شعار Levant Time
العودة إلى المقال
دياكرونيا

الأزمة، والكارثة، واهتزاز العالم (6/7)

من التوهو والبوهو إلى كالي يوغا: على محكّ الخبرة المعيشة عند يان باتوتشكا

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم وسام سعادة
نُشر يوليو 9, 2026 - 15:15

يقترح هذا البحث رحلةً عبر صور الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى الخبرة المعيشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الميراث اليوناني والكتابي والهندي وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصوّرت بها الحضاراتُ الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وإمكان الفعل ذاته حين يبدأ المعنى في التصدع. ويُنشر هذا النص هنا في سبعة فصول مترابطة، يتتبع خيطاً فكرياً بالغ الصعوبة والأهمية: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وهذه هي الحلقة السادسة.

القرار والحرب: أرجونا، البطل الملحمي في المهابهارتا، في مواجهة كارل شميت

هل يمكن اتقاء الكارثة؟ إنها لا تُحارَب؛ بل تمارس جاذبيتها، وتطاردنا، وتتسلل إلى البنى ذاتها التي يقوم عليها العقل. وهل ما زال ممكناً الفصل بين الأزمة والكارثة؟ لعل ذلك لم يعد ممكناً: فقد تحولت الأولى إلى إيقاع، والثانية إلى أفق. وما نسميه الحكم لا يعود سوى ذلك الفن الهش: البقاء على خط اللايقين حيث يتأرجح العالم بين نهايته وبدايته من جديد.

إن أطروحة كارل شميت القائلة إن “السيد هو من يقرر في الحالة الاستثنائية” تجعل من الأزمة لحظة الحقيقة في السياسي، غير أن هذا الارتقاء لا يُفهم على نحو كامل إلا إذا أُعيد إدراجه ضمن الأفق الأوسع للكارثة. فحالة الاستثناء، عند شميت، لا تظهر قط بوصفها حادثاً عارضاً يصيب نظاماً مستقراً في الأصل؛ بل تتكشف دائماً على خلفية تهديد، حقيقي أو متوقَّع، بانهيار النظامين القانوني والمؤسساتي. ومن ثم تؤدي الكارثة وظيفةً تأويلية أساسية، إذ تشكل شرط إمكان فهم الأزمة، وتبرر ضرورة وجود قرار سيادي قادر على الحيلولة دون انحلال السياسي في حالة اللامعيارية (anomie)[1].

ومن هذا المنظور، لا يقتصر خطاب الاستعجال والضرورة والخطر الوجودي على وصف وضع متطرف، بل يساهم في تشكيل المسرح الذي يمكن للسيادة أن تظهر عليه. وهكذا تغدو الكارثة أقل شأناً من كونها حدثاً تجريبياً، وأكثر من كونها بناءً مفاهيمياً، وعتبةً درامية يُختزل عندها السياسي إلى إمكانه الخالص. والاستثناء، بعيداً عن أن يكون أمراً عرضياً، يعمل بوصفه جهازاً يعيد القانون باستمرار إلى أصله الخارج عن المعيار: فعلُ القرار.

غير أن هذه الدراماتورجيا تستدعي بدورها مسافةً نقدية. فحين يجعل شميت الكارثة لحظةً مؤسسةً للسياسي، فإنه يميل إلى تطبيع رؤية للعالم تُصوِّر بقاء الجماعة وكأنه مهدد على الدوام، بما يضفي المشروعية على قدرة تقريرية لا تكاد تعرف حدوداً. ويغفل مثل هذا التصور إمكان أن تدمج الأنظمة القانونية في بنيتها نفسها آلياتٍ للصمود الداخلي: إجراءات متدرجة، ورقابات مؤسساتية، وقواعد استثنائية مؤطرة بدقة، وُضعت تحديداً لمنع الأزمات من الانزلاق إلى الانهيار. ومن خلال افتراضه أن القرار السيادي وحده قادر على الحيلولة دون وقوع الكارثة، يبني شميت طوبولوجيا للسياسي يصبح فيها الاستثناء حجر الزاوية الضمني لكل معيارية.

