدو الكارثة أقل شأناً من كونها حدثاً تجريبياً، وأكثر من كونها بناءً مفاهيمياً، وعتبةً درامية يُختزل عندها السياسي إلى إمكانه الخالص. والاستثناء، بعيداً عن أن يكون أمراً عرضياً، يعمل بوصفه جهازاً يعيد القانون باستمرار إلى أصله الخارج عن المعيار: فعلُ القرار. غير أن هذه الدراماتورجيا تستدعي بدورها مسافةً نقدية. فحين يجعل شميت الكارثة لحظةً مؤسسةً للسياسي، فإنه يميل إلى تطبيع رؤية للعالم تُصوِّر بقاء الجماعة وكأنه مهدد على الدوام، بما يضفي المشروعية على قدرة تقريرية لا تكاد تعرف حدوداً. ويغفل مثل هذا التصور إمكان أن تدمج الأنظمة القانونية في بنيتها نفسها آلياتٍ للصمود الداخلي: إجراءات متدرجة، ورقابات مؤسساتية، وقواعد استثنائية مؤطرة بدقة، وُضعت تحديداً لمنع الأزمات من الانزلاق إلى الانهيار. ومن خلال افتراضه أن القرار السيادي وحده قادر على الحيلولة دون وقوع الكارثة، يبني شميت طوبولوجيا للسياسي يصبح فيها الاستثناء حجر الزاوية الضمني لكل معيارية. وهكذا، إذا نُظر إلى الأزمة الشميتية في ضوء الكارثة، بدت أقل شبهاً بواقعة موضوعية منها ببنية مفاهيمية ترمي إلى إضفاء الشرعية على شكل من أشكال السلطة لا يؤكد ذاته إلا عبر تعليق القاعدة. والهشاشة التي يكشفها الاستثناء لا تصيب النظام القانوني وحده، بل تمتد إلى الفكر الذي يجعل منه أداةً للسيادة. ومن خلال الربط الوثيق بين القرار والكارثة، يقدم شميت تصوراً للسياسي مؤسساً على منطق الحد الأقصى، مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر الخلط بين الاستثناء وبين القاعدة الكامنة للحياة الجماعية. ويبلغ جورجيو أغامبن بهذه المنطق إلى نقطة انقلابه. ففي كتابيه Homo Sacer وÉtat d’exception، يرى أن الحد الفاصل بين القاعدة والاستثناء قد تلاشى، وأن حالة الاستثناء لم تعد انقطاعاً، بل أصبحت النموذج السائد للحكم. [2] وهكذا يحل محل السيّد الشميتي، بوصفه التجسيد المكثف للسلطة، نمطٌ منتشر من إدارة الحياة، تصبح فيه “الحياة العارية” معرضةً لسلطة قابلة للاتساع بلا حدود. ولم تعد الكارثة تهديداً خارجياً يبرر القرار، بل غدت بنية دائمة للسياسي الحديث: أسلوباً في الحكم الحيوسياسي يعمم حالة الطوارئ ويطمس الحدود ذاتها بين الشرعية واللاشـرعية. ومن ثم يبيّن أغامبن أن فكر شميت، الذي وُضع أصلاً للتفكير في الاستثناء، يجد اكتماله، على نحو مفارق، في عالم يصبح فيه الاستثناء هو القاعدة. في كتابها “الأزمة التي لا تنتهي: مقالة في التجربة الحديثة للزمن”، ترى ميريام روفو دالون أن الأزمة تنطوي على ازدواجية تأسيسية: فهي، من جهة، الصورة الزمنية الملازمة للحداثة، أي عالم معلَّق يعيش في ظل تحولات دائمة؛ وهي، من جهة أخرى، العلامة المتناقضة على إنهاك السياسي عندما تتحول الأزمة إلى حالة مستمرة. ولكن إذا غدا الزمن برمته مرادفاً للأزمة، فما الذي يبقى من لحظة الحسم؟ فحيث رأى شميت في الاستثناء المشهد الأصلي للسيادة، تشخّص روفو دالون، على العكس، تلاشي الصلة التي كانت تجمع بين الأزمة والقرار. [3] فـkrisis، التي كانت تعني، من حيث الاشتقاق، لحظة الحكم، تنزلق تدريجياً إلى حالة من العطالة المزمنة: وبدلاً من أن تفتح مجالاً للتدخل، تصبح الخلفية اللامحسومة لعالم تحكمه الإدارة. ويُحدث هذا التحول انقلاباً عميقاً في بنية السياسي نفسها. فلم تعد الأزمة حدثاً استثنائياً يستدعي فعلاً سيادياً، بل أصبحت حالة اعتيادية تخضع للرصد والقياس والإدارة عبر آليات التوقع والتحسين المستمر. وبهذه الصورة، تكف الأزمة عن أن تكون عتبةً حرجة، لتتحول إلى منطقٍ للتعطيل والتحييد: إذ تُستبق، وتُنمذج، وتُستوعب داخل بروتوكولات تقنية للتنظيم. ومن ثم، لم يعد السياسي يُعرَّف بقدرته على اتخاذ القرار، بل بقدرته على تثبيت عالم يُنظر إليه بوصفه غير مستقر بطبيعته. وفي مثل هذا السياق، تحتل الكارثة الموقع الذي أخلته الأزمة. فبعدما اندمجت الأزمة في روتين الحكم، تغدو الكارثة الشكل الوحيد للحدث القادر على إعادة تنشيط فعل القرار. وهي، بعيداً عن أن تكون قطيعة غير متوقعة، تتحول إلى أفق ناظم: شبح يُستدعى لتبرير الاستثناء، وإعادة إدخال القرار السيادي إلى الساحة حيث لم تعد الأزمة، بعد اعتيادها، تتيح ذلك. ويكشف هذا الانقلاب الكيفية التي تعبّئ بها السلطات المعاصرة إمكان الانهيار، سواء كان مناخياً أو صحياً أو مالياً أو أمنياً، لتبرير أجهزة استثنائية باتت مندمجة في صميم الحياة العادية للحوكمة. ويندرج هذا التحول ضمن ما يمكن تسميته الباراديغم الحيوي-البياني ( bio-datapolitical paradigm ): بنية للسلطة تميز العصر التقني العلمي، حيث يغدو تدبير الكائنات الحية وإدارة البيانات وجهين لا ينفصل أحدهما عن الآخر. فالحياة والمعلومة، البيولوجي والرقمي، يشكلان اليوم معاً ركيزتي عقلانية موجهة نحو الاستباق، والنمذجة، والتنظيم الوقائي. ولم يعد الأمر يقتصر، كما في الحيوسياسة عند فوكو، على إدارة السكان، بل أصبح يتعلق بإنتاج بيئات قابلة للحساب، وسلوكيات قابلة للتنبؤ، ومخاطر قابلة للقياس. ولم تعد التقنية العلمية مجرد أداة في خدمة السياسي؛ بل غدت شرط إمكانه، وبنيته التحتية العميقة. فإذا كانت الحيوسياسة تدير الحياة، فإن الحيوية-البيانية ( biodatapolitics ) تصوغ الحياة في هيئة بيانات، بحيث تصبح قابلة للاستباق، والتعديل، والخوارزمية. ويجد هذا النموذج أصداءً عميقة في كوسمولوجيا الكرمان ( karman )، حيث يُسجَّل كل فعل بوصفه أثراً محايثاً وقوةً باقية، تتراكم ضمن استمرارية سببية تتجاوز لحظة وقوعه. ومن ثم، لا يظهر الذات بوصفها فاعلاً مستقلاً، بقدر ما تبدو عقدةً داخل سلسلة من العلل المتداخلة، تعبرها محددات مدمجة ترسم إمكانات صيرورتها. وهكذا يتجلى العالم بوصفه نسيجاً من الترابطات الخفية والفاعلة، حيث تُفهم بنية الواقع بوصفها قابليةً علائقية للفهم داخل الصيرورة: مصفوفةً اجتماعية كونية تتشابك فيها الأفعال، والنتائج، وأوضاع الموجودات وفق عقلانية معيارية، وإجرائية، وشديدة التدرج. [4] وإذا كان الفكر الفيدي قد صاغ أنطولوجيا إجرائية للعالم من خلال الطقس، فإن العصر الرقمي يبدو وكأنه يؤسس أنطولوجيا حاسوبية للواقع، يُنتَج فيها العالم باستمرار بوصفه أثراً للحساب، والنمذجة، والتحسين. وفي مثل هذا الكون الخوارزمي، تفقد الأزمة كثافتها التاريخية. فهي تُنزع عنها فرادتها، وتُجرَّد من بعدها الدرامي، وتُختزل إلى مجرد متغير داخل أنظمة تكيفية تقوم على المعالجة المستمرة للإشارات الضعيفة، سواء في الصحة العامة، أو الأسواق، أو المناخ، أو الأمن. ويغدو السياسي مجرد حلقة دائمة من التعديلات، والمعايرات، والاستجابات الوقائية. أما الكارثة، فتكتسب وظيفةً مفارقة: فبدلاً من أن تكون مجرد الانهيار الذي يُخشى وقوعه، تصبح الآلية التخيلية التي تُطبِّع الاستثناء، وتؤتمت القرارات، وتوسع منطق المراقبة والضبط باسم حالة الطوارئ المقبلة. إن التفكير في مستقبل السياسي يقتضي، والحال هذه، إعادة مساءلة التشابك بين الأزمة والكارثة في ضوء الرأسمالية التقنية-الخوارزمية. لا من أجل الاستسلام لرؤية رؤيوية عن الحاضر، بل لاستعادة إمكان نقد لا يبتلعه نزعُ الواقعية عن السلطة؛ سلطةٌ لا تحكم بالقرارات بقدر ما تحكم بالترابطات، ولا بالقانون بقدر ما تحكم بالحساب، ولا بالحدث بقدر ما تحكم باستباقه اللامتناهي. إن المواجهة مع البهاغافاد غيتا، ذلك الحوار الفلسفي-الروحي الكامن في قلب المهابهارتا، حيث يلقن كريشنا أرجونا دروس الفعل والواجب والبصيرة، تتيح إحداث تحول حاسم في طريقتنا في التفكير في القرار، والأزمة، والكارثة. فحيث يرى شميت في الأزمة مبرراً للسلطة الحاسمة، يجعلها النص الهندي، على العكس، موضع تعليم باطني. إن المشهد الافتتاحي، حيث يقف أرجونا مشلولاً أمام الانهيار الرمزي للنظام المحارب، هو أزمة بالفعل، لكنه ليس أزمة شميتية. فهو لا يستدعي تعليق القاعدة، بل يكشف أن الفعل لا يمكن أن يستند أبداً إلى قاعدة خارجية. إنها كارثة داخلية، وانحلال للمرتكزات، واستحالة للفعل، لا تستدعي سيداً قرارياً، بل انقلاباً في الإدراك. فالقرار الحقيقي لا ينبثق من الاستثناء، بل من التجرّد من التماهي. ويعلّم كريشنا أرجونا أن الفعل ينبغي أن يكون بلا تملك ( niṣkāma karma )، وأن ذات الفعل ليست هي الأنا، وأن الرؤية غير المتمركزة حول الأنا وحدها هي التي تجعل الفعل عادلاً، من خلال الانسجام مع الدهرما. ومن ثم، فالقرار ليس قطيعة، بل فهماً؛ وليس تعليقاً للقاعدة، بل حدساً بالواقع. وحيث يؤكد شميت أن السيّد يؤسس النظام بقراره، توحي الغيـتا بأن النظام الكوني، أي الريتا والدهرما، هو وحده الذي يجعل قراراً غير عنيف أمراً ممكناً. [5] ويتضاعف هذا الانقلاب عندما تتناول البهاغافاد غيتا مسألة الكارثة. فعند شميت وأغامبن، تظهر الكارثة بوصفها الإطار الذي يتجلى فيه السياسي: أفقاً لسلطة الاستثناء أو قاعدةً منتشرة للحكم. أما في الغيـتا، فهي تنتمي إلى نظام مختلف تماماً: إنها داخلية، ووجودية، ومعرفية. ففي مشهد التجلي الإلهي (الفصل الحادي عشر)، لا تشير رؤية الزمن، مدمّر العوالم ( kālo ’smi lokakṣayakṛt ) إلى انهيار سياسي، بل إلى الحقيقة الكونية للصيرورة، تلك الحقيقة التي تبدد وهم السيطرة السيادية على العالم. وأمام هذه الكارثة الأنطولوجية، لا يكمن التحدي في اتخاذ قرار أكثر حسماً، بل في إدراك أن كل قرار عادل حقاً يفترض عبور الخوف، وإعادة تشكيل العلاقة بالفعل. وهكذا، لا تعود الكارثة تبريراً للسيادة، بل تصبح تربيةً على التحرر من التعلق. وتغدو هذه القراءة أكثر خصوبة في مواجهة الوضع المعاصر. ففي الوقت الذي تحوّل فيه الحيوية-البيانية ( biodatapolitics ) الأزمة إلى إدارة خوارزمية للمستقبل، تقترح الغيـتا علاقةً مغايرة بالزمن: حاضرٌ مكثف، منسجم مع الدهرما، لا يتحدد فيه الفعل بالخوف من الكارثة ولا بتوظيفها الحكومي. فالذات ليست سيادية، بل سيرورية، تعبرها الغونات ( guṇa )، ولا تختزل الفاعلية أبداً في مجرد الاستجابة للإشارات الضعيفة. وهكذا، وعلى ضوء الغيـتا، تكتسب السيادة معنىً جديداً. فالسيادة الحقيقية ليست القدرة على تعليق القاعدة، بل القدرة على التحرر من الذات. إنها ليست قرارية، بل باطنية؛ ولا تقوم على الانهيار، بل