شعار Levant Time
العودة إلى المقال
دياكرونيا

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (2/7)

من التُّوهُو والبوهُو إلى الكالي يوغا: على محكّ التجربة المعيشة عند يان باتوتشكا

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم وسام سعادة
نُشر يونيو 29, 2026 - 12:49

يتتبع هذا البحث تجليات الأزمة والكارثة، منذ الكوسمولوجيات القديمة وصولاً إلى التجربة المعيشة لعالمٍ يتعرض للاهتزاز. ومن خلال إقامة حوار بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفلسفة يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وحتى إمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى بالتزعزع. ويُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، متتبعاً خيطاً فكرياً دقيقاً، لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي الجزء الثاني.

كوسمولوجيا الفوضى

تشكل مفهوما الأزمة والكارثة محطتين أساسيتين في التاريخ المفاهيمي للسياسة الحديثة، بوصفهما آليتين رئيستين لإضفاء القابلية على فهم الفوضى وقراءتها في سياقها التاريخي. ويعود مصطلح الأزمة إلى الكلمة اليونانية krisis، التي كان معناها الأصلي “القرار” أو “الحكم”. وفي المعجم الطبي الهيبقراطي، يدل على اللحظة الحاسمة التي ينعطف فيها مسار الحالة المرضية نحو إحدى نهايتين محتملتين بالقدر نفسه: الشفاء أو الموت. وعندما يُنقل هذا المفهوم إلى الحقل السياسي، تصبح الأزمة نظاماً من اختلال التوازن تعجز فيه الأشكال المؤسسية للضبط عن استيعاب التوترات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الرمزية أو تحييدها. ومن ثم تكتسب الأزمة بعداً مزدوجاً: فهي كاشفة لأنها تعرّي مواطن هشاشة النظام القائم، ومنتجة لأنها تستدعي إعادة تشكيل ذلك النظام وتجديد مبادئ تماسكه.

وتحيل الأزمة إلى لحظة تعليق القرار، إلى منطقة وسطى غير مستقرة في صيرورة الزمن، حيث تبقى التحديدات معلقة مؤقتاً من دون أن يُحسم المآل بعد. ويختلف هذا المرجع اليوناني عن تعدد نظائره في الحقل السنسكريتي، وهي نظائر لا تبلغ أبداً مرتبة التكافؤ الحقيقي معه.

ومن بين هذه المصطلحات सङ्कट (saṅkaṭa) الذي يدل على الوضع الحرج أو الضيق أو المأزق الخطر، وविपत्ति (vipatti) الذي يشير إلى الشدة أو الكارثة المحتملة، وसंशय (saṃśaya) الذي يعبّر، في بعض الاستعمالات الفلسفية، عن الشك أو التردد البنيوي.[1] غير أن أياً من هذه الألفاظ لا يستوعب تماماً الكثافة المفهومية التي ينطوي عليها krisis اليوناني، بوصفه لحظة القرار الكامنة في صلب اللامتعين، حيث ينبثق الحكم من قلب اللاتحدد نفسه.

غير أن مصطلحاً سنسكريتياً آخر، هو निष्कर्ष (niṣkarṣa)، يمكن استحضاره لا باعتباره مرادفاً للأزمة، بل بوصفه وجهها المنطقي المقابل، أو صورةً معكوسة للمفهوم اليوناني. فبينما تشير الأزمة إلى اللحظة المفتوحة للقرار، يحيل niṣkarṣa إلى النتيجة المستقرة التي ينتهي إليها مسار التمييز، أي إلى الخلاصة التي تتبلور بعد اجتياز اللامتعين؛ أو، بعبارة أخرى، إلى المعنى بعد انقضاء أزمة المعنى.[2]

ومع ذلك، فإن هذه المفاهيم السنسكريتية، عند التمعن فيها، تقترب من بعض أبعاد “اللحظة النقدية” كما تتجلى في التجربة المعيشة، من غير أن يكون من الضروري، أو حتى من الممكن، تثبيتها ضمن بناء مفهومي صارم.

ذلك أن الأزمة ليست مجرد مقولة منطقية أو بنية للقرار، بل تنتمي أيضاً إلى نظام وجداني. فهي تتجلى في هيئة تردد، وتزعزع لنقاط الارتكاز، وفقدان نسبي للسيطرة، كما تتجلى في الوقت نفسه بوصفها سعياً إلى استعادة ما يفلت من القبضة. ومن ثم، فهي تنطوي على توتر دائم بين العجز والرغبة في السيطرة على ما يستعصي على السيطرة.

وللأزمة أيضاً نبرتها الخاصة: قلق إزاء زمنٍ يتفلّت أو ينكمش أو يظل معلقاً، كأن الصيرورة نفسها تنسحب من إحداثياتها المألوفة.

ولذلك، لا تشير الأزمة في السياسة إلى مجرد لحظة انعطاف عقلاني، بل هي، في آنٍ واحد، انبثاق السياسي وانكشاف أكثر وجوهه توتراً: حالة من الانقباض يكتشف فيها السلطان نفسه مدفوعاً بإعادة تشكيله الذاتي، وفي الوقت نفسه مهدداً بما يفلت من كل إمكانية للضبط المستقر.