وهكذا، إذا نُظر إلى الأزمة الشميتية في ضوء الكارثة، بدت أقل شبهاً بواقعة موضوعية منها ببنية مفاهيمية ترمي إلى إضفاء الشرعية على شكل من أشكال السلطة لا يؤكد ذاته إلا عبر تعليق القاعدة. والهشاشة التي يكشفها الاستثناء لا تصيب النظام القانوني وحده، بل تمتد إلى الفكر الذي يجعل منه أداةً للسيادة. ومن خلال الربط الوثيق بين القرار والكارثة، يقدم شميت تصوراً للسياسي مؤسساً على منطق الحد الأقصى، مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر الخلط بين الاستثناء وبين القاعدة الكامنة للحياة الجماعية.

ويبلغ جورجيو أغامبن بهذه المنطق إلى نقطة انقلابه. ففي كتابيه Homo Sacer وÉtat d’exception، يرى أن الحد الفاصل بين القاعدة والاستثناء قد تلاشى، وأن حالة الاستثناء لم تعد انقطاعاً، بل أصبحت النموذج السائد للحكم.[2] وهكذا يحل محل السيّد الشميتي، بوصفه التجسيد المكثف للسلطة، نمطٌ منتشر من إدارة الحياة، تصبح فيه “الحياة العارية” معرضةً لسلطة قابلة للاتساع بلا حدود. ولم تعد الكارثة تهديداً خارجياً يبرر القرار، بل غدت بنية دائمة للسياسي الحديث: أسلوباً في الحكم الحيوسياسي يعمم حالة الطوارئ ويطمس الحدود ذاتها بين الشرعية واللاشـرعية. ومن ثم يبيّن أغامبن أن فكر شميت، الذي وُضع أصلاً للتفكير في الاستثناء، يجد اكتماله، على نحو مفارق، في عالم يصبح فيه الاستثناء هو القاعدة.

في كتابها “الأزمة التي لا تنتهي: مقالة في التجربة الحديثة للزمن”، ترى ميريام روفو دالون أن الأزمة تنطوي على ازدواجية تأسيسية: فهي، من جهة، الصورة الزمنية الملازمة للحداثة، أي عالم معلَّق يعيش في ظل تحولات دائمة؛ وهي، من جهة أخرى، العلامة المتناقضة على إنهاك السياسي عندما تتحول الأزمة إلى حالة مستمرة. ولكن إذا غدا الزمن برمته مرادفاً للأزمة، فما الذي يبقى من لحظة الحسم؟ فحيث رأى شميت في الاستثناء المشهد الأصلي للسيادة، تشخّص روفو دالون، على العكس، تلاشي الصلة التي كانت تجمع بين الأزمة والقرار.[3] فـkrisis، التي كانت تعني، من حيث الاشتقاق، لحظة الحكم، تنزلق تدريجياً إلى حالة من العطالة المزمنة: وبدلاً من أن تفتح مجالاً للتدخل، تصبح الخلفية اللامحسومة لعالم تحكمه الإدارة.

ويُحدث هذا التحول انقلاباً عميقاً في بنية السياسي نفسها. فلم تعد الأزمة حدثاً استثنائياً يستدعي فعلاً سيادياً، بل أصبحت حالة اعتيادية تخضع للرصد والقياس والإدارة عبر آليات التوقع والتحسين المستمر. وبهذه الصورة، تكف الأزمة عن أن تكون عتبةً حرجة، لتتحول إلى منطقٍ للتعطيل والتحييد: إذ تُستبق، وتُنمذج، وتُستوعب داخل بروتوكولات تقنية للتنظيم. ومن ثم، لم يعد السياسي يُعرَّف بقدرته على اتخاذ القرار، بل بقدرته على تثبيت عالم يُنظر إليه بوصفه غير مستقر بطبيعته.