على البصيرة. فلا الأزمة ولا الكارثة تؤسسان النظام، بل تكشفان أوهام الذات التي تتخيل أنها تحكم، وحدود النماذج التي تجعل الفعل قائماً على الاستعجال أو الخوف أو الاستباق التقني. الغيـتا لا تنكر الأزمة، بل تسمو بها. ولا تنكر الكارثة، بل تدرجها في أفق كوني. ولا تنكر القرار، بل تنزع عنه طابعه النفسي. وهي بذلك تفتح سبيلاً يتجاوز القرارية الشميتية، والاستثناء المعياري عند أغامبن، كما يتجاوز الأزمة الدائمة للحوكمة الخوارزمية: تصوراً آخر للذات، وللزمن، وللفعل، يعيد توجيه السياسي نحو سيادة غير سيادية. لقد درج الفكر السياسي الحديث على إدراج الفعل ضمن منطق القطيعة. فعند شميت، تتجلى السيادة في القرار المتخذ داخل حالة الاستثناء، أي في القدرة على الحسم عندما يبدو النظام مهدداً بالانهيار. ويجعل هذا التصور الدرامي للسياسي من الأزمة لحظة الحقيقة، ومن الكارثة الأفق الذي يبرر تعليق القواعد. غير أن فلسفة للفعل تقوم على الاستعجال تبلغ حدودها عندما تكف الأزمة عن أن تكون حدثاً لتصبح حالة دائمة. وكما أوضحت ميريام روفو دالون، فإن الحداثة المتأخرة تحول الأزمة إلى بنية زمنية منتشرة: فهي لم تعد لحظة حاسمة، بل زمناً غير محدد، يُدار ويُستوعب داخل أجهزة الاستباق، إلى الحد الذي يكاد يمحو إمكان القرار ذاته. وفي إطار الحيوية-البيانية المعاصرة، التي تتمحور حول النماذج الخوارزمية، ينزلق الفعل السياسي تدريجياً من التدخل إلى الحساب، ومن التداول إلى مجرد الاستجابة للإشارات الضعيفة. بل إن الذات نفسها تُعاد صياغتها بوصفها عاملَ تكيّف، لا قوةً فاعلة. وهنا بالذات تفتح البهاغافاد غيتا، ولا سيما كما قرأها بال غانغادار تيلاك، أفقاً فلسفياً مغايراً جذرياً. فالأزمة التي يستهل بها النص، أي شلل أرجونا أمام الانهيار الرمزي للنظام المحارب، ليست شميتية بأي معنى؛ فهي لا تستدعي تعليق القاعدة ولا ظهور سيدٍ صاحب قرار، بل تكشف حقيقة داخلية: لا يمكن للفعل أن يكون مشروعاً إلا إذا تحرر من الخوف، والحساب، والتملك. [6] ويبيّن تيلاك بقوة أن الغيـتا لا تدعو إلى الانسحاب ولا إلى الزهد، بل إلى تحويل الذات بما يجعل الفعل العادل ممكناً. وهو، بعيداً عن اختزال السياسي في القرار السيادي، يؤكد أن الفعل الموافق لـالدهرما يسبق كل قرار سيادي، لأنه يصدر عن علاقة صحيحة بالواقع. فالفاعل لا يعمل اتقاءً للانهيار، بل لأن فعله يشارك في نظام كوني ليس هو سيده ولا مركزه. وهكذا تعيد الغيـتا صياغة مفهوم الأزمة نفسه. فهي ليست عتبة سياسية، بل اختبار للإدراك. أما الكارثة الحقيقية، فليست الدمار الخارجي، بل الانهيار الداخلي للذات حين تكتشف أن فعلها لم يعد يستند إلى المرجعيات المألوفة. والتجلي الإلهي في الفصل الحادي عشر، حيث يكشف كريشنا عن نفسه بوصفه “الزمن الذي غدا مدمّر العوالم”، لا يشكل رؤيا سياسية لنهاية العالم، بل يكشف البنية الأنطولوجية للصيرورة. فليس العالم هو الذي ينهار، بل وهم الذات السيادية. ومن هذا المنظور، لا تكون الكارثة أساساً لقرار استثنائي، بل حدثاً للحقيقة يذيب فكرة السيادة ذاتها، متى فُهمت بوصفها سلطة مستقلة. وتقف هذه الرؤية على النقيض من منطق الحوكمة الخوارزمية المعاصرة. ففي حين تحول أنظمة التوقع الأزمة إلى متغير دائم للإدارة، تقترح الغيـتا زمناً قائماً على كثافة الحاضر. فالعمل وفق الدهرما يعني التحرر من هيمنة المستقبل على الحاضر، وقطع الصلة بالدينامية التفاعلية للاستباق القَلِق. ويشدد تيلاك على أن الفعل الحقيقي يبدأ تحديداً عندما تكف الذات عن أن تُحكم بالخوف من النتائج: فالفعل العادل ليس أثراً للمخاطرة، بل تعبيراً عن اتساق داخلي. وفي أفق هذه الفلسفة، لم تعد السيادة القدرة على اتخاذ القرار في حالة الاستعجال، بل القدرة على التحرر من المحددات الوجدانية والاستدلالية التي تحكم ردود الفعل. ومن ثم يتضح أن الغيـتا، ولا سيما في قراءة تيلاك، تعيد تشكيل مجال الفلسفة السياسية من جذوره. فهي تنقل السيادة من حقل القرار إلى حقل التوافر الداخلي. [7] وترفض أن تكون الأزمة أو الكارثة أساساً للسياسي، لأنهما لا تكشفان إلا وهم ذاتٍ كانت تظن نفسها سيدة النظام وقادرة على تعليق مجراه. وما تكشفه الغيـتا هو أن الفعل لا يدين بشيء للقطيعة، بل يدين بكل شيء للبصيرة. فهو لا ينبع من الانهيار، بل من فهم أعمق لانغراسنا في الواقع. وهي، بدلاً من أن تبرر السلطة بالتهديد، تذيب السلطة في أخلاقية الالتزام غير التملكي. وهكذا تقدم الغيـتا بديلاً مفاهيمياً بالغ الأهمية للنماذج الغربية للأزمة والاستثناء. فهي لا تنكر هشاشة العالم ولا اضطراب التاريخ، لكنها ترفض أن تجعل منهما المحرك الأساسي للسياسي. إنها تقترح أنطولوجيا للفعل، لا تعود فيها السيادة فعلاً استثنائياً يصدر عن ذات متعالية، بل الكيفية التي تتولى بها ذاتٌ متحولة موقعها داخل نسيج الصيرورة. ومن هذا المنظور، تدعونا إلى إعادة التفكير في إمكان الفعل ذاته في عالم تغمره الأزمات وتطارده الكوارث: لا بالسعي إلى السيطرة على الاستثناء، بل بتعلّم الفعل من دونه. غير أن هذا التحول لا يصبح مفهوماً إلا إذا سلّمنا بأن كل نظرية في الحكم تقوم، تصريحاً أو تلميحاً، على كوسمولوجيا كامنة. فالحكم يعني دائماً، بطريقة أو بأخرى، التموضع داخل كوسمولوجيا ضمنية. ومن ثم، لا تكون الأزمة سوى اختلال في العالم نفسه، بينما لا تقتصر الكارثة على كونها حدثاً، بل تعبر عن تحول في النظام الكوني للواقع. ومن هنا تبرز الأهمية الحاسمة للعودة إلى التقاليد الكتابية والسنسكريتية، لأنها تتيح إعادة بناء الطبقات العميقة لما يمكن تسميته حكمة الكون السياسية ( Political Cosmosophy ). وهي طريقة في التفكير في السياسي انطلاقاً من جذوره الكوسمولوجية، أي بإدراجه ضمن تصور شامل لنظام العالم ( cosmos )، والزمن، والصيرورة. فهي لا تنظر إلى السياسي بوصفه مجالاً مستقلاً، يقتصر على المؤسسات أو السيادة أو القواعد، بل بوصفه تموجاً داخل نظام كوني أعمق، قادر على أن يتجلى في أنظمة متعددة: دورية، أو إسكاتولوجية، أو فوضوية، أو خوارزمية. [1] انظر: كارل شميت ، اللاهوت السياسي : أربعة فصول في نظرية السيادة، ترجمة جان لوي شليغل، باريس: غاليمار، سلسلة “مكتبة الفلسفة”، 1988 (الطبعة الأصلية: 1922)، ص 15. [2] انظر: جورجيو أغامبن ، حالة الاستثناء، ترجمة جويل غيرو، باريس: سوي، سلسلة “النظام الفلسفي”، 2003؛ وكذلك: الإنسان المقدس (Homo Sacer I): السلطة السيادية والحياة العارية، ترجمة ماريلين رايولا، باريس: سوي، 1997. [3] ميريام روفو دالون ، الأزمة التي لا تنتهي : مقالة في التجربة الحديثة للزمن، باريس: سوي، سلسلة “لون الأفكار”، 2012، ولا سيما المقدمة. [4] في كتابه طبخ العالم: الطقس والفكر في الهند القديمة ( Cuire le monde. Rite et pensée dans l’Inde ancienne ، باريس: لا ديكوفرت، 1989)، يكشف شارل مالامو عن بنية حاسمة في الفكر الفيدي: فالواقع لا يُفهم فيه، ابتداءً، بوصفه موضوعاً للتمثل أو التأمل، بل بوصفه مجالاً لعمليات فعلية، تعبره إجراءات طقسية تضمن في آن واحد تحوّله وقابليته للفهم. ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الطقس بوصفه لغةً ثانوية تأتي لتدل على نظام كوني معطى سلفاً. فهو، على العكس، جهازٌ مُنتِج، لا يبلغ الواقعُ من خلاله صورته المتمايزة إلا عبر فعل الطقس نفسه. ويؤدي تحليل فعل الطهو ( pāka ) دوراً نموذجياً في هذا السياق، لأنه يختزل منطقاً واحداً للتحول يشمل المادة، والصورة، والمعنى في آن واحد. فالطهو لا يدل هنا على مجرد عملية تقنية، بل على تحول حقيقي للواقع، يعاد فيها، في الوقت نفسه، تشكيل حالة الأشياء، ووضعها الرمزي، وموقعها داخل النظام الكوني. ومن ثم، يمكن فهم الفكر الفيدي بوصفه شكلاً من الأنطولوجيا الإجرائية، بمعنى أن الكينونة لا تُعطى فيه قط بوصفها جوهراً ثابتاً، بل باعتبارها النتيجة المؤقتة لسلسلة من العمليات المنظمة. وتتطور هذه الأنطولوجيا ضمن استمرارية متمايزة بين ثلاثة مستويات لا تتعارض، بل يستجيب بعضها لبعض: الفعل التقني بوصفه التنظيم المادي للعمل؛ والفاعلية الطقسية بوصفها الصلاحية المعيارية الداخلية لهذا العمل؛ والتحول الكوني بوصفه المقابل الأنطولوجي للطقس المنجز. وما يبرزه مالامو على نحو حاسم هو أن هذه المستويات لا تنتمي إلى مجالات متغايرة، تقنية أو رمزية أو ميتافيزيقية، بل إلى منطق واحد يحكم منطق إنتقالية الواقع . وهكذا يغدو العالم الفيدي متصلاً من العمليات، حيث لا يكون الواقع مجرد معطى يُلاحَظ، بل واقعاً يُنتَج باستمرار، ويُعدَّل، ويُثبَّت عبر سلاسل من الأفعال الفاعلة. وهكذا تتبلور عقلانية للفعل لا تفصل المعرفة عن الممارسة، ولا التقنية عن الكون. فالعالم ليس موضوعاً خارجياً للوصف، بل هو المقابل الداخلي لممارسة منضبطة، يتطابق فيها الفهم والتحويل داخل اقتصاد إجرائي واحد للواقع. وانطلاقاً من هذا التأويل الذي يقترحه مالامو، يصبح من الممكن إضاءة النظام المعاصر لإجرائية الواقع من زاوية جديدة. فهذه البنية تسمح بفهم التحول الراهن للعالم بوصفه انتقالاً من إجرائية طقسية-رمزية إلى إجرائية خوارزمية وبنيوية تحتية. ويغدو العالم، عندئذ، مجالاً لحسابية معممة، لم تعد الإجرائية فيه تمر عبر الطقس، بل عبر منظومات تقنية متواصلة تنظم، سلفاً، شروط الفعل والإدراك والقرار نفسها. ولم تعد البنية التحتية الخوارزمية تكتفي بمعالجة الواقع، بل أصبحت تُشكّله، وتعيد تقطيعه، وتجعله قابلاً للاستباق. وهي بذلك تؤسس شكلاً من الطقسية المحايثة، لا يقوم على وساطة رمزية أو مقدسة، بل على التكرار المؤتمت لسلاسل حسابية تُعيد تشكيل السلوكيات وتوجّه أنماط الفعل. [5] سارفيبالي راداكريشنان ، The Bhagavadgita ، لندن: George Allen & Unwin، 1948، ص 91-118. [6] بال غانغادار تيلاك ، Shrimad Bhagavad Gita Rahasya, or Karma-Yoga-Shastra ، بونه: Tilak Bros.، 1915 (الترجمة الإنجليزية عن الأصل الماراثي)، ولا سيما الفصول المخصصة لعقيدة كارما-يوغا ( karma-yoga ) وقراءته لـالبهاغافاد غيتا بوصفها تعليماً للفعل غير التملّكي ( niṣkāma karma ). [7] ناغابا ك. غاودا ، “The Sthitaprajna as the Foundation of the Nation: Tilak and the Gita Rahasya”، ضمن: The Bhagavadgita in the Nationalist Discourse ، أكسفورد: Oxford University Press، 2011. ويحلل المؤلف في هذه الدراسة القراءة التي يقدمها تيلاك لـالبهاغافاد غيتا، مبيناً كيف يحول شخصية أرجونا إلى ذاتية أخلاقية تتجسد من خلالها الدهرما. (النص مترجم من اللغة الفرنسية)