تلعب الأزمة مع الكارثة، وتُفشل منطقها في الوقت نفسه. فـ«اللحظة النقدية»، بوصفها موقفاً أولياً، بل يكاد يكون غريزة بقاء، تتنكر في هيئة ارتياح: “لم أصل بعد إلى الكارثة.” وفي هذا الإرجاء، تتخذ لنفسها موقعاً من الانفراج النسبي، وتؤجل الانهيار بالإبقاء عليه على مسافة.

أما الكارثة، فتتبدّى بوصفها نوعاً من الاحتفال المعكوس بالأزمة: ليست احتفالاً بالمعنى المألوف، بل فائضاً بلا ذات، وتعليقاً للمرجعيات، وانكشافاً عارياً للعالم على تفككه الذاتي. وهكذا تغدو الوجه الأكثر كثافة للأزمة؛ فإذا كانت الأزمة لا تزال أسيرة منطق التدبير والعتبة، فإن الكارثة تتجاوز كل اقتصاد للسيطرة والإرجاء.

وتعرض الملحمتان الهنديتان الكبريان، المهابهارتا والرامايانا، كلٌّ بطريقتها الخاصة، دينامية معقدة بين الأزمة والكارثة، من غير أن تصوغا لها بناءً مفاهيمياً صريحاً.[3] فهذه العلاقة تتجلى، بالأحرى، من خلال بناءٍ سردي وكوسمولوجي وأخلاقي للفوضى، حيث تظهر بوصفها، في آنٍ واحد، تعليقاً للقرار وانهياراً لنظام العالم.

في المهابهارتا، تتبدّى الأزمة أولاً في صورة تشوشٍ يصيب الدارما (Dharma)، بوصفها النظام المعياري والكوني والاجتماعي معاً. فحتى قبل اندلاع حرب كوروكشيترا، يكون العالم قد دخل بالفعل في طورٍ من اختلال التوازن: يصبح القانون عصيّاً على القراءة، وتتناقض الأنساب، وتتصادم الواجبات، وتبدأ المراتب في التفكك. وهنا تبلغ الأزمة معناها الأشد عمقاً: حالة من اللاتعيّن البنيوي، يصبح فيها الحكم مطلوباً ومستحيلاً في الوقت نفسه، من غير أن يخلو أي خيار من تبعة. ويجسد أرجونا هذا الوضع على نحو نموذجي، إذ يقف في ساحة المعركة عاجزاً عن الحسم، لأن كل قرار يتخذه يهدد النظام نفسه الذي كُلّف بالدفاع عنه.[4]

غير أن الأزمة لا تبقى أبداً حبيسة منطق القرار؛ فهي تنطوي دائماً على إمكانية كارثية كامنة. وتمثل حرب كوروكشيترا تحققها الأقصى، حين تتجسد إمكانية الخراب في كارثة شاملة: الفناء شبه الكامل للسلالات، وانهيار البنى النسبية، واستنفاد المقولات الأخلاقية المألوفة.[5] ولم تعد الفوضى هنا تقتصر على تعليق النظام، بل أخذت تقوض الشروط نفسها التي تجعل وجوده ممكناً.

وفي الفكر الهندي، تنتظم الكارثة ضمن المنطق الكوني لدورات اليوغا (Yuga). فهي ليست حدثاً عرضياً يتمثل في الخراب، بل لحظة مفصلية من التحول الكوني؛ إذ لا يتفكك العالم إلا لكي يعاد تشكله. ومن ثم، فإن نهاية الدورة ليست قطيعة مطلقة، وإنما افتتاحٌ لإعادة تركيب ضرورية، تتعاقب فيها مراحل الانحلال والتجدد وفق إيقاع الزمن الكوني.

وتجسد المهابهارتا هذه الدينامية حين تعرض الكارثة لا بوصفها خاتمة، بل بوصفها إعادة ترسيب للوجود. فالصراع، بتدميره النظام القديم، يهيئ لميلاد العالم من جديد ولانبثاق توازن جديد للدارما. وهكذا تغدو الحرب، على الرغم من طابعها الرؤيوي المروّع، وسيلةً لاستعادة النظام الكوني: انتقالاً من الانحطاط إلى إعادة تثبيت المعنى.

أما الرامايانا، فتقترح وجهاً آخر للفوضى وكيفية تجاوزها. فالأزمة فيها لا تتخذ صورة كارثة كونية، بل تتكثف في منفى راما، بوصفه رمزاً لتعليق الشرعية. أما الكارثة فلا تنفجر انفجاراً كاملاً؛ إنها تُزاح وتُرجأ وتُحتوى. ويقوم السرد نفسه بتحييد الكارثة من خلال بنيته الداخلية. ويجسد رافانا، بوصفه سيد الفوضى، إغراء الانزلاق إلى الفوضى المطلقة؛ غير أن هزيمته تعلن استعادة استمرارية الدارما وعودة الشرعية إلى موضعها.