وفي مثل هذا السياق، تحتل الكارثة الموقع الذي أخلته الأزمة. فبعدما اندمجت الأزمة في روتين الحكم، تغدو الكارثة الشكل الوحيد للحدث القادر على إعادة تنشيط فعل القرار. وهي، بعيداً عن أن تكون قطيعة غير متوقعة، تتحول إلى أفق ناظم: شبح يُستدعى لتبرير الاستثناء، وإعادة إدخال القرار السيادي إلى الساحة حيث لم تعد الأزمة، بعد اعتيادها، تتيح ذلك. ويكشف هذا الانقلاب الكيفية التي تعبّئ بها السلطات المعاصرة إمكان الانهيار، سواء كان مناخياً أو صحياً أو مالياً أو أمنياً، لتبرير أجهزة استثنائية باتت مندمجة في صميم الحياة العادية للحوكمة.

ويندرج هذا التحول ضمن ما يمكن تسميته الباراديغم الحيوي-البياني (bio-datapolitical paradigm): بنية للسلطة تميز العصر التقني العلمي، حيث يغدو تدبير الكائنات الحية وإدارة البيانات وجهين لا ينفصل أحدهما عن الآخر. فالحياة والمعلومة، البيولوجي والرقمي، يشكلان اليوم معاً ركيزتي عقلانية موجهة نحو الاستباق، والنمذجة، والتنظيم الوقائي. ولم يعد الأمر يقتصر، كما في الحيوسياسة عند فوكو، على إدارة السكان، بل أصبح يتعلق بإنتاج بيئات قابلة للحساب، وسلوكيات قابلة للتنبؤ، ومخاطر قابلة للقياس. ولم تعد التقنية العلمية مجرد أداة في خدمة السياسي؛ بل غدت شرط إمكانه، وبنيته التحتية العميقة.

فإذا كانت الحيوسياسة تدير الحياة، فإن الحيوية-البيانية (biodatapolitics) تصوغ الحياة في هيئة بيانات، بحيث تصبح قابلة للاستباق، والتعديل، والخوارزمية. ويجد هذا النموذج أصداءً عميقة في كوسمولوجيا الكرمان (karman)، حيث يُسجَّل كل فعل بوصفه أثراً محايثاً وقوةً باقية، تتراكم ضمن استمرارية سببية تتجاوز لحظة وقوعه. ومن ثم، لا يظهر الذات بوصفها فاعلاً مستقلاً، بقدر ما تبدو عقدةً داخل سلسلة من العلل المتداخلة، تعبرها محددات مدمجة ترسم إمكانات صيرورتها. وهكذا يتجلى العالم بوصفه نسيجاً من الترابطات الخفية والفاعلة، حيث تُفهم بنية الواقع بوصفها قابليةً علائقية للفهم داخل الصيرورة: مصفوفةً اجتماعية كونية تتشابك فيها الأفعال، والنتائج، وأوضاع الموجودات وفق عقلانية معيارية، وإجرائية، وشديدة التدرج.[4] وإذا كان الفكر الفيدي قد صاغ أنطولوجيا إجرائية للعالم من خلال الطقس، فإن العصر الرقمي يبدو وكأنه يؤسس أنطولوجيا حاسوبية للواقع، يُنتَج فيها العالم باستمرار بوصفه أثراً للحساب، والنمذجة، والتحسين.

