شعار Levant Time

دياكرونيا

النبي والفيلسوف (10/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 25, 2026 - 22:45

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وحملت المحاضرة الأولى، التي ألقاها بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، عنوان “النبي والفيلسوف: تراتبية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”. ويُنشر نصها هنا في صيغة منقّحة وموسّعة، ضمن سلسلة من عشرة مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من أن المفكرين يشتركان في أفق أفلاطوني محدث واسع، صاغته ميتافيزيقا الفيض، وتراتبية الوجود، والتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوّران مشروعين فلسفيين مختلفين: ابن سينا ضمن التقليد المشّائي للفلسفة، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف السياقين الفكريين، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسّد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، يضيئان طريقتين مختلفتين في التفكير في موقع الفلسفة إزاء السلطة والقانون وتنظيم الجماعة. ويشكّل هذا المقال الجزء العاشر والأخير من هذه السلسلة. X - ليو شتراوس: الكتابة الباطنية واستعادة الحكمة العملية في الفلسفة الإسلامية واليهودية في العصر الوسيط في سياق “رسالة في اللاهوت والسياسة”، يقوم نهج سبينوزا على عملية بارعة من التحييد السياسي. فمن خلال إحالة اللاهوت إلى مجال المخيلة، وإسناد الفلسفة إلى مجال العقل، سعى سبينوزا إلى “احتواء” اللاهوت عبر خفض منزلته الميتافيزيقية. ويبقى اللاهوت “خلاصًا ضروريًا للجهلاء”، إذ يوفّر منظومة أخلاقية مبسّطة تتمحور حول العدل والإحسان، وتحافظ على النظام الاجتماعي. أما بالنسبة إلى الفيلسوف، فيتحرر العقل لمتابعة “معرفة الكل” من دون وصاية كنسية. لكن النقطة الأكثر دقة هي أن الفلسفة، عند سبينوزا، وإن كان يتعذّر تعميمها بصفتها فلسفة على عامة الناس، لا بد لها مع ذلك من أن تؤثر فيهم عبر الوساطة السياسية. ومن دون هذه الوساطة، يكون البديل معكوسًا: إما سيادة الأهواء من دون ضابط، وإما عودة الاستبداد اللاهوتي-السياسي. وهذا يقودنا إلى فهم الطبيعة الصراعية الكامنة في هذه الوساطة السياسية. يرى فيليبو ديل لوكيزي، وهو من أبرز الباحثين المعاصرين الذين يشددون على مركزية الصراع والسلطة و”الكثرة” في فكر سبينوزا، أن السياسة هي ساحة المعركة التي يحاول فيها العقل تنظيم الكثرة. وهذا التنظيم ضروري لمنع تحويلها إلى أداة في أيدي الطغاة. وفي أعماله، ولا سيما الصراع والسلطة والكثرة عند مكيافيلي وسبينوزا، يرفض ديل لوكيزي القراءات “الليبرالية” التقليدية التي ترى في الدولة نتاج عقد اجتماعي غايته إقامة سلام ثابت ونهائي. ويرى، على العكس، أن الصراع، عند سبينوزا كما عند مكيافيلي، ليس فشلًا للدولة، بل قوة حتمية ومنتجة في الحياة السياسية. ضمن الإطار التأويلي لليو شتراوس، لا يظهر باروخ سبينوزا مجرد ناقد للدين، بل مفكرًا شديد الاستراتيجية، يتبلور مشروعه الفلسفي في ظل شروط الحذر والكتمان. ويصف شتراوس سبينوزا بأنه “سيّد الخداع”، معتبرًا أن اعتداله الظاهر يخفي مقصدًا أكثر جذرية. وفي هذه القراءة، يُختزل الدين إلى “سمّ ضروري” للكثرة، أي إلى أداة للتماسك الاجتماعي بدلًا من أن يكون حاملًا للحقيقة. ويشكّل تعريف سبينوزا للإيمان بوصفه مجرد طاعة تقليصًا حاسمًا لمجاله المعرفي: فمن خلال فصل الإيمان عن المعرفة، يسلب سبينوزا اللاهوت فعليًا أي ادعاء بحقيقة يمكنها أن تنافس حقيقة الفلسفة أو العلم. والنتيجة ليست دحضًا صريحًا للدين، بل تهميشًا صامتًا له. ومن منظور شتراوسي، لا يبدو “الفصل” الشهير بين اللاهوت والفلسفة تسوية مبدئية بقدر ما يبدو هدنة تكتيكية. فهو يسمح للفلسفة بالبقاء في عالم لا يزال اللاهوت يحكمه، فيما يقوّض تدريجيًا السلطة الفكرية للوحي. ومن ثم يمكن قراءة تعامل سبينوزا الذي يبدو محترمًا مع الكتاب المقدس، و”لطفه” تجاهه، بوصفه فعل تدجين استراتيجي: فالدين لا يُدمَّر، بل يُقصى عن مجال الحقيقة. بهذا المعنى، تنتزع الفلسفة استقلالها لا عبر مواجهة مفتوحة، بل عبر إعادة تشكيل دقيقة لشروط الخطاب. غير أن باحثين معاصرين، من أمثال جوناثان إسرائيل وستيفن نادلر، اعترضوا على هذا التأويل، معتبرين قراءة شتراوس مفرطة في نزعتها التآمرية. وفي مقابل فرضية التلاعب الباطني، يشدد هؤلاء على صدق مشروع سبينوزا. فاختزال الدين إلى نواة أخلاقية دنيا، هي العدل والإحسان، لا يُفهم هنا بوصفه استراتيجية مستترة لتفكيك الوحي، بل محاولة حقيقية لإرساء السلم الأهلي في سياق طبعته أعمال العنف الطائفية. ووفق هذه القراءة، لا يسعى سبينوزا إلى خداع الكثرة، بل إلى جعل العيش المشترك ممكنًا من خلال صياغة شكل من الدين منزوع الخصومات العقائدية. ويظهر بُعد آخر من تأويل شتراوس حين يقرن سبينوزا بمكيافيلي. فبالنسبة إليه، يشكّل الاثنان “ثنائيًا” عابرًا للعصور من الثوريين المستترين، المسؤولين معًا عن تدشين المشروع الحديث. فمكيافيلي، الذي يصفه شتراوس بأنه “معلّم الشر” بمعنى اصطلاحي لا أخلاقي، يبدأ القطيعة مع الفلسفة السياسية الكلاسيكية عبر خفض سقف طموحاتها. وينتقل السؤال المركزي من “كيف ينبغي للناس أن يعيشوا؟” إلى السؤال الأكثر براغماتية “كيف يعيش الناس؟”، فيحلّ مقتضى الأمن والسلطة محل السعي إلى الخير الأسمى. غير أن ابتكار مكيافيلي يظل، في نظر شتراوس، غير مكتمل، لأن واقعيته السياسية لا تقدّم جوابًا منهجيًا عن استمرار سلطة الدين. وهنا يتدخل سبينوزا. فمن خلال توفير أساس ميتافيزيقي وإبستيمولوجي لرؤى مكيافيلي السياسية، يستكمل المنعطف الحديث. فإذا كان مكيافيلي يوفّر التقنية السياسية، فإن سبينوزا يحيّد العقبة الرئيسية أمامها: ادعاء اللاهوت امتلاك سلطة أعلى. ومن خلال النقد الكتابي والتحديد الصارم لنطاق الإيمان، يضمن سبينوزا ألا يعود في مقدور “الكاهن” تحدّي “الأمير”. وما ظل لدى مكيافيلي صراعًا مستمرًا بين السلطتين السياسية والدينية يتحول عند سبينوزا إلى نظام مستقر، قابل في نهاية المطاف للتوافق مع أشكال ديموقراطية من الحكم. ويصبح العقل الأداة التي تُنظَّم من خلالها الكثرة، فلا تعود قوة متقلبة، بل مكوّنًا منظمًا في الدولة. لكن هذا الإنجاز الظاهر يخفي، بالنسبة إلى شتراوس، خسارة أعمق. فالتقاء مكيافيلي وسبينوزا لا ينتج الدولة الحديثة فحسب، بل ينتج أيضًا “الأزمة الحديثة”. فمن خلال خفض أفق الطموحات الإنسانية إلى الأمن والمنفعة والعيش المشترك السلمي، تضحي الحداثة بمفهومي العظمة والحقيقة نفسيهما، وهما اللذان حرّكا الفلسفة الكلاسيكية. وما يتبقى هو حضارة موجّهة نحو الراحة وحفظ الذات، لكنها محرومة من أي تصور جوهري للحياة الفاضلة. وفي نظر شتراوس، كانت “خطيئة” سبينوزا محاولته تقويض التوتر الحيوي بين أثينا وأورشليم، أي ذلك الاحتكاك الجوهري بين العقل والوحي، أو بين الفلسفة والإيمان. أما الفلاسفة السابقون للحداثة، فسعوا على العكس إلى إبقاء هذا التوتر ضمن توازن “باطني” دقيق. ولم يهدفوا إلى تحييد أحد الطرفين لمصلحة الآخر، بل عاشوا داخل هذا التناقض، محافظين على سيادة الناموس للكثرة، وعلى حرية العقل للقلة. وقد أدرك هؤلاء الفلاسفة أن أبحاثهم العقلية كثيرًا ما تهدد الأساطير الاجتماعية والدينية الضرورية لاستقرار الجماعة. ولذلك كتبوا لجمهورين: العامة، الذين تلقوا رسالة في التقوى والناموس، والنخبة الفلسفية القادرة على تبيّن المعاني العقلانية “المخفية”، وغالبًا غير المألوفة دينيًا، بين السطور. شتراوس، “الفرونيسيس” وفن الكتابة رأى شتراوس أن العلم السياسي الحديث أخفق تحديدًا لأنه يحاول إما تجاهل المشكلة اللاهوتية-السياسية وإما حلها. وكان مكيافيلي وسبينوزا، في نظره، المسؤولين الرئيسيين عن ذلك. ودعا إلى العودة إلى “القدماء”، أي أفلاطون وأرسطو، وإلى مفكري العصر الوسيط، وفي مقدمهم موسى بن ميمون والفارابي، معجبًا على نحو خاص بالطريقة التي تعامل بها المفكرون المسلمون واليهود مع هذا التوتر. وخلافًا للتقليد المسيحي، الذي استعان بـ”القانون الطبيعي” للتوفيق بين العقل والإيمان، نظرت التقاليد اليهودية والإسلامية إلى الدين أساسًا بوصفه شريعة: التوراة أو الشريعة الإسلامية. وقد أجبرت هذه الحقيقة البنيوية المفكر على أن يصبح “فيلسوفًا سياسيًا”، يحترم الشريعة علنًا فيما يلاحق الحقيقة في الخفاء. وبالنسبة إلى شتراوس، فإن “الكتابة بين السطور” شكل من أشكال “الفرونيسيس”، أي الحكمة العملية. وهي حكمة معرفة ما ينبغي قوله علنًا لإرضاء “المدينة”، مع إبقاء الحقائق الخطرة حكرًا على “القلة”. فإذا افتقر الفيلسوف إلى هذه الحكمة العملية، أصبح إما هدفًا للاستبداد، وإما، وهو الأسوأ، مهّد من دون قصد الطريق لنوع جديد من الاستبداد، بسبب إفراطه في “الصراحة” بشأن هشاشة الأساطير الاجتماعية. والفارابي وموسى بن ميمون هما، بهذا المعنى، أستاذان كبيران في “فن الكتابة”، لأنهما عاشا في عالمين كان الدين فيهما يُعرَّف بوصفه شريعة. وقد ولّد ذلك ضغطًا بنيويًا فريدًا: لم يكن في وسع الفيلسوف أن يختلف ببساطة مع “العقيدة”، بل كان عليه أن يتحرك داخل منظومة تشريعية شاملة. وكان اكتشاف شتراوس لكتاب الفارابي فلسفة أفلاطون منعطفًا في مسيرته الفكرية. فقد رأى أن الفارابي استخدم أفلاطون “قناعًا” لمناقشة أفكاره الجذرية الخاصة بشأن الإسلام. ولاحظ شتراوس أن الفارابي، في عرضه لأفلاطون، غالبًا ما يحذف خلود النفس أو يقلل من شأنه على نحو لافت. وكان هذا “الصمت”، بالنسبة إليه، إشارة مدوّية: فقد كان الفارابي يلمّح إلى النخبة بأن الآخرة ربما تكون “أسطورة ورعة” ضرورية للنظام الاجتماعي، لا حقيقة فلسفية. وهكذا أعاد الفارابي تصور النبي بوصفه “الفيلسوف-الملك” أو “المشرّع الأعلى”. ومن خلال تقديم النبي بمفاهيم أفلاطونية، كان يلمّح إلى أن جوهر النبوّة هو في الواقع علم السياسة. وقدّم الشريعة بوصفها مجموعة من الرموز الهادفة إلى قيادة العامة نحو الفضيلة، بينما يدرك الفيلسوف “البرهان” العقلي الكامن وراء تلك الرموز. إذا كان الفارابي يستخدم الأقنعة، فإن موسى بن ميمون كان ينصب الفخاخ. ففي مقدمة دلالة الحائرين، يحذّر القارئ صراحة من أنه سيستخدم أقوالًا متناقضة لإخفاء الحقيقة. ويعدد سبعة أسباب يمكن أن تفسر وجود التناقضات في كتاب ما. والسبب السابع هو الأشهر: قد يُستخدم التناقض عمدًا لإخفاء حقيقة لا يستطيع القارئ العادي تحمّلها أو إدراكها. ويصف موسى بن ميمون الحقيقة الميتافيزيقية بأنها ومضة برق في ليلة مظلمة. وتحاكي استراتيجيته في الكتابة هذه الصورة: يكشف حقيقة في فصل، ثم “يغطيها” في الفصل التالي بعبارة أكثر تقليدية أو ظاهرية. كما يتعامل موسى بن ميمون مع أكثر أقسام التوراة قداسة، معاسيه بريشيت ومعاسيه مركافاه، بوصفها تقابل الفيزياء والميتافيزيقا. ويرى شتراوس أن “سر” موسى بن ميمون كان يكمن في فهم أرسطي جذري للطبيعة والألوهية، لم يكن في وسعه الإفصاح عنه إلا بصورة غير مباشرة تفاديًا لاتهامات الهرطقة. وقد أعجب شتراوس بالفارابي وموسى بن ميمون تحديدًا لأنهما لم يحاولا “التوفيق” بين العقل والوحي بالطريقة التوماوية، بل أبقيا التوتر من دون حل. فبالنسبة إليهما، كان الناموس هو النوموس الخاص بالمدينة، والحقيقة هي الفيزيس الخاصة بالعالم. وقد عاشا في “الفجوة” بين الاثنين، مستخدمين الكتابة نفسها لبناء جسر لا يستطيع عبوره إلا من كان أهلًا لذلك. وبينما عاش الفارابي وموسى بن ميمون داخل هذه “الفجوة” بين النوموس والفيزيس، سعى باروخ سبينوزا إلى إغلاقها نهائيًا. فحيث استخدم الفارابي “قناعًا أفلاطونيًا”، واستخدم موسى بن ميمون “تناقضات مقصودة” لإبقاء الفلسفة في المجال الخاص وحمايتها، استخدم سبينوزا النقد لجعل الروح الفلسفية علنية وسياسية. واستبدل بـ”الكتمان النبيل” لدى القدماء “الحقيقة العارية” لعصر الأنوار. وفي نظر شتراوس، كان مفكرو العصر الوسيط أكثر واقعية لأنهم قبلوا بأن تظل “المدينة” و”الفلسفة” في توتر دائم. أفلاطون، الباطنية و”المدينة المستحيلة” وفق المنظور الشتراوسي، تشكّل “القراءة بين السطور” سمة دائمة في تاريخ الفلسفة. ويقوم تأويل شتراوس لأفلاطون على قناعته بأن أفلاطون كتب كتابة باطنية، حاجبًا أفكاره الأكثر جذرية تحت تعليم ظاهري. وقد نشأت هذه الضرورة من دافعين: حماية الفلسفة من الاضطهاد السياسي، ومنع زعزعة المعتقدات المشتركة الضرورية لمجتمع سليم. وكان شتراوس يرى أن المحاورات الأفلاطونية لا تمثل أبدًا تعبيرًا مباشرًا عن آراء أفلاطون، لأن المؤلف لا يتحدث بصوته الخاص، بل من خلال شخصيات مثل سقراط. وفي هذا السياق، تصبح السخرية السقراطية نوعًا من “الكتمان النبيل”، أي وسيلة يحجب بها العقل المتفوق حكمته، إما لتجنب إثارة العداء وإما لقيادة التلامذة الجديرين نحو حقائق أعمق. وفي حين يقرأ مفكر مثل كارل بوبر الجمهورية لأفلاطون بوصفها مخططًا حرفيًا لكابوس شمولي، يرى شتراوس فيها، على العكس، نقدًا عميقًا للمثالية السياسية. وقد وصف كاليبوليس بأنها “المدينة المستحيلة”. ويرى شتراوس أن هذه “المدينة في القول” تُعرض عمدًا بوصفها غير قابلة للتحقق، لأنها تتطلب تجريدًا جذريًا من الجسد الإنساني، بما في ذلك إلغاء الملكية الخاصة وتفكيك الأسرة، وهما أمران تقاومهما الطبيعة البشرية بشدة. ومن خلال إظهار التدابير القصوى، والغريبة أحيانًا، اللازمة لتحقيق عدالة “كاملة”، لم يكن أفلاطون يضع دليلًا لمدينة فاضلة، بل كان يحذر من التعصب الذي ينشأ حين يحاول المرء فرض نظام سياسي كامل على عالم غير كامل. وبالنسبة إلى شتراوس، الفلسفة هدامة بطبيعتها. فهي تستجوب “الآراء” التي تشكل الدعائم المؤسسة لأي مجتمع مستقر. وكل “مدينة” تحتاج إلى “أساطير ورعة” أو “أكاذيب نبيلة” كي تحافظ على تماسكها ووحدتها الداخليين. لكن بما أن الحياة الفلسفية تكشف أن قوانين المدينة متجذرة في العرف ( nomos ) لا في الطبيعة ( physis )، فإن النظام السياسي، والطاغية بوجه خاص، سينظر دائمًا إلى الفيلسوف بريبة جوهرية، وربما مبررة. وهذه هي العبرة الدائمة من محاكمة سقراط وموته. ولكي ينجو المفكرون من تهديد الاستبداد الدائم، ويحولوا دون أن يؤدي البحث الفلسفي الجذري من غير قصد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، يرى شتراوس أن عليهم إتقان “فن الكتابة”. وتتيح هذه الاستراتيجية الباطنية للفيلسوف أن يظهر، على السطح، مواطنًا ممتثلًا للناموس، بل ومتمسكًا بالتقاليد. أما أفكاره الأكثر زعزعة للاستقرار فتبقى “مخفية بين السطور”، ومحفوظة للقلة القادرة على مواجهة “حقيقة الكل” من دون السقوط في العدمية أو التعصب الثوري. الفلسفة والاستبداد وإغراء “بلاتونوبوليس” في نهاية المطاف، تشكّل العلاقة بين الفلسفة والاستبداد المشكلة “اللاهوتية-السياسية” العليا. ويستكشف شتراوس هذا التوتر بصورة أساسية في حواره الشهير مع ألكسندر كوجيف في في الاستبداد، وهو تعليقه على هيرون لزينوفون. ويرى أن الفلسفة والاستبداد ليسا مجرد قطبين متعارضين، بل يرتبطان ارتباطًا لا ينفصم بحاجتهما المتبادلة، وإن كانت علاقة مشحونة بالتوتر: فالفيلسوف يحتاج إلى حماية المدينة، فيما تحتاج المدينة إلى النظام الذي لا تستطيع توفيره إلا السلطة. وعلى امتداد التاريخ، أغرت الفلاسفةَ فكرةُ تقديم المشورة للطاغية، أو للمستبد المستنير، من أجل إقامة نظام اجتماعي عقلاني. وإغراء الفيلسوف هو تحويل العالم إلى “بلاتونوبوليس”، أي مكان تصبح فيه مطاردة الحقيقة مؤسسة قائمة بذاتها. لكن شتراوس يطلق تحذيرًا صارمًا: حين يسعى الفيلسوف إلى الحكم مباشرة، أو إلى توجيه يد السلطة المطلقة، تنقلب الفلسفة إلى أيديولوجيا. وحين تصبح أداة للحكم، تفقد طابعها الجوهري القائم على البحث والشك، وتضحي بحريتها لمقتضيات الكلية السياسية. الفلسفة بوصفها شكلًا من “تنوير حذر” في قراءة شتراوس للتاريخ الفكري، يقدّم تقليد الفلسفة، بوصفه جماعة لغوية عابرة للأديان من المفكرين الذين كتبوا بالعربية، تضم مسلمين ويهودًا ومسيحيين مثل يحيى بن عدي، إطارًا فريدًا يقف على مسافة واضحة من كل من المدرسية اللاتينية والنموذج الحديث. ففي حين سعى الغرب اللاتيني إلى التوفيق بين الإيمان والعقل في كلية شفافة ومنهجية، تجسدت على نحو نموذجي في الخلاصة اللاهوتية، حافظ الفلاسفة على “توتر دينامي” بين القطبين. ولم يسعوا إلى مصالحة نهائية وعلنية، بل عاشوا داخل التناقض، مستخدمين الباطنية بوصفها ضرورة استراتيجية لحماية نقاء البحث الفلسفي، مع احترام المتطلبات الاجتماعية والمعيارية للشريعة. ويمثل هذا النموذج الوسيط، بالنسبة إلى شتراوس، شكلًا من “التنوير الحذر” المتجذر في الفرونيسيس، ويقدّم نقدًا جوهريًا لعصر الأنوار الغربي في القرن الثامن عشر. فقد قام الأخير على الاعتقاد بأن “ممارسة العقل” ينبغي ألا تبقى حكرًا على نخبة محدودة، بل يجب نشرها بين الجماهير. ويرى شتراوس أن مشروع الكشف الشامل هذا أهمل تقليدًا طويلًا كان يرى الحقيقة قوة قابلة لزعزعة الاستقرار، وقد تصبح ضارة بالنسيج الاجتماعي وبالفكر نفسه إذا كُشفت بلا ضوابط. ومن خلال السعي إلى قيادة “العامة” نحو التفكير العقلاني من دون وساطة، مهّد التنوير الحديث من غير قصد الطريق أمام العدمية، إذ جرّد المجتمع من “الأكاذيب النبيلة” والأحكام المسبقة المشتركة الضرورية لاستقراره. وفي هذا السياق، يرى شتراوس خفضًا جوهريًا لسقف التطلعات في بدايات الحداثة. فقد استبدل مفكرون مثل مكيافيلي وهوبز ولوك بالسعي الكلاسيكي إلى التفوق الإنساني والفضيلة التركيز على “السلام والأمن”. وحوّل هذا الانتقال السياسة من فن معني بتهذيب الشخصية وبرؤية الفيلسوف-الملك إلى علم تقني منشغل بـ”الحقوق” والإدارة البيروقراطية. وكان الخطأ الأساسي لمكيافيلي، في نظر شتراوس، تدمير الأكذوبة النبيلة. فمن خلال الإيحاء بأن الكذب مرتبط بنيويًا بالسياسة من دون التمييز بين أشكاله الوضيعة والنبيلة، ألغى المسافة الواقية بين البحث الفلسفي والضرورة السياسية. وهكذا كانت عقيدة “الحقيقتين” المنسوبة إلى الفلسفة، أي التمييز بين حقيقة باطنية برهانية مخصصة للنخبة وحقيقة ظاهرية رمزية موجهة إلى العامة، بمثابة آلية حماية. وقد أتاحت لمفكرين مثل الفارابي وموسى بن ميمون وابن سينا التحرك بين تقلب الجماهير وصلابة المؤسسات. ومن ثم لم يكن “تحفظ” شتراوس رفضًا رجعيًا للعقل، بل “مهمة إنقاذ” ترمي إلى إعادة الاعتبار للتقاليد العقلانية في العصور القديمة والوسطى. وكان يرى أن المبدأ الحديث القائل بـ”الحقيقة للجميع”، حين يُجرَّد من هذا الحذر، يلتقي مع ديناميات “ما بعد الحقيقة”، حيث يؤدي الكشف بلا وساطة إلى تآكل المعنى الحقيقي. ما بعد شتراوس: عودة “الدين الفلسفي” لكن، في نهاية المطاف، فإن الفروق الدقيقة بين هؤلاء الفلاسفة هي تحديدًا ما يضيع في تأويل ليو شتراوس. فعلاقاتهم المختلفة بتبلور الفلسفة بوصفها “دينًا فلسفيًا” تتباين إلى حد بعيد. ومن وجهة نظري، لم يبلغ النزوع إلى تأسيس الفلسفة بوصفها دينًا فلسفيًا أقصى تعبيراته إلا في أعمال الكرماني وابن سينا، وإن سلك كل منهما طريقًا مختلفًا جذريًا. فقد عمل الكرماني بوصفه “الفيلسوف العضوي” للمشروع الفاطمي، مضحيًا، على الأرجح، باستقلال العقل الفلسفي في خدمة غايات أيديولوجية. أما ابن سينا، فحقق ذلك عبر انفصال واعٍ عن خلفيته الإسماعيلية؛ لكنه، من منظور أرسطي صارم، مارس شكلًا من “الهرطقة” من خلال تطوير مفهوم “العقل القدسي” ( al- ʿ aql al-qudsī ). ويتطلب البحث في مفهوم “الدين الفلسفي” تحقيقًا صارمًا ويقظة مفهومية عالية، ولا سيما عند تتبع أوجه الاستمرار البنيوية بين الميتافيزيقا الوسيطة والعقلانية الحديثة. في القرن الحادي عشر، لم تظهر السينوية مجرد مدرسة في المنطق، بل مشروعًا لدين فلسفي. فمن خلال تحويل “المحرّك الأول” الأرسطي إلى مصدر للفيض الوجودي، أقام ابن سينا إطارًا تصبح فيه الغاية العليا للنفس البشرية الاتصال بالعقل الفعّال. ويشير هذا النظام إلى أن الفيلسوف والنبي يستمدان من منبع واحد. غير أن النبي يتلقى الحقيقة بواسطة الحدس التخيلي، بينما يبلغها الفيلسوف بواسطة العقل الاستدلالي. وهكذا ترتقي الفلسفة إلى مرتبة طريق للتحقق الروحي، يعادل وظيفيًا الالتزام بالشريعة التقليدية، بل يتفوق عليها فكريًا في كثير من الأحيان. وبالتوازي مع ذلك، شكّل المشروع الإسماعيلي، كما تبلور في فكر حميد الدين الكرماني، مشروعًا فلسفيًا-دينيًا شاملًا. فقد عمل الكرماني بوصفه “الفيلسوف العضوي” للدولة الفاطمية، جامعًا بين الفيض الأفلاطوني المحدث واللاهوت السياسي من أجل إرساء أساس ميتافيزيقي للنظام. من الكرماني إلى التقليد الدرزي يمثل التقليد الدرزي الحالة التاريخية الأوضح لجماعة تأسست صراحة على مثل هذا الدين الفلسفي. فعلى خلاف المعتقدات التقليدية المتمحورة حول إله شخصي ذي إرادة، يقوم المذهب الدرزي على كوسمولوجيا أفلاطونية محدثة بالغة التركيب. ويتألف متنه الديني الأساسي، رسائل الحكمة، من رسائل فلسفية ولاهوتية أكثر مما يتألف من سرد ديني تقليدي. وتقدّم “الحدود الخمسة”، التي تضم العقل الكلي والنفس الكلية والكلمة، وغيرها، خريطة فلسفية للكون. وفي هذا الإطار، تتجسد هذه المبادئ الميتافيزيقية أيضًا في شخصيات تحتل مواقع محددة داخل التراتبية المقدسة. وفي حين توجّه ابن سينا والكرماني أساسًا إلى نخب علمية ونخب من أهل الباطن، فإن المشروع الدرزي “أضفى طابعًا اجتماعيًا” على هذه اللبنات الفلسفية، موظفًا إياها في صياغة هوية جماعية وروحية متماسكة وقادرة على الاستمرار. السبينوزية بوصفها “دينًا فلسفيًا” حديثًا إذا أخذنا بهذه السوابق الوسيطة، يبرز سؤال نقدي حول موقع السبينوزية في العصر الحديث. فإذا كانت السبينوزية تتجاوز مجرد تفسير أعمال باروخ سبينوزا، فإنها تشكّل، في جوهرها، دينًا فلسفيًا قائمًا بذاته. ففي حين تفرض رسالة في اللاهوت والسياسة رسميًا فصلًا حادًا بين اللاهوت، المحال إلى مجال الطاعة الاجتماعية، والفلسفة، التي تُفهم بوصفها المجال الوحيد للحقيقة، فإن الأخلاق تجعل هذا التمييز يتلاشى عمليًا. وفي هذا العمل، يُعاد دمج المجالين في “دين للعقل” واحد ومحايث، تُستوعب فيه المطالبة التقليدية بالتقوى ضمن الاندفاع العقلي نحو الضرورة الميتافيزيقية. ومن هذا المنظور، يعمل كتاب الأخلاق بوصفه “كتابًا مقدسًا” نهائيًا. فهو مكتوب بصرامة هندسية تكاد تكون طقسية، ويشكّل دليلًا إلى “الغبطة” ( beatitudo ) والتحرر من “عبودية” الأهواء. وبذلك يؤدي الوظيفة الدينية التقليدية المتمثلة في توفير طريق إلى الخلاص، ولكن من دون كنيسة أو إكليروس أو وحي، إذ يؤسس المقدس برمته في ممارسة العقل. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