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (5/7)
Por
وسام سعادة
Publicado
يوليو 7, 2026 - 14:09

يقترح هذا البحث رحلةً عبر تمثّلات الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى الخبرة المعاشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الطريقة التي تصوّرت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللامعكوسية، بل وإمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى في التصدّع. يُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، ويتبع خيطاً فكرياً بالغ الصعوبة والأهمية في آن واحد: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفككاً بطيئاً للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي القسم الخامس. من التوهو والبوهو إلى سدوم: نقد “علم السياسة” تعيد الفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين تمثيل الصراع، في تتابعٍ متدفق، بين البنية والانحلال، وبين الخلق والقطيعة. يخرج الإنسان من الجنة: أزمة في الرابطة. يقتل قابيل هابيل: أزمة في الأخوّة. الطوفان: كارثة كونية. بابل: أزمة اللغة والجماعة. وفي كل مرحلة، يظل التوهو والبوهو ذلك الذي يكبته الخلق من دون أن يقضي عليه أبداً. وعندما يظهر إبراهيم، فإنه يدخل إلى هذا التاريخ المفعم بالأزمات. فهو ليس الناجي منها، بل يصبح شاهدها، بل يغدو مَن يتحمّل مسؤوليتها. وأمامه تتكرر الانقسامات العائلية والسياسية، والمجاعة، والعقم، والحرب، والتضحية. غير أن وجه الكارثة الكامل لا يظهر إلا مرة واحدة: في العقاب الإلهي الذي نزل على سدوم وعمورة، وكأن كل التوهو والبوهو الكامن منذ البرشيت يبلغ هناك اشتعاله الأخير، قبل أن ينحصر في رجل واحد، هو إبراهيم، وفي وعدٍ واحد. لقد وُلد العالم من كارثة كامنة في صميم عمل الله نفسه. ويمثل التوهو والبوهو ندبته، أي الأثر الظاهر لذلك الاضطراب الأول الذي احتوته الكلمة الإلهية من دون أن تلغيه نهائياً. فقبل أن يُنطق بالعالم، كان العالم متردداً. ولم تكن الأرض عدماً، بل كانت بلا صورة، مرتجفة، تنتظر الكلمة التي تستدعيها إلى الوجود. لم يخلق الرب العالم من فراغ، بل من رجفة. فالخلق لا يمحو الهاوية، بل يروّضها. وليس التوهو والبوهو هو الشر، بل هو الحقل الذي يختبر فيه الله ذاته خالقاً، فوضى قابلة لأن تُعمَر بالحضور. وهكذا تمتد، بين العدم والوجود، منطقة البداية: هناك ترسم الكلمة الإلهية حدودها، ومن خلال ما يقاومها تُولد الصورة. فالواقع يقاوم الخلق بثقله، والله لا ينفيه، بل يرتبه. ومنذ ذلك الحين، ظل العالم هشاً: ففي كل لحظة يمكن أن ينفرط ويعود إلى فوضاه الأولى. وهكذا ينكشف سر التوهو والبوهو: فالخلق لا يكتمل أبداً، بل يبدأ من جديد مع كل نَفَس. والعالم لا يقوم بقوته الذاتية، بل بأمانة الكلمة التي تحفظه في الوجود. وهكذا يبدأ الكتاب المقدس: “وكانت الأرض خربةً وخاليةً، وعلى وجه الغمر ظلمة” (التكوين 1: 2). ومع اقتراب النص من العقاب المعلن على سدوم وعمورة، لا يذكر التوهو والبوهو صراحة، لكنه يترك ظله يلوح في الأفق: نار وكبريت، انقلاب وجدب. فما يبرز هنا ليس الفوضى ذاتها، بل ذاكرتها؛ وليس الخلق وهو يتفكك، بل العالم وهو يتذكر ما كان عليه قبل أن يُرتَّب. إن إفناء سدوم يعني إحداث ارتداد نحو ما قبل سفر التكوين، نحو ذلك “البدء السابق للخلق” حيث لم يكن النور قد فصل بعد بين الظلمات. أما سهل الأردن، الذي مُجِّد يوماً بوصفه “جنة الرب”، فيخضع لتحول أنطولوجي: فيغدو صحراء من القار، وأرضاً للعقم المطلق. وهنا نشهد فوضى مكتملة. إنه انسحاب الحضور الإلهي، وترك العالم يتداعى. وتعيد سدوم، في صورة معكوسة، تمثيل مفارقة سفر التكوين: فحيث كانت البركة تنظم الحياة، تُقيم الدينونةُ الفراغَ. واستخدام الفعل العبري هفخ ( Hafakh ، “قلب”، “أطاح”، “زلزل”) لوصف سقوط المدينة لا يدل على مجرد خراب أثري، بل على تقويض للنظام الكوني نفسه. فما كانت الكلمة قد نظّمته، أي الانتقال من الفوضى إلى النظام، يعيده الغضب إلى حالة اللاتشكل. ويقف إبراهيم على حافة الهوة، بين كونٍ ما يزال قائماً، وفوضى تعود من جديد. وسؤاله: “أديّان كل الأرض لا يصنع عدلاً؟” ليس مجرد سؤال، بل صرخة ميتافيزيقية: هل يمكن للصانع الأول أن يرضى بأن تعود صنعته إلى التوهو والبوهو؟ إن تدمير مدن السهل ليس سوى إعادة تنشيط للفراغ الأول، و**“إلغاءٍ احتفاليٍّ للخلق”، لا تستطيع تمييزه عن عودة نهائية إلى العدم المطلق إلا صلاة البطريرك. فـسدوم** لا تُدمَّر فحسب، بل تُذاب أنطولوجياً، وتُعاد إلى المسودة الكونية الأولى، إلى الفوضى الأولى، حيث لا يزال النور متردداً في أن يوجد. وينقذ إبراهيم الجنس البشري من فناء كامل، لا بقوة الصلاة وحدها، بل لأنه يذكّر الله بأن العالم لا يقوم إلا على حدٍّ أدنى من الاتساق. “أنظر إلى الأرض، فإذا هي توهو وبوهو، وإلى السماوات فلا نور لها.” (إرميا 4: 23) تلتقي رؤيا النبي إرميا مع رؤيا خراب سدوم. فهنا لم تعد لغة الفوضى الأولى مجرد سردية كوسموغونية، بل غدت النحو ذاته للدينونة: فعندما يفسد الإنسان العهد، تفقد الأرض قوامها، وتغرق من جديد في اللاتمايز الذي كان يسبق اليوم الأول. إن التفكير في الكارثة، والتفكير في الفاجعة، هو الموضع الذي لم تكف فيه التجربة الإنسانية، عبر الفلسفة والأسطورة والدين، عن امتحان نفسها. ثمة رؤيتان تتواجهان وتتجاوبان في آن واحد: إحداهما دورية، ترى في الأزمة والكارثة نبضات تنفس كوني؛ والأخرى خطية، يتجه فيها الزمن نحو غاية ( telos )، وتغدو الإسكاتولوجيا المعبر الحتمي بين الأزمة والاكتمال. وفي هذا النظام الثاني، يحل التاريخ محل الكون: فالنهاية لم تعد بداية جديدة، بل أصبحت كشفاً. ومن ثم، تغدو الإسكاتولوجيا، منذ البدء، سياسية، ويغدو علم السياسة، في عمقه، ليس سوى إسكاتولوجيا مطبقة. ولكي يوجد أي مشروع سياسي، لا بد أن يستحضر تصوره الخاص للكارثة: نهاية ينبغي اتقاؤها، أو فاجعة ينبغي تسميتها. وسواء تعلق الأمر بانهيار الرأسمالية، أو الانهيار البيئي، أو تفكك الهوية الجماعية، فإن السياسي كثيراً ما يقوم على استباق الأسوأ، لا لكي يقبله، بل لكي يمنح نفسه ضرورة الفعل. تكمن مأساة علم السياسة الحديث في سعيه الدائم إلى كبت خلفيته الإسكاتولوجية، أو على الأقل إلى إخفائها. فحين تأسس بوصفه علماً تجريبياً وعقلانياً، مكرساً لتحليل الوقائع والحياد المنهجي، أراد أن يطهّر نفسه من كل غائية. غير أن إريك فوغلين بيّن أن الحداثة لم تُلغِ البنى الفكرية الدينية، بل “أخضعتها للمحايثة” ( immanentized ). [1] فما كان ينتمي إلى الخلاص المتعالي تحوّل إلى مسار تاريخي؛ وأصبحت السياسة بديلاً عن علم الخلاص. ولم تُلغَ الإسكاتولوجيا، بل تُرجمت إلى وعد بالتقدم، أو يوتوبيا للمصالحة، أو أفق لاستقلالية كاملة. أما هانس بلومنبرغ، فقد رأى، رداً على هذا التصور، أن هذه المحايثة لا تمثل فساداً للاهوت، بل إعادة تملك مشروعة له؛ إذ تمنح الحداثة نفسها استقلالاً سردياً خاصاً بها، وتنقل أسطورة النهاية إلى مستوى المشروع الإنساني. غير أن هذا “التوكيد الذاتي” ( Selbstbehauptung ) للعقل، إذ ينكر المقدس الذي انبثق منه، جعل الأسس الرمزية للفعل السياسي غير مرئية. [2] لقد ظل علم السياسة الحديث أسير الطموح إلى نقل امتيازات الخلق من العدم ( creatio ex nihilo )، التي كانت حكراً على الله، إلى الإنسان. وتكمن أهمية التأمل في الكارثي الأول، أي التوهو والبوهو وتجلياته المتكررة، سواء ظهرت ضمناً في قصة سدوم أو صراحة في نبوءة إرميا، في أنه يكشف أن إله العهد القديم لا يخلق من العدم، بل من الفوضى ( ex confusione ). فالخلق ليس انبثاقاً من اللاشيء، بل فعل تمييز، وإقامة نظام داخل مادة سابقة الوجود. ومن ثم، لا تُلغى الفوضى؛ بل تظل المصفوفة الكامنة للكينونة، القابلة دائماً للعودة في صور متعددة: كارثة، أو دينونة، أو فقدان للمعنى. ويقابل التوهو والبوهو الكتابي، في نظام زمني مغاير، مرحلةَ العودة إلى اللامتشكل في الزمن الدوري الهندي: تلك اللحظة التي يذوب فيها الاسم والشكل ( nāma-rūpa ) في المبدأ غير المتعيّن ( avyakta ، أي “اللامتجلّي”). فـالتوهو والبوهو يستحضر الفوضى السابقة للخلق؛ أما البرالايا ( pralaya ) فيشير إلى الفوضى اللاحقة للخلق، أي تلك التي ينطوي إليها العالم عند نهاية كل دورة كونية ( kalpa ). وفي الحالتين، لا يتعلق الأمر بالعدم، بل بحالة حدّية: تزول الصورة، لكنها تظل كامنة بالقوة. في الفكر الكتابي، يمثل التوهو والبوهو اضطراباً ميتافيزيقياً سلبياً: فهو يقف في مواجهة النور والكلمة الخالقة؛ وهو ما يحتويه الله، وينظّمه، ويكبحه. أما في الفكر الهندي، فإن البرالايا والأفياكتا ( avyakta ) يدلان على حالتين من الإمكان الخالص: فالفوضى لا تعارض النظام، بل تمثل وجهه الآخر الذي لا غنى عنه. وهكذا، في كلا التقليدين، لا تكون الفوضى يوماً خارج النظام، بل هي شرطه ذاته. إن التفكير معاً في التوهو والبوهو والبرالايا هو استشعار أن الفوضى ليست حادثاً عارضاً في العالم، بل عمقه نفسه، ذلك الحيّز الذي تتجدد فيه باستمرار إمكانية المعنى. وإذا كانت كل كوسمولوجيا تظل غير قابلة للفصل عن السياسي، فلأنها تنطوي دائماً على طريقة معينة للتموضع إزاء هذا العمق: فالحفاظ على نظام ما هو، في حد ذاته، نوع من التعايش مع أساس يتجاوزه دائماً. غير أن الحداثة أرادت أن تنقض هذا الميثاق الأول. فبفصلها السياسي عن الإسكاتولوجي وعن الكوسمولوجي، وبإذابة الأول في الإدارة، واختزال الثانية إلى قانون الأعداد، نقلت التفكير من سؤال الأصل إلى سؤال السيطرة. وأرادت الحوكمة أن تصبح علم الحساب، ناسيةً أنها وُلدت، في الأصل، من علاقة بالهاوية لا باليقين. لكن حين يبدأ النظام في التفكك، وحين تصبح الأزمة النسيج العادي للعالم، يعود هذا المكبوت الكوني إلى السطح: فيكتشف السياسي من جديد أنه لا يصدر عن إرادة سيادية، بل عن الصدع نفسه، وعن دوار القاع الذي لا قاع له. فماذا لو أن الحداثة السياسية قد أخطأت في فهم طبيعة المأساة؟ وماذا لو أنها أرادت أن تتجاهل عمق اللامتعيّن، واللامحسوم، ذلك الموضع الذي تفقد فيه القرارات نفسها بوصلتها؟ أليس القول إن الأزمة ينبغي أن تُحل، ينطوي سلفاً على سوء فهمٍ لحقيقة أنها لم تعد تنتهي؟ وأنها تمتد بوصفها شرط العالم، ومناخ كل حاضر؟ لعل هذا هو، في النهاية، العلامة الفارقة لكل حداثة: فجوهرها ليس الجِدّة، بل الامتداد؛ إنها تدوم منذ آلاف السنين بوصفها عبوراً بطيئاً داخل كالي يوغا، عصر الحديد الممتد على مقياس الوعي. [1] في كتابه The New Science of Politics (العلم الجديد للسياسة، ترجمة سيلفي كورتين-دينامي، باريس: منشورات سوي، 2000)، يطوّر إريك فوغلين أطروحته المركزية حول “محايثة الإسكاتون” ( immanentization of the eschaton ): فالإيديولوجيات الحديثة، على الرغم من تقديم نفسها بوصفها عقلانية وتاريخية، تعيد إنتاج بُنى الخلاص ذات الأصل الديني، ولكن بعد نقلها إلى التاريخ الإنساني نفسه. وهكذا يتحول وعد الخلاص المتعالي إلى مشروع سياسي للمصالحة الشاملة، أو للتقدم التاريخي، أو للتحرر النهائي. غير أن هذه القراءة تختلف عن مقاربتي كارل شميت وكارل لوفيت. فعند شميت، تظل الحداثة السياسية محكومة بفئات لاهوتية جرت علمنتها، مثل السيادة، والقرار، والاستثناء؛ غير أن تركيزه ينصب قبل كل شيء على الاستمرارية الشكلية بين المفاهيم اللاهوتية والمفاهيم السياسية. أما عند لوفيت، فإن فلسفة التقدم الحديثة تمثل نقلاً دنيوياً للإسكاتولوجيا المسيحية إلى فلسفة التاريخ. أما فوغلين، فيذهب أبعد من ذلك، إذ لا يرى في الحداثة مجرد بقاء للبنى اللاهوتية، بل إعادة إحياء “غنوصية” لوعد الخلاص، حيث يدّعي الإنسان تحقيق داخل التاريخ ما كان ينتمي سابقاً إلى مجال التعالي. ومن ثم، لا تكمن المشكلة في علمنة المفاهيم الدينية فحسب، بل في تحول السياسة نفسها إلى أداة خلاص. ومع ذلك، يميل فوغلين إلى تبني قراءة شديدة الطابع المرضي للغنوصية، بوصفها اضطراباً في الروح وإرادةً لتأليه الذات، تقود، في نظره، إلى الأشكال الحديثة للشمولية. وهكذا تبدو “محايثة الإسكاتون” محاولةً كارثية لتحقيق، داخل التاريخ الإنساني، خلاصٍ كان ينتمي سابقاً إلى التعالي، وذلك على حساب تزييف الواقع وإغلاق الخبرة أمام نظام الكينونة. أما ياكوب تاوبِس، فعلى الرغم من مشاركته فوغلين تشخيصه لاستمرار البنى الإسكاتولوجية في الحداثة، فإنه يرفض اعتبارها مجرد خطأ روحي أو مرض سياسي. ففي كتابه Occidental Eschatology (الإسكاتولوجيا الغربية، ترجمة جيل كوينسا، باريس: منشورات الإيكلا، 2009 [1947])، لا تُفهم الإسكاتولوجيا بوصفها وهماً، بل باعتبارها أحد المحركات العميقة لتاريخ الغرب. وهنا تغدو الرؤيا الأخروية ثورةً للروح على طغيان “العالم كما هو”، وعلى كل محاولة من جانب السياسة لأن تجعل من نفسها نظاماً نهائياً. ومن ثم، يعيد تاوبِس الاعتبار إلى شخصية الثائر، من الرسول بولس إلى كارل ماركس، مروراً بـتوماس مونتسر، بوصفهم حاملين لقوة إسكاتولوجية قوامها الفصل والدينونة، تُبقي شعلة krinein حيّةً في مواجهة انغلاق العالم القائم. وكان تاوبِس يصف نفسه بأنه “عالم آثار للرؤيا الأخروية”، إذ كان اهتمامه أقل انصرافاً إلى استعادة نظام متعالٍ، وأكثر تركيزاً على القوة السلبية للمسيحانية، أي تلك الطاقة الدائمة لزعزعة الاستقرار التي تمنع السياسة من الانغلاق على اكتفائها الذاتي ذي الطابع الوثني. وبينما يسعى فوغلين إلى استعادة تعالٍ منفصل يعيد تنظيم المدينة، يرى تاوبِس في الاندفاعة الثورية استمراراً مشروعاً لأملٍ يستعصي على الاختزال في محدودية السياسة. ومن ثم، فإن سياسةً محرومة من أي أفق إسكاتولوجي قد لا تغدو سوى إدارةٍ للعدم. يُراجع: Jacob Taubes, Occidental Eschatology، ولا سيما القسم الثاني. [2] يرى هانس بلومنبرغ أن الحداثة ورثت أسئلةً وسيطة وإسكاتولوجية، مثل معنى التاريخ أو نهايته، واضطرت إلى الإجابة عنها بوسائل مغايرة، وفي مقدمتها فكرة التقدم. ويولّد هذا الانزياح البنيوي وهماً بصرياً يوحي بوجود استمرارية جوهرية مع الدين. ويطلق بلومنبرغ على هذه الآلية الوظيفية اسم “إعادة شغل المواقع” ( Umbesetzung )، حيث تحتل أنماط التفكير الجديدة المواقع البنيوية التي خلّفها انهيار الإطار اللاهوتي، من دون أن تكون مشتقة منه. انظر: هانس بلومنبرغ، شرعية الأزمنة الحديثة، ترجمة مارك سانيول، وجان لوي شليغل، ودوني ترييرفيلر، باريس: غاليمار، سلسلة «مكتبة الفلسفة»، 1999، ص 71-77. (النص مترجم من اللغة الفرنسية)

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (4/7)
Por
وسام سعادة
Publicado
يوليو 5, 2026 - 12:23

يقترح هذا البحث رحلةً عبر تمثّلات الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى الخبرة المعاشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الطريقة التي تصوّرت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللامعكوسية، بل وإمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى في التصدّع. يُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، ويتبع خيطاً فكرياً بالغ الصعوبة والأهمية في آن واحد: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفككاً بطيئاً للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي القسم الرابع. من الدورة إلى اللامعكوسية إن التمييز بين الأزمة والكارثة، أو الفصل بين الكارثة الكونية والكارثة التاريخية أو الفردية، يُعدّ في الحقيقة من المستحيلات، أو بالأحرى من اللامفكَّر فيه، داخل الفكر الهندي التقليدي. ففي هذا الفكر لا يقف الكوني في مواجهة التاريخي، بل يتجلّى من خلاله. فالكارثة ليست استثناء الزمن، بل حقيقته الأشدّ حميمية. أما الفصل بين الأزمة والكارثة، وكذلك نزع الطابع الكوني عن الكارثة تدريجياً، فهو ثمرة مسار طويل خاص بتاريخ الفكر الغربي. وقد نشأ من تداخل الإرثين اليوناني الروماني واليهودي المسيحي، ثم من إعادة تشكيلهما في العصر الحديث. ففي التقليد اليهودي المسيحي تحديداً استقرّت، بأوضح صورها، فكرةُ الكارثة بوصفها حدثاً مطلقاً. فالطوفان في سفر التكوين، ورؤيا يوحنا، ويوم الدينونة، جميعها ترسم البنية الزمنية نفسها: زمنٌ خطّي موجَّه، له بداية ونهاية لا رجعة عنها؛ وحدثٌ أخير لا يعيد تنظيم العالم فحسب، بل يغلقه ليفتتح نظاماً آخر، هو نظام الخلاص والفداء. [1] ومن ثمّ، سيكون من التبسيط القول إن اليهودية والمسيحية تفصلان بين الكارثة الأرضية والكارثة الكونية. فهما تُبقيان العلاقة بينهما قائمة، ولكن ضمن تراتبية جديدة يحكمها اقتصاد الزمن ذي الاتجاه الواحد. ولم يعد الخراب الأرضي يُفهم باعتباره لحظة من لحظات الدورة الكونية الكبرى، بل غدا علامةً أو مؤشراً أو تمهيداً لكارثة نهائية شاملة. وهنا تُحدث خطّية الزمن تحوّلاً حاسماً: إذ يُحمَّل الشر والحرب والدمار معنى غائياً، فلا يعودان ينتميان إلى دورية الطبيعة، بل إلى دراما التاريخ. ويمثّل هذا التحول قطيعة عميقة مع الكوسمولوجيات القديمة، وأكثر من ذلك مع الرؤى الدهرمية في الهند. ففي هذه الأخيرة، تظلّ انقطاعات العالم، من حروب وأوبئة وانهيارات، مندرجةً سلفاً في نظام دوري. فهي لا تقطع الانسجام الكوني، بل تشكّل نبضه الداخلي، وتنفّسه. أما الكارثة الإنسانية فلا تُفهم أبداً بوصفها حدثاً نهائياً، بل باعتبارها تعديلاً ضرورياً وعابراً داخل توازن أوسع. فلا وجود لأي قطيعة أنطولوجية بين المستوى الأرضي والنظام الكوني، إذ إن كليهما يشاركان في حركة الصيرورة نفسها (سامسارا)، أي حركة الخلق (سريشتي) والانحلال (برالايا). وعلى النقيض من ذلك، تتحول الكارثة الأرضية، في التقليد اليهودي المسيحي، إلى حدث تاريخي، فيما تصبح الكارثة الكونية حدثاً نهائياً. فالأولى تترجم الخطيئة إلى لغة الزمن، والثانية تحلّ الزمن نفسه في مطلق الوحي. وما يجري هنا ليس مجرد الفصل بينهما، بل وضعهما في حالة توتر داخل زمن موجَّه يمتلك بدايةً وتاريخاً ونهاية. وهكذا تكفّ الكارثة عن أن تكون تنفّس الكون، لتغدو اكتمال التاريخ. وهكذا تتبلور، في السلالة الكلاسيكية للفكر الغربي، سواء في صيغته اليونانية المسيحية أو الحديثة، بنيةٌ إسكاتولوجية للتفكير: فالأزمة تستدعي الكارثة باعتبارها خاتمتها، بينما تغدو الكارثة، بدلاً من أن تنتمي إلى الإيقاع اللامتناهي للصيرورة، نقطة الانقطاع واختتام الزمن. أما الفكر الهندي، فعلى العكس، فقد ظلّ ينظر إلى الكارثة لا باعتبارها انحلالاً نهائياً، بل باعتبارها لحظةً من لحظات التجدد، ومرحلةً غسقية من دورةٍ كُتب لها أن تولد من جديد. وفي المنظور الإسكاتولوجي، يتخذ الزمن هيئة خطّ موجَّه: بداية، وتطوّر، واكتمال، ثم نهاية. وضمن هذا الإطار، لا تعود الأزمة والكارثة مجرد صورتين من صور الاضطراب، بل درجتين مختلفتين من الشدة، كلتاهما مرتبطتان بأفق نهائي. وتظهر الأزمة بوصفها لحظة توتر داخل مسار التاريخ، ونقطة قرار لا تزال مندمجة في استمرارية العالم. أما الكارثة، فتميل إلى أن تُفهم باعتبارها اقتحاماً للنهاية، لا لنظام بعينه فحسب، بل ربما لنظام العالم نفسه. وهكذا، كثيراً ما تُفهم العلاقة بينهما ضمن منطق إسكاتولوجي: فتصبح الأزمة عتبة، بينما تغدو الكارثة إما الصورة الاستباقية للنهاية، وإما تحققها الفعلي. إن كون العلاقة بين الأزمة والكارثة، في التقليد الغربي، تُبنى غالباً على مصفوفة إسكاتولوجية، يعني أن هاتين الفئتين تظلان دائماً أسيرتي تصورٍ للزمن بوصفه زمناً موجهاً، حيث يتوقف معنى الحاضر على أفق النهاية. ويعني ذلك أيضاً أن كل إسكاتولوجيا هي، بصورة مباشرة، ذات بعد سياسي، لأنها تنتج تراتبيةً للأزمنة، وتقرأ الأزمات بوصفها علامات، وتوجّه الفعل في ضوء نهاية مفترضة. فالإسكاتولوجيا ليست السياسة ذاتها، لكنها ترسم حدود ما يمكن التفكير فيه سياسياً. وتشتق كلمة الكارثة، من الناحية الاشتقاقية، من اللفظة اليونانية katastrophē ، وهي لفظة تنتمي إلى التراجيديا اليونانية، وتعني «الانقلاب الأخير»، أو لحظة الانفراج النهائي التي لا رجعة فيها. وهي لا تدلّ على مجرد اختلال في التوازن، بل على تدمير أو انهيار نظامٍ من أنظمة العالم، يُنظر إليه غالباً باعتباره شاملاً، غير قابل للإصلاح، أو على الأقل غير قابل للعكس، كما في الحروب العالمية، والإبادات الجماعية، والانهيارات البيئية. ورغم أن الكارثي يبدو، للوهلة الأولى، منتمياً إلى سجلٍّ مكاني يتمثل في الانهيار والخراب وتفكك الأشكال، في مقابل الزمن القراري الذي يميز الأزمة، فإنه يشكل، على نحوٍ مفارق، شرط إمكان حدسٍ متوسطي، ثم غربي، للزمن نفسه. فالذي تُدخله الكارثة ليس مجرد انقطاع داخل العالم، بل تحوّلاً في معنى الصيرورة ذاتها؛ إنها تَسِم الزمن بسمة اللامعكوسية. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الزمن يبدو مجرد تكرارٍ دوري أو عودةٍ للتشكيلات نفسها، بل أصبح انكشافاً على خسارة لا يمكن امتصاصها بالكامل. حتى تعاقب الفصول، وإن كان يحافظ على مظهر الدورة، يبدو هو الآخر موسوماً بهذه العلامة التي لا رجعة فيها: فالعودة لا تعيد الشيء نفسه على نحوٍ مطابق. وكل بداية جديدة تحمل أثر تبدّلٍ ما، وكأن التكرار نفسه يظل خاضعاً لزمنٍ أعمق، زمن التآكل، والفناء، واستحالة الرجوع. ولعل المخيال اليوناني، ولا سيما الهوميري، هو أول من جسّد هذه المفارقة بين العودة واللامعكوسية. فـالأوديسة تقوم تحديداً عند تلك العتبة التي يلتقي فيها حلم العودة الكاملة بوعي الزمن الذي لا رجعة فيه. لقد مثّلت الهوميرية، على الدوام، تحدياً لفكرة اللامعكوسية. فتجربة أوديسيوس، أو أوليس، تقع عند تقاطع الممكن الرجوع إليه والمستحيل استعادته؛ فالعمل كله ينتظم حول إمكان العودة واستحالتها في آنٍ معاً. وتجسّد الأوديسة منطق العودة: العودة إلى إيثاكا، واستعادة البيت، وإعادة تثبيت الملك، ثم الاعتراف الأخير. ومن هذه الزاوية، تبدو ما تزال منتمية إلى مخيال متوسطي قديم، ظلّ يرى أن النظام المفقود يمكن استعادته. وهكذا تبدو رحلة أوليس قوساً مقدّراً له أن يُغلق؛ فهي تُدخل في الأسطورة إمكان إصلاح التاريخ. غير أن هذه العودة، في مستوى أعمق، تحمل بالفعل ختم اللامعكوسية. فـأوليس لا يعود أبداً إلى العالم نفسه: لقد دُمّرت طروادة، ومات رفاقه، ومرّ الزمن على إيثاكا، وهو نفسه تبدّل بفعل التجربة، حتى غدا عاجزاً عن التطابق مع ماضيه. ومن ثم، فإن النوستوس ( nostos ) اليوناني [2] لا يعني استعادةً كاملةً للمطابق، بل يمثل عودةً مشوبة بالخسارة، وبقاءً أكثر مما يمثل رجوعاً حقيقياً إلى ما كان. فما تزال الأوديسة تحتفظ بالبنية الدائرية للعودة، غير أن هذه الدائرة باتت مشقوقةً بزمنٍ لا رجعة فيه. وحتى حين يستعيد البطل بيته، يبقى شيء ما قد تحطم إلى الأبد: استمرارية الزمن، وبراءة الرحيل، وإمكان البداية من جديد كما كانت. وفي هذا الضوء، تبدو عودة أوليس نقطة التحول بين نظامين رمزيين: فهي ما تزال تنتمي إلى حضارة الدورة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن زمن التبدل، حيث تحمل كل عودة أثر ما لا يمكن جبره. ولعل الأوديسة تمثل، عندئذ، المحاولة الأخيرة لحضارة متوسطية لإنقاذ أسطورة العودة في عالم بدأ الزمن فيه ينغلق على اللامعكوسية. ولهذا يحتل البحر مكانةً مركزية: فهو فضاء الضياع والتحول، والمجال السائل الذي تصطدم فيه حركة العودة باستحالتها الخاصة، حيث يصبح التيه الحقيقة العميقة للرحلة. وقد رأى إيمانويل ليفيناس، في إعادة قراءته لشخصية أوليس، أن هذا التوتر يمثل أحد الانقسامات الجوهرية بين الفكر اليوناني والفكر الكتابي. ففي الكلية واللامتناهي، كما في نصوص أخرى، يقابل بين مصير أوديسيوس ومصير إبراهيم: من جهة، فكر العودة؛ ومن جهة أخرى، مغامرة الرحيل بلا رجعة، والانفتاح على الغيرية. [3] يرى ليفيناس أن أوليس يجسّد البنية العميقة للفكر اليوناني: أن يرحل، وأن يلاقي الغرابة، لكنه يعود دائماً إلى موطنه. فكل التفاف يظل، في نهاية المطاف، قابلاً لأن يُعاد إدراجه في هوية الـ«هو نفسه». فالوحوش، والجزر، والإغراءات، والغرباء، جميعهم يشكّلون محطات في مسار يعيد، على نحوٍ مفارق، كلَّ غيرية إلى دائرة الألفة. فالغيرية تُعاش لكي تُستعاد في النهاية، وتتحول إلى تجربة لـ«الهو نفسه». أما إبراهيم، فيجسد بنية مختلفة جذرياً. فهو يغادر أرضه، وبيته، ونسبه، من دون أي وعد بالعودة. وحركته ليست حركة دائرة، بل حركة انفتاح. إنه يعرّض نفسه للمجهول عبر قطيعة نهائية مع الأصل. وهكذا تصبح التجربة الكتابية تجربة اللاعودة: فالمعنى لم يعد ينبثق من الاستعادة، بل من الوعد والمسؤولية. وتأخذ هذه المقابلة، عند ليفيناس، شكل التمييز بين نظامين في العلاقة بالزمن: العودة والخروج. فـأوليس يجسد الدائرية وإعادة التملك، أي اقتصاد «الهو نفسه»؛ أما إبراهيم فيجسد الرحيل الذي لا يعقبه استرداد، ولا تناظر الغيرية التي تصبح هي نفسها قانوناً. الأول متجذر في الكلية، والثاني يفتح الطريق نحو اللامتناهي. وفي هذا المنظور، تتوزع الأزمة والكارثة وفق هذين النظامين الرمزيين. فعالم أوليس هو عالم الأزمة: اختلال مؤقت في النظام، ولحظة تعليق تمهّد للعودة إلى الحالة الطبيعية. وحتى أقسى المحن، من فقدان وغرق وتيه، لا تكسر أبداً بنية المعنى؛ إذ يُفترض بها أن تُتجاوز وأن يُعاد استيعابها ضمن منطق النوستوس ( nostos ). ومن هذا المنطلق، ليست الأزمة سوى اضطراب مؤقت يصيب «الهو نفسه». أما عالم إبراهيم، فينتمي إلى نظام مغاير تماماً: نظام الكارثة بوصفها تجربةً للامعكوسية. فالكارثة هنا ليست انهياراً مدوياً، بل قطيعة أنطولوجية في العلاقة مع «الهو نفسه». إنها تعني الخروج الجذري من الدائرة، واستحالة العودة إلى الأصل. ومن خلال هذا التحول، يعيد ليفيناس تعريف الكارثة: فهي لم تعد حدثاً مدمراً، بل أصبحت بنية اللاعودة الأخلاقية، والشرط الذي يجعل الانفتاح على الآخر ممكناً. فما تزال الأزمة تنتمي إلى مجال السيطرة وإعادة توليد المعنى؛ أما الكارثة فتنتمي إلى مجال التجرّد والمسؤولية. وهكذا، بين أوليس وإبراهيم، يتجلى الانتقال من حضارة العودة إلى حضارة اللامعكوسية، ومن الزمن الدوري إلى الزمن الموجَّه. فالأولى تبحث، عبر الأزمة، عن إمكان استعادة النظام؛ أما الثانية، فترى في الكارثة شرطاً لمعنى لم يعد ينغلق على ذاته. مع أوليس، ما يزال العالم قادراً على استعادة نفسه؛ أما مع إبراهيم، فإنه يتحرر بانفتاحه على اللامتناهي. ويظهر إبراهيم، بحسب السرد الكتابي، في الفصل الثاني عشر من سفر التكوين. أما الفصول الأحد عشر السابقة (التكوين 1-11)، فتنتمي إلى ما يمكن تسميته «ما قبل التاريخ الكتابي»: فهي تسرد بدايات العالم، ومعصية آدم وحواء، وقتل هابيل، وفساد البشرية قبل الطوفان، وإعادة البناء حول نوح، ثم تشتت البشر عند بابل. إنها، إلى حدٍّ ما، سلسلة من الغرقات. سلسلة من الكوارث التي ليست سوى ولادات أخفقت الواحدة تلو الأخرى. بل إن السرد الكتابي نفسه يفتتح بكارثة كامنة: التوهو والبوهو، ذلك اللاتعيّن الأصلي، فوضى ليست مجرد مادة خام بلا شكل، بل عالمٌ منكوب منذ الأصل، عالم ينبغي للكلمة الخالقة أن تحتويه وأن تمنحه نظاماً. وقبل الخلق نفسه، هناك برشيت ( Bereshit )، أي «في البدء»، تلك اللحظة الواقعة بين حالتين، حيث تكون الكارثة كامنة منذ الأصل، وتظل الفوضى تطالب بالنظام الذي يقيمه الله من دون أن يمحوها محواً كاملاً. [1] كارل لوفيت، التاريخ والخلاص:الافتراضات اللاهوتية لفلسفة التاريخ، باريس، غاليمار، سلسلة «مكتبة الفلسفة»، 2002. [2] تشير كلمة نوستوس ( νόστος ) في اليونانية القديمة، قبل كل شيء، إلى العودة إلى الوطن بعد غياب طويل. وفي الأدب اليوناني، ولا سيما في الأوديسة لهوميروس، تدل على الطريق الشاق الذي يستعيد عبره البطل أرضه وبيته وأهله بعد سنوات من التيه. [3] انظر: إيمانويل ليفيناس، الكلية واللامتناهي، باريس، Le Livre de Poche / Biblio Essais، 1990، ص 17-19 (المقدمة)، وص 46-48 (بداية القسم الأول). (النص مترجم من اللغة الفرنسية)

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (3/7)
Por
وسام سعادة
Publicado
يوليو 2, 2026 - 17:01

يتتبع هذا البحث تجليات الأزمة والكارثة، منذ الكوسمولوجيات القديمة وصولاً إلى التجربة المعيشة لعالمٍ يتعرض للاهتزاز. ومن خلال إقامة حوار بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفلسفة يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وحتى إمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى بالتزعزع. ويُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، متتبعاً خيطاً فكرياً دقيقاً، لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي الجزء الثالث. الكالي يوغا، أو الكارثة الممتدة في هذا المنظور، لا يشكل السياسي مجالاً مستقلاً للقرار السيادي، بل يمثل لحظة انتقالية ضمن نظام دوري تتزامن فيه عمليتا الهدم وإعادة التشكل. فالسلطة، بعيداً عن أن توقف مجرى الكون، تندرج في داخله بوصفها أحد تجليات الفوضى وتجاوزها. غير أن الملحمتين، على أهميتهما البالغة، لا تكفيان وحدهما لاستنفاد التصور الهندي للكارثة. فلا بد من إلحاقهما بالثقل العقدي والكوسمولوجي الذي تمثله البورانات (Purāṇa)، إذ تمد هذه النصوص الحدس الملحمي وتمنحه بعداً نسقياً شاملاً. فهي تقيم بنيةً متكاملة للزمن الدوري، حيث تغدو الكوسمولوجيا، في آنٍ واحد، أسطورةً ولاهوتاً وميتافيزيقا للتكرار. ومنذ القرن التاسع عشر، أفضى احتكاك الهند بالحداثة الاستعمارية إلى إعادة تقييم عميقة للهندوسية. فقد شن عدد من المصلحين، وفي مقدمتهم مؤسسو البراهمو ساماج (Brahmo Samaj) والآريا ساماج (Ārya Samaj)، حملة فكرية على البورانات، وعدّوها مسؤولة عن الخرافة، وعبادة الأصنام، والتأخر الروحي الذي أصاب البلاد. [1] ودعا رامموهان روي، مؤسس البراهمو ساماج، إلى العودة إلى التوحيد العقلاني الذي تجسده الأوبانيشاد (Upaniṣad)، في مقابل ما رآه من تضخم طقوسي وتعددية آلهة في البورانات. أما سوامي داياناندا ساراسواتي، مؤسس الآريا ساماج، فقد ذهب أبعد من ذلك، مطالباً بالعودة الكاملة إلى الفيدا (Veda)، إذ رأى أن الديانة الفيدية، السابقة على كل بناء أسطوري بوراني، وحدها تجسد الحقيقة الأصلية للهند. وهكذا، فإن «نزع البورانية» عن الهندوسية كان يعني عقلنتها وتنقيتها، وإعادة إدراجها ضمن أفق يتوافق