وفي مثل هذا الكون الخوارزمي، تفقد الأزمة كثافتها التاريخية. فهي تُنزع عنها فرادتها، وتُجرَّد من بعدها الدرامي، وتُختزل إلى مجرد متغير داخل أنظمة تكيفية تقوم على المعالجة المستمرة للإشارات الضعيفة، سواء في الصحة العامة، أو الأسواق، أو المناخ، أو الأمن. ويغدو السياسي مجرد حلقة دائمة من التعديلات، والمعايرات، والاستجابات الوقائية. أما الكارثة، فتكتسب وظيفةً مفارقة: فبدلاً من أن تكون مجرد الانهيار الذي يُخشى وقوعه، تصبح الآلية التخيلية التي تُطبِّع الاستثناء، وتؤتمت القرارات، وتوسع منطق المراقبة والضبط باسم حالة الطوارئ المقبلة.

إن التفكير في مستقبل السياسي يقتضي، والحال هذه، إعادة مساءلة التشابك بين الأزمة والكارثة في ضوء الرأسمالية التقنية-الخوارزمية. لا من أجل الاستسلام لرؤية رؤيوية عن الحاضر، بل لاستعادة إمكان نقد لا يبتلعه نزعُ الواقعية عن السلطة؛ سلطةٌ لا تحكم بالقرارات بقدر ما تحكم بالترابطات، ولا بالقانون بقدر ما تحكم بالحساب، ولا بالحدث بقدر ما تحكم باستباقه اللامتناهي.

إن المواجهة مع البهاغافاد غيتا، ذلك الحوار الفلسفي-الروحي الكامن في قلب المهابهارتا، حيث يلقن كريشنا أرجونا دروس الفعل والواجب والبصيرة، تتيح إحداث تحول حاسم في طريقتنا في التفكير في القرار، والأزمة، والكارثة. فحيث يرى شميت في الأزمة مبرراً للسلطة الحاسمة، يجعلها النص الهندي، على العكس، موضع تعليم باطني. إن المشهد الافتتاحي، حيث يقف أرجونا مشلولاً أمام الانهيار الرمزي للنظام المحارب، هو أزمة بالفعل، لكنه ليس أزمة شميتية. فهو لا يستدعي تعليق القاعدة، بل يكشف أن الفعل لا يمكن أن يستند أبداً إلى قاعدة خارجية. إنها كارثة داخلية، وانحلال للمرتكزات، واستحالة للفعل، لا تستدعي سيداً قرارياً، بل انقلاباً في الإدراك. فالقرار الحقيقي لا ينبثق من الاستثناء، بل من التجرّد من التماهي. ويعلّم كريشنا أرجونا أن الفعل ينبغي أن يكون بلا تملك (niṣkāma karma)، وأن ذات الفعل ليست هي الأنا، وأن الرؤية غير المتمركزة حول الأنا وحدها هي التي تجعل الفعل عادلاً، من خلال الانسجام مع الدهرما. ومن ثم، فالقرار ليس قطيعة، بل فهماً؛ وليس تعليقاً للقاعدة، بل حدساً بالواقع. وحيث يؤكد شميت أن السيّد يؤسس النظام بقراره، توحي الغيـتا بأن النظام الكوني، أي الريتا والدهرما، هو وحده الذي يجعل قراراً غير عنيف أمراً ممكناً.[5]

ويتضاعف هذا الانقلاب عندما تتناول البهاغافاد غيتا مسألة الكارثة. فعند شميت وأغامبن، تظهر الكارثة بوصفها الإطار الذي يتجلى فيه السياسي: أفقاً لسلطة الاستثناء أو قاعدةً منتشرة للحكم. أما في الغيـتا، فهي تنتمي إلى نظام مختلف تماماً: إنها داخلية، ووجودية، ومعرفية. ففي مشهد التجلي الإلهي (الفصل الحادي عشر)، لا تشير رؤية الزمن، مدمّر العوالم (kālo ’smi lokakṣayakṛt) إلى انهيار سياسي، بل إلى الحقيقة الكونية للصيرورة، تلك الحقيقة التي تبدد وهم السيطرة السيادية على العالم. وأمام هذه الكارثة الأنطولوجية، لا يكمن التحدي في اتخاذ قرار أكثر حسماً، بل في إدراك أن كل قرار عادل حقاً يفترض عبور الخوف، وإعادة تشكيل العلاقة بالفعل. وهكذا، لا تعود الكارثة تبريراً للسيادة، بل تصبح تربيةً على التحرر من التعلق.