النبي والفيلسوف (9/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 23, 2026 - 20:50

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. حملت الأولى، التي جاءت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، عنوان “النبي والفيلسوف: تراتبية المعرفة بين الفلسفة عند ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”. ويُقدَّم نصها هنا في صيغة منقحة وموسعة، ضمن سلسلة من عشرة مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لابن سينا والكرماني. وعلى الرغم من أن المفكرين يشتركان في أفق أفلاطوني محدث واسع، صاغته ميتافيزيقا الفيض، وتراتبية الوجود، والتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوران مشروعين فلسفيين متمايزين: ابن سينا ضمن التقليد المشائي للفلسفة، والكرماني في إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى اختلاف السياقين الفكريين اللذين ينتمي إليهما، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، يضيئان طريقتين مختلفتين في التفكير في موقع الفلسفة إزاء السلطة والشريعة وتنظيم الجماعة. ويشكّل هذا المقال الجزء التاسع من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. IX - التلقي المتشعب للسينوية والرشدية في العالم المسيحي الوسيط: بناء تهمة “الحقيقة المزدوجة” أصبح إثبات أن العقل لا يقوّض الوحي تمامًا ضربًا من الانشغال الفكري المشترك في العالم الإسلامي، والعالم المسيحي اللاتيني، والجماعات اليهودية التي تنقلت بينهما. ولم يكن هذا المسعى مشروعًا موحدًا بقدر ما كان قلقًا متكررًا ارتدى مفردات مختلفة: ففي علم الكلام اتخذ شكل الدفاع الجدلي، وفي الفلسفة شكل المصالحة الفلسفية، وفي التيارات المناهضة للفلسفة شكل الارتياب الصريح، وفي التصوف شكل تجاوز للمشكلة عن طريق التجربة، وفي أوروبا الوسيطة شكل البناء الدقيق للاهوت المدرسي. وبعبارة أخرى، كانت المشكلة نفسها تُطرح بلكنات مختلفة، وأحيانًا مع الثقة بأن حلها، هذه المرة وأخيرًا، قد أصبح ممكنًا. في أوروبا الوسيطة، تبلور الجدل حول العلاقة بين العقل والوحي حول قطبين: المبدأ الأوغسطيني credo ut intelligam ، أي “آمِن لكي تفهم”، والتوليف التوماوي الأكثر انتظامًا. وفي هذا الإطار، ذهب توما الأكويني إلى أن العقل البشري، حين يعمل وفق مقتضياته الخاصة، قادر على بلوغ بعض الحقائق الأساسية، وفي مقدمتها وجود الله، لكنه يظل محدودًا بطبيعته عندما يواجه أسرار العقيدة المسيحية التي تتجاوز العقل، كالتجسد والثالوث. ويضع توما الأكويني شرطًا واضحًا لهذا التوليف بين اللاهوت والفلسفة: أن تؤدي الفلسفة وظيفة ancilla theologiae ، أي “خادمة اللاهوت”. وهو يعيد، بطريقته الخاصة، صياغة مبدأ غالبًا ما يُربط بابن رشد، ومفاده أن الحقيقة لا يمكن أن تناقض الحقيقة. وما دام الله يُعد مصدرًا لكل من “نور العقل” والوحي، فإن قيام تناقض حقيقي بينهما مستحيل من حيث المبدأ. ومن ثم فإن أي تعارض ظاهري يعود إما إلى خطأ في الاستدلال العقلي، وإما إلى سوء تفسير للنص المقدس. وعلى هذا الأساس، يصوغ توما الأكويني مقولته الشهيرة: النعمة لا تدمر الطبيعة، بل تكملها. وبحلول القرن الثالث عشر، بلغ هذا التصور أكثر أشكاله انتظامًا داخل الفكر المدرسي مع توما الأكويني، حيث احتل اللاهوت موقع magister scientiarum ، أي “سيد العلوم”، وأسهم في تشكيل البنية الفكرية للجامعات الناشئة. وفي هذه التراتبية، يوفر اللاهوت الأفق الشامل، فيما تندمج الفنون الحرة، المنظمة ضمن trivium ، أي النحو والمنطق والبلاغة، و quadrivium ، أي الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، بوصفها علومًا تمهيدية. ومن ثم لا تكون قيمتها مستقلة، بل أداتية: فهي لا تكتسب معناها الكامل إلا بقدر ما تتجه في نهاية المطاف نحو الفهم اللاهوتي، وتصب، إذا جاز التعبير، في إطاره الجامع. علم الكلام والفقه وسيادة النقل في المقابل، لم يبلغ علم الكلام في المجال الإسلامي مثل هذه الهيمنة الشاملة. فلم ينجح في إخضاع الفلسفة لغاياته، كما لم يتمكن من الحفاظ على مركزيته أمام الفقه. بل اندمج في منظومة فقهية أوسع بوصفه حقلًا تابعًا، أي علمًا للعقيدة، لم يعد، بعد القرون العباسية الأولى، قادرًا على منافسة الزخم الهائل للفقه وأصول الفقه، ولا اتساعهما وعمقهما النظري. وهكذا تطورت الحضارة الإسلامية بوصفها “حضارة الشريعة”. وفي ثنائية العقل والنقل، مالت الكفة إلى جانب النقل، وإن ظل ذلك مصحوبًا بمحاولات متواصلة لدفع ما بدا من تعارض بينهما. ومن أبرز الأمثلة على ذلك كتاب ابن تيمية درء تعارض العقل والنقل. فابن تيمية، بوصفه شخصية نموذجية في السلفية، لم يسع إلى إلغاء العقل، بل إلى إثبات أن “صريح العقل” يقود بالضرورة إلى “صحيح النقل”. غير أن النقل يظل في هذه المعادلة هو المعيار، بينما يؤدي العقل دور الشاهد الذي يؤكده. ومن اللافت أن تعريف “العقل” نفسه انتقل من النموذج الأشعري-الغزالي إلى النموذج الحنبلي-السلفي عند ابن تيمية. فبالنسبة إلى الغزالي، كان العقل “ميزانًا” منطقيًا، أرسطيًا إلى حد بعيد، وأداة ضرورية لإثبات صدق النبوة، لكنه يقف مع ذلك عند عتبة الغيب. وكان أي تعارض ظاهري يستدعي، في نظره، التأويل، فيما يعمل العقل نفسه بوصفه “نورًا” يقذفه الله في القلب. أما عند ابن تيمية، فالعقل مرتبط بالفطرة، أي الطبيعة الأصلية أو الاستعداد الفطري. وقد رفض حصر العقل في قواعد المنطق اليوناني، معتبرًا أن “صريح العقل” هو ببساطة ما ينسجم مع الفطرة السليمة. ولم يكن العقل لديه أداة خارجية، بل ملكة فطرية منسجمة بطبيعتها مع الوحي. وإذا كان المعتزلة والفلاسفة قد سعوا إلى ترجيح كفة العقل، فإن الغلبة الفكرية آلت في نهاية المطاف إلى من وضعوا العقل تحت سيادة النقل، وأعادوا تعريفه من خلال مفهوم الفطرة. وفي المحصلة، أصبحت أصول الفقه الميدان الحقيقي للإبداع المنطقي الإسلامي. فبدلًا من بناء منظومات لاهوتية كبرى على غرار منظومة توما الأكويني، اتجهت الثقافة الفكرية الإسلامية نحو “منهجية استنباط الأحكام”. وجرى “احتواء” العقل وتوظيفه في مشروع ضخم من الهندسة اللغوية والمنطقية في خدمة النص. وهنا لا يكون العقل مشرّعًا سياديًا، بل “مهندسًا” يفسر ويقيس. أوكام وسيجر البرابانتي وأزمة التوليف المدرسي ومن المفارقات أن نجاح الفلسفة المدرسية اللاتينية نفسه في ترسيخ أولويتها هيأ الظروف لتراجعها لاحقًا. فمن خلال استيعاب الأرسطية والمنطق البرهاني بهدف جعل الإيمان “حصنًا منيعًا عقلانيًا”، أوجدت المدرسية من دون قصد الأدوات التي ستتيح لاحقًا تقويض سلطتها نفسها. في القرن الرابع عشر، ذهب وليام الأوكامي إلى أن المفاهيم الكلية لا تتمتع بوجود مستقل، بل ليست سوى “أسماء”، وهو الموقف الذي ارتبط لاحقًا بالاسمية. وكان لهذا التحول الفلسفي أثران رئيسيان. أولهما أنه وسّع المسافة بين الإيمان والعقل، من خلال القول إن “الإرادة المطلقة” لله لا يمكن إخضاعها للمنطق البشري. وثانيهما أنه، بتحويل الاهتمام من الكليات اللاهوتية إلى الجزئيات، أسهم في تمهيد الأرضية المفهومية لنشوء العلم التجريبي. لكن قبل أوكام، كان هناك سيجر البرابانتي وتأثير الرشدية اللاتينية. فقد جسّد سيجر المفكر الذي حاول، قبل أوانه، تحرير الفلسفة من غلافها اللاهوتي. وكان رجل دين غير رهباني، لا عضوًا في الرهبانيات المتسولة كما كان توما الأكويني وبونافنتورا، وأصبح سيجر (نحو 1240-1284) أبرز ممثلي الرشدية اللاتينية. وقد درّس الفلسفة بوصفها حقلًا مستقلًا من دون السعي إلى إخضاعها للاهوت. اتُّهم سيجر بالهرطقة ولاحقته السلطات الكنسية في فرنسا، ففر إلى إيطاليا ليستأنف قضيته أمام الكوريا البابوية في أورفييتو، حيث طعنه سكرتيره لاحقًا حتى الموت. ومن اللافت أن دانتي أليغييري وضع سيجر في الفردوس في الكوميديا الإلهية (النشيد العاشر)، إلى جانب خصمه الفكري توما الأكويني، وقدّمه بوصفه روحًا “استنبطت بالقياس حقائق أثارت الحسد”. وفي المناخ الفكري لجامعة باريس في أواخر القرن الثالث عشر، احتل سيجر البرابانتي موقعًا بالغ التوتر. فلم يكن مجرد خصم للإيمان ولا لاهوتيًا تقليديًا، بل مفكرًا حاول دفع العقلانية الأرسطية إلى حدودها الداخلية، إلى حد بعيد من خلال عدسة ابن رشد. ولم يكن مشروعه يقوم على معارضة الوحي في ذاته، بل على استخلاص النتائج بصرامة إذا التزم المرء استقلال البرهان الفلسفي التزامًا كاملًا. ومن هذا المنطلق، أثارت مجموعة من الأطروحات جدلًا خاصًا. كانت الأولى تتعلق بأزلية العالم. ففي مواجهة عقيدة creatio ex nihilo ، أي الخلق من العدم، دافع سيجر عن الإمكان الفلسفي لكون أزلي لا بداية زمنية له، بل عن ضرورته من منظور الفيزياء الأرسطية. وفي هذا التصور، لا توجد “لحظة أولى”، ولا واقعة بشرية تأسيسية بالمعنى الكتابي، وإنما استمرارية غير منقطعة للحركة والعلية. أما الثانية فكانت العقيدة المرتبطة عادة بالرشدية، أي نظرية وحدة العقل. وتتمثل الفكرة المركزية هنا في أن العقل الفعال واحد وكلي، لا يتعدد بتعدد الأفراد. والنتيجة جذرية: فمع أن أفعال التفكير تحدث لدى الأفراد، فإن مبدأ التعقل واحد بعينه لدى البشرية كلها. ويقود ذلك إلى نتيجة ثالثة أشد زعزعة. فإذا لم يكن العقل متمايزًا فرديًا بالمعنى الأنطولوجي الصارم، يصبح من الصعب الحفاظ، ضمن إطار فلسفي محض، على المفاهيم التقليدية للخلود الشخصي والمسؤولية الأخلاقية الفردية. وبذلك يصبح الإطار التقليدي للثواب والعقاب مهددًا بفقدان أساسه الميتافيزيقي. ومن هذه التوترات نشأت مشكلة “الحقيقة المزدوجة”، التي كثيرًا ما نُسبت إلى سيجر في صيغة مبسطة. ففي صورتها الفجة، تعني أن أمرًا ما قد يكون صحيحًا في الفلسفة وخاطئًا في اللاهوت. غير أن موقف سيجر أكثر دقة. فقد يصل الاستدلال الفلسفي، حين يعمل وفق الضرورة البرهانية، إلى نتائج تختلف عن العقيدة الموحى بها، من دون أن يؤدي هذا الاختلاف إلى إبطال سلطة الوحي، التي تظل مطلقة ضمن مجالها الخاص. وبالتالي، لا تتعلق المسألة بمجرد تناقض، بل بتعايش نظامين معرفيين متمايزين يعملان وفق معيارين مختلفين للحقيقة. ومع ذلك، ثبت أن إصراره على استقلال البحث الفلسفي كان متفجرًا على المستوى المؤسسي. ففي جامعة باريس، أسهم هذا الاتجاه الفكري في أزمة أوسع حول موقع الأرسطية في الحياة الفكرية المسيحية، بلغت ذروتها مع إدانة عام 1277، حين جرى رسميًا حظر عدد من القضايا المرتبطة بالقراءات الراديكالية لأرسطو. ومن ثم، لا تكمن الأهمية التاريخية لسيجر في عقيدة منهجية بعينها بقدر ما تكمن في الضغط الذي مارسه موقفه على التوليف الوسيط نفسه. فقد كشف هشاشة الحد الفاصل بين لاهوت قادر على استيعاب الفلسفة وفلسفة تهدد، بفعل صرامتها نفسها، بالإفلات من هذا الاستيعاب. إرنست بلوخ و”اليسار الأرسطي” في مقابل “اليمين الأرسطي” لدى المدرسيين، الذين نظروا إلى المادة بوصفها وعاءً سلبيًا للصورة الإلهية، سعى الفيلسوف الماركسي-اللاهوتي إرنست بلوخ، في كتابه ابن سينا واليسار الأرسطي، إلى بناء جينيالوجيا لـ”يسار أرسطي”. وتتبع سلسلة فكرية متمردة تبدأ مع الإسكندر الأفروديسي وتبلغ ذروتها في مفهوم “خصوبة المادة” عند ابن سينا. وتستمر هذه السلسلة عبر ابن رشد قبل أن تعبر إلى العالم المسيحي مع سيجر البرابانتي. وهي تمثل عند بلوخ “التيار الدافئ” للمادية، أي تيارًا يمنح الأولوية لقدرة العالم الطبيعي الذاتية على الحركة والإبداع في مواجهة الفرض اللاهوتي. لكن هذه الجينيالوجيا التي تبدو متصلة تتجاوز إشكالية واضحة: فقد أمضى ابن رشد جزءًا كبيرًا من مسيرته محاولًا تفكيك فلسفة ابن سينا، ناهيك عن التلقي المختلف جذريًا، والمتناقض في كثير من الأحيان، لـ”مرجعيتيهما” في الغرب اللاتيني. ومع ذلك، يظل حدس بلوخ لامعًا. فعبقريته لا تكمن بقدر كبير في الدقة التاريخية الباردة، بقدر ما تكمن في طريقته المتجاوزة للحدود في مد الجسور بين التقاليد الفكرية الإسلامية والوسيطة، بغية بناء مخيال فلسفي قادر على إحياء الماضي. وقد أصاب بلوخ في تحديد ابن سينا بوصفه المفكر الذي أعاد بث الروح في المادة: فمن خلال النظر إليها باعتبارها “حاملة للصورة” في ذاتها، لا وعاءً فارغًا، أسهم في وضع الأسس المفهومية لفيزياء مستقلة. ولعل الأهم أن اختيار بلوخ إدراج ابن سينا وابن رشد معًا في معسكر “يساري” واحد يقدم بديلًا لافتًا عن المشروع البنيوي المؤثر لمحمد عابد الجابري. ففي مشروعه النقدي، سعى الجابري إلى الحفاظ على نقاء “العقل البرهاني”، فرأى في ابن رشد ذروة نهضة عقلانية يمكن أن تقود إلى الحداثة، في حين اعتبر توليف ابن سينا انعطافًا نحو العرفان، عقّد المسار الفكري للمشرق. أما بلوخ، فمن خلال منظوره الخاص، فينجح في المصالحة بين هذين العملاقين. وإذ يضعهما في سلسلة ثورية واحدة، تدعونا هذه الجينيالوجيا إلى التعرف إلى تيار أكثر شمولًا من الفكر المادي، يمنح “المادة الخصبة” لدى ابن سينا قيمة لا تقل عن قيمة المنطق الصارم لدى ابن رشد، متجاوزًا بذلك الثنائيات الحادة التي حكمت طويلًا دراسة تراث الفلسفة. التلقي المتشعب لابن سينا وابن رشد في الغرب اللاتيني يرجع التلقي المتباين للسينوية والرشدية، التي مثّل سيجر البرابانتي أحد أبرز المدافعين عنها، في القرن الثالث عشر إلى بنية فكر ابن سينا نفسها. فعلى خلاف أرسطية ابن رشد الصارمة، قدم ابن سينا جسورًا ميتافيزيقية وجدها الغرب اللاتيني ضرورية. وبينما نُظر إلى سيجر البرابانتي بوصفه تهديدًا وجوديًا بسبب تمسكه بأرسطو “نقي” وراديكالي، كان ابن سينا قد سبق إلى توليف الأرسطية والأفلاطونية المحدثة، ما جعل منظومته أكثر “توافقًا” مع العقيدة التوحيدية. وقد ميّز ابن سينا بين ماهية الشيء، أي ما هو، ووجوده، أي كونه موجودًا. والله وحده هو واجب الوجود، الذي تتطابق ماهيته مع وجوده. أما سائر الموجودات فليست سوى “ممكنات” أو موجودات ممكنة: فهي لا تملك الوجود بذاتها، بل تتلقاه من الله. وقد أتاحت هذه البنية للاهوتيين في العصور الوسطى صياغة تبعية العالم الأنطولوجية الكاملة للخالق صياغة فلسفية، في حين كان أرسطو “الرشدي” لدى سيجر يوحي بكون أزلي قائم بذاته. وفضلًا عن ذلك، وعلى خلاف ابن رشد وسيجر البرابانتي، اللذين ارتبطا، بطرق مختلفة وبدرجات متفاوتة من الدقة، بنظرية وحدة العقل، أي القول بعقل واحد تشترك فيه البشرية جمعاء، دافع ابن سينا عن فردية النفس البشرية وبقائها بعد الموت. ومن خلال مناورة جدلية متطورة، وظّف توما الأكويني التوترات الداخلية بين التأويلات “العربية”، مستخدمًا السينوية للحد من الرشدية، والرشدية للحد من السينوية، بغية إرساء أسس بنائه المدرسي الخاص. وقد “عمّد” توما الأكويني أرسطو، إن جاز التعبير، عبر تصفية دقيقة لهذه التأويلات الشرقية. فاحتفظ بهيكل أنطولوجيا الوجود عند ابن سينا، مع استبعاد حتميتها القائمة على الفيض؛ وفي المقابل، احتفظ بالصرامة التحليلية لابن رشد، مع تفكيك نظرية وحدة العقل لديه. ومن خلال تعريف النفس بأنها صورة الجسد، ربط توما الأكويني العقل بالفرد البيولوجي. وفي هذا الإطار، لا يكون الإنسان روحًا حبيسة جسد، كما عند أفلاطون أو ابن سينا، ولا جسدًا يسكنه عقل جمعي واحد، كما عند ابن رشد، بل وحدة جوهرية. وبجرأة لافتة، أقر توما الأكويني بأن العقل وحده عاجز عن إثبات أزلية العالم أو بدايته الزمنية. ومع أنه كان يؤمن، من حيث العقيدة، بأن العالم بدأ في الزمن لأن الوحي يقول بذلك، فإنه رأى أن عالمًا أزليًا خلقه الله يظل، من الناحية الفلسفية، احتمالًا منطقيًا. لكن الجانب الأشد أثرًا في التدخل التوماوي تمثل في صياغته للمشهد الفكري بوصفه خيارًا ثنائيًا. فإما أن تعلن الفلسفة استقلالها وتنزلق نحو “عبثية” الحقيقة المزدوجة، وإما أن تخضع للاهوت وتسهم في الصياغة العقلانية للإيمان، فتقبل بذلك دور “الخادمة” ( ancilla ). ومع ذلك، لم يدافع أي فيلسوف كبير، مسلمًا كان أو يهوديًا أو مسيحيًا، فعليًا عن “نظرية الحقيقتين”. غير أن إصرار هؤلاء على تراتبية المعرفة، التي تميز بين الحقائق البرهانية المتاحة للنخبة الفكرية والحقائق الخطابية الموجهة إلى عامة الناس، وفّر الأساس نفسه للاتهامات بالازدواجية التي وُجهت إليهم. كان الكرماني وابن سينا وابن رشد جميعًا ملتزمين بحقيقة واحدة موحدة؛ ولم يفترض أي منهم وجود حقيقتين. وحتى سيجر البرابانتي لم يتصور الحقيقة على نحو مختلف. غير أن سيجر كان يفتقر إلى “الألعاب البهلوانية الأفلاطونية المحدثة” اللازمة للتوفيق بين اعتقاده بأزلية العالم والعقيدة الدينية، من دون أن يستطيع في الوقت نفسه رفض الحقيقة “غير الفلسفية” علنًا. أما خصومه فكانوا يعتقدون أنهم يعرفون تمامًا ما يفعله: لم تكن هناك، بالنسبة إلى سيجر، في نهاية المطاف سوى حقيقة واحدة، هي الحقيقة الأرسطية الفلسفية القائلة إن العالم موجود منذ الأزل. من “الحقيقة المزدوجة” إلى فصل سبينوزا أنتج هذا التوتر استراتيجيتين مختلفتين لفهم تاريخ الفلسفة وتقاطعها مع الفكر الديني: ارتبطت الأولى بسبينوزا في القرن السابع عشر، والثانية بليو شتراوس في القرن العشرين. كان موقف سبينوزا أن السبيل الوحيد لإنهاء الاتهام المتكرر بالازدواجية الموجه إلى الفلاسفة هو فرض فصل صارم بين اللاهوت والفلسفة. وقبله، لجأ فلاسفة مثل موسى بن ميمون، وكذلك الرشديون اللاتينيون، في كثير من الأحيان إلى استراتيجيات تأويلية لحماية حريتهم الفكرية. فقد ذهبوا إلى أن الكتاب المقدس “يتكلم بلغة البشر”، ومن ثم يجب تأويله تأويلًا مجازيًا للكشف عن الحقائق الفلسفية. غير أن هذه الطريقة جعلت الفيلسوف عرضة لاتهامه بالتلاعب بالكتاب المقدس لكي يلائم مشروعًا فلسفيًا محددًا سلفًا. وبفصله المجالين، كان سبينوزا يقول، في جوهر الأمر: “دعوا الكتاب المقدس وشأنه”. فبالنسبة إليه، لا يحتوي الكتاب المقدس على حقائق فلسفية خفية؛ وليست وظيفته تعليم الفلسفة، بل غرس الطاعة والسلوك الأخلاقي. وقد حرر هذا الفصل الفلسفة من دورها بوصفها “خادمة” ( ancilla ) للاهوت. فإذا كان اللاهوت لا يدعي امتلاك حقيقة فلسفية، وكانت غايته التقوى والطاعة، فلن يعود قادرًا على الدخول في تعارض حقيقي مع الفلسفة. وبالمثل، لن يعود في الإمكان اتهام الفيلسوف بـ”تحريف” كلام الله، بعدما أعلن أصلًا أن البحث الفلسفي يعمل في مستوى مختلف تمامًا. ليو شتراوس وعودة التستر ظل ليو شتراوس متشككًا. فقد رأى أن “الفصل” الذي أقامه سبينوزا كان هو نفسه درعًا بلاغيًا. فمن خلال القول إن الإيمان والعقل متوافقان تحديدًا لأنهما ينتميان إلى مجالين منفصلين، استطاع سبينوزا إدخال أفكار مادية أو إلحادية جذرية مع الحفاظ ظاهريًا على احترام “التقوى الحقيقية”. وبالنسبة إلى شتراوس، يمكن فهم حتى هذا الفصل بوصفه شكلًا من أشكال التستر، لأن مشروع سبينوزا النهائي كان يقوم على إحلال سلطة العقل السيادية محل سلطة الوحي. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