وهكذا، إذا كانت المهابهارتا تجعل من الكارثة منطلقاً لإعادة تأسيس كونية، فإن الرامايانا تعرض عملية ترويضها سردياً؛ إذ يتحول الخراب إلى مسارٍ للتطهر وإعادة تثبيت النظام. فتصبح الأزمة معبراً لا نهاية، ويغدو الدمار نفسه مبدأً لاستمرار العالم.

وما يميز الملحمتين الهنديتين بعمق هو أن الأزمة فيهما ليست قراريةً خالصة، كما أن الكارثة ليست نهايةً مطلقة. فكلاهما يندرج ضمن النظام الكوني نفسه، الذي تحكمه ثلاث حركات تؤطر كل صيرورة في العالم: الانحلال (Pralaya)، وإعادة الخلق (Sṛṣṭi)، والتكرار الدوري (Saṃsāra).[6]

وفي إطار الدارما، كما تنتظم بها رؤية الإيتيهاسا (المهابهارتا والرامايانا)، لا وجود لفاصل ثابت بين الأزمة والكارثة، لأن العالم يُفهم بوصفه خاضعاً لدورات متعاقبة من اختلال التوازن وإعادة الانتظام. ومن ثم، فإن تفكك الدارما ليس مطلقاً قط، بل يندرج ضمن اقتصاد كوني أوسع لإعادة التشكل. فالأزمة تمثل لااستقراراً داخلياً في النظام، مشبعاً سلفاً بإمكان الانهيار، في حين أن الكارثة لا تعني الفناء المحض، بل إعادة تشكيل العالم وإعادة انتظام المعنى بعد التفكك.


[1]حول استعمالات مفهوم संशय (saṃśaya) بوصفه بنيةً للشك والتردد في التقاليد الفلسفية الهندية، يُراجع أيضاً: جوناردون غانيري، The Lost Age of Reason: Philosophy in Early Modern India 1450–1700 (Oxford University Press، 2011).

[2]Nadja Stchoupak, Luigia Nitti et Louis Renou, Dictionnaire sanskrit-français، باريس، Adrien Maisonneuve، 1959.

[3]Wendy Doniger, The Hindus: An Alternative History، نيويورك، Penguin Press، 2009، الفصل التاسع (“Women and Ogresses in the Rāmāyaṇa”)، ص 213-250؛ والفصل العاشر (“Violence in the Mahābhārata”)؛ والفصل الحادي عشر (“Dharma in the Mahābhārata”)، ص 251-338. وتبيّن دونيغر في هذه الفصول الكيفية التي يصوّر بها كلٌّ من الرامايانا والمهابهارتا تفكك الدارما من خلال الحروب، والصراعات السلالية، وأشكال الاضطراب الكوني والسياسي.

[4]حول تعليق الحكم لدى أرجونا وأزمة الدارما في المهابهارتا، يُراجع: Alf Hiltebeitel، The Ritual of Battle: Krishna in the Mahabharata (Ithaca: Cornell University Press، 1976)، ولا سيما المقدمة والفصول المخصصة لـBhagavad Gītā، وبخاصة الأقسام التي تحلل الحوار الافتتاحي بين أرجونا وكريشنا، حيث يُصوَّر انهيار مرجعيات الدارما وتعليق القرار في ساحة معركة كوروكشيترا.

[5]حول حرب كوروكشيترا بوصفها كارثة كلية ولحظة انهيار الدارما، يُراجع، على وجه الخصوص: Ananda K. Coomaraswamy، Hinduism and Buddhism، نيويورك، Philosophical Library، 1943، ص 75-82؛ D. D. Kosambi، The Culture and Civilisation of Ancient India in Historical Outline، لندن، Routledge & Kegan Paul، 1965، ص 100-108؛ Irawati Karve، Yuganta: The End of an Epoch، حيدر آباد، Orient Blackswan، 1969، ص 7-32 و95-120؛ وكذلك Bimal Krishna Matilal، Moral Dilemmas in the Mahabharata، نيودلهي، Motilal Banarsidass، 1989، ص 1-24.

[6]Upinder Singh، Ancient India: Culture of Contradictions، نيودلهي، Oxford University Press، 2021، فصل “Violence in Early Indian Tradition”، والأقسام المخصصة لـالمهابهارتا، ولا سيما قراءتها لحرب كوروكشيترا بوصفها لحظة تبلغ فيها العنف السياسي والكوني أقصى درجات تكثفه، لا مجرد صراع سلالي. وتشدد سينغ على أن المصادر الملحمية والمعيارية لا تبلور نظرية موحدة للعنف، بل تكشف عن مركزيته البنيوية في المتخيل المتعلق بالسلطة، والقرابة، والدارما.

(النص مترجم من اللغة الفرنسية)

اقرأ أيضاً:

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (1/7): الأزمة والكارثة: علاقتان مختلفتان بالزمن

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل