
من التوهو والبوهو إلى كالي يوغا: على محكّ الخبرة المعاشة عند يان باتوتشكا


يقترح هذا البحث رحلةً عبر تمثّلات الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى الخبرة المعاشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الطريقة التي تصوّرت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللامعكوسية، بل وإمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى في التصدّع. يُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، ويتبع خيطاً فكرياً بالغ الصعوبة والأهمية في آن واحد: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفككاً بطيئاً للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي القسم الرابع.
إن التمييز بين الأزمة والكارثة، أو الفصل بين الكارثة الكونية والكارثة التاريخية أو الفردية، يُعدّ في الحقيقة من المستحيلات، أو بالأحرى من اللامفكَّر فيه، داخل الفكر الهندي التقليدي. ففي هذا الفكر لا يقف الكوني في مواجهة التاريخي، بل يتجلّى من خلاله. فالكارثة ليست استثناء الزمن، بل حقيقته الأشدّ حميمية.
أما الفصل بين الأزمة والكارثة، وكذلك نزع الطابع الكوني عن الكارثة تدريجياً، فهو ثمرة مسار طويل خاص بتاريخ الفكر الغربي. وقد نشأ من تداخل الإرثين اليوناني الروماني واليهودي المسيحي، ثم من إعادة تشكيلهما في العصر الحديث. ففي التقليد اليهودي المسيحي تحديداً استقرّت، بأوضح صورها، فكرةُ الكارثة بوصفها حدثاً مطلقاً. فالطوفان في سفر التكوين، ورؤيا يوحنا، ويوم الدينونة، جميعها ترسم البنية الزمنية نفسها: زمنٌ خطّي موجَّه، له بداية ونهاية لا رجعة عنها؛ وحدثٌ أخير لا يعيد تنظيم العالم فحسب، بل يغلقه ليفتتح نظاماً آخر، هو نظام الخلاص والفداء.[1]
ومن ثمّ، سيكون من التبسيط القول إن اليهودية والمسيحية تفصلان بين الكارثة الأرضية والكارثة الكونية. فهما تُبقيان العلاقة بينهما قائمة، ولكن ضمن تراتبية جديدة يحكمها اقتصاد الزمن ذي الاتجاه الواحد. ولم يعد الخراب الأرضي يُفهم باعتباره لحظة من لحظات الدورة الكونية الكبرى، بل غدا علامةً أو مؤشراً أو تمهيداً لكارثة نهائية شاملة. وهنا تُحدث خطّية الزمن تحوّلاً حاسماً: إذ يُحمَّل الشر والحرب والدمار معنى غائياً، فلا يعودان ينتميان إلى دورية الطبيعة، بل إلى دراما التاريخ.
ويمثّل هذا التحول قطيعة عميقة مع الكوسمولوجيات القديمة، وأكثر من ذلك مع الرؤى الدهرمية في الهند. ففي هذه الأخيرة، تظلّ انقطاعات العالم، من حروب وأوبئة وانهيارات، مندرجةً سلفاً في نظام دوري. فهي لا تقطع الانسجام الكوني، بل تشكّل نبضه الداخلي، وتنفّسه. أما الكارثة الإنسانية فلا تُفهم أبداً بوصفها حدثاً نهائياً، بل باعتبارها تعديلاً ضرورياً وعابراً داخل توازن أوسع. فلا وجود لأي قطيعة أنطولوجية بين المستوى الأرضي والنظام الكوني، إذ إن كليهما يشاركان في حركة الصيرورة نفسها (سامسارا)، أي حركة الخلق (سريشتي) والانحلال (برالايا).
وعلى النقيض من ذلك، تتحول الكارثة الأرضية، في التقليد اليهودي المسيحي، إلى حدث تاريخي، فيما تصبح الكارثة الكونية حدثاً نهائياً. فالأولى تترجم الخطيئة إلى لغة الزمن، والثانية تحلّ الزمن نفسه في مطلق الوحي. وما يجري هنا ليس مجرد الفصل بينهما، بل وضعهما في حالة توتر داخل زمن موجَّه يمتلك بدايةً وتاريخاً ونهاية. وهكذا تكفّ الكارثة عن أن تكون تنفّس الكون، لتغدو اكتمال التاريخ.
وهكذا تتبلور، في السلالة الكلاسيكية للفكر الغربي، سواء في صيغته اليونانية المسيحية أو الحديثة، بنيةٌ إسكاتولوجية للتفكير: فالأزمة تستدعي الكارثة باعتبارها خاتمتها، بينما تغدو الكارثة، بدلاً من أن تنتمي إلى الإيقاع اللامتناهي للصيرورة، نقطة الانقطاع واختتام الزمن. أما الفكر الهندي، فعلى العكس، فقد ظلّ ينظر إلى الكارثة لا باعتبارها انحلالاً نهائياً، بل باعتبارها لحظةً من لحظات التجدد، ومرحلةً غسقية من دورةٍ كُتب لها أن تولد من جديد.
وفي المنظور الإسكاتولوجي، يتخذ الزمن هيئة خطّ موجَّه: بداية، وتطوّر، واكتمال، ثم نهاية. وضمن هذا الإطار، لا تعود الأزمة والكارثة مجرد صورتين من صور الاضطراب، بل درجتين مختلفتين من الشدة، كلتاهما مرتبطتان بأفق نهائي.
وتظهر الأزمة بوصفها لحظة توتر داخل مسار التاريخ، ونقطة قرار لا تزال مندمجة في استمرارية العالم. أما الكارثة، فتميل إلى أن تُفهم باعتبارها اقتحاماً للنهاية، لا لنظام بعينه فحسب، بل ربما لنظام العالم نفسه.
وهكذا، كثيراً ما تُفهم العلاقة بينهما ضمن منطق إسكاتولوجي: فتصبح الأزمة عتبة، بينما تغدو الكارثة إما الصورة الاستباقية للنهاية، وإما تحققها الفعلي.
إن كون العلاقة بين الأزمة والكارثة، في التقليد الغربي، تُبنى غالباً على مصفوفة إسكاتولوجية، يعني أن هاتين الفئتين تظلان دائماً أسيرتي تصورٍ للزمن بوصفه زمناً موجهاً، حيث يتوقف معنى الحاضر على أفق النهاية. ويعني ذلك أيضاً أن كل إسكاتولوجيا هي، بصورة مباشرة، ذات بعد سياسي، لأنها تنتج تراتبيةً للأزمنة، وتقرأ الأزمات بوصفها علامات، وتوجّه الفعل في ضوء نهاية مفترضة. فالإسكاتولوجيا ليست السياسة ذاتها، لكنها ترسم حدود ما يمكن التفكير فيه سياسياً.
وتشتق كلمة الكارثة، من الناحية الاشتقاقية، من اللفظة اليونانية katastrophē، وهي لفظة تنتمي إلى التراجيديا اليونانية، وتعني «الانقلاب الأخير»، أو لحظة الانفراج النهائي التي لا رجعة فيها. وهي لا تدلّ على مجرد اختلال في التوازن، بل على تدمير أو انهيار نظامٍ من أنظمة العالم، يُنظر إليه غالباً باعتباره شاملاً، غير قابل للإصلاح، أو على الأقل غير قابل للعكس، كما في الحروب العالمية، والإبادات الجماعية، والانهيارات البيئية.
ورغم أن الكارثي يبدو، للوهلة الأولى، منتمياً إلى سجلٍّ مكاني يتمثل في الانهيار والخراب وتفكك الأشكال، في مقابل الزمن القراري الذي يميز الأزمة، فإنه يشكل، على نحوٍ مفارق، شرط إمكان حدسٍ متوسطي، ثم غربي، للزمن نفسه.
فالذي تُدخله الكارثة ليس مجرد انقطاع داخل العالم، بل تحوّلاً في معنى الصيرورة ذاتها؛ إنها تَسِم الزمن بسمة اللامعكوسية. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الزمن يبدو مجرد تكرارٍ دوري أو عودةٍ للتشكيلات نفسها، بل أصبح انكشافاً على خسارة لا يمكن امتصاصها بالكامل.
حتى تعاقب الفصول، وإن كان يحافظ على مظهر الدورة، يبدو هو الآخر موسوماً بهذه العلامة التي لا رجعة فيها: فالعودة لا تعيد الشيء نفسه على نحوٍ مطابق. وكل بداية جديدة تحمل أثر تبدّلٍ ما، وكأن التكرار نفسه يظل خاضعاً لزمنٍ أعمق، زمن التآكل، والفناء، واستحالة الرجوع.
ولعل المخيال اليوناني، ولا سيما الهوميري، هو أول من جسّد هذه المفارقة بين العودة واللامعكوسية. فـالأوديسة تقوم تحديداً عند تلك العتبة التي يلتقي فيها حلم العودة الكاملة بوعي الزمن الذي لا رجعة فيه. لقد مثّلت الهوميرية، على الدوام، تحدياً لفكرة اللامعكوسية. فتجربة أوديسيوس، أو أوليس، تقع عند تقاطع الممكن الرجوع إليه والمستحيل استعادته؛ فالعمل كله ينتظم حول إمكان العودة واستحالتها في آنٍ معاً.
وتجسّد الأوديسة منطق العودة: العودة إلى إيثاكا، واستعادة البيت، وإعادة تثبيت الملك، ثم الاعتراف الأخير. ومن هذه الزاوية، تبدو ما تزال منتمية إلى مخيال متوسطي قديم، ظلّ يرى أن النظام المفقود يمكن استعادته. وهكذا تبدو رحلة أوليس قوساً مقدّراً له أن يُغلق؛ فهي تُدخل في الأسطورة إمكان إصلاح التاريخ. غير أن هذه العودة، في مستوى أعمق، تحمل بالفعل ختم اللامعكوسية. فـأوليس لا يعود أبداً إلى العالم نفسه: لقد دُمّرت طروادة، ومات رفاقه، ومرّ الزمن على إيثاكا، وهو نفسه تبدّل بفعل التجربة، حتى غدا عاجزاً عن التطابق مع ماضيه.
ومن ثم، فإن النوستوس (nostos) اليوناني[2] لا يعني استعادةً كاملةً للمطابق، بل يمثل عودةً مشوبة بالخسارة، وبقاءً أكثر مما يمثل رجوعاً حقيقياً إلى ما كان. فما تزال الأوديسة تحتفظ بالبنية الدائرية للعودة، غير أن هذه الدائرة باتت مشقوقةً بزمنٍ لا رجعة فيه. وحتى حين يستعيد البطل بيته، يبقى شيء ما قد تحطم إلى الأبد: استمرارية الزمن، وبراءة الرحيل، وإمكان البداية من جديد كما كانت. وفي هذا الضوء، تبدو عودة أوليس نقطة التحول بين نظامين رمزيين: فهي ما تزال تنتمي إلى حضارة الدورة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن زمن التبدل، حيث تحمل كل عودة أثر ما لا يمكن جبره. ولعل الأوديسة تمثل، عندئذ، المحاولة الأخيرة لحضارة متوسطية لإنقاذ أسطورة العودة في عالم بدأ الزمن فيه ينغلق على اللامعكوسية.
ولهذا يحتل البحر مكانةً مركزية: فهو فضاء الضياع والتحول، والمجال السائل الذي تصطدم فيه حركة العودة باستحالتها الخاصة، حيث يصبح التيه الحقيقة العميقة للرحلة. وقد رأى إيمانويل ليفيناس، في إعادة قراءته لشخصية أوليس، أن هذا التوتر يمثل أحد الانقسامات الجوهرية بين الفكر اليوناني والفكر الكتابي. ففي الكلية واللامتناهي، كما في نصوص أخرى، يقابل بين مصير أوديسيوس ومصير إبراهيم: من جهة، فكر العودة؛ ومن جهة أخرى، مغامرة الرحيل بلا رجعة، والانفتاح على الغيرية.[3]
يرى ليفيناس أن أوليس يجسّد البنية العميقة للفكر اليوناني: أن يرحل، وأن يلاقي الغرابة، لكنه يعود دائماً إلى موطنه. فكل التفاف يظل، في نهاية المطاف، قابلاً لأن يُعاد إدراجه في هوية الـ«هو نفسه». فالوحوش، والجزر، والإغراءات، والغرباء، جميعهم يشكّلون محطات في مسار يعيد، على نحوٍ مفارق، كلَّ غيرية إلى دائرة الألفة. فالغيرية تُعاش لكي تُستعاد في النهاية، وتتحول إلى تجربة لـ«الهو نفسه».
أما إبراهيم، فيجسد بنية مختلفة جذرياً. فهو يغادر أرضه، وبيته، ونسبه، من دون أي وعد بالعودة. وحركته ليست حركة دائرة، بل حركة انفتاح. إنه يعرّض نفسه للمجهول عبر قطيعة نهائية مع الأصل. وهكذا تصبح التجربة الكتابية تجربة اللاعودة: فالمعنى لم يعد ينبثق من الاستعادة، بل من الوعد والمسؤولية.
وتأخذ هذه المقابلة، عند ليفيناس، شكل التمييز بين نظامين في العلاقة بالزمن: العودة والخروج. فـأوليس يجسد الدائرية وإعادة التملك، أي اقتصاد «الهو نفسه»؛ أما إبراهيم فيجسد الرحيل الذي لا يعقبه استرداد، ولا تناظر الغيرية التي تصبح هي نفسها قانوناً. الأول متجذر في الكلية، والثاني يفتح الطريق نحو اللامتناهي.
وفي هذا المنظور، تتوزع الأزمة والكارثة وفق هذين النظامين الرمزيين. فعالم أوليس هو عالم الأزمة: اختلال مؤقت في النظام، ولحظة تعليق تمهّد للعودة إلى الحالة الطبيعية. وحتى أقسى المحن، من فقدان وغرق وتيه، لا تكسر أبداً بنية المعنى؛ إذ يُفترض بها أن تُتجاوز وأن يُعاد استيعابها ضمن منطق النوستوس (nostos). ومن هذا المنطلق، ليست الأزمة سوى اضطراب مؤقت يصيب «الهو نفسه».
أما عالم إبراهيم، فينتمي إلى نظام مغاير تماماً: نظام الكارثة بوصفها تجربةً للامعكوسية. فالكارثة هنا ليست انهياراً مدوياً، بل قطيعة أنطولوجية في العلاقة مع «الهو نفسه». إنها تعني الخروج الجذري من الدائرة، واستحالة العودة إلى الأصل. ومن خلال هذا التحول، يعيد ليفيناس تعريف الكارثة: فهي لم تعد حدثاً مدمراً، بل أصبحت بنية اللاعودة الأخلاقية، والشرط الذي يجعل الانفتاح على الآخر ممكناً. فما تزال الأزمة تنتمي إلى مجال السيطرة وإعادة توليد المعنى؛ أما الكارثة فتنتمي إلى مجال التجرّد والمسؤولية.
وهكذا، بين أوليس وإبراهيم، يتجلى الانتقال من حضارة العودة إلى حضارة اللامعكوسية، ومن الزمن الدوري إلى الزمن الموجَّه. فالأولى تبحث، عبر الأزمة، عن إمكان استعادة النظام؛ أما الثانية، فترى في الكارثة شرطاً لمعنى لم يعد ينغلق على ذاته. مع أوليس، ما يزال العالم قادراً على استعادة نفسه؛ أما مع إبراهيم، فإنه يتحرر بانفتاحه على اللامتناهي.
ويظهر إبراهيم، بحسب السرد الكتابي، في الفصل الثاني عشر من سفر التكوين. أما الفصول الأحد عشر السابقة (التكوين 1-11)، فتنتمي إلى ما يمكن تسميته «ما قبل التاريخ الكتابي»: فهي تسرد بدايات العالم، ومعصية آدم وحواء، وقتل هابيل، وفساد البشرية قبل الطوفان، وإعادة البناء حول نوح، ثم تشتت البشر عند بابل.
إنها، إلى حدٍّ ما، سلسلة من الغرقات. سلسلة من الكوارث التي ليست سوى ولادات أخفقت الواحدة تلو الأخرى. بل إن السرد الكتابي نفسه يفتتح بكارثة كامنة: التوهو والبوهو، ذلك اللاتعيّن الأصلي، فوضى ليست مجرد مادة خام بلا شكل، بل عالمٌ منكوب منذ الأصل، عالم ينبغي للكلمة الخالقة أن تحتويه وأن تمنحه نظاماً. وقبل الخلق نفسه، هناك برشيت (Bereshit)، أي «في البدء»، تلك اللحظة الواقعة بين حالتين، حيث تكون الكارثة كامنة منذ الأصل، وتظل الفوضى تطالب بالنظام الذي يقيمه الله من دون أن يمحوها محواً كاملاً.
[1]كارل لوفيت، التاريخ والخلاص:الافتراضات اللاهوتية لفلسفة التاريخ، باريس، غاليمار، سلسلة «مكتبة الفلسفة»، 2002.
[2]تشير كلمة نوستوس (νόστος) في اليونانية القديمة، قبل كل شيء، إلى العودة إلى الوطن بعد غياب طويل. وفي الأدب اليوناني، ولا سيما في الأوديسة لهوميروس، تدل على الطريق الشاق الذي يستعيد عبره البطل أرضه وبيته وأهله بعد سنوات من التيه.
[3] انظر: إيمانويل ليفيناس، الكلية واللامتناهي، باريس، Le Livre de Poche / Biblio Essais، 1990، ص 17-19 (المقدمة)، وص 46-48 (بداية القسم الأول).
(النص مترجم من اللغة الفرنسية)