وتغدو هذه القراءة أكثر خصوبة في مواجهة الوضع المعاصر. ففي الوقت الذي تحوّل فيه الحيوية-البيانية (biodatapolitics) الأزمة إلى إدارة خوارزمية للمستقبل، تقترح الغيـتا علاقةً مغايرة بالزمن: حاضرٌ مكثف، منسجم مع الدهرما، لا يتحدد فيه الفعل بالخوف من الكارثة ولا بتوظيفها الحكومي. فالذات ليست سيادية، بل سيرورية، تعبرها الغونات (guṇa)، ولا تختزل الفاعلية أبداً في مجرد الاستجابة للإشارات الضعيفة.

وهكذا، وعلى ضوء الغيـتا، تكتسب السيادة معنىً جديداً. فالسيادة الحقيقية ليست القدرة على تعليق القاعدة، بل القدرة على التحرر من الذات. إنها ليست قرارية، بل باطنية؛ ولا تقوم على الانهيار، بل على البصيرة. فلا الأزمة ولا الكارثة تؤسسان النظام، بل تكشفان أوهام الذات التي تتخيل أنها تحكم، وحدود النماذج التي تجعل الفعل قائماً على الاستعجال أو الخوف أو الاستباق التقني. الغيـتا لا تنكر الأزمة، بل تسمو بها. ولا تنكر الكارثة، بل تدرجها في أفق كوني. ولا تنكر القرار، بل تنزع عنه طابعه النفسي. وهي بذلك تفتح سبيلاً يتجاوز القرارية الشميتية، والاستثناء المعياري عند أغامبن، كما يتجاوز الأزمة الدائمة للحوكمة الخوارزمية: تصوراً آخر للذات، وللزمن، وللفعل، يعيد توجيه السياسي نحو سيادة غير سيادية.

لقد درج الفكر السياسي الحديث على إدراج الفعل ضمن منطق القطيعة. فعند شميت، تتجلى السيادة في القرار المتخذ داخل حالة الاستثناء، أي في القدرة على الحسم عندما يبدو النظام مهدداً بالانهيار. ويجعل هذا التصور الدرامي للسياسي من الأزمة لحظة الحقيقة، ومن الكارثة الأفق الذي يبرر تعليق القواعد. غير أن فلسفة للفعل تقوم على الاستعجال تبلغ حدودها عندما تكف الأزمة عن أن تكون حدثاً لتصبح حالة دائمة. وكما أوضحت ميريام روفو دالون، فإن الحداثة المتأخرة تحول الأزمة إلى بنية زمنية منتشرة: فهي لم تعد لحظة حاسمة، بل زمناً غير محدد، يُدار ويُستوعب داخل أجهزة الاستباق، إلى الحد الذي يكاد يمحو إمكان القرار ذاته. وفي إطار الحيوية-البيانية المعاصرة، التي تتمحور حول النماذج الخوارزمية، ينزلق الفعل السياسي تدريجياً من التدخل إلى الحساب، ومن التداول إلى مجرد الاستجابة للإشارات الضعيفة. بل إن الذات نفسها تُعاد صياغتها بوصفها عاملَ تكيّف، لا قوةً فاعلة.