مع العلم، والأخلاق، والإصلاح الحديث. غير أن البورانية وجدت نفسها محاصرة من جهتين معاً: فقد طعن فيها الإصلاحيون باسم العقل، بينما ضيّق عليها التقليديون باسم النظام والطقس. فقد ادعى السناتانيون، المدافعون عن الساناتانا دارما، أي «الشريعة الأزلية»، أنهم يحفظون التقليد، غير أن أرثوذكسيتهم سعت، في الواقع، إلى تثبيت الدين داخل قانون جامد وشديد الطقوسية، مما همّش المرونة السردية والرمزية التي تميز الخطاب البوراني. [2] ومن دون أن يرفضوا البورانات صراحة، عملوا على تحييد قوتها الكوسمولوجية، مختزلين إياها إلى مجرد نصوص شعائرية، بدلاً من كونها حواضن للمعنى والصيرورة. وهكذا، مالت رؤيتهم للإخلاص للتقليد إلى تجميد عالم هرمي، تصبح فيه إعادة إنتاج الطقس أهم من الخيال الميثوبوييتي. وبين هذين القطبين، أُسكت ما يمكن تسميته «الفكر البوراني»، بما يحمله من مخيال مرن لدورات الزمن (اليوغا Yuga) والانحلالات (البرالايا Pralaya) والانبعاثات (سرشتي Sṛṣṭi). ومع ذلك، فقد كان يحمل حكمةً في الزمن والصيرورة ذات عمق ميتافيزيقي استثنائي: رؤيةً للكارثة لا بوصفها قطيعة، بل باعتبارها حضوراً كامناً لـالكالي يوغا في النسيج ذاته للزمن. وقد حاول مفكرون مثل أوروبيندو غوش وأناندا كوماراسوامي وسارفيبالي راداكريشنان إعادة الاعتبار إلى هذا الحدس، في مواجهة الساماجيين والسناتانيين معاً. فعادت البورانات، على أيديهم، لتغدو ميتافيزيقا للزمن، ونحوًا للصيرورة الكونية، وشعريةً للنظام والفوضى. [3] وإنصاف الإرث البوراني يعني الاعتراف بالمخيال بوصفه نمطاً من أنماط التفكير، قادراً على وصل الإنسان بالإيقاع الكوني لـالساناتانا دارما؛ لا باعتباره بقايا ماضٍ ينبغي تجاوزه، بل بوصفه ذكاءً رمزياً للعالم، تغدو فيه الكارثة، لا حادثاً عارضاً، بل الجوهر الكامن للزمن الحي. يُعلَن الكالي يوغا في خاتمة المهابهارتا مع وفاة كريشنا، ويُعد التعبير الأكمل عن الرؤية البورانية للزمن. فهذا العصر، الذي يبدأ مباشرة بعد رحيل الإله (نحو سنة 3102 قبل الميلاد)، هو عصر الحديد، عصر الفوضى الأخلاقية، والانحلال الروحي، وانحسار الدارما. فلا يبقى من العدل والحقيقة والفضيلة سوى بقايا ضئيلة، مجرد ظلال لقوتها الأولى، فيما تغدو الجشع والكذب والعنف المبادئ الحاكمة للعالم. ويحدد سوريا سيدهانتا (Sūrya Siddhānta)، وهو من أهم مؤلفات الفلك الهندي القديم، بداية هذا العصر عند لحظة وفاة كريشنا نفسها، بينما تمنحه التقاليد البورانية زمناً يمتد 432 ألف سنة بشرية: وحدة زمنية على مقياس الكون، تتلاشى فيها تواريخ البشر داخل نَفَس براهما. [4] ومن هذا المنظور، لا يدل الكالي يوغا على دمارٍ لحظي للعالم، بل على كارثة ممتدة، حالة دائمة من أزمة النظام الكوني. فالصلة بين الإنسان والإلهي تتفكك شيئاً فشيئاً، وتغدو الكارثة حالةً أنطولوجية، أي التعبير عن الانحلال البطيء للدارما، من دون أي إمكان قريب لاستعادتها. [5] إن وفاة كريشنا لا تضع نهايةً للعالم، بل تفتتح زمن الضياع الجذري، عصراً يخلو من أي خلاص وشيك، ويطغى عليه اختلاط القيم، وغياب التعالي، وانسحاب المعنى. فالكالي يوغا هو زمن الكارثة، لا لأن كارثةً فجائية حلّت بالعالم، بل لأن الفوضى نفسها أصبحت زمناً ممتداً، ولأن تآكلاً بطيئاً ومتواصلاً أخذ يذيب أسس الدارما، ممهداً لـالبرالايا (Pralaya) الكبرى، أي الانحلال الأخير، ومُعِدّاً، من خلال انهياره ذاته، لميلاد دورة كونية جديدة. والكالي يوغا هو أيضاً زمن الحزن الجوهري. فمهما فعل الإنسان، يبقى هناك حزنٌ يقيم في الخلفية، حجابٌ أنطولوجي يخيم على قلب العالم. وهذا الحزن ليس انفعالاً نفسياً ولا حكماً أخلاقياً؛ إنه أسبق من الغبطة عند سبينوزا، وأقدم من القلق عند هايدغر؛ إنه النغمة الأساسية للعصر المظلم. يبدأ حُزناً، ثم يتحول إلى تنكر، وكبت، وإنكار. إنه يظل كامناً في كل شيء، ويتوارى خلف صخب العالم، ويختبئ في تدفق الرغبات، لكنه لا يزول أبداً. والكالي يوغا هو كذلك زمن الازدواجية. فالحزن فيه حقيقي، لكنه مخذول دائماً بتحولاته الخاصة؛ والإخلاص يصبح مستحيلاً، لأنه ما إن يُعاش حتى يُعاد استثماره داخل لعبة محاكياته. وهكذا يعيش العالم في نسيان ألمه الخاص: نسيان يتجدد باستمرار، ويفشل باستمرار، ومع ذلك يظل ضرورةً لا غنى عنها. وهو، أخيراً، زمن التردد بين خلاصين: الخلاص الفردي الباطني، الذي يُطلب عبر البهاكتي (Bhakti) ومعرفة الذات (آتما-جنانا Ātma-jñāna)، والخلاص الكوني، المنتظر في نزول آخر التجليات الإلهية، كالكي (Kalki)، الذي يختتم الدورة ويعيد الدارما إلى العالم. وهكذا، يتفتح في قلب الفوضى انتظار مزدوج: انتظار الصحوة الداخلية، وانتظار التجدد الكوني. ومن ثم، يغدو الكالي يوغا، بما يحمله من حزن وازدواجية، مسرحاً للوعي الساقط، لكنه في الوقت نفسه رحم الرجاء: ذلك الفاصل الزمني الذي ينسحب فيه الإلهي، لا ليغيب، بل لكي يعود. وفي الكالي يوغا، لا يبقى الدارما، بوصفه مبدأ التوازن والعدالة والنظام الكوني، إلا في صورة بقايا. فالعالم لا ينهار بفعل كارثة واحدة، بل يتفكك ببطء، من خلال تآكلٍ متواصل للتناغم. وكلما اقتربت لحظة الانحلال النهائي، بدا أنها تتحقق وتؤجل نفسها في آنٍ واحد. فالكارثة تُعلن عن نفسها باستمرار، لكنها لا تكتمل أبداً. لا نهاية رؤيوية للعالم، بل دوام نهاية لا تنتهي. وتجد هذه الرؤية صدىً لافتاً عند هسيود في نظريته عن العصور الخمسة للبشرية، كما عرضها في كتاب الأعمال والأيام. فبعد العصر الذهبي، عصر العدالة والقرب من الآلهة، تمثل كل مرحلة لاحقة، الفضي، فالبرونزي، فعصر الأبطال، ثم الحديدي، تدهوراً تدريجياً في حال الإنسان: تصدعاً للنظام الكوني، وفساداً أخلاقياً، ونسياناً للفضيلة. [6] ويقابل عصر الحديد، وهو الأخير والأكثر بؤساً، الكالي يوغا مباشرة: ذلك الزمن الذي تتفكك فيه الروابط الاجتماعية، وتسود فيه الحيلة والعنف والطمع، ويعيش فيه الإنسان، بحسب تعبير هسيود، «بلا حياء ولا عدالة». [7] وفي كلتا الرؤيتين، لا تكون الكارثة قطيعةً فجائية، بل مساراً لا رجعة فيه من الانحدار. فالعالم يبتعد عن الإلهي لا عبر دمار عنيف، بل من خلال التآكل البطيء للمقياس، وضعف الحقيقة، واهتراء الرابطة الكونية. فإذا كان هسيود يتحدث عن ضياع ديكي (Dikē)، أي العدالة الإلهية، فإن التقليد الهندوسي يتحدث عن انحسار الدارما. غير أن اختلافاً جوهرياً يفصل بين الرؤيتين. فعند هسيود، الزمن خطي وتراجيدي، والسقوط يبدو نهائياً، من غير خلاص أو عودة. أما في الفكر الهندي، فإن الكالي يوغا ليس سوى مرحلة من الدورة، يعقبها حتماً رجوع الساتيا يوغا (Satya Yuga)، عصر الذهب. فالظلمة تمهد للنور، والانحدار يهيئ للولادة الجديدة. وهكذا، يقدم هسيود كارثةً أخلاقية بلا تجدد، بينما تتصور الهندوسية البورانية كارثةً كونية مولِّدة للتجدد؛ حيث تتماهى النهاية والبداية في نَفَس الزمن ذاته. يقترب العالم من الانحلال، لكن، في اللحظة نفسها التي تبدو فيها الكارثة على وشك الاكتمال، تتبدد من جديد. وحقيقتها هي حقيقة شفق دائم، يظل فيه الدمار محتوماً ومؤجلاً في آنٍ واحد. غير أن هذا التأجيل نفسه ليس إلا سقوطاً متواصلاً للحجب، وانطواءً للزمن على ذاته. فالزمن يتراجع وينكمش، حتى يظهر كالكي، لا بوصفه انتقالاً تدريجياً، ولا انبعاثاً لما بعد نهاية العالم، بل قفزةً، واقتحاماً للإلهي في مادة أنهكها الإنهاك، كبرق يشق ليل عالم يحتضر. إن كالكي لا يدمر العالم، بل يحول الانحلال إلى بداية جديدة. فهو، في نهاية المطاف، تجلٍّ لـفيشنو لا لـشيفا: مبدأ الحفظ والاستمرار في الكون، الذي يأتي لا ليفني العالم، بل ليعيد تناغمه مع الإيقاع الحي لـالدارما. [1] حول إعادة قراءة الهندوسية في سياق الحداثة الاستعمارية ونقد التقاليد البورانية، يُراجع: Brian A. Hatcher، Hinduism in the Modern World (London: Routledge، 2015)، وكذلك David N. Lorenzen، Who Invented Hinduism? Essays on Religion in History (New Delhi: Yoda Press، 2006)، حيث يحلّل المؤلفان الكيفية التي جرى بها بناء مفهوم «الهندوسية» في القرن التاسع عشر بوصفه فئة دينية أُعيدت صياغتها وعقلنتها في سياق الحداثة. [2] حول نشأة التيار السناتاني والدفاع عن الساناتانا دارما بوصفه محاولة لإضفاء طابع معياري ثابت على التقليد الهندوسي في مواجهة الإصلاحات الحداثية، يُراجع: Kenneth W. Jones، Socio-Religious Reform Movements in British India (Cambridge: Cambridge University Press، 1989). [3] حول إعادة القراءة الحداثية والميتافيزيقية الجديدة للتقاليد البورانية والملحمية في مواجهة الإصلاحات الدينية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ولا سيما السجالات بين الحركات الإصلاحية، مثل الآريا ساماج، والمدافعين عن الأرثوذكسية السناتانية، يُراجع، بحسب التسلسل الزمني: Aurobindo Ghose، The Life Divine (1914–1919) و Essays on the Gita (1922)، حيث تتبلور قراءة تطورية وكوسمولوجية للزمن الهندوسي؛ وAnanda K. Coomaraswamy، The Dance of Śiva (1918–1924)، الذي يعيد تأويل البورانات بوصفها تعبيراً رمزياً عن الإيقاع الكوني للخلق والانحلال؛ وSarvepalli Radhakrishnan، Indian Philosophy (1923–1927)، إلى جانب The Hindu View of Life (1926)، حيث تُقرأ التقاليد البورانية بوصفها تعبيرات فلسفية عن ميتافيزيقا الصيرورة. وعلى الرغم من اختلاف منطلقاتهم الفكرية، فقد أسهم هؤلاء جميعاً في نقل البورانات من مرتبة النصوص الأسطورية والدينية إلى أفق قراءة تأملية للزمن، والنظام، والفوضى الكونية. [4] يُراجع: Alain Daniélou، Les Mythes et les dieux de l’Inde (Paris: Flammarion، 1992 [الأصل الإنجليزي 1991])، وكذلك Shiva et Dionysos (Paris: Fayard، 1979). [5] من هذا المنظور، لا يُفهم الكالي يوغا بوصفه حدثاً أخروياً منفرداً، بل باعتباره تعمقاً مستمراً للمسافة الفاصلة بين النظام الكوني (الدارما) والشرط الإنساني، بما يلتقي مع بعض حدوس شيلينغ حول الكارثة بوصفها كامنة في الزمن ذاته. فالعلاقة بين الإنسان والإلهي لا تنقطع دفعة واحدة، وإنما تتفكك تدريجياً عبر التآكل البطيء للشروط التي يقوم عليها النظام نفسه. وهكذا، تكف الكارثة عن أن تكون حدثاً يمكن تحديده، لتغدو بنيةً للصيرورة، ونمطاً ممتداً من أنماط التاريخ، حيث لا يعرف تفكك الدارما عتبةً حاسمةً لاستعادةٍ فورية. وحول هذا الحوار بين التصورات الهندية للزمن الدوري والفلسفة التأملية الألمانية، يُراجع: Friedrich Wilhelm Joseph Schelling، Die Weltalter (Les Âges du monde) ، ترجمة فرنسية: Jean-François Courtine وEmmanuel Martineau (Paris: Aubier، سلسلة «Bibliothèque philosophique»، 1992)، ولا سيما المقاطع المخصصة للانشطار الداخلي للمطلق وتزمين الأصل الأول. [6] حول التدهور التدريجي لعصور المعادن وانهيار النظام الكوني، يُراجع: Georges Dumézil، Heur et malheur du guerrier (Paris: PUF، 1969). ويبيّن دوميزيل أن عصر الأبطال يمثل استثناءً يونانياً داخل بنية انحدار تقترب، في ما عدا ذلك، من التصورات الهندية الإيرانية. [7] هسيود، الأعمال والأيام، ترجمة Paul Mazon، باريس، Les Belles Lettres، سلسلة «CUF»، الأبيات 106–201؛ النسخة الرقمية، المكتبة الوطنية الفرنسية (Gallica)، تاريخ الاطلاع: 14 أيار/مايو 2026. ( النص مترجم من اللغة الفرنسية )