النبي والفيلسوف (8/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 21, 2026 - 23:17

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وكانت الأولى، بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، بعنوان “The Prophet and the Philosopher: The Hierarchy of Knowledge between Avicenna’s Falsafa and al-Kirmānī’s Ismaili Neoplatonism”. ويُقدَّم نصها هنا في صيغة منقحة وموسعة، ضمن سلسلة من عشر مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة بين ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من أن المفكرين يتشاركان أفقاً أفلاطونياً محدثاً واسعاً، صاغته ميتافيزيقا الفيض، وتراتبية الوجود، والتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوران مشروعين فلسفيين متمايزين: ابن سينا ضمن التقليد المشائي لـ”الفلسفة”، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف سياقيهما الفكريين، يبقى نظاماهما في حوار مستمر حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، يضيئان طرائق مختلفة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة والشريعة وتنظيم الجماعة. وتشكل هذه المقالة الجزء الثامن من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. VIII - التوفيق بين أزلية العالم والوحي في التقليد الإسلامي يحتل الكرماني موقعاً محورياً في تاريخ التصوف الفلسفي الشيعي الإسماعيلي. وهو مفكر نادر الطراز، أمضى الجزء الأكبر من مسيرته في “العراقين”، الفارسي والعربي، وهما منطقتان بعيدتان جغرافياً عن قلب الدولة الفاطمية، لكنهما كانتا محوريتين في مهمته الرامية إلى الدفاع عن الشرعية الفكرية للخلافة. ومن هذا الموقع، سعى الكرماني إلى حماية “العرفان”، أي المعرفة الصوفية الباطنية، من نزعاته الراديكالية الخاصة. واتبع لتحقيق ذلك مقاربة مزدوجة. أولاً، عمل على “عقلنة” النفس الكلية بحيث تعكس العقل الكلي، وأدمج تراتبية العقول العشرة الفارابية في الكوسمولوجيا الإسماعيلية. وثانياً، اتخذ موقفاً حازماً ضد تأليه الخليفة الإمام الفاطمي الحاكم بأمر الله. وبينما رفض ألوهية الحاكم، جعل من الإمام الاكتمال الأرضي الضروري للتراتبية السماوية، والمرتكز الحيوي للتوازن الكوني في العالم المادي. كان هذا التوازن، بالنسبة إلى الكرماني، روح الدولة ذاتها. فقد تصور انسجاماً كاملاً بين الحقيقة والشريعة، والباطن والظاهر. وفي رؤيته للعالم، كان بقاء الإمبراطورية نفسها يعتمد على الحفاظ على هذا التوتر؛ ومن دونه، يفقد المشروع الإمبراطوري مبرر وجوده. ومن المفارقات أن دعوة الكرماني إلى الاستقرار كُتبت في عصر شهد اضطرابات عميقة. جاءت وفاته بعد فترة وجيزة من الاختفاء الغامض للخليفة الحاكم بأمر الله، وهو حدث أدى إلى الانفصال النهائي للدروز عن أصولهم الإسماعيلية. وشكّل ذلك بداية طريق طويل نحو التشرذم، لكنه كان يمثل بالفعل ابتعاداً صارخاً عن ذروة الإمبراطورية الفاطمية نحو عام 1000 ميلادي. ففي ذلك الوقت، كانت الخلافة قوة متوسطية كبرى، تمتد سلطتها من شمال أفريقيا ومصر عبر بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، مع ترسيخ موطئ قدم لها في جنوب إيطاليا. بدأ هذا الحضور بالحكم الفاطمي المباشر لصقلية بعد فتح الجزيرة، ثم امتد لاحقاً إلى البر الإيطالي، حيث جرى الحفاظ على حضور استراتيجي في مناطق مثل كالابريا. وبعد ذلك، وفي عهد الأسرة الكلبية، ازدهرت المنطقة بوصفها مركزاً تابعاً مهماً للثقافة والتجارة الفاطميتين حتى منتصف القرن الحادي عشر. نجح الكرماني في تحقيق توليف بين الفلسفة والتشيع ضمن إطاره الإسماعيلي. وبعد قرون، حققت شخصيات مثل مير داماد وملا صدرا وسبزواري توليفاً مماثلاً، وإن كان ضمن سياق شيعي اثني عشري. أما ابن سينا، الذي نشأ في بيئة شيعية إسماعيلية، فلم يبرز فعلياً بوصفه الفيلسوف الذي نعرفه إلا من خلال تأكيد استقلاله عن تقليد تلقي المعرفة عبر الإمام. وقد “علمنت” فلسفته، إلى حد بعيد، مقدمات هذا الفكر الصوفي-العرفاني، بدلاً من تبنيها كما هي. وهذا تحديداً هو التمييز الذي رفض الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري قبوله. فقد رأى الجابري، على العكس، أن العرفان الصوفي بلغ مع ابن سينا ذروته الأكثر استبداداً، وحمّله مسؤولية الانسداد الحضاري الذي أعقب ذلك. الإحياء السني والهجوم المزدوج للغزالي مع رحيل الكرماني، نحو عام 1021، ثم ابن سينا عام 1037، غاب هذان المفكران في اللحظة التي بدأ فيها المد يتغير في العالم الإسلامي. وبعد بضعة عقود، طُويت صفحة ما أطلق عليه بعض المؤرخين “القرن الشيعي”، وبدأ عصر الإحياء السني. وعلى الرغم من أن إسماعيلية ألموت شكلت تياراً مضاداً لهذا الإحياء، شن الغزالي، في أواخر القرن الحادي عشر، هجوماً مزدوجاً على “الفلاسفة” من جهة، و”الباطنية”، أي الإسماعيليين، من جهة أخرى. وكان هدفه هدم “المدينة الأفلاطونية” الإسلامية، أي حلم المدينة الفلسفية، من أساساتها وبمختلف أشكالها. رأى الغزالي أن الفلاسفة والإسماعيليين وجهان لعملة “هرطوقية” واحدة. وتراوحت اتهاماته للإسماعيليين بين الإلحاد ومذهب الثنوية. فقد رأى أنهم ينزهون المبدع تنزيهاً مطلقاً إلى حد أنهم يسلبونه الوجود واللاوجود معاً. ثم يجعلون العقل الأول الحاكم الفعلي للكون وموضع العبادة في الممارسة. وبالنسبة إلى الغزالي، فإن ذلك يجعل العقل الأول إلهاً ثانياً إلى جانب الخالق، وينقلهم من التوحيد الإسلامي الخالص إلى الثنائية. وشدد الغزالي على أن الغاية القصوى للباطنية هي إيصال السالك إلى مرتبة تسقط عندها التكاليف الدينية، كالصلاة والصوم، بمجرد معرفة “المعنى الباطن”. يمكن فهم مشروع الغزالي الفكري بوصفه مناورة متطورة على جبهتين، يوظف فيها ببراعة الدفاع عن العقل أو الدفاع عن الوحي بحسب الخصم الذي يواجهه. ففي مواجهته للعقيدة الإسماعيلية في “التعليم”، يتخذ موقع المدافع العقلاني بهدف تقويض ضرورة الإمام المعصوم. ومن خلال تحدي الفرضية الإسماعيلية القائلة إن العقل البشري عاجز بطبيعته عن إدراك الحقائق الإلهية من دون مرشد خارجي ذي سلطة، يسعى الغزالي إلى إثبات أن هذا الاعتماد على السلطة الكاريزمية يؤدي حتماً إلى ضمور العقل والتخلي عن التفكير النقدي. غير أن هذا الدفاع عن العقل كان أداتياً بالكامل، كما يتضح من هجومه المتزامن على الفلاسفة. ففي هذه الجبهة الثانية من الصراع، ينتقل الغزالي إلى موقع حارس الوحي، مهاجماً ما يراه تضخماً للمنطق الهلنستي على حساب العقيدة. وتركز نقده على ثلاث نقاط خلافية أساسية اعتبر أنها تمس جوهر الإيمان. أولاً، استهدف الأطروحة السينوية حول أزلية العالم. ففي حين استعان الفلاسفة بالفيض الأفلاطوني المحدث لردم الهوة بين إله أزلي وكون زماني، رأى الغزالي في هذا التوليف اختزالاً خطيراً للطبيعة الإلهية. فالإله الذي يفيض بالضرورة يصبح، في نظره، علة ميكانيكية مجردة من حرية الإرادة الملازمة لـ”الخالق” القرآني. كذلك رفض الغزالي بشدة القول الفلسفي إن الله لا يعلم إلا الكليات دون الجزئيات. فمن منظوره، يؤدي هذا التقييد للعلم الإلهي فعلياً إلى إلغاء إمكان العناية الإلهية، ويقطع الصلة الحميمة والشخصية بين الخالق والمخلوق الفرد. وأخيراً، واجه الغزالي تصور الفلاسفة للحياة الآخرة. فحتى عندما ابتعدوا عن الآراء الأرسطية الأكثر راديكالية بشأن الفناء الكامل للنفس، رأى في إصرارهم على بقاء روحي محض انحرافاً لا يمكن قبوله. وبإنكارهم البعث الجسدي، وقف الفلاسفة في تناقض مباشر مع الثقل الحرفي والرمزي للنصوص القرآنية التي تؤكد البعث النهائي للجسد. قلب منطق الفلاسفة عليهم كانت النقطة الأشد حدة في هجوم الغزالي اتهامه ابن سينا والفلاسفة بعدم الالتزام بقواعد البرهان ذاتها التي وضعوها في منطقهم، ومنها القواعد المستمدة من “الأورغانون” لأرسطو، حين يخوضون في الميتافيزيقا. كانت مناورة الغزالي الأساسية نقداً من الداخل: فهو يقبل ظاهرياً المعايير المنطقية الخاصة بالفلاسفة، ثم يشكك في صرامة تطبيقهم لها في مجال الميتافيزيقا. وهذه المقاربة هي جوهر كتابه “تهافت الفلاسفة”، حيث يسعى إلى إثبات أن التوليف الأفلاطوني المحدث الذي بناه الفارابي وابن سينا لم يكن ذلك العلم البرهاني المتماسك الذي ادعى أنه يمثله. بل يكشفه بوصفه بناءً هشاً من التناقضات، فيقلب المنطق الأرسطي على النظام نفسه الذي سعى إلى تكريسه. وبنقل ساحة المواجهة إلى مدى اتساق مناهجهم الخاصة، لم يكتف الغزالي برفض الفلاسفة على أسس عقائدية، بل حاول تفكيك سلطتهم من الداخل، مجادلاً بأن استنتاجاتهم الميتافيزيقية لا تستوفي المعايير الصارمة للبرهان التي يطالبون بها في العلوم الصورية. تاريخياً، شعر الفارابي وابن سينا بالحاجة إلى تقديم الفلسفة اليونانية باعتبارها نظاماً متناغماً. وحاولا ردم الفجوات بين المدارس المختلفة على أساس الفيض الأفلاطوني المحدث. فإما أن خلافات الفلسفة القديمة لم تصل إليهما، وإما أنها أُهملت لمصلحة تقديم الفلسفة بوصفها علماً موحداً ومتسقاً، “العلم اليوناني”، يمكنه أن يشكل بديلاً مستقراً للفرق الكلامية والفقهية المتشظية في عصرهما. وفي نهاية المطاف، كان أعمق ما أدركه الغزالي أن “الواحد” و”واجب الوجود” لدى الفلاسفة المسلمين المتأغرقين أفضيا إلى “دين فلسفي” يختلف جوهرياً عن الدين الذي كان الغزالي نفسه يصوغه، وهو توليف واسع بين التصوف والمنطق تجسد في مشروعه “إحياء علوم الدين”. حقيقة واحدة، لا “حقيقتان” على الرغم من ضراوة هجومه، لم يتهم الغزالي الفلاسفة باعتناق نظرية “الحقيقتين”، لسبب بسيط وعميق في آن واحد: لم يزعم ابن سينا والفارابي قط وجود حقيقتين متناقضتين. فالحقيقة عندهما واحدة لا تتجزأ. ولم يكن الاختلاف في جوهر الحقيقة، بل في طريقة التعبير عنها. يدرك الفيلسوف الحقيقة عن طريق البرهان. ويدرك النبي الحقيقة نفسها عن طريق المخيلة القدسية، من خلال الرموز والقصص والأمثال. ومن ثم، كانت الفلسفة والشريعة، في نظرهما، متطابقتين في العمق؛ ولم تكن الشريعة سوى “فلسفة للجمهور”. وجاء هجوم الغزالي لأن الفلاسفة حاولوا “احتلال” فضاء الدين وتفسير النبوة باعتبارها ظاهرة نفسية أو عقلية. وعلى النقيض من ذلك، جاء الهجوم في أوروبا الوسيطة على “الرشدية اللاتينية”، المرتبطة بشخصيات مثل سيجر البرابانتي وبوثيوس الداتشي، لأن المتأثرين بالفلسفة العربية اعتُبروا بصدد إنشاء مجال مستقل للعقل، أو للحقيقة الفلسفية، يعمل بصورة منفصلة عن اللاهوت. وفي حين اتهمت الكنيسة “الرشديين اللاتينيين” على نحو شهير بالترويج لنظرية “الحقيقتين”، أي القول بإمكان أن يكون أمر ما صحيحاً في الفلسفة بينما يكون نقيضه صحيحاً في الإيمان، اتخذ نقد الغزالي منحى نفسياً مختلفاً. فبدلاً من “الحقيقتين”، اتهم الغزالي الفلاسفة المشرقيين بـ”التلبيس”. ولم يرهم باعتبارهم يقيمون مجالين منفصلين ومتساويين، بل باعتبارهم يتظاهرون بالالتزام بالشريعة، أي الحقيقة الدينية، فيما يعملون استراتيجياً على تفكيك أسسها من الداخل من خلال القول بأزلية العالم وإنكار البعث الجسدي. وفي نظر الغزالي، جعلهم ذلك متواطئين فكرياً مع الباطنية، على الرغم من رفضهم اعتماد الإسماعيليين على “تعليم” الإمام المعصوم. ابن رشد واستعادة أرسطو إذا كان “تهافت الفلاسفة” للغزالي قد وجه ضربة قاصمة إلى التوليف الإسلامي-الأفلاطوني المحدث الخاص بابن سينا، فإن رد ابن رشد كان أقل دفاعاً عن ابن سينا منه مشروعاً لاستعادة أرسطو. لقد “ضحّى ابن رشد بابن سينا”، في جوهر الأمر، لإنقاذ نقاء أرسطو. ورأى أن التمييز السينوي الشهير بين الماهية والوجود، حيث يُعامل الوجود بوصفه “عرضاً” يطرأ على الماهية، كان خطأ لغوياً وفلسفياً. كما رفض نظرية الفيض، بمنطقها القائل إن “الواحد لا يصدر عنه إلا واحد”، وعدّها أسطورة أفلاطونية محدثة أفسدت تركيز أرسطو الأكثر صرامة على المحرك الأول. وكان قدر كبير من الالتباس الذي سعى ابن رشد إلى تصحيحه ناجماً عن “أثولوجيا أرسطو”، المنسوبة خطأ إلى أرسطو. وكان الفيلسوف القرطبي شديد الارتياب في هذا الإرث الملتبس. وشكلت “شروحه الكبرى” محاولة متعمدة لإزالة “الترسبات الغنوصية والهرمسية” التي التصقت بالسفينة الأرسطية خلال رحلتها الطويلة عبر التقاليد الهلنستية والسريانية. فالفلسفة، بالنسبة إلى ابن رشد، منهج برهاني؛ وإذا أخفقت عقيدة ما، فذلك ببساطة لأن الفيلسوف لم يكن “أرسطياً” بما يكفي. ومن ثم، كان لا بد من إعادة رسم خطوط المعركة حول أزلية العالم. فقد تعارضت هذه الفرضية الأرسطية بصورة مباشرة مع “الخلق من العدم” المركزي في الديانات الإبراهيمية، ما أطلق صداماً ميتافيزيقياً أساسياً. من الكندي إلى ابن سينا: مشكلة الأزلية سعى الكندي، الأول في سلسلة “الفلاسفة” و”فيلسوف العرب” بامتياز، والمنحدر من قبيلة كندة، إلى تجاوز هذا الصراع. فالتزم القول بحدوث العالم زمانياً، مؤكداً أن الله هو “العلة الأولى” التي أخرجت الوجود من “العدم”، وأن العالم نتاج الإرادة الإلهية، وليس حقيقة أزلية مع الله. أما الفارابي، فانشغل بالتوفيق بين “طيماوس” لأفلاطون والميتافيزيقا الأرسطية. ففي “طيماوس”، يُفهم العالم بوصفه “مكوَّناً”، لكن الديميورغوس لا يخلق المادة من العدم؛ بل هو “مهندس إلهي” يفرض النظام، أي “الكوسموس”، على وعاء بدئي فوضوي، أي “الخورا”، عبر تأمل المُثُل الأزلية. ولردم الهوة بين أفلاطون وأرسطو، رأى الفارابي أن أرسطو لم يقصد أن العالم مستقل عن العلة، بل إنه أزلي في الزمان مع بقائه معتمداً في وجوده على العلة الأولى. ولتحقيق ذلك، استعان بنظرية الفيض: يفيض العالم عن الله كما يفيض النور عن الشمس؛ وهو “ممكن” من حيث اعتماده على الغير، لكنه “أزلي” بحكم أزلية الفعل الإلهي. وأتاح تصور أفلاطون للزمان، بوصفه قد خُلق مع العالم كـ”صورة متحركة للأبدية”، لابن سينا لاحقاً أن يصوغ نظرية “الأزلية الزمانية والإمكان الذاتي”. فالله، عند ابن سينا، هو “العلة الكافية”، والمنطق يقتضي ألا تنفصل العلة الكافية زمانياً عن معلولها. ولتفادي مساواة العالم بالله، أدخل ابن سينا تمييزاً دقيقاً: العالم أزلي في الزمان، بمعنى أنه لا يوجد “قبل” يسبقه، لكنه “ممكن بالذات”. فالعالم في طبيعته الخاصة “ممكن”، ولو تُرك لذاته لكان عدماً؛ ووجوده مستمد من “واجب الوجود”. وأثار هذا الإطار الميتافيزيقي تكفير الغزالي للفلاسفة. فقد رأى أنهم جردوا الله من “الاختيار”، واختزلوه إلى ضرورة طبيعية، كالشمس التي لا بد أن تشرق أو النار التي لا بد أن تحرق. وسخر من مبدأ “الواحد لا يصدر عنه إلا واحد”، معتبراً أن الفلاسفة يقيدون القدرة الإلهية المطلقة بقواعد هندسية من صنعهم. ابن رشد: الأزلية بوصفها خلقاً مستمراً في المقابل، سعى ابن رشد إلى الدفاع عن أزلية العالم من دون الاعتماد على نظرية الفيض. وطرح مفهوم “الخلق المستمر”. فالعالم عنده في حالة دائمة من “الصيرورة”، معتمداً لحظة بلحظة على العلة الأولى. وفي مواجهة المتكلمين، رأى أن القول إن الله “قرر” الخلق في لحظة معينة يفترض حدوث تغير في الذات الإلهية، ويثير السؤال: لماذا الآن وليس قبل ذلك؟ وفي “فصل المقال”، رأى أن ظاهر النص المقدس لا يؤيد بصورة قاطعة الخلق من العدم المطلق، مستشهداً بآيات من قبيل “وكان عرشه على الماء” للإشارة إلى أن مادة أولية سبقت الصورة الحالية للعالم. بالنسبة إلى ابن رشد، لا تناقض الحقيقةُ الحقيقةَ. ولم تكن “الصلة” بين النص المقدس والحكمة هدنة دبلوماسية بين حقيقتين منفصلتين، بل شهادة موحدة على الحقيقة نفسها. غير أن الرشدية اللاتينية، المرتبطة مثلاً بسيجر البرابانتي، حين ظهرت واجهت صعوبة في الحفاظ على هذه “الصلة” بين البرهان والإيمان، ما دفع خصومها إلى اتهامها بنظرية “الحقيقتين”، أي فكرة إمكان تعايش حقيقتين متناقضتين. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

(7/10) النبي والفيلسوف
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 19, 2026 - 23:20