وهنا بالذات تفتح البهاغافاد غيتا، ولا سيما كما قرأها بال غانغادار تيلاك، أفقاً فلسفياً مغايراً جذرياً. فالأزمة التي يستهل بها النص، أي شلل أرجونا أمام الانهيار الرمزي للنظام المحارب، ليست شميتية بأي معنى؛ فهي لا تستدعي تعليق القاعدة ولا ظهور سيدٍ صاحب قرار، بل تكشف حقيقة داخلية: لا يمكن للفعل أن يكون مشروعاً إلا إذا تحرر من الخوف، والحساب، والتملك.[6] ويبيّن تيلاك بقوة أن الغيـتا لا تدعو إلى الانسحاب ولا إلى الزهد، بل إلى تحويل الذات بما يجعل الفعل العادل ممكناً. وهو، بعيداً عن اختزال السياسي في القرار السيادي، يؤكد أن الفعل الموافق لـالدهرما يسبق كل قرار سيادي، لأنه يصدر عن علاقة صحيحة بالواقع. فالفاعل لا يعمل اتقاءً للانهيار، بل لأن فعله يشارك في نظام كوني ليس هو سيده ولا مركزه.

وهكذا تعيد الغيـتا صياغة مفهوم الأزمة نفسه. فهي ليست عتبة سياسية، بل اختبار للإدراك. أما الكارثة الحقيقية، فليست الدمار الخارجي، بل الانهيار الداخلي للذات حين تكتشف أن فعلها لم يعد يستند إلى المرجعيات المألوفة. والتجلي الإلهي في الفصل الحادي عشر، حيث يكشف كريشنا عن نفسه بوصفه “الزمن الذي غدا مدمّر العوالم”، لا يشكل رؤيا سياسية لنهاية العالم، بل يكشف البنية الأنطولوجية للصيرورة. فليس العالم هو الذي ينهار، بل وهم الذات السيادية. ومن هذا المنظور، لا تكون الكارثة أساساً لقرار استثنائي، بل حدثاً للحقيقة يذيب فكرة السيادة ذاتها، متى فُهمت بوصفها سلطة مستقلة.

وتقف هذه الرؤية على النقيض من منطق الحوكمة الخوارزمية المعاصرة. ففي حين تحول أنظمة التوقع الأزمة إلى متغير دائم للإدارة، تقترح الغيـتا زمناً قائماً على كثافة الحاضر. فالعمل وفق الدهرما يعني التحرر من هيمنة المستقبل على الحاضر، وقطع الصلة بالدينامية التفاعلية للاستباق القَلِق. ويشدد تيلاك على أن الفعل الحقيقي يبدأ تحديداً عندما تكف الذات عن أن تُحكم بالخوف من النتائج: فالفعل العادل ليس أثراً للمخاطرة، بل تعبيراً عن اتساق داخلي. وفي أفق هذه الفلسفة، لم تعد السيادة القدرة على اتخاذ القرار في حالة الاستعجال، بل القدرة على التحرر من المحددات الوجدانية والاستدلالية التي تحكم ردود الفعل.

ومن ثم يتضح أن الغيـتا، ولا سيما في قراءة تيلاك، تعيد تشكيل مجال الفلسفة السياسية من جذوره. فهي تنقل السيادة من حقل القرار إلى حقل التوافر الداخلي.[7] وترفض أن تكون الأزمة أو الكارثة أساساً للسياسي، لأنهما لا تكشفان إلا وهم ذاتٍ كانت تظن نفسها سيدة النظام وقادرة على تعليق مجراه. وما تكشفه الغيـتا هو أن الفعل لا يدين بشيء للقطيعة، بل يدين بكل شيء للبصيرة. فهو لا ينبع من الانهيار، بل من فهم أعمق لانغراسنا في الواقع. وهي، بدلاً من أن تبرر السلطة بالتهديد، تذيب السلطة في أخلاقية الالتزام غير التملكي.

وهكذا تقدم الغيـتا بديلاً مفاهيمياً بالغ الأهمية للنماذج الغربية للأزمة والاستثناء. فهي لا تنكر هشاشة العالم ولا اضطراب التاريخ، لكنها ترفض أن تجعل منهما المحرك الأساسي للسياسي. إنها تقترح أنطولوجيا للفعل، لا تعود فيها السيادة فعلاً استثنائياً يصدر عن ذات متعالية، بل الكيفية التي تتولى بها ذاتٌ متحولة موقعها داخل نسيج الصيرورة. ومن هذا المنظور، تدعونا إلى إعادة التفكير في إمكان الفعل ذاته في عالم تغمره الأزمات وتطارده الكوارث: لا بالسعي إلى السيطرة على الاستثناء، بل بتعلّم الفعل من دونه.

غير أن هذا التحول لا يصبح مفهوماً إلا إذا سلّمنا بأن كل نظرية في الحكم تقوم، تصريحاً أو تلميحاً، على كوسمولوجيا كامنة.

فالحكم يعني دائماً، بطريقة أو بأخرى، التموضع داخل كوسمولوجيا ضمنية. ومن ثم، لا تكون الأزمة سوى اختلال في العالم نفسه، بينما لا تقتصر الكارثة على كونها حدثاً، بل تعبر عن تحول في النظام الكوني للواقع.

ومن هنا تبرز الأهمية الحاسمة للعودة إلى التقاليد الكتابية والسنسكريتية، لأنها تتيح إعادة بناء الطبقات العميقة لما يمكن تسميته حكمة الكون السياسية (Political Cosmosophy). وهي طريقة في التفكير في السياسي انطلاقاً من جذوره الكوسمولوجية، أي بإدراجه ضمن تصور شامل لنظام العالم (cosmos)، والزمن، والصيرورة.

فهي لا تنظر إلى السياسي بوصفه مجالاً مستقلاً، يقتصر على المؤسسات أو السيادة أو القواعد، بل بوصفه تموجاً داخل نظام كوني أعمق، قادر على أن يتجلى في أنظمة متعددة: دورية، أو إسكاتولوجية، أو فوضوية، أو خوارزمية.


[1]انظر: كارل شميت، اللاهوت السياسي: أربعة فصول في نظرية السيادة، ترجمة جان لوي شليغل، باريس: غاليمار، سلسلة “مكتبة الفلسفة”، 1988 (الطبعة الأصلية: 1922)، ص 15.

[2]انظر: جورجيو أغامبن، حالة الاستثناء، ترجمة جويل غيرو، باريس: سوي، سلسلة “النظام الفلسفي”، 2003؛ وكذلك: الإنسان المقدس (Homo Sacer I): السلطة السيادية والحياة العارية، ترجمة ماريلين رايولا، باريس: سوي، 1997.

[3]ميريام روفو دالون، الأزمة التي لا تنتهي: مقالة في التجربة الحديثة للزمن، باريس: سوي، سلسلة “لون الأفكار”، 2012، ولا سيما المقدمة.

[4]في كتابه طبخ العالم: الطقس والفكر في الهند القديمة (Cuire le monde. Rite et pensée dans l’Inde ancienne، باريس: لا ديكوفرت، 1989)، يكشف شارل مالامو عن بنية حاسمة في الفكر الفيدي: فالواقع لا يُفهم فيه، ابتداءً، بوصفه موضوعاً للتمثل أو التأمل، بل بوصفه مجالاً لعمليات فعلية، تعبره إجراءات طقسية تضمن في آن واحد تحوّله وقابليته للفهم.

ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الطقس بوصفه لغةً ثانوية تأتي لتدل على نظام كوني معطى سلفاً. فهو، على العكس، جهازٌ مُنتِج، لا يبلغ الواقعُ من خلاله صورته المتمايزة إلا عبر فعل الطقس نفسه. ويؤدي تحليل فعل الطهو (pāka) دوراً نموذجياً في هذا السياق، لأنه يختزل منطقاً واحداً للتحول يشمل المادة، والصورة، والمعنى في آن واحد. فالطهو لا يدل هنا على مجرد عملية تقنية، بل على تحول حقيقي للواقع، يعاد فيها، في الوقت نفسه، تشكيل حالة الأشياء، ووضعها الرمزي، وموقعها داخل النظام الكوني.