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (2/7)
Por
وسام سعادة
Publicado
يونيو 29, 2026 - 12:49

يتتبع هذا البحث تجليات الأزمة والكارثة، منذ الكوسمولوجيات القديمة وصولاً إلى التجربة المعيشة لعالمٍ يتعرض للاهتزاز. ومن خلال إقامة حوار بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفلسفة يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وحتى إمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى بالتزعزع. ويُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، متتبعاً خيطاً فكرياً دقيقاً، لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي الجزء الثاني. كوسمولوجيا الفوضى تشكل مفهوما الأزمة والكارثة محطتين أساسيتين في التاريخ المفاهيمي للسياسة الحديثة، بوصفهما آليتين رئيستين لإضفاء القابلية على فهم الفوضى وقراءتها في سياقها التاريخي. ويعود مصطلح الأزمة إلى الكلمة اليونانية krisis ، التي كان معناها الأصلي “القرار” أو “الحكم”. وفي المعجم الطبي الهيبقراطي، يدل على اللحظة الحاسمة التي ينعطف فيها مسار الحالة المرضية نحو إحدى نهايتين محتملتين بالقدر نفسه: الشفاء أو الموت. وعندما يُنقل هذا المفهوم إلى الحقل السياسي، تصبح الأزمة نظاماً من اختلال التوازن تعجز فيه الأشكال المؤسسية للضبط عن استيعاب التوترات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الرمزية أو تحييدها. ومن ثم تكتسب الأزمة بعداً مزدوجاً: فهي كاشفة لأنها تعرّي مواطن هشاشة النظام القائم، ومنتجة لأنها تستدعي إعادة تشكيل ذلك النظام وتجديد مبادئ تماسكه. وتحيل الأزمة إلى لحظة تعليق القرار، إلى منطقة وسطى غير مستقرة في صيرورة الزمن، حيث تبقى التحديدات معلقة مؤقتاً من دون أن يُحسم المآل بعد. ويختلف هذا المرجع اليوناني عن تعدد نظائره في الحقل السنسكريتي، وهي نظائر لا تبلغ أبداً مرتبة التكافؤ الحقيقي معه. ومن بين هذه المصطلحات सङ्कट (saṅkaṭa) الذي يدل على الوضع الحرج أو الضيق أو المأزق الخطر، و विपत्ति (vipatti) الذي يشير إلى الشدة أو الكارثة المحتملة، و संशय (saṃśaya) الذي يعبّر، في بعض الاستعمالات الفلسفية، عن الشك أو التردد البنيوي. [1] غير أن أياً من هذه الألفاظ لا يستوعب تماماً الكثافة المفهومية التي ينطوي عليها krisis اليوناني، بوصفه لحظة القرار الكامنة في صلب اللامتعين، حيث ينبثق الحكم من قلب اللاتحدد نفسه. غير أن مصطلحاً سنسكريتياً آخر، هو निष्कर्ष (niṣkarṣa) ، يمكن استحضاره لا باعتباره مرادفاً للأزمة، بل بوصفه وجهها المنطقي المقابل، أو صورةً معكوسة للمفهوم اليوناني. فبينما تشير الأزمة إلى اللحظة المفتوحة للقرار، يحيل niṣkarṣa إلى النتيجة المستقرة التي ينتهي إليها مسار التمييز، أي إلى الخلاصة التي تتبلور بعد اجتياز اللامتعين؛ أو، بعبارة أخرى، إلى المعنى بعد انقضاء أزمة المعنى. [2] ومع ذلك، فإن هذه المفاهيم السنسكريتية، عند التمعن فيها، تقترب من بعض أبعاد “اللحظة النقدية” كما تتجلى في التجربة المعيشة، من غير أن يكون من الضروري، أو حتى من الممكن، تثبيتها ضمن بناء مفهومي صارم. ذلك أن الأزمة ليست مجرد مقولة منطقية أو بنية للقرار، بل تنتمي أيضاً إلى نظام وجداني. فهي تتجلى في هيئة تردد، وتزعزع لنقاط الارتكاز، وفقدان نسبي للسيطرة، كما تتجلى في الوقت نفسه بوصفها سعياً إلى استعادة ما يفلت من القبضة. ومن ثم، فهي تنطوي على توتر دائم بين العجز والرغبة في السيطرة على ما يستعصي على السيطرة. وللأزمة أيضاً نبرتها الخاصة: قلق إزاء زمنٍ يتفلّت أو ينكمش أو يظل معلقاً، كأن الصيرورة نفسها تنسحب من إحداثياتها المألوفة. ولذلك، لا تشير الأزمة في السياسة إلى مجرد لحظة انعطاف عقلاني، بل هي، في آنٍ واحد، انبثاق السياسي وانكشاف أكثر وجوهه توتراً: حالة من الانقباض يكتشف فيها السلطان نفسه مدفوعاً بإعادة تشكيله الذاتي، وفي الوقت نفسه مهدداً بما يفلت من كل إمكانية للضبط المستقر. تلعب الأزمة مع الكارثة، وتُفشل منطقها في الوقت نفسه. فـ«اللحظة النقدية»، بوصفها موقفاً أولياً، بل يكاد يكون غريزة بقاء، تتنكر في هيئة ارتياح: “لم أصل بعد إلى الكارثة.” وفي هذا الإرجاء، تتخذ لنفسها موقعاً من الانفراج النسبي، وتؤجل الانهيار بالإبقاء عليه على مسافة. أما الكارثة، فتتبدّى بوصفها نوعاً من الاحتفال المعكوس بالأزمة: ليست احتفالاً بالمعنى المألوف، بل فائضاً بلا ذات، وتعليقاً للمرجعيات، وانكشافاً عارياً للعالم على تفككه الذاتي. وهكذا تغدو الوجه الأكثر كثافة للأزمة؛ فإذا كانت الأزمة لا تزال أسيرة منطق التدبير والعتبة، فإن الكارثة تتجاوز كل اقتصاد للسيطرة والإرجاء. وتعرض الملحمتان الهنديتان الكبريان، المهابهارتا و الرامايانا ، كلٌّ بطريقتها الخاصة، دينامية معقدة بين الأزمة والكارثة، من غير أن تصوغا لها بناءً مفاهيمياً صريحاً. [3] فهذه العلاقة تتجلى، بالأحرى، من خلال بناءٍ سردي وكوسمولوجي وأخلاقي للفوضى، حيث تظهر بوصفها، في آنٍ واحد، تعليقاً للقرار وانهياراً لنظام العالم. في المهابهارتا ، تتبدّى الأزمة أولاً في صورة تشوشٍ يصيب الدارما (Dharma) ، بوصفها النظام المعياري والكوني والاجتماعي معاً. فحتى قبل اندلاع حرب كوروكشيترا ، يكون العالم قد دخل بالفعل في طورٍ من اختلال التوازن: يصبح القانون عصيّاً على القراءة، وتتناقض الأنساب، وتتصادم الواجبات، وتبدأ المراتب في التفكك. وهنا تبلغ الأزمة معناها الأشد عمقاً: حالة من اللاتعيّن البنيوي، يصبح فيها الحكم مطلوباً ومستحيلاً في الوقت نفسه، من غير أن يخلو أي خيار من تبعة. ويجسد أرجونا هذا الوضع على نحو نموذجي، إذ يقف في ساحة المعركة عاجزاً عن الحسم، لأن كل قرار يتخذه يهدد النظام نفسه الذي كُلّف بالدفاع عنه. [4] غير أن الأزمة لا تبقى أبداً حبيسة منطق القرار؛ فهي تنطوي دائماً على إمكانية كارثية كامنة. وتمثل حرب كوروكشيترا تحققها الأقصى، حين تتجسد إمكانية الخراب في كارثة شاملة: الفناء شبه الكامل للسلالات، وانهيار البنى النسبية، واستنفاد المقولات الأخلاقية المألوفة. [5] ولم تعد الفوضى هنا تقتصر على تعليق النظام، بل أخذت تقوض الشروط نفسها التي تجعل وجوده ممكناً. وفي الفكر الهندي، تنتظم الكارثة ضمن المنطق الكوني لدورات اليوغا (Yuga) . فهي ليست حدثاً عرضياً يتمثل في الخراب، بل لحظة مفصلية من التحول الكوني؛ إذ لا يتفكك العالم إلا لكي يعاد تشكله. ومن ثم، فإن نهاية الدورة ليست قطيعة مطلقة، وإنما افتتاحٌ لإعادة تركيب ضرورية، تتعاقب فيها مراحل الانحلال والتجدد وفق إيقاع الزمن الكوني. وتجسد المهابهارتا هذه الدينامية حين تعرض الكارثة لا بوصفها خاتمة، بل بوصفها إعادة ترسيب للوجود. فالصراع، بتدميره النظام القديم، يهيئ لميلاد العالم من جديد ولانبثاق توازن جديد للدارما. وهكذا تغدو الحرب، على الرغم من طابعها الرؤيوي المروّع، وسيلةً لاستعادة النظام الكوني: انتقالاً من الانحطاط إلى إعادة تثبيت المعنى. أما الرامايانا ، فتقترح وجهاً آخر للفوضى وكيفية تجاوزها. فالأزمة فيها لا تتخذ صورة كارثة كونية، بل تتكثف في منفى راما ، بوصفه رمزاً لتعليق الشرعية. أما الكارثة فلا تنفجر انفجاراً كاملاً؛ إنها تُزاح وتُرجأ وتُحتوى. ويقوم السرد نفسه بتحييد الكارثة من خلال بنيته الداخلية. ويجسد رافانا ، بوصفه سيد الفوضى، إغراء الانزلاق إلى الفوضى المطلقة؛ غير أن هزيمته تعلن استعادة استمرارية الدارما وعودة الشرعية إلى موضعها. وهكذا، إذا كانت المهابهارتا تجعل من الكارثة منطلقاً لإعادة تأسيس كونية، فإن الرامايانا تعرض عملية ترويضها سردياً؛ إذ يتحول الخراب إلى مسارٍ للتطهر وإعادة تثبيت النظام. فتصبح الأزمة معبراً لا نهاية، ويغدو الدمار نفسه مبدأً لاستمرار العالم. وما يميز الملحمتين الهنديتين بعمق هو أن الأزمة فيهما ليست قراريةً خالصة، كما أن الكارثة ليست نهايةً مطلقة. فكلاهما يندرج ضمن النظام الكوني نفسه، الذي تحكمه ثلاث حركات تؤطر كل صيرورة في العالم: الانحلال (Pralaya) ، و إعادة الخلق (Sṛṣṭi) ، و التكرار الدوري (Saṃsāra) . [6] وفي إطار الدارما ، كما تنتظم بها رؤية الإيتيهاسا ( المهابهارتا والرامايانا )، لا وجود لفاصل ثابت بين الأزمة والكارثة، لأن العالم يُفهم بوصفه خاضعاً لدورات متعاقبة من اختلال التوازن وإعادة الانتظام. ومن ثم، فإن تفكك الدارما ليس مطلقاً قط، بل يندرج ضمن اقتصاد كوني أوسع لإعادة التشكل. فالأزمة تمثل لااستقراراً داخلياً في النظام، مشبعاً سلفاً بإمكان الانهيار، في حين أن الكارثة لا تعني الفناء المحض، بل إعادة تشكيل العالم وإعادة انتظام المعنى بعد التفكك. [1] حول استعمالات مفهوم संशय (saṃśaya) بوصفه بنيةً للشك والتردد في التقاليد الفلسفية الهندية، يُراجع أيضاً: جوناردون غانيري ، The Lost Age of Reason: Philosophy in Early Modern India 1450–1700 (Oxford University Press، 2011). [2] Nadja Stchoupak, Luigia Nitti et Louis Renou, Dictionnaire sanskrit-français ، باريس، Adrien Maisonneuve، 1959. [3] Wendy Doniger, The Hindus: An Alternative History ، نيويورك، Penguin Press، 2009، الفصل التاسع (“Women and Ogresses in the Rāmāyaṇa ”)، ص 213-250؛ والفصل العاشر (“Violence in the Mahābhārata ”)؛ والفصل الحادي عشر (“Dharma in the Mahābhārata ”)، ص 251-338. وتبيّن دونيغر في هذه الفصول الكيفية التي يصوّر بها كلٌّ من الرامايانا والمهابهارتا تفكك الدارما من خلال الحروب، والصراعات السلالية، وأشكال الاضطراب الكوني والسياسي. [4] حول تعليق الحكم لدى أرجونا وأزمة الدارما في المهابهارتا، يُراجع: Alf Hiltebeitel، The Ritual of Battle: Krishna in the Mahabharata (Ithaca: Cornell University Press، 1976)، ولا سيما المقدمة والفصول المخصصة لـ Bhagavad Gītā ، وبخاصة الأقسام التي تحلل الحوار الافتتاحي بين أرجونا وكريشنا، حيث يُصوَّر انهيار مرجعيات الدارما وتعليق القرار في ساحة معركة كوروكشيترا . [5] حول حرب كوروكشيترا بوصفها كارثة كلية ولحظة انهيار الدارما ، يُراجع، على وجه الخصوص: Ananda K. Coomaraswamy، Hinduism and Buddhism ، نيويورك، Philosophical Library، 1943، ص 75-82؛ D. D. Kosambi، The Culture and Civilisation of Ancient India in Historical Outline ، لندن، Routledge & Kegan Paul، 1965، ص 100-108؛ Irawati Karve، Yuganta: The End of an Epoch ، حيدر آباد، Orient Blackswan، 1969، ص 7-32 و95-120؛ وكذلك Bimal Krishna Matilal، Moral Dilemmas in the Mahabharata ، نيودلهي، Motilal Banarsidass، 1989، ص 1-24. [6] Upinder Singh، Ancient India: Culture of Contradictions ، نيودلهي، Oxford University Press، 2021، فصل “Violence in Early Indian Tradition”، والأقسام المخصصة لـالمهابهارتا، ولا سيما قراءتها لحرب كوروكشيترا بوصفها لحظة تبلغ فيها العنف السياسي والكوني أقصى درجات تكثفه، لا مجرد صراع سلالي. وتشدد سينغ على أن المصادر الملحمية والمعيارية لا تبلور نظرية موحدة للعنف، بل تكشف عن مركزيته البنيوية في المتخيل المتعلق بالسلطة، والقرابة، و الدارما . (النص مترجم من اللغة الفرنسية) اقرأ أيضاً: الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (1/7): الأزمة والكارثة: علاقتان مختلفتان بالزمن

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (1/7)
Por
وسام سعادة
Publicado
يونيو 26, 2026 - 15:14

يتتبع هذا البحث تجليات الأزمة والكارثة، منذ الكوسمولوجيات القديمة وصولاً إلى التجربة المعيشة لعالمٍ يتعرض للاهتزاز. ومن خلال إقامة حوار بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفلسفة يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وحتى إمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى بالتزعزع. ويُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، يتبع فيها خيطاً فكرياً دقيقاً، لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لزمننا؟ وهذا هو الفصل التمهيدي. الأزمة والكارثة: علاقتان مختلفتان بالزمن على المستوى المفهومي، تنبسط الأزمة داخل منطقة انتقالٍ أنطولوجي؛ فهي ذلك الحيز الهش الذي يتأرجح فيه المعنى، معلقاً بين فعل النقد ودنوّ الكارثة. ولئن كانت الأزمة و النقد تشتركان في الأصل الاشتقاقي للفعل اليوناني krinein ، أي فعل الغربلة والتمييز والحسم، فإن كلاً منهما يؤدي وظيفة مغايرة ضمن منطق الحكم. فالأزمة هي اللحظة التي يغدو فيها توازن نظامٍ ما، أو وجودٍ ما، غير قابل للاستمرار؛ أما النقد، فينهض بوصفه ممارسةً تأملية تروم تحويل هذا الاختلال إلى أفقٍ للحقيقة أو إلى مخرجٍ قابل للفهم. [1] وتكمن مأساة كل نقد في أنه لا يستيقظ إلا على وقع الأزمات؛ فهو لا ينهض إلا عندما يكون التمزق قد وقع بالفعل. وفي المقابل، تحمل كل أزمة في أحشائها الأفق الشبحي لانحدارها نحو الكارثة. ومن ثم يمكن تعريف الكارثة بأنها أزمة بلغت ذروة نقديتها، أي تلك اللحظة التي تغمر فيها لا رجعة الكارثة القدرة على التمييز. وما دامت الكارثة لا تزال في طور الوشيك، يظل krinein في حال يقظة؛ إنه وعي متأهب يسعى إلى اكتشاف الشرخ قبل أن يستحيل هاوية. إنها لحظة القرار المعلّق، حيث يبقى التمييز بين الخلاص والهلاك ممكناً. غير أن krinein يتبدل في جوهره ما إن تحل اللاعودة. فهو لا يعود يفرز الإمكانات، بل يختم المصير؛ ولا يعود يحسم المآل، بل يكتفي بالإقرار بانغلاق المعنى. وبين هاتين الهاويتين، يذكرنا هذا «الجوال» الاشتقاقي بأن الفكر أشبه بسائرٍ على حبل مشدود فوق حدّ شفرة، يبذل جهده للإبقاء على حيّزٍ للتمييز في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء مندفعاً نحو الحتمية. وتعطّل الكارثة استمرارية الحياة المألوفة؛ فهي تقطع السلاسل المعتادة للمعنى والسببية وإمكان الفهم، وتُحدث اختلالاً جذرياً، أي فقداناً للتناسب بين أطر التجربة وما يقع بالفعل. وعندئذٍ، لا يعود المألوف قائماً بوصفه عالماً؛ إذ يتفكك النسيج الذي كانت تستند إليه استمراريته. أما الأزمة، فلا تعلّق العالم المألوف، بل تُبقيه في حالة تعليق. فهي لا تقطع الاستمرارية، وإنما تجعلها غير محسومة، مضطربة، ومفتوحة على احتمالاتها. والأزمة، بهذا المعنى، نظام انتظار يعتمل في صميم العالم المألوف نفسه؛ فما تزال البنى قائمة، ولكن من دون حسم، كأن العالم يحافظ على توازنه فيما يعجز عن بلوغ مخرجٍ وشيك. إنها توترٌ ممتد أكثر منها قطيعة. تؤسّس الكارثة زمناً تالياً لا رجعة فيه. أما الأزمة، فتؤجّل هذا “الما بعد”، وتُبقيه معلّقاً من غير أن تمنحه قواماً نهائياً. والكارثة لا تكتفي بتفكيك التقويم الزمني، بل تعصف بالزمن نفسه بوصفه الحامل الأساسي للتجربة، فتحوّله إلى زمنٍ هائجٍ منفلت. وهي تُحمِّل الشيطاني دلالةً جديدة، لا بوصفه مجرد سلبٍ أو نفي، بل باعتباره نمطاً من أنماط اللاموجود يطارد العالم ويسكنه. وهكذا، لا تقتصر الكارثة على زعزعة تقطيع التاريخ، سواء في سرده أو في بنائه العلمي، بل تهزّ تقطيع الوجود نفسه، وتمسّ الكيفية التي ينتظم بها الزمان والوجود في علاقة واحدة. غير أن اختلاف الأنظمة الكوسمولوجية يفضي إلى اختلاف أنظمة الأزمات والكوارث والفعل السياسي. فالأنظمة الكوسمولوجية ليست مجرد خلفيات ميتافيزيقية، بل هي التي تُشكّل، في صمت، الأشكال ذاتها التي تتخذها الأزمة والكارثة والفعل السياسي. ففي كونٍ مستقر، تحكمه انتظاماتٌ معقولة ومراتب ثابتة، كما هو الشأن في بعض الكوسمولوجيات القديمة أو اللاهوتية السياسية، تبدو الأزمة، قبل كل شيء، اختلالاً داخلياً: اضطراباً يصيب نظاماً يُفترض أنه قابل للاستعادة، ومن ثم دعوةً إلى الإصلاح أكثر منها إلى إعادة التأسيس. أما في الكون الحديث منزوع السحر، حيث تخضع الطبيعة لقوانين لا شخصية ويظل التاريخ مفتوحاً، فإن الكارثة تميل إلى أن تتخذ صورة قطيعة بنيوية: انهيار المعنى، وتفكك الأطر المؤسسية، وانبثاق وقائع لا رجعة فيها. وعندئذٍ يتحول الفعل السياسي إلى إدارةٍ للمخاطر، واستباقٍ دائم لسيناريوهات الإخفاق، بل قد يغدو حكماً بمنطق الطوارئ. وفي الكوسمولوجيات الأخروية أو الرؤيوية، تصبح الأزمة بنيةً دائمةً ومشبعةً بالمعنى؛ فلا تعود حادثاً عارضاً، بل تغدو علامة، كما لا تعود الكارثة مجرد تدمير، بل كشفاً عن نهاية قصوى. وعندئذٍ قد يتأرجح الفعل السياسي بين الانسحاب من العالم، وتسريع الصراع، والتعبئة من أجل الخلاص. وهكذا، فإن تصور العالم بوصفه نظاماً دورياً، أو آلةً محايدة، أو مسرحاً أخروياً، يحدد العمق الأنطولوجي للأزمة، وزمنيتها، وأنماط الاستجابة الجماعية لها. غير أن هذه الأنظمة الكوسمولوجية لا تتعاقب ببساطة، ولا يُقصي بعضها بعضاً، بل تتداخل وتتفاعل وتتراكب في طبقات، فتولد تشكيلات هجينة تتأرجح فيها الأزمة بين الإصلاح والإدارة والكشف، بل قد تصبح هي نفسها أزمة الخوف من فقدان أفقها الكوسمولوجي والخضوع لأفق الآخر. [1] حول هذه الجينالوجيا الحديثة للعلاقة بين الأزمة والنقد، يُراجع: راينهارت كوزيليك ، Critique and Crisis: A Study of the Political Function of Dualistic Moral Thought (الأصل الألماني: Kritik und Krise. Eine Studie zur Pathogenese der bürgerlichen Welt ، 1959؛ الترجمة الإنجليزية: MIT Press، 1988). يُعدّ كوزيليك أحد أبرز مؤرخي تاريخ المفاهيم ( Begriffsgeschichte ). ويبيّن كيف حوّلت الحداثة الأوروبية النقد تدريجياً إلى قوة تاريخية مستقلة. ففي تحليله، لم يعد الفكر النقدي المنبثق عن عصر الأنوار يكتفي بفحص الواقع، بل غدا هيئةً أخلاقية وعقلانية تُحاكم الدولة والدين والنظام السياسي القائم. غير أن هذا الاستقلال الذي اكتسبه النقد أفضى، في الوقت نفسه، إلى إنتاج أزمة دائمة في شرعية السلطة السياسية. وهكذا، تتسم الحداثة بتوتر بنيوي يجعل النقد يُنتج باستمرار الأزمات التي يدّعي السعي إلى تجاوزها، فاتحاً أفقاً تاريخياً يتسم بعدم الاستقرار وبانتظار إعادة تأسيس المعنى. وإذا كان راينهارت كوزيليك ينظر إلى النقد بوصفه سمةً تأسيسية للحداثة الأوروبية، أي بوصفه دينامية داخلية في التاريخ السياسي لعصر الأنوار وللدولة الحديثة، فإن المؤرخ الهندي ما بعد الكولونيالي ديبيش تشاكرابارتي ، المتأثر بالتراث الماركسي وبمدرسة دراسات التابع، يكشف حدود هذا التصور الجيو-تاريخية. فالأزمة الحديثة، في نظره، ليست الأفق الكوني للسياسي، بل تجربة تاريخية مخصوصة عمدت أوروبا إلى تعميمها، حين رفعتها إلى مرتبة المعيار العالمي لفهم التاريخ. وفي كتابه Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference (Princeton University Press، 2000)، يسعى تشاكرابارتي إلى البرهنة على أن المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الكتابة التاريخية الحديثة، مثل التقدم، والعلمانية، والأزمة، والنقد، ليست صيغاً كونية لفهم التاريخ، بل بناءات فكرية نشأت من التجربة الفكرية والسياسية الأوروبية. ولا تنتهي أطروحته إلى تعميم “موقف لا نقدي”، بل إلى إعادة النظر في الشروط التي تجعل النقد ممكناً. غير أنها، في المقابل، تفتح إشكالية فلسفية حقيقية تتمثل في التوتر بين تعددية العقلانيات والحفاظ على أفقٍ مشترك للحكم. (النص مترجم من اللغة الفرنسية)

/