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. حملت الأولى، بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، عنوان “The Prophet and the Philosopher: The Hierarchy of Knowledge between Avicenna’s Falsafa and al-Kirmānī’s Ismaili Neoplatonism”. ويُقدَّم نصها هنا في نسخة منقّحة وموسّعة، ضمن سلسلة من عشرة مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة بين ابن سينا والكرماني. وعلى الرغم من أن المفكرين يشتركان في أفق أفلاطوني محدث واسع، قوامه ميتافيزيقا الفيض، وتراتبية الوجود، وتركيب بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوّران مشروعين فلسفيين مختلفين: ابن سينا ضمن التقليد المشّائي للفلسفة، والكرماني في إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف سياقيهما الفكريين، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسّد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، يضيئان طريقتين مختلفتين في التفكير في موقع الفلسفة إزاء السلطة والشريعة وتنظيم الجماعة. ويشكّل هذا المقال الجزء السابع من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. VII - التركيب السينوي بين ضرورة النبوّة و“الفيلسوف-الملك السرّي” يظل تحدّي التوفيق بين الفيلسوف-الملك الأفلاطوني والأفق السياسي الإسلامي واحدًا من أخصب الإشكاليات في الفلسفة الكلاسيكية. ففي السياق الإسلامي، تبقى صورة الحاكم دائمًا في ظل السلطة الطاغية للنبي، الذي تجعل صلته الفريدة بالإلهي أي ادعاء لاحق بالسلطة ثانويًا من الناحية الأنطولوجية. ومن ثم شهد العصر ما بعد النبوي تباعدًا بين نمطين متميزين من “الهداية”، يسعى كل منهما إلى ردم الهوة بين السيادة الإلهية والحكم الأرضي. صاغ التقليد السنّي الخلافة بوصفها تركيبًا بين النظرية القرآنية للاستخلاف البشري ( istikhlāf ) والضرورة العملية لوجود “أمير المؤمنين”. وفي هذا الإطار، لا يعمل الخليفة بوصفه جسرًا أنطولوجيًا إلى الإلهي، بل حارسًا وظيفيًا للشريعة. وسلطته إدارية وقضائية في المقام الأول: فهو منفّذ لشريعة موحى بها وقائمة سلفًا. وهنا تُضبط صورة الفيلسوف-الملك بسلطان الشريعة؛ ويكون الحاكم “عادلًا” بقدر ما يدير الجماعة وفق مقتضيات وحي اكتمل وتمّ. وعلى النقيض من ذلك، تربط الإمامة الشيعية الاستخلاف بالاستمرارية الميتافيزيقية لـ“الحقيقة المحمدية” ( al-Ḥaqīqa al-Muḥammadiyya ). وفي هذا النموذج، بينما تُختم دورة النبوّة التشريعية ( nubuwwa )، تظل دورة الهداية الروحية ( walāya ) مفتوحة. وتخضع السلطة لتحول عميق من الطور الظاهر ( ẓāhir )، أي تبليغ الرسالة الحرفية، إلى الطور الباطن ( bāṭin )، أي كشف حقائقها الروحية المستترة. ومن ثم لا يكون الإمام مجرد مدير سياسي، بل حضورًا نورانيًا يمتلك “الوحي الباطني” اللازم لفك سر الإلهي للمؤمنين. وقد قدّم التقليد الإسماعيلي، ولا سيما في صيغته الإمبراطورية الفاطمية، تركيبًا جذريًا بين هذين المسارين، إذ جمع الخلافة والإمامة في منصب واحد. وبعد “دور الستر” ( dawr al-satr )، حوّل الظهور العلني للإمام-الخليفة في شمال أفريقيا، ثم تأسيس القاهرة، سلالة روحية سرية إلى إمبراطورية ذات تطلع عالمي. وبالنسبة إلى الدعاة الإسماعيليين، كان الإمام-الخليفة المحكّ الحي لكل النظريات السياسية الموروثة من العصور القديمة. فقد مثّل ظاهرة تاريخية فريدة: تقاطع حنين مطلق، هو استعادة المناخ النبوي الخالص، ويوتوبيا مطلقة، هي تحقيق دولة كاملة مستنيرة. وفي شخص الإمام الفاطمي، وجد الفيلسوف-الملك الأفلاطوني أخيرًا موطنًا له داخل العالم الإسلامي، لا بوصفه مثالًا نظريًا، بل بوصفه حاكمًا يجمع بين سيف الخليفة وعرفان (ʿ irfān ) الإمام. وتقف الإمبراطورية الفاطمية بوصفها الإمبراطورية الأفلاطونية المحدثة بامتياز، ولعلها تمثل أكثر المحاولات طموحًا في التاريخ لترجمة التراتبية العمودية للفيض الأفلوطيني إلى بنية سياسية أفقية أرضية. فبالنسبة إلى الدعاة الفاطميين، لم تكن الدولة مجرد عقد اجتماعي، بل ضرورة كوسمولوجية. وقد نظروا إلى الكون بوصفه سلسلة من الفيوض تبدأ من “العقل الأول” وتنتهي إلى العالم المادي. وفي هذا الإطار الأفلاطوني المحدث، يكون الإمام-الخليفة النظير الأرضي للعقل الكلي. فهو “النقطة” التي تفيض منها كل معرفة إلى الأسفل. وإذا كانت الأفلاطونية المحدثة قد وفّرت “الكيف”، أي البنية، فإن الأفلاطونية وفّرت “الماذا”، أي الغاية. وكان المشروع الفاطمي أفلاطونيًا في التزامه الجوهري بحكم الحكمة. وكما في مدينة أفلاطون المثالية، كانت الدولة الفاطمية مشروعًا تربويًا. ولم يكن إنشاء مجالس الحكمة ( Majālis al-Ḥikma ) والأزهر مجرد أداة دعائية؛ بل كان يرمي إلى “الارتقاء” بأرواح الرعية. فغاية الدولة كانت بلوغ النفس البشرية كمالها، وهو أسمى مثال أفلاطوني. وعند هذه النقطة تحديدًا أقترح الصياغة التالية: بالنسبة إلى مفكر مثل السجستاني أو الكرماني أو ناصر خسرو، كان الإمام-الخليفة الإسماعيلي يمثّل “الفيلسوف-الملك اللاواعي”، أي شخصية يكون فيها المثال الأفلاطوني قد تحقق أنطولوجيًا وتجسّد موضوعيًا بالفعل، بحيث لا تكون مهمة الفيلسوف التشريع، بل فك رموزه. أما عند ابن سينا، الذي أحدث قطيعة بروميثيوسية مع المشروع الإسماعيلي، فإن موضع السيادة ينتقل. فبعدما لم تعد متجسدة في مؤسسة إمبراطورية مرئية، يقع العبء على الفرد: إذ يُجبر الفيلسوف على أن يحيا وجودًا مزدوجًا، مواطنًا كونيًا في عالم المعقولات وملكًا سريًا لمملكة داخلية خفية في آن واحد. وهكذا فإن أوديسة الفيلسوف-الملك ضمن الأفق الثيوصوفي “المشرقي” ليست خطية بأي حال؛ بل هي حركة عميقة من التجلي السياسي للعرفان إلى استبطان السيادة. الفيلسوف-الملك خارج اليونان على الرغم من أن أفلاطون قدّم الصياغة الفلسفية الأكثر إحكامًا لمفهوم الفيلسوف-الملك، فإن هذا المفهوم ليس أفلاطونيًا حصرًا؛ إذ يظهر في مواضع أخرى بصيغ أكثر التباسًا وتعددًا في الدلالة. ففي التقاليد الهندية القديمة، لا يتمثل أقرب نظير له في فيلسوف-ملك بالمعنى الأفلاطوني الصارم، بل في حاكم خاضع للـدارما ( dharma )، غالبًا ما تهديه الحكمة أو يكون تجسيدًا لها. وفي التقاليد الأوبانيشادية والملحمية، تُقدَّم شخصيات مثل جاناكا بوصفها rājarṣi ، أي “الحكيم الملكي”. فجاناكا لا يكتفي بتلقي مشورة الفلاسفة، بل يشارك بنفسه في البحث الميتافيزيقي. وهنا يصبح الملك موضع تقاطع بين السلطة السياسية والمعرفة الروحية، لا من خلال فلسفة نسقية مستقلة، بل عبر تحقيق الحكمة البراهمانية. وفي هذا الإطار، لا يستمد الحاكم شرعيته من ارتقاء جدلي، بل من توافقه مع النظام الكوني ( dharma ). وهكذا، بينما يمارس الملك السلطة الزمنية، يحتفظ البراهماني، أي “العارف”، في كثير من الأحيان بسلطة معرفية تتفوق على العرش. أما في التقليد الفارسي، وتحديدًا في الفكر السياسي الساساني ثم في الفكر السياسي في العالم الإسلامي، فتتصدّر صورة “الملك العادل”. وهنا تتوقف شرعية الملك على تجسيده للعدالة، وهي فكرة ربطتها التطورات الفلسفية اللاحقة، ولا سيما في التقليد الإشراقي، بالنور الإلهي. وقد ترك هذا التركيب أثرًا عميقًا في أدب مرايا الأمراء ( naṣīḥat al-mulūk ) وفي تطور الفلسفة على السواء. وفي تقليد مرايا الأمراء العربي والفارسي، كان لهذا الإرث دور حاسم في إعادة تعريف العدالة. فلم تعد تُفهم بوصفها مجرد “اتباع للشريعة”، بل بوصفها الحفاظ على توازن الدولة. ويعكس هذا “الاستتباب” السياسي تصور ابن سينا للنبي-المشرّع بوصفه “الموازن” الأعلى بين الأمزجة البشرية المتباينة. وهكذا، على الرغم من أن الفلاسفة تبنّوا مفردات العلم السياسي اليوناني، ولا سيما الجمهورية والقوانين لأفلاطون، فإن “لحم ودم” حاكمهم المثالي كانا في كثير من الأحيان مستمدين من نماذج ساسانية مثل أردشير الأول أو كسرى أنوشروان. والابتعاد عن المصدر اليوناني هنا دالّ: فبالنسبة إلى أفلاطون، تستمد شرعية الملك من معرفته بالمُثُل. غير أن الفلاسفة، بدءًا من الفارابي وصولًا إلى ابن سينا، حيث يبلغ هذا التحول ذروته، نقلوا مركز الثقل نحو المفهوم الساساني للعدالة بوصفها توازنًا. ومن ثم، عندما يتحدث ابن سينا عن النبي-المشرّع، فإنه يصف شخصية تقيم ميزانًا ( mīzān ). وفي هذه الحركة الفكرية، يُترجم “الخير” الفلسفي إلى “النظام العادل” الساساني، حيث تتمثل الوظيفة الأساسية للحاكم في ضمان ألا يطغى أي جزء من الجسد الاجتماعي على جزء آخر، بما يحفظ انسجام الكل. وأشهر المقولات السياسية الساسانية، والمنسوبة إلى أردشير الأول، هي أن “الدين والملك أخوان توأمان”. وقد أصبحت هذه المقولة مبدأ تأسيسيًا في الفلسفة السياسية الإسلامية. ففي سياقها الساساني الأصلي، كان الدين الأساس، وكان الملك حارسه؛ ولا يمكن لأحدهما أن يدوم من دون الآخر. وكان الأثر الفلسفي لهذه المقولة تحويليًا، إذ حلّت فعليًا محل المفهوم اليوناني للـ polis العلمانية الخالصة. واستخدم الفلاسفة مفهوم “التوأمة” هذا للقول إن النبي، بوصفه مؤسس الدين، والملك، بوصفه حافظ الشريعة، وجهان لعملة واحدة. وقد أتاح هذا التركيب للفلاسفة أن يقدّموا الشريعة لا بوصفها مجرد أحكام طقسية، بل بوصفها نظير الـ dād الساساني، أي “الشريعة العادلة”، وضرورة بنيوية لبقاء الدولة واستقرارها. من الفيلسوف-الملك إلى النبي-المشرّع في جمهورية أفلاطون، الحاكم المثالي هو من يبلغ معرفة المُثُل ثم يحكم بالبصيرة العقلية. غير أن هذه الشخصية تخضع، في تلقي الفلسفة اليونانية داخل العالم الإسلامي، لإعادة تشكيل جوهرية: فحضور النبوّة يُدخل موضعًا ثانيًا للنفاذ إلى الحقيقة. ومن ثم لا يعود السؤال المركزي ببساطة ما إذا كان ينبغي للفيلسوف أن يحكم، بل كيف ينبغي أن ترتبط المعرفة الفلسفية بالسلطة النبوية: أهما وظيفتان متميزتان، أم نمطان متكاملان، أم تجليان متراتبان لحقيقة واحدة؟ وفي صياغة أفلاطون، يتحدد الفيلسوف-الملك بحركة معقدة من التحول لا بمجرد صعود: فمن خلال التدريب الجدلي، يعاد توجيه النفس من الرأي نحو المعرفة، وصولًا إلى تأمل النظام المعقول للواقع. وهذا التحول المعرفي ليس مجرد تراكم، بل ينطوي على “استدارة” حاسمة في اتجاه النفس ذاته. ومع ذلك، لا يتحول هذا الإنجاز التأملي بسلاسة إلى سيادة سياسية. بل على العكس، يُجبر الفيلسوف على العودة إلى عالم الظاهر والرأي، حيث يبدو الحكم أقل امتدادًا طبيعيًا للرؤية الميتافيزيقية منه عودة شاقة إلى الكهف، لا تبررها إلا مقتضيات العدالة. غير أن هذا المخطط الأفلاطوني لم يعد قابلًا للحفاظ عليه بصورته الأصلية ضمن تقليد التلقي في العالم الإسلامي، ولا سيما عند الفارابي. فالحضور المؤسسي للنبوّة بوصفها مصدرًا تأسيسيًا للحقيقة والشريعة يفرض إعادة تشكيل عميقة للنموذج الفلسفي. وهكذا تبلغ المسألة لبّها: من الذي يملك، في نهاية المطاف، النفاذ إلى الحقيقة القصوى، الفيلسوف أم النبي؟ أو، بصورة أكثر جذرية، هل هاتان الشخصيتان متميزتان حقًا، أم أنهما نمطان لوظيفة واحدة تتجلى ضمن نظامين معرفيين مختلفين؟ وجواب الفارابي نسقي وأنيق مفهوميًا في آن واحد. فهو يعيد صياغة الكمال السياسي من خلال شخصية “الرئيس الأول” ( al-ra ʾ īs al-awwal )، الذي يجمع في شخصية واحدة ما كان أفلاطون قد وزّعه بين الفلسفة والحكم السياسي. ويوحّد هذا الرئيس الأول نمطين مختلفين من النفاذ إلى الحقيقة: التعقل الفلسفي القائم على المعرفة البرهانية ( burhān )، والإدراك النبوي المعبّر عنه من خلال وحي رمزي تخييلي. وفي هذا التصور، لا تعود النبوّة متموضعة خارج الفلسفة بوصفها منافسًا أو بديلًا لها، بل تظهر بوصفها اكتمالها المدني والرمزي. وهكذا لا يُستبدل الفيلسوف-الملك ببساطة ولا يُناقَض، بل يُعاد تشكيله. فهو يتحول إلى شخصية تلتقي فيها الوظيفتان الفلسفية والنبوية، وإن ظلتا متمايزتين على مستوى التعبير: البرهان العقلي من جهة، والصياغة الرمزية التخييليّة من جهة أخرى. وضمن هذه البنية، لا تتعارض الحقيقة العقلية والرمزية الوحيانية، بل تندمجان في نظام معرفي وسياسي واحد. أما عند ابن سينا، فتنتقل المسألة بصورة حاسمة من النظرية السياسية إلى الميتافيزيقا. فلم يعد السؤال في المقام الأول كيف يكون الحكم، بل كيف ترتبط درجات العقل المختلفة ببنية الوجود ذاتها. ولم يعد النبي يُتصوَّر ببساطة بوصفه حاكمًا-فيلسوفًا، بل عقلًا تبلغ علاقته بالعقل الفعّال أقصى درجات المباشرة. ويقيم ابن سينا تمييزًا حاسمًا بين أنماط الإدراك: فالفيلسوف يرتقي تدريجيًا من خلال الاستدلال الخطابي والتجريد، بينما يتلقى النبي فيضًا ( fayḍ ) لحظيًا من الصور المعقولة. وهكذا يصبح الفيلسوف-الملك حالة حدية ضمن تراتبية الإدراك البشري، فيما ترتقي النبوّة إلى نمط معرفي أعلى وغير خطابي. وتظل السلطة السياسية مضمرة في هذه البنية، لكنها تصبح مؤسسة على تراتبية معرفية أعمق بدلًا من الوظيفة المدنية وحدها. وهكذا تتحول “مشكلة الفيلسوف-الملك” الكلاسيكية داخل الفلسفة إلى سؤال أكثر جذرية: هل تستطيع الفلسفة أن تستمر في المطالبة بأي شكل من أشكال السيادة بعدما جرى استبطان النبوّة وعقلنتها وإعادة وضعها بوصفها أعلى نمط ممكن للحقيقة؟ النبوّة والعقل القدسي وتراتبية المعرفة بالنسبة إلى ابن سينا، يشترك النبي والفيلسوف في الغاية نفسها، لكنهما يسلكان طريقين مختلفين. فكلاهما يسعى إلى إدراك الحقيقة القصوى وطبيعة المبدأ الأول، ولكنهما يفعلان ذلك من خلال ملكات مختلفة للنفس. وكلاهما يطمح إلى الاتصال بالعقل الفعّال، مصدر كل معرفة وكل صورة في العالم ما دون القمر. ويكمن الاختلاف في كيفية الوصول إلى هذا المصدر. فالفيلسوف يبلغ الحقيقة من خلال الاستدلال القياسي والدراسة والتفكير الخطابي. إنها عملية صاعدة من العمل العقلي. أما النبي فيتلقى الحقيقة من خلال الحدس ( ḥads ) والوحي. إنها عملية نازلة تكون فيها النفس من الصفاء بحيث تتلقى المعرفة لحظيًا من دون حاجة إلى تعليم. ويقدّم ابن سينا إطارًا نفسيًا بالغ الدقة لتفسير كيفية عمل النبي في مستوى أعلى من الفيلسوف. فهو يقرّ بالعقل القدسي ( al- ʿ aql al-qudsī ) بوصفه أعلى درجات العقل البشري، وهو خاص بالأنبياء. ويتيح لهم تجاوز الخطوات البطيئة للمنطق. فبينما قد يحتاج الفيلسوف إلى سنوات لفهم حقيقة ميتافيزيقية، يدرك “العقل القدسي” لدى النبي سلسلة الحدود الوسطى بأكملها في ومضة حدسية واحدة. لكن الفارق الأبرز يكمن في قوة المخيلة لدى النبي. ولأن النبي مطالب بقيادة جماعة، فإن مخيلته “تترجم” الحقائق المجردة والعقلية الخالصة إلى رموز وصور وأمثال حية. وتبلغ قوة هذه الرموز حدًا يجعل النبي “يراها” في هيئة ملائكة أو “يسمعها” في هيئة أصوات. أما الفيلسوف، فيتعامل مع المفاهيم المجردة عاريةً من هذه الصور. ويرى ابن سينا أن النبي يتفوق على الفيلسوف في المستوى الاجتماعي لأنه يؤدي وظيفة لا يستطيع الفيلسوف أداءها: وظيفة المشرّع. ففي حين يفهم الفيلسوف لماذا تكون الحقيقة حقًا، يقدّم النبي الشريعة، وهي إطار ضروري من الأحكام والرموز يتيح للمجتمع أن يعمل ويوجّه غير الفلاسفة نحو حياة فاضلة. وبهذا المعنى، يكون النبي “فيلسوفًا كاملًا” و“رجل دولة كاملًا” في آن واحد. وفي حين أن الحاكم المثالي عند الفارابي هو، في الحالة المثلى، فيلسوف ونبي معًا، لأن الفلسفة توفّر معرفة ما هو خير، بينما توفّر النبوّة الأدوات الخطابية والتخييلية اللازمة لتحقيق ذلك الخير في “المدينة الفاضلة”، ينقل ابن سينا هذا التوازن بتأكيده الضرورة الأنطولوجية للمشرّع. فالنبي عند ابن سينا ليس مجرد فيلسوف يمتلك، إلى جانب ذلك، مهارات خطابية، بل هو إنسان فريد تجعل طبيعته ذاتها منه جسرًا بين العالمين السماوي والأرضي. وإذا كان الإمام الفارابي يقف في قمة تراتبية سياسية، فإن النبي السينوي هو الأساس الذي لا غنى عنه لبقاء البشر؛ فمن دون الشريعة الإلهية التي يأتي بها، تعجز البشرية عن إقامة العدالة الضرورية للحفاظ على مجتمع مستقر. ومن ثم، ففي حين يرى الفارابي الدين “خادمًا” للحقيقة الفلسفية أو محاكاة رمزية لها، يرفع ابن سينا المنصب النبوي إلى حالة نفسية إعجازية، هي “العقل القدسي”، تتيح للنبي إدراك كلية الوجود لحظيًا، وهو ما يظل خارج متناول الاستدلال الخطابي المتدرج للفيلسوف التقليدي. ويرى الفارابي النبي بوصفه المشرّع والمربي الأسمى الذي يجعل الفلسفة متاحة للجمهور. أما ابن سينا، فينقل مركز الثقل إلى الداخل، فيرى النبي ظاهرة بيولوجية وروحية، إنسانًا يكون عقله مهيأ بطبيعته لمرتبة معرفية أعلى حتى من تلك التي يبلغها ألمع الفلاسفة. عقلنة النبوّة يمثل المشروع السينوي واحدة من أكثر عمليات “عقلنة” الظاهرة النبوية تعقيدًا في تاريخ الأفكار. فمن خلال نقل مقام النبي من مجال الإرادوية اللاهوتية، حيث كان الفقهاء ( fuqahā ʾ) ينظرون إليه بوصفه فعلًا إعجازيًا واعتباطيًا من أفعال الاصطفاء الإلهي، إلى مجال الضرورة الطبيعية والنفسية، أدمج ابن سينا الوحي في نسيج الكون الأرسطي-الأفلاطوني المحدث ذاته. وهو بذلك لم يكتف بالدفاع عن إمكان النبوّة، بل أعاد تعريف تراتبية العقول البشرية، وانتهى إلى فتح مجال لسيادة فريدة و“سرية” للفيلسوف داخل عالم تحكمه الشريعة النبوية. وفي قلب نظام ابن سينا تصنيف صارم للعقل البشري، يرتقي من العقل الهيولاني ( al- ʿ aql al-hayūlānī )، أي الاستعداد المحض للتفكير، إلى العقل المستفاد ( al- ʿ aql al-mustafād )، حيث يبلغ الذهن الاتصال بالعقل الفعّال. وضمن هذه التراتبية، يحدد ابن سينا العقل القدسي ( al- ʿ aql al-qudsī ) بوصفه حالة فائقة مخصصة للنفس النبوية. وعلى خلاف الفيلسوف التقليدي، الذي يتعين عليه أن يجتاز بشق الأنفس “الحدود الوسطى” للقياس من خلال الاستدلال الخطابي، يعمل صاحب العقل القدسي في مجال “الحدس الحاد”. فالمعرفة بالنسبة إلى النبي ليست عملية زمنية، بل ومضة لحظية؛ إذ يبلغ العقل من الصفاء حدًا يتلقى معه مجموع المعقولات من العقل الفعّال “دفعة واحدة أو ما يقارب ذلك”. ويمثل هذا انتقالًا من التعلم الكمي إلى الاتصال الكيفي، حيث تصبح النفس مرآة مصقولة تمامًا تعكس النظام الإلهي للكون. ويظهر اختلاف ابن سينا عن الفقهاء بأوضح صوره في تناوله وظيفة النبي. ففي حين رأى الفقهاء النبي رسولًا للأوامر الإلهية الموجهة إلى الخلاص الطقسي، رآه ابن سينا ضرورة أنطولوجية لبقاء النوع البشري. ولأن البشر اجتماعيون بطبيعتهم، لكنهم ميالون أيضًا إلى الصراع، يحتاج المجتمع إلى مشرّع يضع “الشريعة الكلية”. ولا بد لهذا المشرّع من أن يكون أكثر من مجرد فيلسوف؛ إذ ينبغي أن يمتلك قوة تخييلية عظيمة قادرة على ترجمة الحقائق العقلية المجردة إلى رموز حية وأمثال وتحذيرات حسية، مثل الجنة والنار وصوت الملاك. وهذه الطبقة “الخطابية” من الدين ضرورية، لأنها توفر إطارًا اجتماعيًا-سياسيًا مستقرًا للعامة الذين لا يستطيعون استيعاب البراهين المحضة. وهكذا يحقق النبي المثال الأفلاطوني للفيلسوف-الملك، ولكن بعمق نفسي، هو العقل القدسي، يتيح لسلطته أن تنفذ إلى العالمين العقلي والحسي معًا. ويمثل وصف ابن سينا لعقل النبي بوصفه “قوة قدسية”، تتلقى فيضًا مباشرًا من العقل الفعّال، عقلنة فلسفية لمفهوم Farr-e Izadi ، أو Khvarenah . ويشير هذا المفهوم الفارسي القديم إلى بهاء إلهي نوراني يحل على الحاكم الشرعي، دالًا على السلطة الروحية والنعمة الزمنية في آن واحد. “الفيلسوف-الملك السرّي” وهنا ينشأ توتر حاسم في الفكر السياسي عند ابن سينا: إذا كان النبي هو المشرّع الأعلى والمصدر الوحيد للشرعية التنفيذية والقضائية، فما الذي يبقى للفيلسوف؟ لا يملك الفيلسوف عند ابن سينا أي سلطة سياسية رسمية. فهو ليس قاضيًا ولا منفذًا؛ بل مواطن خاضع للـ nomos النبوي. غير أن غياب هذه السلطة الزمنية يفضي إلى ما يمكن تسميته “الفيلسوف-الملك السرّي”. فبينما يحكم النبي “الظاهر”، أي أجساد العامة ونظامهم الاجتماعي، يبلغ الفيلسوف “ملوكية سرية” على “الباطن” ( bāṭin ). والفيلسوف هو الوحيد الذي يفهم الـ ratio الكامنة وراء رموز النبي. وهو يطيع الشريعة لا خوفًا ولا رجاءً، بل انطلاقًا من إدراك عقلي لضرورتها. وكما تلمّح إلهيات الشفاء ( al-Shifā ʾ)، فإن استمرارية النظام الكوني تعتمد على “خليفة عقلي” يحفظ الحقيقة الباطنة للشريعة. وفي نهاية المطاف، نقل ابن سينا الحلم الأفلاطوني من الأغورا العامة إلى محراب العقل. فالفيلسوف السينوي “مواطن كوني” يعيش، على الرغم من خضوعه الخارجي للدولة، في مملكة داخلية مكتفية بذاتها. ومن خلال بلوغه الاتصال بالعقل الفعّال، يصبح الفيلسوف “عالمًا عقليًا” مستقلًا، بما يجعله بمنأى عن تقلبات السلطة السياسية. وتمنح هذه “الملوكية السرية” الفيلسوف أسمى أشكال الحرية: حرية البرهان إزاء التقليد. فهو يظل “غريبًا” ( gharīb ) في المدينة الأرضية، لكنه السيّد الحقيقي للعالم المعقول، قائمًا بوصفه “أمةً بذاته”، بينما تقيم نفسه بين “الملأ الأعلى” ( al-mala ʾ al-a ʿ lā ). استبطان السيادة إن مسار الفيلسوف-الملك في الفلسفة الكلاسيكية ليس خطيًا ولا بديهيًا؛ بل يتكشف عبر سلسلة من إعادة التشكيلات التي تنقل موضع السيادة تدريجيًا. فعند الكندي، تظل الفلسفة خارج السلطة: يظهر الحاكم بوصفه راعيًا قد تعزّز شرعيته بالبحث العقلي، لكنها لا تتأسس عليه. وعند الفارابي، ينقلب هذا التوازن، إذ تطمح الفلسفة إلى تعريف السلطة ذاتها: يصبح الحاكم الفيلسوف-النبي، وتستمد السلطة السياسية مشروعيتها من الحقيقة البرهانية. وفي التركيب الإسماعيلي عند الكرماني، تنقلب هذه العلاقة وتُمتص في الوقت نفسه داخل بنية لاهوتية، حيث لا تعود السيادة شيئًا يُكتسب، بل تصبح معطاة أنطولوجيًا في الإمام، فيما تُختزل الفلسفة إلى فعل تأويل. فالإمام هو تحقق العقل الأول على الأرض؛ و“فلسفته” ليست سعيًا خطابيًا، بل حضور سيادي معاش. وبالنسبة إلى الكرماني، لا يحتاج الملك إلى أن يصبح فيلسوفًا؛ فهو، بحكم مرتبته الكونية، المصدر ذاته الذي تفيض منه كل حكمة. وليست وظيفة الفيلسوف إرشاد الحاكم، بل فك شيفرة سلطته النورانية. وأخيرًا، مع ابن سينا، تُستبطن السيادة: ينسحب الفيلسوف إلى “مدينة افتراضية” للنفس، حيث تقوم الملوكية الحقيقية بوصفها حالة خفية وعقلية. ولا تعود السيادة منصبًا سياسيًا، بل حالة من حالات الوجود، مؤسِّسةً ملوكية خفية تظل خارج متناول أي سلطان أرضي. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

النبي والفيلسوف (6/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 17, 2026 - 22:29

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وقد أُلقيت المحاضرة الأولى بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، وحملت عنوان “The Prophet and the Philosopher: The Hierarchy of Knowledge between Avicenna’s Falsafa and al-Kirmānī’s Ismaili Neoplatonism”. ويُقدَّم نصها هنا في صيغة منقّحة وموسّعة، ضمن سلسلة من عشرة مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة بين ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، صاغته ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، والتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوّران مشروعين فلسفيين متمايزين: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشّائية، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف السياقين الفكريين، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسّد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، بما يضيء طرائق مختلفة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة والقانون وتنظيم الجماعة. يشكّل هذا المقال الجزء السادس من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. VI - أسلمة بلاتونوبوليس، وأفلاطنة الإسلام ينتمي كل من الكرماني وابن سينا إلى تقليد فكري طويل لا يتصور الفلسفة بوصفها بحثًا نظريًا فحسب، بل بوصفها تطهّرًا ( catharsis ). وفي هذا الأفق، يتحقق كمال النفس الإنسانية وارتقاؤها نحو السعادة من خلال إدراك الحقيقة. وهكذا، لا تعود غاية الفلسفة مجرد فهم العالم، بل تصبح وسيلة للانفصال عنه في سبيل الاتحاد بالمطلق. وما ينبثق من ذلك هو توليف كثيف تتشابك فيه الأرسطية والأفلاطونية والإسلام مع عناصر هرمسية وغنوصية باقية، تسهم جميعها في بناء المعرفة بوصفها شكلًا من أشكال الخلاص. وفي هذه الكوكبة الفكرية الأوسع، تتجلى الغنوصية في صيغتين، راديكالية ومعتدلة. ففي تعبيرها الراديكالي، يُنظر إلى العالم بوصفه سجنًا، ويُنال التحرر عبر الاتصال باللوغوس. أما في صيغتها المعتدلة، فيُفهم العالم بوصفه مجالًا يتسم بالامتزاج، أو موضعًا لهبوط النفس، من دون أن يقتضي ذلك بالضرورة اعتبار المادة شرًا في ذاتها. ويتأرجح الفكر الإسماعيلي، على وجه الخصوص، بين هذين القطبين، بين الراديكالية الزهدية والاعتدال الميتافيزيقي. ويحتل الكرماني موقعًا حاسمًا داخل هذا التوتر، إذ يسعى إلى ضبط العرفان بحيث لا يؤدي الباطن إلى تذويب الظاهر. ومن ثم يمكن وصف مشروعه بأنه مشروع يقوم على ضبط الباطن، تستلهمه ضمنيًا إعادة تفعيل عناصر رواقية مثل ataraxia و apatheia ، أي بلوغ السكينة من خلال السيطرة على الأهواء. والخلاص، ضمن هذا الإطار، غنوصي وأخروي في آن واحد. غير أن غايته القصوى ليست الإفراط في التأمل، بل بلوغ راحة العقل. فالعقل، عند الكرماني، يبلغ السكينة تحديدًا حين يكف عن السعي إلى تجاوز مرتبته الخاصة، مدركًا الاستحالة الأنطولوجية للإحاطة المباشرة بالأصل الأول. ومن خلال الإقرار بهذه الحدود، تمتنع النفس عن التعدّي وتبني، عبر الجمع بين المعرفة والعمل، جسدًا روحانيًا مقدرًا له أن يبقى بعد انحلال العالم المادي. وفي الآخرة، تقيم النفس في نور العقول الأولى، متجاوزة جميع الحجب في حالة من السكينة النهائية. ومن المبادئ البنيوية المركزية المشتركة بين التقاليد الباطنية ثنائية الظاهر والباطن. فكل نص موحى به يمتلك سطحًا خارجيًا وعمقًا داخليًا؛ وفي المصطلح الإسلامي، تقابل هذه الثنائية ثنائية الشريعة والحقيقة. ويعززها كذلك مفهوم الاحتجاب الإلهي: فالله ليس غائبًا، بل يحتجب وراء سلسلة من الحجب الأنطولوجية. ووجود العالم نفسه يفترض الوساطة والتراتب والتجلّي المتدرج. ولا يمكن تلقي النور الإلهي مباشرة في شدته، بل لا بد أن ينكسر عبر مراتب متعاقبة من الوجود، وإلا أفنى متلقيه. وغالبًا ما تجد ميتافيزيقا الوساطة هذه تعبيرها في أنظمة رمزية تقوم على العدد والمراسلات. وتظهر الأصداء الفيثاغورية بصورة خاصة في علم الأعداد الإسماعيلي، حيث تكتسب الأعداد دلالات كونية وتراتبية. وتُستخدم المتواليات العددية لرسم بنية الكون، ومراتب السلطة الروحية، ومراحل الفيض من العقل الأول وصولًا إلى العالم المادي. وهكذا يصبح العدد لغة تُعبَّر من خلالها الميتافيزيقا وتُحجب في آن واحد. وترتبط بهذه التصورات ارتباطًا وثيقًا تقاليد علم الجفر وحساب الجُمَّل. فالأول، الذي غالبًا ما يرتبط بالمعارف الشيعية الباطنية، يدل على علم للتأويل الرمزي تُستخرج فيه المعاني الخفية من النصوص المقدسة، أحيانًا بواسطة طرائق تشفيرية أو تركيبية. أما الثاني، فيشير إلى نظام تُسنَد فيه قيم عددية إلى حروف الأبجدية العربية، على نحو مماثل للجِمَطْرِيَا العبرية، بما يسمح بقراءة الكلمات والعبارات بوصفها تشكيلات عددية. وبهذه الآلية، تصبح اللغة نفسها حقلًا للمراسلات تتقاطع فيه الحروف والأعداد والحقائق الميتافيزيقية. وتلتقي هذه التقاليد المختلفة حول تصور مشترك: الكون مبني بوصفه شبكة من النسب المعقولة، تتناظر فيها الحروف والأعداد والموجودات عبر مستويات أنطولوجية مختلفة. ومن ثم، ليس العالم مجرد تجمّع صامت من الأشياء، بل نظام مقروء يمكن لمن دخلوا في أسرار قواعده الرمزية أن يفكوا شفرته. وتبلغ هذه الفكرة أشمل صيغها في مفهوم اللوح المحفوظ، وهو مفهوم قرآني يشير إلى السجل الإلهي الذي كُتبت فيه الأشياء جميعًا. ويبدو الكون هنا كأنه أرشيف بدئي: فكل حدث وشكل وموجود يوجد أولًا بوصفه نقشًا معقولًا في ذاكرة إلهية قبل أن يتجلى في الزمن. والعالم، بهذا المعنى، هو الانبساط الزمني لنظام معقول مكتوب سلفًا، والنسخة المرئية من كتابة غير مرئية. الإنسان المعقول وميتافيزيقا الإمامة يمكن، ضمن هذا الإطار، تبيّن استعادة وتوسيع لعدد من العناصر الأنثروبولوجية العائدة إلى العصور القديمة المتأخرة والفترة الهلنستية المتأخرة، وفي مقدمتها المفهوم الأفلاطوني المحدث لـ anthrōpos noētos ، أي “الإنسان المعقول”. ففي الأفلاطونية المحدثة، ولا سيما عند أفلوطين، تشير هذه الصورة إلى نموذج أولي معقول قائم في عالم النوس ( Nous )، لا تمثل الإنسانية التجريبية سوى تحقق منقوص ومشتق منه. وإلى جانب هذا التقليد تقوم الرؤية الهرمسية للإنسان الأول ( Anthropos )، الذي يُصوَّر ككائن نوراني يهبط إلى الكون المادي، مؤسسًا بذلك الوضع المزدوج للإنسانية، المتجذرة في التعالي والمنغمسة في الجسدانية في آن واحد. وفي عدد من الأنظمة الغنوصية، يعاد صوغ الصورة نفسها في هيئة “الإنسان الأول”، الذي يفسر تشظّيه تناثر الشرارات الإلهية في بنية الكون. ومن هذه الكوكبة الأوسع من الأفكار تنبثق، في مراحل لاحقة من التاريخ الفكري الإسلامي، عقيدة الإنسان الكامل. وفي صيغتها الأعم، تشير هذه الشخصية إلى عالم أصغر يعكس العالم الأكبر، وصورة مكثفة وجامعة لكلية الكون. وفي الخطاب المقارن اللاحق، كثيرًا ما تقترن بالمفهوم القبّالي لـ“آدم قدمون” (אָדָם קַדְמוֹן)، النموذج الأولي والضيائي للإنسانية. وهكذا لا يُتصور الإنسان، عبر هذه التقاليد، بوصفه مجرد جزء من الكون، بل بوصفه تكثيفًا رمزيًا لكليته وإعادة تمثيل ميتافيزيقية لها. ويكمن التوتر الملازم لفكر الكرماني في محاولته تأطير شخصية الإمام عقليًا على نحو منهجي، مع تقديمه بوصفه التحقق التاريخي لـ Anthropos أولي وسماوي. وقد تمثل مشروعه في بلورة مفهوم لوسيط فلسفي-إمبراطوري، حاكم قادر على تجسيد الحقيقة الميتافيزيقية المطلقة في صورة تاريخية ملموسة. وفي المحصلة، يسعى نظام الكرماني إلى ربط علم الكون والإمامة في بنية واحدة موحدة للمعنى. ففي هذا الإطار، يقوم اتصال بنيوي بين العالمين الأعلى والأدنى، ويجد كل مستوى ميتافيزيقي نظيرًا سياسيًا وتاريخيًا له. وهكذا تصبح الإمامة الانعكاس الأرضي للنظام الكوني، بما يؤسس التراتب السياسي على ضرورة ميتافيزيقية. وضمن هذا التصور، يقابل العقل الكلي النبي الناطق، فيما تقابل النفس الكلية الإمام الأساس. ويُعاد تعريف الخلاص بوصفه تحقق “أنثروبولوجيا نورانية”، يمتلك فيها الإمام حضورًا جسديًا وصورة لطيفة مشعة في آن واحد، لا يدركها الحس العادي. لكن تحت هذا الصرح الميتافيزيقي الكبير يكمن دافع أكثر إلحاحًا وبراغماتية: الحاجة الماسّة إلى إرساء أساس فلسفي لإمامة-خلافة تمر بأزمة. وقد أدت النزعة العقلانية المركبة لدى الكرماني دور درع دفاعية، في محاولة لتوفير أساس أنطولوجي راسخ لسلطة فاطمية تتعرض على نحو متزايد للانشقاقات الداخلية والضغوط الخارجية. حاول الكرماني أن يحل على المستوى النظري مشكلة لا حل نظريًا لها: بناء إمبراطورية أفلاطونية محدثة. فالمشروع الذي سعى إلى عقلنته منهجيًا كان، في نهاية المطاف، استحالة أنطولوجية. إن تصور “إمبراطورية أفلاطونية محدثة” يعني محاولة حبس “الواحد” أو “العقل الكلي” داخل قيود الزمان والمكان، وإلباس المطلق ثياب مؤسسة إمبراطورية. وعلى الرغم من أن الكرماني واجه هذه المعضلة من خلال عمارة فكرية شاهقة، فإنها ظلت مثقلة بتناقضات يستحيل التوفيق بينها. وبرفع الإمامة إلى مرتبة الضرورة الكونية، جعل الحل النظري الذي اقترحه الإمبراطورية أسيرة، بصورة متزايدة، لمثاليتها الخاصة. فكل إخفاق سياسي على الأرض كان يهدد بزعزعة تماسك هذا الصرح الكوني. كان الكرماني، في جوهر الأمر، يحاول “تأميم” الغيب لمصلحة التاريخ، وهو طموح حمل، على الرغم من بريقه الفلسفي، بذور إخفاقه التاريخي في داخله. لقد شيّد “مدينة فاضلة” من المفاهيم، غير أن الواقع الإمبراطوري ظل أضيق من أن يستوعب هندسة كهذه للتعالي. أفلوطين من دون أفلوطين تكمن المفارقة المدهشة في أن هذا الإرث الأفلاطوني المحدث الهائل لم يتبلور بوصفه تمرينًا فلسفيًا فحسب، بل بوصفه توليفًا كليًا بين الفلسفي والديني والإمبراطوري، أنجزه رجال لم تكن لهم معرفة مباشرة ومنهجية بأبرز فلاسفة الأفلاطونية المحدثة، أفلوطين نفسه. ومن المفارقات أن الشخصية المنتمية إلى التقليد الوثني للعصور القديمة المتأخرة، والتي مارست التأثير الأكبر في الفلاسفة المسلمين، بقي اسمها غائبًا إلى حد بعيد عن مسار النقل المباشر. وعندما كان يُشار إليها بصورة صريحة ومميزة، كانت تسمى في كثير من الأحيان ببساطة “الشيخ اليوناني” ( al-Shaykh al-Yūnānī ). ومع ذلك، كان أفلوطين بالفعل، كما وصل عبر مختصرات فرفوريوس وإعادة صوغها اللاحقة، وعلى الرغم من مروره جزئيًا عبر مرشح مفهومي أرسطي، صاحب أحد أعمق التأثيرات وأكثرها ديمومة في بنية الفلسفة العربية الإسلامية. فقد تداول التقليد العربي أجزاء من التاسوعات، ولا سيما الكتب من الرابع إلى السادس، بعد إعادة ترتيبها وصوغها، لا تحت اسم أفلوطين، بل تحت العنوان المضلل أثولوجيا أرسطوطاليس. ولم يكن هذا النسب الخاطئ مجرد خطأ في النقل، بل أتاحته بنيويًا استراتيجية فرفوريوس في التعبير عن العقيدة الأفلاطونية المحدثة بلغة مفهومية أرسطية، باستخدام مفاهيم مثل الجوهر والقوة والفعل، بما جعلها قابلة للقراءة داخل الخطاب المشّائي. وبالنظر إلى السلطة التي حظي بها أرسطو بوصفه المعلّم الأول، تلقى التقليد الفلسفي الإسلامي هذا النص باعتباره امتدادًا باطنيًا لميتافيزيقا أرسطو. وكانت النتيجة مفارقة تاريخية لافتة: فقد استُوعبت الأفلاطونية المحدثة الأفلوطينية بوصفها “الطبقة الأعمق” في فكر أرسطو نفسه. وإلى جانب أرسطو، احتل أفلاطون أيضًا مكانة سامية في الفلسفة، وكثيرًا ما وُصف بـ“أفلاطون الإلهي”، فتشكّلت بذلك مرجعية مزدوجة يمدّها أفلاطون بالرؤية الميتافيزيقية وأرسطو بالصرامة المنهجية. غير أن تلقي أفلاطون كان انتقائيًا إلى حد بعيد، ومر عبر وسائط أعادت تشكيله. فقد أولى الفلاسفة المسلمون عناية خاصة بـالجمهورية والقوانين بوصفهما نموذجين سياسيين، وبـطيماوس بوصفه أساسًا كونيًا. وفي هذا السياق، أعيد بناء أفلاطون فعليًا بوصفه مفكرًا في الحكم المثالي والنظام الميتافيزيقي معًا. وأعاد الفارابي تفسير المثال الأفلاطوني للفيلسوف-الملك في صورة الحاكم الفاضل أو النبي المشرّع، فيما جرى حل التوتر بين politeia و nomos من خلال مفهوم نظام سياسي مؤسس على الإلهي، أي المدينة الفاضلة. وأصبح طيماوس، على وجه الخصوص، النص الأفلاطوني الأبعد أثرًا في العالم الإسلامي، وإن كان نادرًا ما وصل في صورته الفلسفية الأصلية. فقد دخل الثقافة الفكرية العربية، في كثير من الأحيان عبر مختصرات جالينوس، بوصفه مزيجًا من علم الكون والطب والميتافيزيقا. وأسهمت القراءات الفيزيولوجية التي قدّمها جالينوس للحوار في طمس الحدود بين النظام الكوني وبنية الجسد، بما أتاح قراءة الكون نفسه بوصفه كائنًا عضويًا تنعكس نسبه العقلانية في الفيزيولوجيا البشرية. الخلق والانسجام والتوليف اليوناني طرح النموذج الأفلاطوني للصانع ( demiurge ) مشكلة لاهوتية إضافية: كيف يمكن التوفيق بين عالم صيغ انطلاقًا من نظام سابق وبين عقيدة الخلق من العدم ( creatio ex nihilo )؟ أعاد فلاسفة مثل الكندي، ثم ابن سينا، تفسير الصانع لا بوصفه صانعًا يعمل داخل الزمن، بل باعتباره استعارة للتعقل الإلهي، حيث تقيم الصور الأزلية في علم الله وتؤسس معقولية الخلق. وكانت النتيجة علم كون رياضيًا وتناغميًا أمكن فيه للضرورة الميتافيزيقية والخلق التوحيدي أن يتعايشا. وطُوّر هذا التصور الأفلاطوني الكوني بصورة أكبر في تقاليد مثل إخوان الصفا، الذين بلوروا عقيدة العالم الأكبر والعالم الأصغر: الكون بوصفه “إنسانًا كبيرًا”، والإنسان بوصفه “عالمًا صغيرًا”. وفي هذا الإطار، امتدت النسب التناغمية التي تحكم الحركة السماوية إلى الأخلاق والطب والموسيقى، مكوّنة رؤية موحدة للنظام الكوني. أما أرسطو، فكان يؤدي أساسًا دور ضامن المنهج. فقد وفّر الأورغانون البنية المنطقية للبرهنة والتصنيف والاستدلال، بما أتاح للخطاب الفلسفي اكتساب صرامة برهانية. وفي هذا التوليف، قدّم أفلاطون الرؤية الأنطولوجية والكونية، فيما قدّم أرسطو الانضباط المعرفي. وأدخل أفلوطين، ضمن هذا التوليف، تحولًا حاسمًا بالميتافيزيقا نحو الداخل. فعلى خلاف جمهورية أفلاطون، التي تقتضي عودة الفيلسوف إلى النظام المدني، ينقل أفلوطين مركز الثقل نحو الارتقاء الداخلي للنفس. وتصبح غاية الوجود هي henōsis ، أي الاتحاد بالواحد، فيما تُدفع الحياة السياسية إلى مرتبة ثانوية ضمن تراتبية الوجود. ويعبّر تصوره الشهير، “فرار الوحيد إلى الوحيد”، عن إعادة التوجيه الجذرية هذه نحو التعالي الداخلي. ومع ذلك، لا يرفض أفلوطين الفضيلة المدنية رفضًا تامًا. ففي التاسوعات، يميّز بين مستويات من الفضيلة: فضائل مدنية تنظم الحياة المتجسدة، وفضائل تطهيرية تفصل النفس عن الجسدانية، وفضائل عقلية توجهها نحو العقل الإلهي ( nous ). وهكذا تصبح السياسة تمهيدية لا نهائية: ضرورية للنظام، لكنها ليست مكوّنًا للغاية الإنسانية العليا. وينسب تقليد روائي إلى أفلوطين حتى مشروعًا سياسيًا لم يتحقق، هو تأسيس بلاتونوبوليس برعاية إمبراطورية، بما يوحي، في الحد الأدنى، بوجود توتر بين الانسحاب الفلسفي والطموح المدني. وسواء كان هذا الحدث تاريخيًا أم رمزيًا، فإنه يبرز التباس موقع أفلوطين في الفلسفة السياسية اللاحقة. وازداد انتقال الأفلاطونية إلى الفلسفة تعقيدًا بسبب غياب الوصول المباشر إلى مجمل المتن الأفلاطوني، خلافًا للترجمة المكتملة نسبيًا لأرسطو. ونتيجة لذلك، قُرئ أفلاطون وأرسطو في كثير من الأحيان بوصفهما لحظتين متكاملتين في تقليد واحد موحد للحكمة. وبلغ هذا “الافتراض التوفيقي” أوضح صياغاته في مشروع الفارابي للجمع بين رأيي أفلاطون وأرسطو، وهو مشروع يفترض وجود اتفاق جوهري بينهما. وقد أظهرت الدراسات الحديثة، ولا سيما أعمال بيتر أدامسون، أن ما يسمى أثولوجيا أرسطوطاليس بعيد كل البعد عن أن يكون نقلًا أمينًا لأفلوطين. فهو بالأحرى نص أعيد تشكيله على نحو عميق، وأعيدت فيه صياغة الميتافيزيقا الأفلوطينية بصورة منهجية بمصطلحات أرسطية. وحتى الحجج النقدية الموجهة ضد علم النفس الأرسطي جرى تخفيفها أو إعادة توجيهها للحفاظ على الاستمرارية المذهبية. وعمليًا، لم يُدحض أرسطو، بل جرى استيعابه داخل إطار أفلاطوني محدث. وكان لهذا التحول أثر عميق. فقد أعيد تفسير تعريف أرسطو للنفس بوصفها entelecheia (الإنطليخيا) للجسد، وهو تعريف يفترض، في صيغته الأصلية، الفناء، بطريقة تحفظ توافقه مع الخلود. وهكذا أعيد تصور النفس لا بوصفها وظيفة جسدية، بل بوصفها مبدأ متعاليًا للكمال. وفي هذه الكوكبة الفكرية، أخذت الفلسفة تعمل على أساس ما يمكن وصفه بأسطورة تأسيسية: وحدة الفلسفة اليونانية. فقد أُدرج أفلاطون وأرسطو وأفلوطين في سلسلة واحدة متماسكة من الحقيقة، على الرغم من اختلافاتهم التاريخية. ومن ثم يمكن قراءة الجمع بين رأيي الحكيمين للفارابي بوصفه التعبير البرنامجي عن هذه الرؤية التركيبية. من “Greek Theory” إلى بلاتونوبوليس كانت الحصيلة الميتافيزيقية لهذا التقليد، في نهاية المطاف، إعادة تصور النفس بوصفها جوهرًا غير مادي قائمًا بذاته ومتجهًا نحو العقل الفعّال. كما أعيد تفسير الأخرويات نفسها ضمن سجل عقلاني وصوري: فبدل حياة أخروية جسدية محضة، يتكشف مصير النفس في مجال غير مادي (عالم المثال)، تُنقل فيه الصور الواردة في النصوص المقدسة إلى صيغة معقولة. وهكذا أنشأت الفلسفة أخرويات فلسفية قادرة على التوسط بين الميتافيزيقا البرهانية والوصف القائم على الوحي. وقد نسج الفلاسفة، في الواقع، نوعًا من “وهم الإجماع”، إذ تعاملوا مع الأصوات المتعارضة داخل التقليد اليوناني بوصفها “Greek Theory” واحدة متجانسة. ويذكّر ذلك بالطريقة التي اختزلت بها الأوساط الأكاديمية الأميركية في القرن العشرين الاحتكاكات بين فوكو ودريدا ولاكان في العلامة الموحدة “French Theory”. وإذا كانت “French Theory” الأميركية مرتبطة غالبًا بالتفكيك، فإن “Greek Theory” لدى الفلاسفة كانت مشروع إعادة بناء: تشييد نظام ميتافيزيقي هائل وموحد قادر على تفسير كل شيء، من النجوم إلى النفس. وفي هذه الإعادة الإسلامية لتخيّل “Greek Theory”، كان التطهّر مسلّمة أساسية. فعند مفكرين مثل الكرماني وابن سينا، لا ينظر هذا التقليد إلى الفلسفة بوصفها مجرد ممارسة للبحث النظري، بل بوصفها عملية تطهير تحوّلية. وفي هذا الإطار، يتحقق كمال النفس الإنسانية وارتقاؤها نحو السعادة القصوى من خلال الإدراك الفاعل للحقيقة. ومن هذا المنظور، تتغير غاية الفلسفة: فلم تعد مجرد فهم العالم، بل التطهّر منه، وصولًا إلى الاتحاد بالمطلق مع البقاء حاضرًا حضورًا كاملًا في النظام الزمني. وفي حين تصوّر أفلوطين بلاتونوبوليس بوصفها معتزلًا في كامبانيا مكرسًا للحياة التأملية، كان ابن سينا والكرماني يطمحان إلى نظام كلي. وبالنسبة إلى الكرماني، كان ينبغي لبلاتونوبوليس هذه أن تكاد تتماهى مع الدعوة الفاطمية، في تراتبية صارمة وجميلة. فكما تنتظم السماوات وفق عشرة عقول، تنتظم الدولة الفاطمية وفق مراتب من التدرج في الدعوة. وهنا تعمل المدينة كآلة تربوية، تقابل فيها كل مرتبة من مراتب الهرمية الدينية مرتبة محددة في الكون. أما بلاتونوبوليس ابن سينا، حيث يظل الأفلاطوني محتجبًا خلف الهالة المزدوجة لأرسطو والنبي، فتتسم بطابع أشد مراوغة. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

النبي والفيلسوف (5/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 15, 2026 - 20:41

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي أُلقيت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، وحملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة منقحة وموسعة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الخامسة من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. V - بين ما يتعذر التعبير عنه والضرورة: أزمة القاهرة والمنعطف الأنطولوجي يجب فهم وصول حميد الدين الكرماني إلى القاهرة في سياق إحدى أشد الأزمات اللاهوتية والسياسية حدةً في تاريخ الدعوة الإسماعيلية الفاطمية: السنوات الأخيرة من حكم الحاكم بأمر الله (حكم 996-1021م). وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها مع “الانشقاق الدرزي”. وكان السبب الأساسي إعلان بعض المحرّضين أن الخليفة الإمام الحاكم لم يكن مجرد “حجة الله” أو “ركن من أركان الملأ الأعلى”، بل التجلي المطلق للألوهية ذاتها. وتاريخياً، ظل موقف الحاكم من هذه الشخصيات متقلباً، وهو موقف متغير لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من تغذية النزعة إلى إسقاط أحكام الشريعة داخل الحركة. وقد ذهب هؤلاء المنشقون إلى أنه، ما دامت “نهاية الأزمنة” و“الحقيقة النهائية” قد تحققتا في شخص الحاكم، فإن الشريعة الدينية الظاهرة، بما فيها الصلاة والصيام والحج، قد أصبحت متجاوزة. ومن وجهة نظرهم، لم تعد وساطة الشريعة ضرورية في مواجهة حضور جذري ومباشر. ومن منظور الدعوة الفاطمية الرسمية، مثّل هذا التطور انحرافاً خطيراً. فقد حافظ المذهب الإسماعيلي التقليدي على تمييز ميتافيزيقي صارم: الله متعالٍ تعالياً مطلقاً ومنزّه عن كل إسناد، في حين أن الإمام إنسان مصطفى على نحو فريد، وهو المؤوِّل المخوّل للوحي الإلهي. وأي انهيار لهذا التمييز باتجاه مفاهيم الحلول أو التجلي الإلهي كان يهدد بنية التوحيد الإسماعيلي ذاتها. وفي سياق هذا الانشقاق العقائدي، استُدعي الكرماني إلى القاهرة من قبل المؤسسة المركزية للدعوة الفاطمية. وباعتباره واحداً من أكثر فلاسفة الإسماعيلية عمقاً في عصره، كان مؤهلاً على نحو خاص لمواجهة هذه الأزمة. وفي مواجهة النزعات الناشئة نحو تأليه الحاكم، أعاد الكرماني تأكيد تصور كوني هرمي صارم. ففي نظامه، يظل الله متعالياً تعالياً مطلقاً؛ ومنه يصدر العقل الأول بفعل الإبداع ( ibdā ʿ)، ثم تتبعه هرمية منظمة من العقول والمبادئ الكونية. وضمن هذه البنية، لا يمكن لأي شخصية بشرية، بما فيها الإمام، أن تحتل مرتبة الألوهية أو الحلول. ويظل الإمام سلطة معرفية وتأويلية أساسية، ولكن ضمن النظام المخلوق حصراً. ولا يمكن فصل فكر الكرماني عن مهمة ثلاثية وعن توتر يتجلى على ثلاثة مستويات. أولاً، سعى إلى ترسيخ الإسماعيلية الفاطمية بوصفها إسلاماً مؤسسياً متجذراً في تقليد فقهي راسخ، وهو مشروع أسهمت أعمال القاضي النعمان إسهاماً مركزياً في تشكيله. ثانياً، أراد أن يجعل الإسماعيلية، في آن واحد، حركة دعوية ناشطة داخل حدود الإمبراطورية وخارجها، وديناً إمبراطورياً. وثالثاً، سعى إلى تقديم الإسماعيلية بوصفها ديناً فلسفياً، وعلمياً بحسب معايير ذلك العصر، متجذراً بعمق في كوسمولوجيا زمانه وعلم الفلك فيه. ويطرح كل ذلك سؤالاً مركزياً: كيف يمكن لعقيدة باطنية أن تحكم دولة ظاهرية، وكيف يمكن، في المقابل، لإمبراطورية مرئية أن تقوم على ميتافيزيقا غير مرئية؟ بالنسبة إلى مفكر كالكرماني، تكمن الإجابة في نظرية المطابقة بين النظامين السماوي والأرضي: فكل ما في العالم الأعلى له نظير في العالم الأدنى. وهكذا تعكس بنية الإمامة الهرمية الكونية. راحة العقل في تصحيحه للنموذج الأفلاطوني المحدث السابق الذي ورثه عن السجستاني، أزال الكرماني حتى أدنى أوجه النقص من العالم الأعلى. وكان يسعى بذلك إلى جعل الحياة الأرضية منسجمة مع شكل من أشكال الوفاق ( concordia )، أي تناغم يقوم على “راحة العقل”. وتتحقق هذه الحال عندما يدرك العقل أن العقل الأول هو أول مُبدَع وأول موجود؛ وأن إبداعه يصدر عن مصدر محجوب أزلاً وبلا نهاية؛ وأن كل بحث فيما يقع “وراءه” ممتنع منعاً قاطعاً؛ وأن ما يقع “دونه” عاقل (ʿ āqil ) ومعقول ( ma ʿ qūl ) في آن واحد؛ وأن الإمامة هي الصورة الأرضية لهذا النظام من العقول؛ وأنها تمثل الصلة بنور هذه العقول، لا تجلياً للمحجوب الذي لا يتجلى أبداً. واقترن ذلك، لدى الكرماني، بمحاولة لمنع أي شكل من أشكال الاستقلال الفكري الذي قد يدفع العقل إلى ادعاء الاكتفاء الذاتي، بدلاً من أن يتواضع لتلقي تعاليم الإمام، الذي يمتلك وحده مفتاح التأويل الباطني. كما شدد على توازن صارم بين الباطن والظاهر، وبين العرفان الفلسفي والفقه، وبين شكلي العبادة: العقلية والعملية. من القاهرة إلى ألموت تمثل فترة الحاكم بأمر الله (386-411هـ / 996-1021م) اللحظة “الحرجة” أو “الدرامية” في التاريخ الإسماعيلي. فقد كشفت عن التصدعات الكامنة بين الأبعاد المتعددة للمشروع الإسماعيلي. وعندما اختفى الحاكم بأمر الله في ظروف غامضة ذات ليلة من سنة 411هـ، انهار “الجسر” الذي كان الكرماني يحاول تدعيمه. ورفض قسم من الدعوة، ولا سيما في بلاد الشام، الاعتقاد بأن الحاكم قد مات، ورأى في اختفائه “غيبة”. وأدى ذلك إلى نشوء الجماعة الدرزية، التي انفصلت كلياً عن الإطار الإمبراطوري الفاطمي. وأثبت ذلك أن البعد “الإمبراطوري” لم يعد قادراً على احتواء الدعوة “الثورية”. واضطر الخلفاء الذين أتوا بعد الحاكم، الظاهر ثم المستنصر، إلى تبني نهج شديد المحافظة من أجل الحفاظ على العرش. وهمّشوا الأبعاد الكونية والفلسفية “الخطرة” التي كادت تطيح بالدولة، وركزوا بدلاً منها على الأشكال التقليدية للحكم الإمبراطوري. وبعد ذلك بقليل، وجد دعاة فارس وخراسان، ومن بينهم ناصر خسرو (1004-نحو 1088م)، أنفسهم أمام فجوة هائلة. ففي الوقت الذي كانوا يبشرون بإمام كوني سيغيّر مجرى التاريخ، كانوا يرون بلاط القاهرة يغرق في الصراعات الصغيرة بين الوزراء وحرس القصر. وأفضى هذا التوتر في نهاية المطاف إلى الانشقاق الكبير: الصراع النزاري المستعلي. وجاء الانفصال النهائي مع صعود حسن الصباح وتأسيس دولة ألموت. فقد رأى الإسماعيليون الشرقيون، أي النزاريون، أن المركز الفاطمي في القاهرة قد استبدل بروحه الثورية مظاهر إمبراطورية راكدة، فقطعوا صلاتهم بالخلافة القاهرية. وفي جبال فارس الوعرة، انفصلت “الدعوة الثورية” أخيراً عن “البعد الإمبراطوري”. وحولت ألموت المشروع الإسماعيلي إلى شبكة لامركزية من الحصون ذات الطابع العسكري، واستبدلت بالفقه الرسمي للقاهرة عقيدة التعليم، أي التعليم القائم على سلطة الإمام. ومثّل هذا التحول الانتصار النهائي لروح “الهادي”، المقاتلة والسرية والمشحونة بكثافة فلسفية، على البنى السياسية المتآكلة التي كان الكرماني قد أمل يوماً في إنقاذها. من تعذر التعبير إلى الضرورة يكشف المسار الفكري للدعوة الإسماعيلية عن مفارقة لافتة: فقد اتسم الانتقال من القاهرة إلى ألموت بتحول من اللاهوت التنزيهي الجذري إلى إطار أنطولوجي سيناوي. وقد تمسك المفكرون الفاطميون الأوائل، مثل السجستاني والكرماني، بلاهوت تنزيهي صارم. فقد رأوا أن المبدع ( al-Mubdi ʿ) متعالٍ في “غيريته” إلى حد أنه يتجاوز الوجود واللاوجود معاً. وكان الهدف من هذا “النفي المزدوج” حماية التوحيد من أي تشبيه بشري أو مادي، ووضع الإلهي خارج متناول اللغة والمنطق. أما في مرحلة ألموت، التي اتسمت بإعلان “القيامة” ( Qiyāma )، وهو الحدث التحولي الذي أُعلن في ألموت سنة 1164م ومنح الأولوية للجوهر الروحي للحقيقة على المتطلبات الشكلية للشريعة، ثم شهدت لاحقاً مزيداً من التطوير على يد نصير الدين الطوسي (1201-1274م)، فقد تبنّى الفكر الإسماعيلي لغة “واجب الوجود” ( wājib al-wujūd ). ومع تحول الميتافيزيقا السينوية إلى مرجعية للفلسفة العليا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، تبنى مفكرو ألموت هذه المقولات سعياً إلى إضفاء مزيد من الصرامة الفكرية على منظومتهم. وفي حين كانت الأفلاطونية المحدثة لدى الكرماني نظاماً كثيفاً ونخبوياً، احتاجت دولة ألموت المحاصرة إلى أساس ميتافيزيقي أكثر مباشرة. ومن خلال تبني مفهوم “واجب الوجود”، ربط لاهوت ألموت النظام الكوني على نحو أوثق بالتعليم القائم على سلطة الإمام، موفراً بذلك أساساً أنطولوجياً ثابتاً لجماعة تعيش في حال من الثورة الدائمة. وعندما دمّر المغول بقيادة هولاكو خان ألموت سنة 1256م، استسلم الطوسي إلى جانب الإمام الأخير، ركن الدين خورشاه. وسرعان ما أصبح أحد كبار مستشاري هولاكو، وأسهم في إنشاء مرصد مراغة. ومنذ ذلك الحين، اتجهت مؤلفات الطوسي العلنية نحو التشيع الاثني عشري. فوضع كتاب “تجريد الاعتقاد” ( Tajrīd al-I ʿ tiqād )، الذي أصبح أحد النصوص الأساسية في علم الكلام الاثني عشري. ومن المفارقات أن تنظيم الكرماني للعالم المعقول في مؤلفه الأبرز، “راحة العقل” ( Rāḥat al- ʿ Aql )، ربما كان أعمق أثراً في الموحدين الدروز منه في أي جماعة أخرى. فعلى الرغم من أن مهمته في القاهرة كانت تهدف في الأصل إلى دحض الآباء المؤسسين لهذه الجماعة، أصبحت صرامة تصوره الكوني الأساس الفكري نفسه الذي أقاموا عليه بناءهم العقائدي. (ملاحظة : تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

النبي والفيلسوف (4/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 13, 2026 - 16:06

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي تمت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، والتي حملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة منقحة وموسعة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الرابعة من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. IV - لا مكان للصناديق السوداء: ابن سينا وعلمنة المشروع الإسماعيلي نشأ ابن سينا وهو يستمع إلى الدعاة الإسماعيليين الذين كانوا يترددون على منزل أسرته في بخارى. وكان أبوه وأخوه من أتباع الدعوة الإسماعيلية، وكثيراً ما كانا يناقشان فلسفتها، ولا سيما الصيغة السجستانية القائمة على ثنائية العقل والنفس. وفي حين سعى الكرماني إلى تجاوز هذه الثنائية من خلال تكييف منظومة العقول العشرة الفارابية مع تصوره لإله متعالٍ على نحو مطلق ومستعصٍ على الإدراك، سعى ابن سينا إلى تجاوز كل من استحالة معرفة الله وثنائية العقل والنفس معاً. بالنسبة إلى ابن سينا، يشكل المنطق الأداة الأساسية للخلاص. فهو يرى أن كمال النفس يكمن في كمال العقل: فأن يعقل الإنسان بنية الكون بكاملها يعني أن يبلغ الغاية القصوى للوجود الإنساني. وقد ذهب إلى أن العقل بالقوة يستطيع بلوغ الاتصال بالعقل الفعال من خلال الجمع بين المنطق الصوري والحدس العقلي ( ḥads )، من دون الحاجة إلى وسيط حي كالإمام. وإضافة إلى ذلك، مع أن ابن سينا يؤكد بساطة الله ووحدانيته، فإنه يرى أن العقل الأول قادر على تعقل المبدع، وأنه يتعقله بالفعل. بل إن عملية الفيض بأسرها في النظام السينوي تنطلق من فعل معرفة العقل الأول لعلته. وضمن هذا الإطار، يصبح الله “معقولاً”، وهو تصور كان الكرماني سيعدّه قريباً على نحو خطير من الشرك، لما ينطوي عليه من تهديد لتعالي الذات الإلهية المطلق واستعصائها على الإدراك. لقد ورث ابن سينا قدراً كبيراً من “المشروع الفلسفي الإسماعيلي”. ففكرة أن الوجود ليس فوضى، بل سلّم صاعد من العقول، تشكل أحد الأعمدة الأساسية للمشروع الإسماعيلي، ولا سيما لدى السجستاني والنسفي. وقد أخذ ابن سينا هذه الهرمية وحوّلها من “مراتب دعوية” أو “رموز عرفانية” إلى ضرورات منطقية. وعنده، يشكل نظام العقول العشرة في آنٍ واحد “علماً طبيعياً” و“ميتافيزيقا”، على نحو شبيه بالكرماني الذي تصبح لديه “الطبيعة” نفسها “ميتافيزيقا”. يتمحور المشروع الإسماعيلي حول “خلاص النفس” بالمعرفة، وقد وضع ابن سينا هذا المحور في صميم فلسفته. فبحثه في “النفس” ليس مجرد بحث طبي أو بيولوجي، بل هو دراسة لـ“اغتراب النفس” وصراعها من أجل العودة إلى عالمها السماوي، كما يتجلى في قصيدته الشهيرة، العينية في النفس. وهذا “الحنين الكوني” يمثل صدى مباشراً للروحانية الإسماعيلية التي نشأ في أجوائها. وفي نهاية المطاف، قام ابن سينا بـ“علمنة” المشروع الإسماعيلي. فقد أخذ الهيكل الأساسي للميتافيزيقا الإسماعيلية، بما فيه العقول والنفوس والأفلاك والمراتب، ونزع عنه الطابع السري والحصري المرتبط بالإمام، وجعله متاحاً لكل عقل بشري يمتلك الحدس العقلي والمنطق. واستبدل بالتأويل الباطني ( ta ʾ wīl ) البرهان الأرسطي ( burhān ). لكنه، إذ فعل ذلك، كان يؤسس بطريقته الخاصة “ديناً فلسفياً” جديداً، أكثر ثقة بذاته وأكثر رسوخاً من الناحية الاستراتيجية حتى من مشروع الفارابي. كان الفارابي ينظر إلى النبي أساساً من زاوية سياسية، فيراه “الرئيس الأول” الذي يستخدم ملكة التخيل لترجمة الحقائق الفلسفية المجردة إلى لغة يمكن للجمهور إدراكها. أما ابن سينا، فذهب إلى أن النبي يمتلك “حدساً عقلياً” استثنائياً ( ḥads )، يتيح له الاتصال بالعقل الفعال على نحو فوري، من دون الحاجة إلى المرور بالدراسة الاستدلالية. ومن خلال تأطير النبوة بوصفها ملكة عقلية طبيعية، وإن كانت نادرة، أدخل ابن سينا “الدين” فعلياً في مجال “العلم”. وهكذا أعيدت صياغة الدين بوصفه فرعاً متخصصاً من علم النفس، وأصبح الفيلسوف المرجع النهائي في الحكم على صحته. وفي هذا الإطار، لم يعد الفيلسوف بحاجة إلى politeia ، كما عند الفارابي، ولا إلى دعوة إمبراطورية، كما في الإسماعيلية، لكي يبلغ الخلاص. بل يتحول الخلاص إلى حدث داخلي معرفي: “عودة” النفس المغتربة إلى مصدرها بقوة العقل الذاتية. وبالنسبة إلى ابن سينا، إذا كان للفلسفة أن تحل محل الإمام أو الدعوة بوصفها مصدر الحقيقة النهائية، فلا بد لها من أن تكون مكتفية بذاتها. فقد أراد إثبات وجود الله بالمنطق وحده، من دون الاستناد إلى “الآيات” أو “الوحي” أو حتى إلى العالم المادي وحركته. أما إله الكرماني فهو “غيب الغيوب”، المتعالي عن الوجود واللاوجود. وينشأ عن ذلك “فاصل” لا يستطيع أن يجسره إلا الإمام أو تعليم سري ( ta ʿ līm ). أما ابن سينا، فلا يترك مجالاً للصناديق السوداء: فالكون لديه شفاف بالكامل أمام العقل. ومن خلال إثبات وجود الله بوصفه ضرورة منطقية، جعل ابن سينا من الممكن، نظرياً، أن يفهم العقل البشري سلسلة الوجود بأكملها. برهان الصدّيقين يُعد “برهان الصدّيقين” واحداً من أكثر البراهين على وجود الله دقة وتأثيراً في تاريخ الفلسفة الإسلامية. وقد صاغه ابن سينا وسمّاه في كتابه الإشارات والتنبيهات، وميّزه صراحة عن الحجج الكلامية السابقة لدى المتكلمين، التي تعتمد على حدوث العالم، وكذلك عن حجج الفلاسفة الطبيعيين القائمة على الحركة والعلية الفيزيائية. وكان طموح ابن سينا أن يبني برهاناً لا ينطلق من العالم بوصفه معلولاً، بل من الوجود نفسه بما هو وجود. وغالباً ما يُربط الأفق القرآني لهذا البرهان بالآية: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53) إلى جانب التأكيد أن شهادة الله تكفي برهاناً. وتميز القراءات الكلاسيكية بين نمطين من البرهنة: برهان الآفاق، الذي يستدل على الخالق انطلاقاً من المخلوقات، وبرهان الصدّيقين، الذي ينتقل مباشرة من الوجود نفسه إلى واجب الوجود، من دون المرور بالموجودات الممكنة أو بالحركة الكونية. الوجود الواجب والوجود الممكن في صميم برهان ابن سينا يكمن التمييز الأنطولوجي بين الوجود الواجب والوجود الممكن. فالموجودات التي نشاهدها ممكنة: توجد ثم تزول، مما يدل على أن وجودها ليس قائماً بذاته، بل يحتاج إلى مرجّح يرجح كفة الوجود على العدم. ولو كان كل موجود ممكن يحتاج إلى موجود ممكن آخر إلى ما لا نهاية، لما أمكن تثبيت أي وجود فعلي. ومن ثم، لا يمكن للتسلسل اللانهائي للعلل أن يشكل بنية تفسيرية مكتملة. فلا بد لسلسلة الإمكان أن تنتهي إلى موجود واجب الوجود بذاته، تكون ماهيته عين وجوده. وهذا الموجود هو واجب الوجود، الله. ويتعزز هذا الانتقال الميتافيزيقي بأطروحة ابن سينا الشهيرة القائلة إن الوجود عَرَض (ʿ araḍ ) يطرأ على الماهية. ففي الموجودات الممكنة، تكون الماهيات في ذاتها متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، ومن ثم يكون الوجود شيئاً يُمنح لها من خارجها. ويتيح هذا التمييز المفهومي لابن سينا بلورة شكل جذري من التبعية الأنطولوجية: فالماهيات “تتلقى” الوجود من واجب الوجود، الذي وحده يوجد بذاته. وهكذا يتألف العالم من ماهيات تنتظر الوجود، في حين أن الله وجود محض بلا ماهية. وفي هذا الإطار، يكون الله واهب الوجود، ويصبح الوجود “فيضاً” ميتافيزيقياً يُمنح للماهيات التي لولاه لظلت غارقة في العدم. غير أن ابن رشد وجّه نقداً حاداً إلى هذه العقيدة، رافضاً القول إن الوجود عَرَض يُضاف إلى الماهية. ففي نظره، هذا الفصل مفهومي محض ولا حقيقة له خارج الذهن. والسؤال عن الكيفية التي “يلتحق” بها الوجود بالماهية هو، من وجهة نظره، خطأ في المقولات: فلا شيء يوجد قبل الوجود بحيث يمكن للوجود أن يُضاف إليه. وخلافاً لابن سينا، يؤكد ابن رشد أن وجود الشيء مطابق لماهيته في الواقع. ومن ثم، فإن نقده لجعل الوجود عَرَضاً عند ابن سينا يمثل دفاعاً عن الوحدة الأنطولوجية في مواجهة ما رآه تجريداً لا ضرورة له. الفيض وهرمية العقول يمتد هذا النقاش إلى علم الكون من خلال عقيدة الفيض التي يفسرها ابن سينا وابن رشد على نحو مختلف. ويصوغ ابن سينا المبدأ القائل إن “الواحد لا يصدر عنه إلا واحد”. فمن واجب الوجود يصدر العقل الأول، الذي ينتج بدوره بنية ثلاثية من خلال تعقله لذاته: معرفته بالمبدأ الأول، ومعرفته بذاته بوصفه واجباً، ومعرفته بذاته بوصفه ممكناً. وتتواصل هذه السلسلة عبر هرمية من عشرة عقول، تنتهي بالعقل الفعال، الذي يدبر العالم ما تحت القمر. وتدمج هذه البنية الكونية الميتافيزيقا بعلم الفلك: إذ يرتبط بكل فلك سماوي عقل ونفس. وتتولى نفس كل فلك مسؤولية حركته، التي لا تُفهم على نحو ميكانيكي، بل بوصفها شكلاً من أشكال الشوق أو التطلع إلى الكمال. وهكذا يصبح الكون بأسره هرمية من العقول والنفوس والأجسام قابلة للإدراك العقلي. أما ابن رشد، فيعيد توجيه هذا النظام الميتافيزيقي نحو إطار أرسطي أكثر صرامة. فهو يرفض الحاجة إلى تعدد العقول الوسيطة، ويعيد تأكيد أولوية الحركة الفيزيائية بوصفها نقطة انطلاق للبرهان. وتستند براهينه على وجود الله إلى الطبيعة نفسها: دليل العناية، الذي ينطلق من ملاحظة انتظام العالم وملاءمته للحياة، ودليل الاختراع، الذي يشير إلى التعقيد المنظم للكائنات الحية، وهو ما لا يمكن تفسيره بالمصادفة وحدها. أما العلة القصوى فهي المحرّك الذي لا يتحرك، ويُستدل عليه من واقع الحركة الأزلية في السماوات. التصور الكوني عند ابن سينا والإسماعيليين ضمن هذا المشهد الفكري الأوسع، تصبح عقيدة العقول العشرة بنية مشتركة، وإن كانت موضع خلاف، بين الفكر السينوي والفكر الإسماعيلي. ويفترض كلا النظامين أن التعالي الإلهي يستلزم وساطة: فالله لا يدبر العالم مباشرة، بل عبر هرمية من العقول المفارقة. كما يربط كلاهما العدد عشرة ببنية كونية مكتملة، يتولى فيها العقل العاشر، أي العقل الفعال، تدبير العالم ما تحت القمر. وبهذا المعنى، يكون التصور الكوني ميتافيزيقياً ومعرفياً في آنٍ واحد: فهو يفسر بنية الكون وشروط المعرفة الإنسانية معاً. ويظهر تقارب آخر في دور العقل الفعال بوصفه وسيطاً بين المعقول والإدراك الإنساني. فهو مصدر الصور، والمبدأ الذي يُخرج العقل البشري من القوة إلى الفعل، والشرط الذي تقوم عليه المعرفة الفلسفية. وعند ابن سينا، يظل الوصول إلى هذا العقل متاحاً للفيلسوف من خلال الحدس العقلي. أما في الفكر الإسماعيلي، ولا سيما لدى حميد الدين الكرماني، فيرتبط هذا الوصول بنيوياً بشخص الإمام، الذي يجسد معناه وينقله ضمن نظام هرمي للمعرفة. وما يتكشف من هذا الإطار المقارن ليس مجرد خلاف حول براهين وجود الله، بل تباين أعمق يتعلق ببنية الواقع ذاتها: هل الوجود في جوهره قياسي أم مطابق؟ وهل الوساطة ضرورة ميتافيزيقية أم بناء تأويلي؟ وهل تبلغ الفلسفة ذروتها في حدس عقلي مستقل أم في نظام هرمي منظم للمعنى الموحى به؟ (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

النبي والفيلسوف (3/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 11, 2026 - 15:55

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي تمت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، والتي حملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة مقالة موسعة ومنقحة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الثالثة من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. III - الغنوص بلا مهرب: تدبير البليروما (Pleroma) في «راحة العقل» للكرماني بين القرنين التاسع والحادي عشر، شهد العالم الإسلامي الحضاري ( Islamicate ) ترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية وإعادة تشكيلها، ولا سيما فلسفة أرسطو والأفلاطونيين المحدثين. وقد أفضى ذلك إلى نشوء الفلسفة ( falsafa )، بوصفها تقليداً سعى إلى بناء تفسير عقلاني وبرهاني للواقع ( burhān )، غالباً ما يدمج الميتافيزيقا والكوسمولوجيا وعلم النفس في منظومة موحدة. وفي الوقت نفسه، كانت التيارات الفكرية الشيعية، ولا سيما الإسماعيلية، تطور منظوماتها الميتافيزيقية الخاصة، وهي منظومات بالغة التعقيد. ولم تكن مجرد مذاهب لاهوتية، بل كانت أيضاً كوسمولوجيات فلسفية، غالباً ما انتظمت حول الفيض، وهرمية العقول، والتأويل الرمزي ( ta ʾ wīl ) للوحي. ومن ثم، لم يكن ابن سينا والكرماني يعملان في عالمين منفصلين، بل كانا يستجيبان لبيئة فكرية مشتركة تتداخل فيها الفلسفة واللاهوت والتأويل الباطني. وفي المواجهة بين هذين المؤلفين المتقاربين زمنياً، ابن سينا والكرماني، يعتمد كلاهما استراتيجيات لبناء دين فلسفي. فالدين الفلسفي عند ابن سينا هو فلسفته ( falsafa )، أما عند الكرماني فهو التشيع الإسماعيلي. عاش ابن سينا في العالم الفارسي الحضاري، في ظل النفوذ الساماني أولاً ثم البويهي لاحقاً. وكان موسوعي المعرفة، طبيباً ومنطقياً وميتافيزيقياً، وقد شيّد واحدة من أكثر البنى الفلسفية منهجيةً في تاريخ ما قبل الحداثة. وكان هدفه بناء علم عقلي متكامل للوجود: ميتافيزيقا تتمحور حول التمييز بين واجب الوجود ( wājib al-wujūd ) وممكن الوجود؛ وكوسمولوجيا تنتظم من خلال الفيض عن المبدأ الأول؛ وعلم نفس يستطيع فيه العقل الإنساني الارتقاء نحو الاتصال بالعقل الفعّال. ولا يرفض ابن سينا الدين، بل يعيد تأويله. فالنبوة تصبح ترجمة تخييلية للحقائق الفلسفية، فيما تتجه الشعائر والقانون نحو الكمال الأخلاقي والمعرفي للمجتمع. الكرماني والبنية الفلسفية للإسماعيلية كان حميد الدين الكرماني (نحو 996-1021) من أبرز المفكرين والدعاة ( dā ʿ ī ) الإسماعيليين، ونشط خلال مرحلة الترسخ الفكري للخلافة الفاطمية في القاهرة. وتمثل أعماله محاولة متطورة للتوفيق بين الميتافيزيقا الأفلاطونية المحدثة والكوسمولوجيا الإسماعيلية. وطوّر الكرماني ميتافيزيقا منهجية تفسر الواقع من خلال هرمية صارمة للعقول، وتُدرج مجمل الاستدلال الفلسفي ضمن السلطة المطلقة للإمام. ومن السمات الأساسية لفكره الاعتقاد بأن للنص المقدس حقيقة عقلية خفية، أي باطناً ( bāṭin )، وراء صورته الحرفية، أي ظاهره ( ẓāhir ). وبالنسبة إلى الكرماني، يمثل الإمام الدليل الذي لا غنى عنه للوصول إلى هذه الحقيقة الباطنة. ومن ثم، ليست الفلسفة سعياً مستقلاً، بل تخضع لبنية سلطة موحى بها وهرمية. ومع أن العقل يُعد حقيقياً وضرورياً، فإنه يظل مندرجاً في هرمية، ولا يستطيع بلوغ ذروته من دون الإرشاد التعليمي والروحي للإمامة. وفي المقابل، يقدم ابن سينا نموذجاً تتجه فيه الفلسفة نحو استقلال العقل. وعلى الرغم من اختلافهما، تشترك المنظومتان في بنية واحدة: فكلتاهما تبني رؤية كلية للواقع تشمل الكوسمولوجيا وعلم النفس والأخرويات، وتربط اكتساب المعرفة بتحول النفس. وينظم المفكران الكون وفق بنى ميتافيزيقية هرمية، يمزجان فيها البحث العقلي بأفق خلاصي. وبهذا المعنى، يشكل المشروعان “دينين فلسفيين”، وإن انطلقا من نقطتين مختلفتين. فغاية ابن سينا هي إرساء الفلسفة ( falsafa ) بوصفها الدين الفلسفي للعالم الإسلامي الحضاري، أي إنتاج منظومة فلسفية تتصرف كالدين. أما غاية الكرماني فهي إعادة تشكيل التشيع الإسماعيلي في صورة منظومة تتمحور حول دين فلسفي، أي إنتاج منظومة دينية تتصرف كالفلسفة. التوحيد الجذري والعقل الأول يطوّر الكرماني مذهباً بالغ التنقيح في التوحيد، يدفع باللاهوت الفلسفي نحو صيغة قصوى من التنزيه المتعالي. ففي منظومته، لا تُفهم الوحدة الإلهية بمعنى عددي، ولا يمكن إسنادها إلى الله بأي معنى أنطولوجي إيجابي. فالله ليس “واحداً” بالمعنى العددي، ولا “وجوداً”، ولا “عقلاً”، ولا أي كيان متعين. وأي محاولة لإسناد مثل هذه المحمولات إلى الذات الإلهية تمثل، في حد ذاتها، سقوطاً في القصور المفهومي. ومن ثم، فإن الصيغة الأوفى للتوحيد ليست الإثبات، بل التنزيه الجذري: أي نزع جميع الصفات التي تنتمي إلى الوجود المخلوق. غير أن هذا النفي الجذري لا يقود إلى فراغ، بل يفضي إلى إعادة تشكيل ميتافيزيقية دقيقة. فجميع الصفات السامية التي تُنسب عادةً إلى الله، كالوحدة والحقيقة والعلم والوجود، تُنقل، في مذهب الكرماني، إلى أول موجود مخلوق: العقل الأول، أي الكيان الأول المتحقق بالإبداع الإلهي ( ibdā ʿ). أما الذات الإلهية نفسها فتبقى وراء كل إسناد، ووراء اللغة، بل ووراء إمكان الإدراك المفهومي ذاته. وهي، كما يشدد الكرماني، محجوبة ببهاء فعلها الإبداعي نفسه. ويحتل العقل الأول بذلك موقعاً أنطولوجياً فريداً. فهو أول الموجودات، لا يسبقه شيء في مرتبة الخلق، لكنه ليس قائماً بذاته. ووجوده مشتق بالكامل، لا بفعل سببية زمنية، بل بفعل الإبداع الإلهي. وهو ليس جسماً ولا قوةً متجسدة، بل يقع كلياً خارج نطاق الامتداد المادي. وفي الوقت نفسه، هو المحل الذي تصبح فيه جميع المحمولات الإلهية قابلة للتعقل: فهو “الواحد” الحق، و”العالم” الحق، و”الحي” الحق، و”القادر” الحق، بقدر ما يمكن لهذه الصفات أن تظهر داخل نظام الخلق. وبهذا المعنى، لا يلغي التوحيد عند الكرماني الصفات، بل يزيحها من موضع إلى آخر. فليس الله هو الذي يوصف بالوحدة أو العلم أو الوجود، بل العقل الأول، الذي يصبح مرآةً للفيض الإبداعي الإلهي. أما الله فيظل متعالياً على نحو مطلق عن الإثبات والنفي كليهما، بالمعنى اللغوي المألوف. وكما يقول الكرماني، لا تستطيع أي لغة أن تعبّر عما يليق بالذات الإلهية؛ فكل محاولة للإسناد هي، في حد ذاتها، هبوط إلى القصور. حدود المعرفة وهرمية الوجود ويقود ذلك إلى مذهب في القصور المعرفي الجذري. فالذات الإلهية لا يمكن لأي عقل أن يحيط بها، ولا لأي حس أن يدركها. إنها ممتنعة عن الإدراك من حيث المبدأ. وحتى أرفع درجات التأمل العقلي لا تبلغ سوى حدها الخاص، إذ تدرك استحالة الإحاطة بموضوعها. وهكذا تبلغ المعرفة الحقيقية بالله ذروتها لا في الرؤية، بل في الحيرة، أي في إدراك الاستحالة البنيوية للفهم. ومن المفارقة أن هذه الاستحالة المعرفية لا تلغي الميتافيزيقا، بل تزيدها كثافة. فالعقل الأول، بوصفه الفيض الأول، يصبح محور كل ما يليه من مراتب الواقع. ومن خلاله تتكشف سائر مراتب الوجود ضمن هرمية منظمة تمتد من العقل المحض إلى النفس، ثم إلى الطبيعة، وأخيراً إلى العالم المادي. وكل مرتبة هي أثر من آثار الإبداع الإلهي، تتوسطه حجب أنطولوجية تزداد كثافةً كلما ابتعدنا عن المبدأ. وضمن هذه البنية، يدمج الكرماني أيضاً كوسمولوجيا تقوم على التناظر بين النظامين الميتافيزيقي والديني. فالعقل الأول يقابل رمزياً القلم ( al-qalam ) في اللغة المقدسة، فيما تقابل النفس الكلية اللوح ( al-lawḥ ). وتؤسس هذه التناظرات موازاةً بين هرمية الوجود وهرمية الوحي، بما يتيح قراءة الكوسمولوجيا بوصفها نظاماً رمزياً منظماً. وخلافاً للفيضية الأفلاطونية المحدثة الصارمة في صورتها الخطية الخالصة، لا يتبنى الكرماني سلسلة بسيطة تتوالد فيها العقول واحداً من واحد. بل يقترح آلية أكثر تعقيداً من الانكشاف الانعكاسي والمركب، تنبثق فيها عقول متعددة من خلال علاقات منظمة من الاشتقاق والتناظر. ويتيح ذلك بناء هرمية متعددة المستويات من عشرة عقول، تنتهي بالعقل العاشر، المرتبط بالعالم ما دون القمر وبتدبير الصورة في المادة. وعلى المستوى الإنساني، تنعكس هذه البنية الميتافيزيقية في تنظيم المعرفة والسلطة داخل الدعوة الإسماعيلية. فمراتب الحجة ( ḥujja ) والداعي ( dā ʿ ī ) والمأذون ( ma ʾ dhūn ) تعكس درجات متفاوتة من القدرة على الوصول إلى الحقيقة، تقابل درجات القرب من النظام المعقول. ومن ثم، لا تكون المعرفة فرديةً خالصة قط، بل تتوسطها بنيوياً تربية هرمية تقوم على التدرج في التلقّي. أما المادة، في المقابل، فتمثل أدنى مراتب التعين الأنطولوجي: قابليةً محضة مجردة من المعقولية، تقع في أبعد نقطة عن الإبداع النوراني للعقل الأول. وبين هذين القطبين، ينكشف الكون بأسره بوصفه هبوطاً متدرجاً من الإبداع إلى التشتت المادي، يقابله صعود عكسي نحو إعادة التكامل بواسطة المعرفة. وتنبثق من هذه المنظومة رؤية ميتافيزيقية شديدة التنظيم، يكون فيها التعالي الإلهي مطلقاً، في حين يجري تعقيل انكشاف فعلها الإبداعي بالكامل. فالذات الإلهية ممتنعة عن الإدراك، لكن آثارها قابلة للتعقل بالكامل من خلال هرمية محكمة الصياغة من العقول والنفوس والتناظرات الكونية. وبهذا المعنى، لا يبني الكرماني مجرد لاهوت، بل كوسمولوجيا فلسفية متكاملة تتشابك فيها الميتافيزيقا والإبستيمولوجيا والهرمية الدينية على نحو لا ينفصم. الإبداع: ما وراء الفيض والخلق يعفي الكرماني نفسه من تقديم برهان على وجود الله، لأن هذا «غيب الغيوب» لا يمكن وصفه لا بالوجود ولا بالعدم؛ فالصفات والأسماء لا تنتمي، في الحقيقة، إلا إلى العقل الأول، أي أول موجود مخلوق. غير أن الفيلسوف الإسماعيلي يصوغ العلاقة بين المبدع (الله) والمبدَع الأول ( al-Mubda ʿ al-Awwal ) بوصفها علاقة لا هي فيضية ولا خلقية بالمعنى المألوف، بل هي علاقة إبداع ( ibdā ʿ)، يظل سرها عصياً على الإدراك بالنسبة إلى الجميع، بما في ذلك العقل الأول نفسه. وفي هذا السياق، لا يختلف الكرماني عن سلفه أبي يعقوب السجستاني (ت. بعد 971 م)، أحد رواد الفلسفة ذات المنحى الإسماعيلي، إلا في أن النفي المزدوج عند السجستاني ظل مندرجاً ضمن السيناريو الفيضي الأفلاطوني المحدث. السجستاني والثنائية العمودية بين العقل والنفس يمثل السجستاني لحظةً محورية في تطور الفكر الإسماعيلي، وهي مرحلة امتزج فيها الغنوص الفلسفي امتزاجاً لا ينفصم بمبادئ الأفلاطونية المحدثة والفيثاغورية المحدثة. وكان السجستاني داعياً بارزاً نشط في منطقتي خراسان وسجستان، وطرح لاهوتاً جذرياً في التنزيه، معرّفاً الله بأنه “مبدع المبدعات” ( Mubdi ʿ al-mubdi ʿ āt )، أي المبدأ الأول المتعالي على جميع الثنائيات الأنطولوجية. غير أن هرمية الفيض عند السجستاني، تحت مظلة هذا التنزيه المطلق، كانت تقوم، على نحو مفارق، على «ثنائية عمودية» أساسية. ففي منظومته، ينبثق عن العقل الكلي، وهو المبدَع الأول أو اللوغوس، النفس الكلية (sophia)، ومنها تفيض لاحقاً القوى التي تدبر العالم المادي. غير أن هذا البناء الثنائي خضع لنقد منهجي صارم لدى حميد الدين الكرماني. فقد رأى الكرماني أن القول بأن عقلاً كاملاً، هو المبدَع الأول، يمكن أن يُنتج كياناً “أدنى” مثل النفس من خلال عملية شوق أو نقص، أمر لا يستقيم فلسفياً. وسعى إلى إبعاد الميتافيزيقا الإسماعيلية عن أي إيحاء بـ”الصيرورة” أو «السعي» من شأنه أن يمس، ولو من غير قصد، بالطبيعة المطلقة للخالق. ولذلك استبدل الكرماني ثنائية العقل والنفس بمنظومة متطورة من عشرة عقول مفارقة. اتبع السجستاني الأفلاطونية المحدثة في بنيتها كاملةً: الله المحجوب، ثم العقل، ثم النفس. والنفس عنده في حركة دائمة وشوق مستمر إلى الكمال الذي يمثله الله. أما الكرماني فانحرف عن هذه الثلاثية بتبنيه منظومة الفارابي للعقول العشرة. وبذلك لم يعد العالم السماوي متمحوراً حول ثنائية العقل والنفس، أي اللوغوس وصوفيا. ففي حين اعتبر السجستاني النفس جوهراً متميزاً عن العقل، في حال من النقص تسعى إلى استكمال ذاتها من خلال الفيض الآتي من الله، وزّع الكرماني الكمال على جميع مراتب العقول العشرة. من النفس الكلية إلى العقول العشرة في هذه الكوسمولوجيا المعدّلة، تُجرَّد «النفس الكلية» من منزلتها بوصفها مرتبة كونية ثانية قائمة بذاتها. ويحل محلها “العقل الثاني” الذي، خلافاً للنفس الساعية إلى الاستكمال في نموذج السجستاني، يمثل كياناً ذا كمال ثابت وتحقق تام. وبتحويل النفس إلى عقل، أقام الكرماني هرمية سماوية أكثر استقراراً، متحررةً من “عدم الاكتمال” الملازم للنفس الأفلاطونية المحدثة. ولم يكن هذا التحول مجرد تنقيح ميتافيزيقي، بل كان أيضاً ضرورة بنيوية لمشروع الكرماني الأوسع: مذهب المطابقة ( taṭbīq ). فمن خلال توسيع العالم السماوي ليأخذ بنية عشرية، استطاع إقامة مطابقة دقيقة بين العالم الكوني، أي العقول العشرة، والعالم الإنساني، أي المراتب العشر للهرمية الدينية، والعالم البيولوجي، أي الحواس العشر الداخلية والخارجية. وبالنسبة إلى الكرماني، وفّرت هرمية العقول العشرة التعقيد الضروري لتفسير تقاطع النظام الكوني والكون الفيزيائي والمهمة الأرضية للدعوة. جرعة مشائية في الأفلاطونية المحدثة وهكذا يمكن القول، إلى حد ما، إن الكرماني أعاد حقن أفلاطونيته المحدثة بجرعة مشائية. وقد فعل ذلك باستخدام مخطط الفارابي للعقول العشرة، الذي كان يتألف عند الفارابي من العقل الأول (الله) والأفلاك التسعة. أما عند الكرماني، فقد أصبح العقل الأول “المبدَع من الله”، ولم يكن الله نفسه قط. وهذا العقل الأول هو الجدير بصفات الجلال والبهاء وأسمائهما؛ بل إنه، في منطق الكرماني، لا يوجد هنا أي خوف من الشرك [الإشراك]، وإنما يقع الشرك تحديداً عند الخروج عن هذا التمييز. من محورية النفس إلى محورية العقل يمثل الانتقال من ثلاثية الله-العقل-النفس إلى عشرية الفارابي تحولاً أساسياً من “محورية النفس” إلى “محورية العقل”. وكان الفارابي قد صمم هذه العشرية في الأصل للتوفيق بين الفيزياء الأرسطية، أي الأفلاك السماوية، والميتافيزيقا. وأدرك الكرماني ضرورة هذا الاتساق المشائي، ولا سيما من خلال جعل العقل (ʿ aql ) أسمى أشكال الوجود، والابتعاد عن بليروما منقسمة بين ثنائية اللوغوس وصوفيا. غير أن الكرماني حافظ على حد لاهوتي حاسم: فقد قيّد صلاحيات هذا العقل. فالعقل الأول لا يستطيع أن يعقل المبدع ( al-mubdi ʿ) أو أن يحيط به، إذ يظل المبدع سراً مطلقاً. كما وصل الكرماني هذه البنية الفلسفية بالعقيدة الإسماعيلية من خلال تأكيده أن البشر لا يستطيعون الاعتماد على عقولهم وحدها؛ بل يظلون محتاجين إلى التعليم ( ta ʿ līm )، أي التعليم المرجعي للإمام، لكي يهتدوا إلى هذه الحقائق. فالإطار الأرسطي يوفر المنطق، لكن الإمام يوفر سبيل الوصول. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

النبي والفيلسوف (2/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 8, 2026 - 21:06

في نيسان/أبريل 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا، بدعوة من أستاذ الفلسفة جيوفاني جورجيني. وتُقدَّم المحاضرة الأولى، التي حملت عنوان النبي والفيلسوف : تراتبية المعرفة بين “ الفلسفة ” عند ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند حميد الدين الكرماني، هنا في صيغة مقالة منقّحة وموسّعة، تُنشر ضمن سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة الإسلامية من خلال قراءة مقارنة بين ابن سينا والكرماني. وعلى الرغم من أن المفكرين يشتركان في أفق أفلاطوني محدث واسع، تشكّل بفعل ميتافيزيقا فيضية، وتراتبية للوجود، وتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوّران مشروعين فلسفيين متمايزين: ابن سينا ضمن تقليد “الفلسفة” المشّائية، والكرماني ضمن اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين السياقين الفكريين، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسّد مشروعاهما مقاربتين متباينتين للسياسي، ويلقيان الضوء على طرائق مختلفة لفهم موقع الفلسفة في علاقتها بالسلطة والشريعة وتنظيم الجماعة. وهذه المقالة هي الجزء الثاني من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. II - “الفلسفة” بوصفها شكلاً من أشكال “الدين الفلسفي” لا يمكن فصل نشوء “الفلسفة” ( falsafa ) عن تاريخ معقّد من الترجمة والنِّسب الخاطئ والتلاقي المفهومي. وتكمن إحدى لحظاتها الحاسمة في نسبة نصوص إلى أرسطو لم يكن هو مؤلفها، وأشهرها ما يُعرف بـأثولوجيا أرسطو. فهذا العمل هو في الواقع اقتباس عربي لمادة أفلوطينية تعود في نهاية المطاف إلى تاسوعات أفلوطين، ويُرجَّح أنها انتقلت عبر تدخلات بورفيريوس وإعادة صياغته لها. ونتيجة لذلك، اعتقد الفلاسفة الأوائل أن أرسطو نفسه كان يتبنّى مذهباً في الفيض. ولم تكن هذه النسبة الخاطئة مجرد مصادفة تاريخية، بل كانت حدثاً ذا عواقب فلسفية عميقة؛ إذ أوجدت، إن جاز القول، قابلية كامنة للتلقي يسّرت التوليف بين هذه التقاليد المتمايزة. وأتاحت للفلاسفة أن يجمعوا الأطر الأرسطية والأفلاطونية ضمن أفق ميتافيزيقي موحّد. وأصبح الفيض الجسر المفهومي الأساسي: فقد أتاح التوفيق بين أزلية العالم ومذهب قوي في التعالي الإلهي، وفي الوقت نفسه الارتقاء بالإلهي إلى ما يتجاوز “المحرّك الذي لا يتحرّك” الأرسطي. أثولوجيا أرسطو وأرسطو الأفلاطوني المحدث يمكن إرجاع ذلك إلى أرسطو نفسه. ففي حين يعرّف الله في الفيزياء بوصفه ضرورة وظيفية لكون ميكانيكي، أي المحرّك الأول الذي لا يتحرّك أو “الإله الحركي”، فإنه يضفي على هذا التعريف مزيداً من الدقة في الميتافيزيقا، أو “الفلسفة الأولى”، فيقدّم تعريفاً أكثر نوسية، بل وحتى سيكولوجية. فهو يعرّف الله هنا بوصفه noēsis noēseōs ، أي “الفكر الذي يفكّر في ذاته”. وبما أن الله هو أكمل الموجودات، فلا بد أن يكون فعله أكمل الأفعال، أي التأمل، وأن يكون موضوع تأمله أكمل الموضوعات: ذاته. وعلى خلاف “دفعة” فيزيائية، يحرّك الله العالم بوصفه “موضوع الرغبة” ( erōmenon )؛ وتتحرك السماوات في دائرة أبدية لأنها “تحاكي” كمال العقل الإلهي. وإضافة إلى ذلك، فإن التمييز في مؤلفاته الكوسمولوجية بين المجال “تحت القمري” (الأرضي) والمجال “فوق القمري” (السماوي) يُدخل ألوهية أكثر “مادية”، حيث يرتبط الإلهي غالباً بالطبيعة الأبدية للأجرام السماوية نفسها. وأخيراً، يعرّف أرسطو في الأخلاق حياة الله بوصفها حالة من السعادة القصوى قوامها theōria خالصة. هنا وجد الإسكندر الأفروديسي والفلاسفة الأساس الذي يبرّر مفهوم “العقل الفعّال”. وكانت المعادلة بسيطة: إذا كان العقل البشري قادراً على ممارسة التأمل، فهو يشارك في الطبيعة الإلهية. وهكذا نُسبت أثولوجيا أرسطو الشهيرة إلى صاحبها المزعوم، أرسطو، خطأً؛ ومع ذلك، كانت هناك أصلاً “ثيولوجيا متناثرة” لأرسطو في مؤلفاته الأصيلة، تتجلى فيزيائياً في الفيزياء، وميتافيزيقياً في الميتافيزيقا، وأخلاقياً في الأخلاق. وقد أتاحت هذه “الباب المفتوح” الانتقال من أرسطو تحليلي صرف و“بارد” إلى أرسطو نوسي-صوفي. وشكّلت التوترات الداخلية في المتن الأرسطي بذلك منفذاً إبداعياً أتاح “تلوثاً” فلسفياً جمع بين المنطق المشّائي والميتافيزيقا الأفلاطونية والهرمسية. واستفاد الإسكندر من الثغرات في الأخلاق وفي النفس ( De Anima ) لأرسطو لمعالجة مسألة كيفية تفاعل إله “يفكّر في ذاته” مع العقول البشرية. ومن خلال التركيز على العقل الفعّال، ذهب الإسكندر إلى أن العقل البشري، أي العقل بالقوة، “يُفعَّل” بواسطة عقل واحد، خارجي وإلهي. وقدّم الإسكندر للفلاسفة اللاحقين الآلية “العلمانية” أو “الطبيعية” التي تفسّر كيفية عمل النبوّة والبصيرة الفلسفية، مؤسِّساً إياهما في بنية العقل بدلاً من التصوف المحض. وبينما كان الإسكندر ينظر في العقل، كان أفلوطين وتلميذه بورفيريوس ينظران في الأنطولوجيا، أي طبيعة الوجود. وقد رأيا أن إله أرسطو في الميتافيزيقا، أي الفكر الذي يفكّر في ذاته، يقع في مرتبة “أدنى مما ينبغي”، لأن “التفكير” يفترض انقساماً بين المفكّر والفكر. ولذلك ذهبا إلى ضرورة وجود ما هو أعلى: الواحد. ويُنسب إلى بورفيريوس على نطاق واسع السعي إلى التوفيق بين أفلاطون وأرسطو. فقد أخذ الأفكار الأفلوطينية عن الفيض و“غلّفها” بلغة أرسطية. ومهّد ذلك الطريق أمام أثولوجيا أرسطو. ومن خلال قراءة أفلوطين بعدسة بورفيريوسية، اعتقد الفلاسفة أنهم يقرأون أرسطو “الحقيقي، الأعمق”، الذي حلّ أخيراً معضلة كيفية صدور الكثرة عن الواحد. بالنسبة إلى أفلوطين وبورفيريوس، استلزم ذلك الانتقال نحو الفيضية. فقد “أنقذا” أرسطو من حدوده الميكانيكية الخاصة، بإخضاع “الفكر الذي يفكّر في ذاته” لوحدة الواحد الأسمى. وعند هذه النقطة، قد يميل المرء إلى النظر إلى الأفلاطونية المحدثة، في مجملها، لا بوصفها نسقاً مستقلاً، بل شكلاً من أشكال “الأرسطية الصوفية”. وفي هذا الضوء، يصبح المشروع الأفلاطوني المحدث بمثابة الأرسطية المحدثة القصوى، إذ يزوّد “المحرّك” النوسي بـ“وقود” صوفي. ويكتسب بورفيريوس الصوري، تلميذ أفلوطين، أهمية خاصة هنا؛ إذ يُنسب إليه الاضطلاع بالمهمة الضخمة المتمثلة في التوفيق بين أفلاطون وأرسطو. ويقف، إلى جانب الإسكندر الأفروديسي، بوصفهما السلفين التوأمين لـ“الفلسفة”، وقد أرسيا الأفق الفكري الذي سيشغله لاحقاً الفارابي وابن سينا. كما وجدت الهرمسية موطئ قدم لها داخل الإطار الأرسطي من خلال مفهوم العقل الفعّال. فإذا كان العقل البشري قادراً على “الاتصال” بعقل إلهي كوني، كما اقترح الإسكندر الأفروديسي، فإن الفلسفة لا تعود مجرد منطق؛ بل تصبح رحلة صوفية. وفي هذا النسق الهجين، لا يعود الإلهي مجرد “ما يحرّك من دون أن يتحرّك”، بل يصبح المصدر المطلق الذي تنبثق منه جميع مراتب الواقع. وفي قلب التأثير الأفلاطوني المحدث تقف صورة الواحد عند أفلوطين: مبدأ يتجاوز الوجود، ويتجاوز الفكر، ويتجاوز كل حملٍ أو إسناد. فالواحد ليس موضوعاً للمعرفة، بل شرط كل قابلية للفهم. وهو “محتجب” داخل العقل كما يحتجب المنبع داخل نهر جارٍ، ولا يمكن بلوغه إلا عبر تجريد تدريجي من التعيّنات العقلية، يبلغ ذروته في نوع من العودة الوجدية التي تتجاوز الفكر الخطابي. وقد بدت هذه المفارقة الجذرية جذابة إلى حد بعيد للفلاسفة، لأنها قدّمت نموذجاً للتوحيد يجمع بين الطابع الفلسفي والمطلق، ويبدو قادراً على تأسيس الوحدة فيما وراء حدود الميتافيزيقا الأرسطية. وفي الحقل الفكري الإسلامي، ولا سيما عند تقاطع الأفلاطونية المحدثة والفكر الإسماعيلي، ازدادت هذه البنية تكثيفاً من خلال مفردات شبه غنوصية. وأصبح الواقع منظّماً تراتبياً في مستويات من الإشراق والاحتجاب، حيث يرتبط الخلاص بالمعرفة (الغنوص). من الواحد إلى الإغراء الغنوصي في أكثر أشكالها جذرية، قسّمت الكوسمولوجيا الغنوصية البشرية إلى فئات، لم يكن قادراً على بلوغ التحرر الحقيقي منها سوى “الروحانيين” (Pneumatics)، أي أولئك الذين يتمتعون ببصيرة روحية. وكثيراً ما صوّرت الغنوصية الكلاسيكية العالم المادي كسجن خلقته قوة ديميورغية ناقصة أو جاهلة، كانت تُماهى أحياناً مع إله الكتاب المقدس العبري. وفي مثل هذه الأنساق، تكون المادة فاسدة في ذاتها، ويتمثل الخلاص في الإفلات من النظام المادي. أما النسخة الأكثر اعتدالاً و“استيعاباً” من الغنوصية، التي استوعبها لاحقاً اللاهوت الآبائي المسيحي، فتعيد تفسير العالم المادي لا باعتباره شراً في ذاته، بل نظاماً مخلوقاً شوّهته الخطيئة. وهنا تحتفظ المادة بدور إيجابي: إذ تصبح موضع التجسّد، وتشارك بذلك في العناية الإلهية. وفي قلب هذا التوتر تحديداً، بين التعالي الأفلاطوني المحدث والبنية الأرسطية والثنائيات الغنوصية المتبقية، تتشكّل “الفلسفة”. فهي ترث رؤية للواقع يكون فيها الإلهي متعالياً بصورة جذرية، وتنتظم الخلقة عبر فيض ضروري، ويُعاد تفسير الخلاص بوصفه ارتقاءً عقلياً. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى الحفاظ على الاتساق التوحيدي من خلال رفض الثنائية الصريحة، مع الإبقاء على كون شديد التراتبية والتدرّج. وبهذا المعنى، ليست “الفلسفة” مجرد ترجمة للفلسفة اليونانية إلى العربية، بل إعادة تشكيل خلاقة لجملة من الأنساب الفكرية، الأرسطية والأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة والدينية العائدة إلى العصور القديمة المتأخرة، ضمن بنية ميتافيزيقية واحدة قوامها الفيض والعقل والعودة. “الفلسفة” بوصفها ديناً فلسفياً منذ سنوات عديدة، تتركّز أبحاثي على نقطة التقاطع بين الفلسفة السياسية وما يمكن أن أسمّيه الدين الفلسفي. وأنا آخذ هذه المقولة على محمل الجد. وبهذا المعنى، فإن “الفلسفة”، بوصفها تقليداً، هي، simpliciter ، دين فلسفي. ولا ينبغي اختزالها في الجناح العلماني من العالم الفكري الإسلامي الحضاري، ولا سيما عند مقارنتها بعلم الكلام المدرسي أو بالاستدلال الفقهي. ومع أن الفلاسفة كانوا ملتزمين ظاهرياً بالعقلانية الأرسطية، فإنهم ورثوا إطاراً “ملوَّثاً” دفعهم نحو إغراء غنوصي متأصل. وعلى الرغم من رفضهم التصور الغنوصي الجذري للمادة بوصفها شراً في ذاتها، ظلّت تطاردهم صورة النفس بوصفها عقلاً منفياً. لكن لا ينبغي هنا إغفال التناقض بين الأفلاطونية المحدثة والغنوصية. فقد رأى أفلوطين أن العالم المادي جميل لأنه صورة للإلهي. ورفض الفكرة الغنوصية القائلة إن العالم خلقه “ديميورغ شرير”. ومع أن أفلوطين شارك الغنوصيين اهتماماً “مناخياً” مشابهاً بارتقاء النفس، فإنه كان صاحب مؤلَّف جدلي بعنوان ضد الغنوصيين، هاجم فيه انتقاصهم “غير اليوناني” من شأن الكون وادعاءهم “المتعجرف” بأنهم يمتلكون خلاصاً خاصاً غير عقلاني. ومع ذلك، ومن مفارقات الأمر، أن التوليف البورفيريوسي جرّد هذه المجادلة من جزء كبير منها. وما بقي كان أرسطية “ملوَّثة” أدّت، على الرغم من مقاصد أفلوطين، دور الجسر الذي عبرت من خلاله إلى التقليد العربي الوسيط موتيفات غنوصية تتصل بمنفى العقل والعودة إلى الإلهي. النفس في المنفى: الغنوص والنبوّة والعقل الفعّال على الرغم من تعريف أرسطو للنفس بوصفها “صورة” الجسد، وفقاً لمذهب الهيولى والصورة، فإن الفلاسفة، بتأثير من أثولوجيا أرسطو المنحولة، غالباً ما تعاملوا مع النفس بوصفها غريبة سماوية. ويظهر ذلك بأوضح صورة في قصيدة النفس لابن سينا، أي العينية، حيث تبدو النفس “حمامةً كثيفة الريش” تهبط من الأعالي إلى “قفص خَرِب”، هو الجسد. وهذا موتيف غنوصي خالص مكسوّ بلغة فلسفية. ويؤدي العقل الفعّال دور “المعرفة-المخلِّصة”. ومن خلال الاتصال به، يخوض الفيلسوف تجربة غنوص تحرّر العقل، ولكن ليس، في العادة، من “ظلمات” المادة. فبدلاً من أن يكون العالم المادي سجناً ينبغي الفرار منه، كما في الغنوصية القديمة، ينظر الفارابي إلى المدينة الفاضلة بوصفها الموضع الذي يُنظَّم فيه ارتقاء النفس. وهكذا يصبح “الغريب” الغنوصي “الفيلسوف-الملك”. وبدلاً من معارضة الدين بصورة مباشرة، تقدّم “الفلسفة” شكلاً بديلاً من التديّن: أقل فقهية وأكثر تأملاً؛ أقل تمحوراً حول الشريعة وأكثر تمحوراً حول الحكمة. وعلى خلاف الفلسفة العلمانية الحديثة، لا تتخلّى “الفلسفة” عن النبوّة، بل تعيد تأويلها. ويصبح الأنبياء أصحاب المعرفة العليا، الذين تترجم ملكتهم المتخيّلة الحقائق العقلية إلى صورة رمزية في متناول العامة. وترث “الفلسفة” تقاليد لم تكن فيها الفلسفة والدين منفصلين بحدود حادة، ولا سيما في العصور القديمة المتأخرة، وتعيد تشكيلها. وحتى حين تتحدى عقيدة الخلق من العدم ( creatio ex nihilo ) بالدفاع عن الأطروحة الأرسطية القائلة بأزلية العالم، والمصوغة ضمن إطار أفلاطوني محدث يقوم على الصدور والفيض، فإنها تختار، مع ذلك، أن “تعمّد” ميتافيزيقاها باسم “الإلهيات” ( al-ilāhiyyāt )، ولا سيما في مصطلحات ابن سينا. وينظّم مخطط الفيض الأفلاطوني المحدث الواقع في نظام هابط وصاعد. وتوفّر هذه الكوسمولوجيا معادلاً ميتافيزيقياً للروايات الدينية عن الخلق والعودة. ومن ابن سينا إلى المفكرين اللاحقين، تُفهم الفلسفة بوصفها حركة متدرجة من الارتقاء، من المحسوس إلى المعقول، ومن الكثرة إلى الوحدة، وفي نهاية المطاف من التشتت إلى الحضور. وفي “الفلسفة”، لا تكون المعرفة محايدة أبداً أو مجرد تأمل نظري، بل هي تحويلية في جوهرها: أن تعرف يعني أن تبلغ بالنفس كمالها. وبهذا المعنى، تؤدي المعرفة وظيفة مماثلة بنيوياً لوظيفة الدين، حيث لا ينفصل الغنوص عن الخلاص. من الدين الفلسفي إلى الكوسموبوليتيقا تظل حدود تقليد “الفلسفة” مائعة، من دون أن تكون محددة بصورة لا لبس فيها إزاء “شبه الفلسفة”، أو حتى إزاء “مناهضة الفلسفة”. ومع ذلك، ينبغي فهمها بوصفها ديناً فلسفياً. فقد تطورت كبديل داخلي ضمن العالم الإسلامي الحضاري؛ غير أن هذا البديل لم يكن موجهاً إلى “نخبة” بالمعنى الاجتماعي فحسب، بل إلى “القلّة” بالمعنى النوسي. والتجاوب مع المقولات الغنوصية، وتحديداً التقابل بين الروحانيين (Pneumatics) والنفسانيين (Psychics) أو الهيوليين (Hylics)، لافت وينطوي على تشابه بنيوي شديد. في التقليد الغنوصي في العصور القديمة، كان الروحانيون أولئك الذين يمتلكون الشرارة الإلهية والقدرة على الغنوص. وبالمثل، في “الفلسفة” والتقاليد الفلسفية الإسماعيلية، يتحدد هؤلاء “الإسلامو-روحانيون” من خلال عقلهم المتحقق بالفعل. وتتيح لهم هذه الملكة إدراك إما الضرورة فيما وراء الإمكان والأزلية فيما وراء دراما الخلق، وإما المعاني “الباطنة” للبليروما (Pleroma) والنظام البدئي، وهي حقائق تظل “محجوبة” عن العامة ( al- ʿ awāmm ) وعن بُنى الإسلام الظاهري على السواء. والأهم أن هذا الدين الفلسفي هو، في جوهره ذاته، فلسفة سياسية يمتد نطاقها إلى ما هو أبعد بكثير من فصولها السياسية الصريحة، ليبلغ صميم بنيتها الكوسمولوجية. وقد ظل سؤال العلاقة بين الفيلسوف والنبي، وهو سؤال طُرح للمرة الأولى في العصور القديمة على يد فيلون الإسكندري، محورياً لدى مفكرين مثل الفارابي وابن سينا والكرماني وابن رشد وموسى بن ميمون. واستعارةً لمصطلح من كريستيان جامبيه، وإن مع شيء من إزاحة دلالته الأصلية، يظل هذا السؤال مرتبطاً بشكل من أشكال الكوسموبوليتيقا: رؤية كلية يعكس فيها نظام المدينة ( polis ) نظام الكون ( cosmos )، وينعكس هو بدوره فيه. وبالنسبة إلى الفلاسفة، تشكّل الكوسموبوليتيقا الترياق الأقصى لـ“حكم الاعتباط”. ففي حين ينطوي الاعتباط على فراغ من العقل، أي “إرادة قوة” تفتقر إلى أساس أنطولوجي، يؤكد النظام الكوسموبوليتيقي ضرورة ثابتة كامنة في نظام الوجود. وفضلاً عن ذلك، إذا كانت الحكمة لا تُنال إلا من “القلّة”، فعند نقطة التقاطع التي يظهر فيها الفلاسفة بوصفهم أنبياء مستترين، والأنبياء بوصفهم فلاسفة على نحو آخر، لا يسعى روحانيو الإسلام إلى مجرد الإبحار خارج العالم، كما كان غنوصيو العصور القديمة يطمحون إلى ذلك. بل تصبح مهمتهم أن “يديروا سياسياً” الفئتين الأخريين: النفسانيين والهيوليين. ويتمثل هدفهم الأول في حماية النظام النوسي من أولئك الذين يصبح الاعتباط لديهم إلهاً أقصى، في هوس يتجلى في تشبث صارم وقانوني. وفي الوقت نفسه، تتمثل مهمتهم في إيجاد سبل لنشر، لا الفلسفة نفسها، بل آثارها المتمدِّنة، بما يضمن أن يظل نور البليروما قادراً على تنظيم حياة الكثرة من دون أن تطفئه حرفيتهم. ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.

النبيّ والفيلسوف (1/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر
أغسطس 6, 2026 - 22:28

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا . وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي تمت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، والتي حملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة مقالة موسعة ومنقحة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الأولى من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. ما الخيط الذي يربط، للوهلة الأولى، بين هرمية المعرفة عند ابن سينا وحميد الدين الكرماني، وتعقيدات الطائفية في لبنان، وديناميات القومية الدينية في جنوب آسيا وغربها، والدور الذي تؤديه الأخرويات في صراعات الشرق الأوسط؟ قد تبدو هذه القضايا متباعدة، لكنها ليست سوى تجليات مختلفة لتذبذب أوسع، وربما مستمر، داخل الحقل اللاهوتي السياسي. وتظهر هذه الدينامية اللاهوتية السياسية أولاً في صورة استقطاب، سواء على مستوى هرمية المعرفة، أو في التوتر القائم بين قول الحقيقة وما يمكن تسميته “القول القويم”، عندما نتجه إلى تقاليد الفلسفة المهلْننة في الإسلام وإلى الأفلاطونية المحدثة كما أعادت الدعوة الفاطمية صياغتها. ثم تتخذ هذه الدينامية شكلاً آخر في السياق اللبناني، حيث تتجلى في صعوبة، وربما في عجز، عن صون التعددية على أساس المعاملة بالمثل، أو عن إرساء أي هرمية مشتركة داخل نموذج سياسي مأزوم ومترنح. ويكتسب اللاهوتي السياسي بُعداً آخر عند الانتقال إلى مسألة القومية. فهنا تتكشف الدينامية عبر متاهات العلمنة: إذ تُنقل الرابطة الجماعية أولاً إلى صيغة الأمة، قبل أن تخضع لحركة ثانية من التكثيف، من خلال عمليات إعادة التقديس، والأسطرة، والأخْرَوة، لما كان قد أُضفيت عليه صفة العلمنة في البداية. وما يتبدى أمامنا، والحال هذه، ليس انتقالاً خطياً بسيطاً من المقدس إلى العلماني، بل حركة ارتدادية يصبح فيها العلماني ذاته موضع عودة المقدس في صورة مزاحة. ويتجلى هذا المسار بوضوح خاص في حالة القومية الدينية. كما يمكن تلمس ديناميات مشابهة في مفارقات النموذج اللبناني للدولة الطائفية، وفي تطور الطائفية عندما تُقرأ من منظور يمكن وصفه بما بعد العثماني. لقد دأب البروفيسور جيوفاني جورجيني على وصل تاريخ الفلسفة السياسية بإشكاليات العصر الراهن. ويتجلى ذلك بوضوح في معالجته لمسألة الطغيان، بالمعنى الذي بلوره ليو شتراوس، بوصفه، في آنٍ معاً، حكم الاعتباط ومشكلة فلسفية نموذجية تتصل بالعلاقة بين المعرفة والسلطة وسعي الإنسان إلى الخير، وكذلك في اهتمامه بمفهوم الفرونيسيس ( Phronēsis ) باعتباره الحصافة، أو الحكمة العملية. فهذه الحصافة، لكي لا تستسلم للاعتباط، لا بد أن تمنح الأولوية للفعل، إذ إن الفعل لا يحتمل التأجيل إلى ما لا نهاية. وقد شكّل اقتراح جورجيني قراءة كتاب الأمير لمكيافيللي في ضوء الفرونيسيس عند أرسطو وشيشرون، أي بوصفه بحثاً في حكمة الحصافة باعتبارها نمط الحكم الملائم للوقائع السياسية المتغيرة، منطلقاً بالغ الإيحاء لتأملاتي الخاصة. وتكفل هذه المقاربة ألا تُفهم الفضيلة ( virtù ) المكيافيلية بوصفها مجرد تشويه لمفهوم الحصافة الكلاسيكي، بل باعتبارها إعادة تصور معقدة له، تدرك بعمق مقتضيات الفاعلية السياسية، وإن كانت أقل التزاماً بكثير بالمثل الكلاسيكي للوفاق ( concordia ). وأنا أتأمل هذه المسائل، وجدت نفسي أعود إلى سؤال يبدو، خلافاً لما يوحي به لأول وهلة، أقل بساطة مما نظن: إلى أي حد تؤدي الفرونيسيس دور شكلٍ خفي من أشكال مقاومة الطغيان؟ وعند أي عتبة دقيقة يتحول التزامها بـ«الممكن» إلى ستار بالغ الإحكام يخفي وراءه السلبية السياسية؟ وفي العالم الإسلامي الحضاري ( Islamicate )، لا يمكن فصل هذا السؤال عن هاجس آخر، يصعب التعبير عنه في كثير من الأحيان، يتعلق بما وراء العالم، أو بالأحرى بالأبعاد الميتافيزيقية والكونية لحكم الاعتباط. ولعل السعي إلى الالتفاف على الميل إلى الاعتباط، على المستويين الكوني والميتافيزيقي معاً، مع الحرص في الوقت نفسه على ألا تُخنق الروح، هو، فيما أعتقد، جوهر التوتر الذي يكشف عنه الكاتبان اللذان تتمحور حولهما هذه الدراسة. I - الحصافة الميتافيزيقية: مغامرات الفرونيسيس في المجال الحضاري الإسلامي تتناول هذه الدراسة الجدلية بين النبي والفيلسوف في الفلسفة الإسلامية المهلْننة (الفلسفة / falsafa ) من خلال مقارنة بين أبي علي الحسين بن سينا (ت. 1037م) ومعاصره، المفكر الإسماعيلي حميد الدين الكرماني (ت. نحو 1020م). وهي، في معرض ذلك، تتناول أيضاً، وإن بصورة غير مباشرة، إشكاليتي الطغيان والفرونيسيس ضمن المشهد الفكري للقرن الحادي عشر. وترتبط الفرونيسيس، أو الحصافة، عند ابن سينا بالعقل العملي، وهو الملكة المعنية بالفعل، والمداولة الأخلاقية، وتنظيم شؤون الحياة اليومية. ومع أن ابن سينا يتحرك ضمن الإطار الأرسطي للفضائل العقلية، فإنه يوسّع نطاق هذا المفهوم توسعاً دقيقاً، من خلال ربط الحصافة بكمال النفس وتوجيهها نحو نوع من الاتزان الأخلاقي. وهكذا تغدو الفرونيسيس، في الفلسفة الإسلامية المهلْننة، جزءاً من رحلة النفس ذات البعد الكوني. أرسطو وبنية الفرونيسيس غير أن بنا أن نعود، للحظة، إلى أرسطو. في كتاب “الأخلاق النيقوماخية”، يضع أرسطو الفرونيسيس (φρόνησις) ضمن بنية أشمل من الفضائل العقلية والأخلاقية، تتكامل جميعها لتمكين الفرونيموس ( phronimos )، أي الإنسان المتحلي بالحصافة، من أن يحيا حياة صالحة ويمارس فعلاً صالحاً، بما يفضي إلى بلوغ الأودايمونيا ( eudaimonia )، أي الازدهار الإنساني أو الحياة الفاضلة. أما الفضائل الأخلاقية ( aretai ēthikai )، فتتعلق بالخلق والانفعال والعادة. وهي ليست فطرية، بل تُكتسب بالممارسة والاعتياد، لا بالتعليم النظري. وتمثل كل واحدة منها وسطاً ( mesotēs ) بين طرفين متقابلين، هما الإفراط والتفريط، بحسب مقتضيات كل حالة. فالشجاعة تقع بين التهور والجبن، والعفة بين الانغماس في اللذات وبلادة الحس، والكرم بين التبذير والبخل، والعدالة في إعطاء كل ذي حق حقه، أما عظمة النفس فتقوم على تقدير سليم للذات، بعيداً عن الغرور كما عن امتهان النفس. وإلى جانب هذه الفضائل الأخلاقية، يميز أرسطو الفضائل العقلية ( aretai dianoētikai )، التي تخص الجانب العاقل من النفس، وتُكتسب بالتعليم والتعلم والتأمل. وتشمل الإبستيميه ( epistēmē )، أي المعرفة البرهانية بالحقائق الضرورية والكلية؛ والتخنيه ( technē )، أي القدرة على الصنع أو الإبداع؛ والسوفيا ( sophia )، أي الحكمة النظرية التي تجمع بين الإبستيميه وإدراك المبادئ الأولى؛ والنوس ( nous )، أي الحدس المباشر لتلك المبادئ الأولى نفسها. وضمن هذه المنظومة تحتل الفرونيسيس، أي الحصافة أو الحكمة العملية، مكانة متميزة لا يمكن اختزالها في غيرها. ولا تمثل الفرونيسيس عند أرسطو معرفةً تأملية بالحقائق الأزلية، ولا مهارة تقنية موجهة نحو الإنتاج، بل هي القدرة على حسن المداولة في شأن الفعل ضمن شروط التغير والخصوصية. إنها، بهذا المعنى، عقل الممارسة ( praxis )؛ أي عقلانية تطبيقية تحدد ما ينبغي فعله هنا والآن في سبيل الحياة الفاضلة. والأهم من ذلك أن الفضائل الأخلاقية، كالشجاعة أو العدالة، تظل ناقصة في بنيتها من دون الفرونيسيس. فإذا كانت الفضيلة تمثل هيئة راسخة في الخلق، فإن الفرونيسيس هي التي تمنح القدرة على التمييز الملائم لكل موقف، بما يسمح بتجسيد تلك الهيئة على الوجه الصحيح. فقد يدرك الإنسان معنى الشجاعة أو العدالة إدراكاً مجرداً، لكنه، من دون الفرونيسيس، يعجز عن معرفة الكيفية التي ينبغي أن تتحققا بها في وضع واقعي معقد لا يقبل الاختزال. ومن ثم تكشف الحصافة أن المعرفة الأخلاقية عند أرسطو ليست معرفة نظرية خالصة، بل هي معرفة لا تنفصل عن الحكم، والمداولة، والفعل في سياق التجربة المعيشة. من الفرونيسيس إلى الحكمة في هذا السياق، تبدو المقولة التي طرحها مؤخراً أحد الفلاسفة المغاربة ذوي التوجه الإسلامي، والتي تأسف فيها لأن التقليد الفلسفي المهلْنن في العربية ظل “أسيراً” لإطار الفضائل الأرسطية الأربع، ومن ثم أخفق في بلورة أخلاق إسلامية أصيلة قائمة على التقوى، بما هي في التقليد الإسلامي وعيٌ دائم بالله، ويقظةٌ لحضوره، وانضباطٌ أخلاقي يروم اجتناب الخطأ والوفاء بالواجبات الدينية والأخلاقية، مقولةً تنطوي على اختزال مفهومي واضح. وتفترض هذه القراءة وجود تعارض حاد بين أخلاق الفضيلة “اليونانية” المزعومة والأفق الأخلاقي “الإسلامي”، وكأن تلقي أرسطو في الثقافة الفلسفية العربية كان شكلاً من أشكال الانغلاق المفهومي، لا فضاءً للترجمة الخلاقة وإعادة البناء الفكري. كما أنها تغفل ليس فقط تقليد الفلسفة ( falsafa ) نفسه، بل أيضاً الثقافة الأوسع لـالأدب ( adab )، وكلاهما استوعب بصورة فاعلة معجماً أخلاقياً مستمداً من أصول متعددة: يونانية-هلنستية، وفارسية-ساسانية، وقرآنية-نبوية. ولم تتخلَّ هذه التقاليد عن مرجعياتها الإسلامية، بل كثيراً ما نسجت تركيباً أخلاقياً متعدد الطبقات، ووضعت فيه الوحي، والحكمة الموروثة، والتفكير الفلسفي، في علاقة دينامية متواصلة. ومن ثم فإن خيبة الأمل التي يعبر عنها هذا المفكر المعاصر، ومفادها أن الفلاسفة ( falāsifa ) في العصور الوسطى لم ينجحوا في إنتاج أخلاق “إسلامية” خالصة، تعيد فتح سوء فهم أعمق وأكثر رسوخاً يتعلق بطبيعة الفلسفة ذاتها. كما تثير سؤالاً أوسع: ما الذي يجعل خطاباً أخلاقياً ما “إسلامياً”؟ وهل تُلتمس الأصالة في نقاء العقيدة، أم في المسارات التاريخية المتعددة التي تشكلت عبرها العقلانية الأخلاقية فعلياً في تاريخ الفكر الإسلامي؟ وبالنسبة إلى أرسطو، فإن الفرونيسيس هي الحصافة، أي القدرة على حسن المداولة في شأن الفعل، وهي تختلف عن السوفيا ( sophia ) التي تدل على الحكمة النظرية. ومع الترجمة اليونانية للكتاب المقدس العبري، أي الترجمة السبعينية، أصبحت كلمة السوفيا ترجمةً للكلمة العبرية حوخماه ( ḥokhmah ). غير أن حوخماه تشير أساساً إلى المهارة العملية والدراية التطبيقية، بينما أخذت السوفيا تكتسب، شيئاً فشيئاً، معنى المعرفة النظرية، بل ومعنى الحقيقة القصوى ذاتها. وفي السياقات الهلنستية والغنوصية اللاحقة، اكتسبت سوفيا بعداً ميتافيزيقياً ورمزياً، فشُخِّصت أحياناً بوصفها فيضاً إلهياً أو “أيوناً” أنثوياً، وفي بعض الروايات الغنوصية “تهبط” من العالم الروحي إلى العالم المادي قبل أن تستعيد مكانتها من جديد. أما الحكمة ( ḥikma ) في العربية، وهي كلمة ترتبط في بنيتها اللفظية ارتباطاً وثيقاً بالعبرية حوخماه، فتشتق من الجذر ح-ك-م، الذي يدل في أصله على المنع والضبط والإحكام. ومن هذا الجذر تتولد معانٍ تتصل بالسلطة القانونية والسياسية، مثل الحكم، والحاكم، والحكيم. وهكذا يجمع هذا الحقل الدلالي بين الحكمة، وإصدار الحكم، وممارسة السلطة، والتمييز الرشيد. وفي القرآن الكريم، تُعرض الحكمة بوصفها عطيةً إلهية مُنحت لشخصيات مثل داود عليه السلام: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ولقمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ويرى معظم علماء الإسلام الكلاسيكيين أن لقمان لم يكن نبياً، بل كان رجلاً صالحاً أوتي حكمة استثنائية، ولذلك حظي بمكانة رفيعة في التراث الإسلامي. وفي الأدبيات الوسيطة المتأخرة، يُصوَّر لقمان كثيراً بوصفه صاحب حكايات أخلاقية، الأمر الذي جعله يُقارن بإيسوب. كما تصفه بعض الروايات قاضياً أو مستشاراً في عهد داود، الذي يصرح القرآن بنبوته. ولا يربط التراث الإسلامي بين لقمان الحكيم والنبي التوراتي ناثان، وإن كانت بعض الأخبار المتأخرة تشير إلى صلة نسب بينهما، بل تذهب أحياناً إلى اعتبار لقمان والد ناثان. الامتداد الميتافيزيقي للحكمة على الرغم من عدم وجود صلة اشتقاقية بينهما، فإن الحكمة ( ḥikma )، في حقلها الدلالي الأصلي، أقرب إلى الفرونيسيس منها إلى السوفيا. بل إنها، على وجه الدقة، احتلت في بداياتها موقعاً وسطاً بينهما، فغدت وسيطاً بين الحكمة العملية والحكمة النظرية. وهي، شأنها شأن الفرونيسيس، تنطوي على معنى سلامة الحكم وحسن التقدير؛ أي القدرة على تطبيق المعرفة على الوقائع الملموسة والمتغيرة في سبيل غاية فاضلة. ففي الحالتين، لا تقتصر الحكمة على إدراك الحقيقة، بل تتمثل أيضاً في القدرة المكتسبة على تجسيدها من خلال التمييز، والخلق، والذكاء العملي. غير أن الحكمة شهدت، خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، توسعاً مفاهيمياً بالغ الأهمية، إذ غدت المقابل العربي المفضل للمصطلح اليوناني فيلوسوفيا ( philosophia ). وعلى الرغم من أن لفظ الفلسفة ( falsafa ) كان الأكثر شيوعاً للدلالة على العلوم اليونانية المترجمة، فإن الفلاسفة المسلمين الأوائل آثروا، في كثير من الأحيان، استعمال الحكمة لما يحمله هذا اللفظ من صدى قرآني. ويظهر ذلك منذ الكندي، ثم يتجسد مؤسسياً في عهد المأمون مع إنشاء بيت الحكمة في بغداد، الذي غدا مركزاً إمبراطورياً لترجمة ما عُرف بـ”العلوم العقلية” (ʿ ulūm ʿ aqliyya )، وتصنيفها، وتطويرها، في مقابل “العلوم النقلية” (ʿ ulūm naqliyya ). وبفضل مشروعيتها القرآنية، بقيت الحكمة، بوصفها مصطلحاً ومفهوماً، بمنأى نسبياً عن الشبهات التي أحاطت كثيراً بـالفلسفة أو بـالمنطق ( manṭiq )، اللذين وُصفا أحياناً بأنهما وافدان غريبان، شديدا الارتهان للمصادر اليونانية، بل وربطهما بعضهم بـالزندقة ( zandaqa ). وقد احتلت تهمة الزندقة موقعاً محورياً في السجالات الفكرية في الإسلام الوسيط، إذ استخدمها بعض علماء الدين للطعن في التصورات الميتافيزيقية لدى الفلاسفة ( falāsifa )، ولا سيما تلك المتأثرة بالأفلاطونية المحدثة والأرسطية. ومع أن المصطلح ارتبط في أصله بالثنوية المانوية والهرطقة، فإنه اتسع تدريجياً ليصبح تهمة فضفاضة تُوجَّه إلى كل فكر يُنظر إليه بوصفه مهدداً للتوحيد الأرثوذكسي. ولم يُتَّهَم الفارابي أو ابن سينا، في العادة، بالثنوية الحرفية، بل بإدخال بنى مفهومية أجنبية، مثل نظرية الفيض أو القول بأزلية العالم، وهي أفكار رأى بعض المتكلمين أنها تنطوي على خطر عقدي أو أنها مفرطة في طابعها الهلْنني. وبوجه عام، تمحورت هذه الانتقادات حول ثلاثة محاور رئيسية. فقد اتُّهم الفلاسفة بالقول بأزلية العالم، في تعارض مع عقيدة الخلق من العدم ( creatio ex nihilo ). كما اتُّهموا بتبني تصور فيضي للوجود لا يترك مجالاً يُذكر للإطار التقليدي القائم على الخلق والوحي والخلاص. وأخيراً، نُسب إليهم تقويض الإيمان بالبعث الجسدي، إما بتأثرهم بالنزعة الأفلاطونية المحدثة التي تميل إلى القول بالنفس الكلية الواحدة بدلاً من تعدد النفوس الفردية، أو باستبدالهم التمييز الأخروي بين الجنة والعقاب بصورة من النعيم العقلي المقصور على العقل المطهر. ويكشف ذلك عن مفارقة لافتة: فمع أن الحكمة كانت تميل في أصلها إلى معنى الحكمة العملية، فإن اعتمادها ترجمةً لـفيلوسوفيا، مقترناً بجذورها القرآنية، أتاح لها أن تتسع لتغدو مفهوماً أشمل وأكثر نزوعاً إلى التأمل الميتافيزيقي. وقد اتجه الفلاسفة، في الغالب، إلى مساواة الفلسفة بـالحكمة، والعكس بالعكس، مع تحويل الحكمة تدريجياً من مفهوم يجمع بين الحكمة العملية (الفرونيسيس) والحكمة النظرية (السوفيا) إلى تعبير عن اللوغوس ( logos ) الأسمى؛ أي المبدأ الجامع الذي يحتضن، في آنٍ واحد، البنية العقلانية والواقع الميتافيزيقي. ومن ثم، لم تعد الحكمة تشير إلى مجرد التمييز الأخلاقي، بل أصبحت تدل على نمط من الحكمة الكلية، بل الكونية. ويتجلى هذا التحول بوضوح منذ ابن سينا، وبالتوازي داخل الفلسفة الإسماعيلية، ولا سيما في مؤلفات حميد الدين الكرماني، مثل “راحة العقل” ( Rāḥat al- ʿ Aql ). ثم يبلغ هذا المسار مرحلة جديدة مع المدرسة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي في “حكمة الإشراق” ( Ḥikmat al-Ishrāq )، قبل أن يواصل تطوره في مدرسة أصفهان مع مير داماد وملا صدرا. وفي هذه التطورات اللاحقة، لم تعد الحكمة تعني مجرد التوازن بين العملي والنظري، بل غدت شكلاً من أشكال الثيوصوفيا (الحكمة الإلهية)، حيث تتحد الممارسة العقلية والتحقق الروحي اتحاداً لا انفصام فيه. وهكذا لم تعد الحكمة مجرد القدرة على المعرفة أو على العمل القويم، بل أصبحت أيضاً مساراً يتحول فيه الإنسان نفسه بفعل الحقيقة. ملاحظة : تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.

/