ومن ثم، يمكن فهم الفكر الفيدي بوصفه شكلاً من الأنطولوجيا الإجرائية، بمعنى أن الكينونة لا تُعطى فيه قط بوصفها جوهراً ثابتاً، بل باعتبارها النتيجة المؤقتة لسلسلة من العمليات المنظمة. وتتطور هذه الأنطولوجيا ضمن استمرارية متمايزة بين ثلاثة مستويات لا تتعارض، بل يستجيب بعضها لبعض: الفعل التقني بوصفه التنظيم المادي للعمل؛ والفاعلية الطقسية بوصفها الصلاحية المعيارية الداخلية لهذا العمل؛ والتحول الكوني بوصفه المقابل الأنطولوجي للطقس المنجز.

وما يبرزه مالامو على نحو حاسم هو أن هذه المستويات لا تنتمي إلى مجالات متغايرة، تقنية أو رمزية أو ميتافيزيقية، بل إلى منطق واحد يحكم منطق إنتقالية الواقع . وهكذا يغدو العالم الفيدي متصلاً من العمليات، حيث لا يكون الواقع مجرد معطى يُلاحَظ، بل واقعاً يُنتَج باستمرار، ويُعدَّل، ويُثبَّت عبر سلاسل من الأفعال الفاعلة.

وهكذا تتبلور عقلانية للفعل لا تفصل المعرفة عن الممارسة، ولا التقنية عن الكون. فالعالم ليس موضوعاً خارجياً للوصف، بل هو المقابل الداخلي لممارسة منضبطة، يتطابق فيها الفهم والتحويل داخل اقتصاد إجرائي واحد للواقع.

وانطلاقاً من هذا التأويل الذي يقترحه مالامو، يصبح من الممكن إضاءة النظام المعاصر لإجرائية الواقع من زاوية جديدة. فهذه البنية تسمح بفهم التحول الراهن للعالم بوصفه انتقالاً من إجرائية طقسية-رمزية إلى إجرائية خوارزمية وبنيوية تحتية. ويغدو العالم، عندئذ، مجالاً لحسابية معممة، لم تعد الإجرائية فيه تمر عبر الطقس، بل عبر منظومات تقنية متواصلة تنظم، سلفاً، شروط الفعل والإدراك والقرار نفسها.

ولم تعد البنية التحتية الخوارزمية تكتفي بمعالجة الواقع، بل أصبحت تُشكّله، وتعيد تقطيعه، وتجعله قابلاً للاستباق. وهي بذلك تؤسس شكلاً من الطقسية المحايثة، لا يقوم على وساطة رمزية أو مقدسة، بل على التكرار المؤتمت لسلاسل حسابية تُعيد تشكيل السلوكيات وتوجّه أنماط الفعل.

[5]سارفيبالي راداكريشنان، The Bhagavadgita، لندن: George Allen & Unwin، 1948، ص 91-118.

[6] بال غانغادار تيلاك، Shrimad Bhagavad Gita Rahasya, or Karma-Yoga-Shastra، بونه: Tilak Bros.، 1915 (الترجمة الإنجليزية عن الأصل الماراثي)، ولا سيما الفصول المخصصة لعقيدة كارما-يوغا (karma-yoga) وقراءته لـالبهاغافاد غيتا بوصفها تعليماً للفعل غير التملّكي (niṣkāma karma).

[7] ناغابا ك. غاودا، “The Sthitaprajna as the Foundation of the Nation: Tilak and the Gita Rahasya”، ضمن: The Bhagavadgita in the Nationalist Discourse، أكسفورد: Oxford University Press، 2011. ويحلل المؤلف في هذه الدراسة القراءة التي يقدمها تيلاك لـالبهاغافاد غيتا، مبيناً كيف يحول شخصية أرجونا إلى ذاتية أخلاقية تتجسد من خلالها  الدهرما.

(النص مترجم من اللغة الفرنسية)

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل