
أزمة الدور والاستراتيجية لا أزمة قرار


لم يعد النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة في لبنان مجرد نقاش سيادي تقليدي حول تطبيق الدستور أو تنفيذ القرار 1701، بل تحوّل إلى اختبار وجودي لقدرة الدولة نفسها على ممارسة وظائفها الأساسية. فالمعضلة اليوم لم تعد تتعلق بصوابية المبدأ، إذ يكاد يوجد إجماع نظري على أن احتكار الدولة للسلاح هو شرط قيامها، بل باتت تتعلق بالفجوة الهائلة بين القرار السياسي والقدرة الفعلية على تنفيذه من ضمن رؤية وطنية واستراتيجية مجتمعية جامعة.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة الراهنة. فالمسألة لم تعد مسألة إرادة سياسية فقط، بل أصبحت مسألة قدرة بنيوية. الدولة اللبنانية تعيش وضعا غير مسبوق من انعدام الروافع: لا تمتلك رافعة داخلية حاسمة ضد الحزب، ولا رافعة إقليمية داعمة، ولا رافعة دولية كافية تترجم تضامنًا سياسيًا أو أمنيًا أو اقتصاديًا فعالا. هذه الوضعية لا تعني فقط ضعفًا ظرفيًا، بل تعني أن قرار حصر السلاح، لهما كان صحيحًا من حيث المبدأ، بات معلقًا داخل مثلث من العجز: عجز عن فرضه، وعجز عن التفاوض حوله من موقع قوة، وعجز عن تحمّل كلفة فشله.
استعادة سيادة الدولة
خطورة هذا الواقع لا تكمن فقط في استمرار السلاح خارج إطار الدولة، بل في أن الهوة بين القرار والقدرة أصبحت بحد ذاتها عامل عدم استقرار. فالحكومة (وضمناً العهد) التي تعلن هدفًا سياديًا استراتيجيًا دون أن تمتلك الأدوات الواقعية لتحقيقه، تدخل منطقة خطرة حيث تصبح مصداقيتها نفسها على المحك باعتبارها لاعباً رديفاً وليس أصيلاً. وهنا تحديدًا يبدأ التحدي الحقيقي: ليس فقط في كيفية معالجة السلاح، بل في كيفية إعادة مواءمة الطموح السيادي مع القدرة الواقعية من جهة وضمان الاستقرار المجتمعي الداخلي من جهة أخرى.
لفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى السياق الذي تبلورت فيه مسألة حصر السلاح في مرحلتها الحالية. فقد جاء طرح الملف نتيجة مسار تراكمي طويل بدأ منذ اتفاق الطائف، لكنه بقي معلقًا لعقود بفعل التوازنات التي نشأت بعد الحرب الأهلية. الجديد اليوم هو أنه خرج من دائرة الخطاب السياسي ودخل دائرة القرارات التنفيذية، خصوصًا بعد حرب الاسناد 2024 وما رافقها من ترتيبات أمنية أكثر إلزاما وافق عليها وهندسها حزب اللّٰه من خلال حليفه رئيس حركة أمل ورئيس البرلمان اللبناني، باعتباره اللاعب الأصيل، وليس الدولة أو الحكومة اللبنانية، في صيغة إعلان وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في 26-27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وما رافقها من إعادة طرح مسألة تطبيق
القرار 1701.
لكن الانتقال إلى التنفيذ كشف سريعًا حدود القدرة. فعلى الرغم من عدم قدرة الدولة على بلورة هذا الاتفاق أصلاً، فإنّ النجاح النسبي الذي تحقق في تعزيز حضور الدولة جنوب الليطاني لم يكن نتيجة حسم سياسي داخلي بقدر ما كان نتيجة ظروف ميدانية فرضته نتائج حرب السناد وضغوطها. أما الانتقال إلى بقية الأراضي اللبنانية، فقد كشف التعقيدات البنيوية للنظام اللبناني، حيث تتداخل اعتبارات السيادة مع اعتبارات الاستقرار، وتتقاطع الحسابات الداخلية مع الحسابات الإقليمية، مما جعل الدولة عرضةً لوصفها بعدم الجدّية في إتمام مندرجات الاتفاق. وعليه، بدا ملف حصر السلاح وكأنه دخل مرحلة يمكن وصفها ب"المراوحة أو التسويف الاستراتيجي" (على غرار المراوحات الأخرى في ملفات بنفس القدر من الحساسية والاهمية، ومنها: ملف الفجوة المالية، الملف المتعلق بجريمة انفجار مرفأ بيروت وغيرها): فلا الدولة قادرة على المضي قدمًا بشكل حاسم، ولا الحزب مستعد للتراجع، ولا المجتمع الدولي قادر على فرض تسوية، ولا البيئة الإقليمية تسمح بحل سريع ولا البنية الداخلية متوافقة على خيار. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المشكلة لم تعد تقنية أو أمنية، بل أصبحت تعبيرًا عن خلل أعمق في بنية التوازنات التي تحكم الدولة والمجتمع اللبناني برمّته.
ضمن هذا السياق، لا يمكن تجاهل التحول الأهم الذي طرأ على البيئة السياسية اللبنانية، وهو التراجع التدريجي للشرعية الوطنية الواسعة التي كان يتمتع بها مفهوم المقاومة. فمرحلة ماقبل العام 2000 ليس كما بعدها، إذ بدأت الركائز الثلاث التي استندت اليها شرعية المقاومة تتعرض للاهتزاز والتآكل تدريجيًا: تحرير الأرض، ردع إسرائيل، والعمل ضمن إطار وطني جامع. فأولا، تركز موقع الحزب وازداد حضوره وارتباطه العضوي الريعي في "بيئته الاجتماعية" على حساب الدولة من خلال وافر الرعاية التي وفرها - بالأصالة والوكالة - بدلاً عن الدولة الريعية آنذاك. وتعزز ذلك باستئثار التمثيل الشعبي وفرض مُقايضات داخلية تؤمن استمراريته واستمرارية دوره العقائدي والاجتماعي والسياسي، ولو على حساب حليفه ولكن ضمن معادلة صيغت بميزان الذهب. وثانياً، لم يتحول السلاح إلى جزء من استراتيجية دفاع وطنية متفق عليها، بل بقي خارج إطار المؤسسات، كجزء من بنية عسكرية بامتداد إقليمي، لا مجرد فاعل لبناني.
تقادم مفهوم "المقاومة"
وثالثاً، أدى الانخراط في النزاعات الإقليمية، خصوصًا في سوريا، إلى نقل صورة السلاح من أداة مقاومة ودفاع (كما كان يُروّج لها) إلى أداة ضمن نفوذ إقليمي أوسع. ورابعاً، جاءت الانهيارات الاقتصادية والحروب المتكررة لتضيف عاملًا جديدًا يتمثل في الكلفة الاجتماعية الباهظة التي باتت تتحملها شرائح واسعة من اللبنانيين نتيجة خيارات لم تشارك في اتخاذها.
إلا أنّ هذا التحول لم يؤد إلى سقوط كامل لشرعية "المقاومة"، لكنه أدى إلى تحولها من شرعية وطنية جامعة إلى شرعية جزئية مرتبطة ببيئة سياسية واجتماعية محددة. وهنا يظهر التحدي الحقيقي والسؤال الأكثر حساسية في النقاش اللبناني اليوم: إذا كان نموذج المقاومة فقد جزءًا من - أو كامل - شرعيته، فهل الدولة قادرة فعلًا على ملء هذا الدور؟ هذا السؤال يعيد النقاش إلى نقطة جوهرية أدى طرحها المتكرر الى تسويف مضمونها، ولكنها تبقى حاضرة لا يمكن تجاهلها: المشكلة ليست فقط في السلاح، بل في غياب استراتيجية ومقومات دفاع وطنية بديلة تحظى بثقة اللبنانيين. فالدولة اللبنانية، رغم شرعيتها القانونية، لم تمتلك حتى الآن قدرات ردع تقليدية تسمح لها بمواجهة إعتداءات إسرائيل وخاصة أن البلدين مازالا في حالة هدنة وعُرضة لتعديات متكررة. وهذا ليس فقط سبب ضعف الموارد فقط، بل بسبب طبيعة العقيدة العسكرية التي تركز منذ الطائف على الاستقرار الداخلي أكثر من الردع الخارجي، وبسبب طبيعة الدعم الدولي الذي عزز دور الجيش كقوة استقرار لا كجيش مواجهة تقليدية. وهذا ما يجعل النقاش حول حصر السلاح ناقصًا إذا لم يُربط بمسألة بناء استراتيجية دفاع وطنية قابلة للتطبيق.
في هذا السياق، يمكن فهم النقاش اللبناني الحالي عبر ثلاث مقاربات رئيسية. المقاربة الأولى هي (أ) المقاربة السيادية التي ترى أن المشكلة الأساسية هي ازدواجية السلطة، وأن الحل يبدأ بفرض احتكار الدولة للسلاح كما نصّ اتفاق الطائف وقرارات الشرعية الدولية.
هذه المقاربة قوية من حيث المبدأ، وهي حاضرة في خطاب الرئاسة والحكومة اللبنانية، لكنها غالبًا ما تتجاهل ميزان القوى؛ (ب)
المقاربة الثانية هي المقاربة الواقعية التي ترى أن أي حل يجب أن يمر عبر تدرّج وتفاهم وطني وبالتالي تسوية بأثمان سياسية (وهذا سبب تأخرها أو عدم وضعها على الطاولة)، وليس صدامًا مباشرًا، لأن البيئة اللبنانية الطائفية والهشاشة الاقتصادية والأمنية تجعل أي فرض قسري سريع محفوفًا بخطر المواجهة المسلحة والانفجار الداخلي. إلا أنها تبدو اسراتيجية مترنحة، فهى دائمة الحضور في النقاشات وغالباً ما تتحول إلى إدارة للأزمة بدل حلها.
أما (ج) المقاربة الثالثة النقدية ترى أن توقيت طرح الملف مرتبط بالضغط الخارجي وتحديداً بتوازنات ما بعد الحرب والضغط الأميركي-الإسرائيلي أكثر من كونه نتاج توافق لبناني مكتمل، وهي تشكك في إمكان تنفيذه كاملًا بينما تواصل إسرائيل خروقاتها واحتلالها واستمرار ضرياتها من جهة، وتفرّد الحزب في قرار الحرب والسلم من ناحية أخرى، وتحذر من مخاطر فرضه دون شروط سياسية مناسبة. إلا أنها لا تُقدم حلاً بديلاً متكاملاً. في المحصلة، تعكس هذه المقاربات الثلاث اختلافًا اساسياً في تصور طبيعة الدولة المنشودة نفسها: هل لبنان دولة قادرة على استعادة احتكارها للسلاح ووظيفة الدفاع؟ أم نظام توازنات داخلية هشة يجب الحفاظ عليه أو تغييره داخليا من خلال الأدوات الدستورية؟ أم ساحة صراع إقليمي يجب تحييدها؟ غياب الإجابة الموحدة عن هذا السؤال، وربما عدم الثقة بالخيار الأول وفشل الخيار الثاني عقب ثورة 2019 وتعثر الطرح الثالث، هو ما جعل النقاش حول السلاح يتحول في كل مرة إلى نقاش حول طبيعة الدولة وكيفية هندستها أو استعادتها.
إسناد دور سيادي للجيش
هذا يقود إلى البعد الأكثر تعقيدًا، وهو البعد الإقليمي. فواقع الحال يظهر أن قرار السلاح في لبنان لم يكن يوماً قرارًا لبنانيًا صرفًا. فارتباط حزب اللّٰه بإيران، وارتباط ملف السلاح بترتيبات وقف النار مع إسرائيل، وتحول الملف عبر السنوات إلى جزء من التفاوض الأميركي-الإيراني، كلها عوامل جعلت هذا القرار يتجاوز الدولة اللبنانية (المفاوض الرديف الذي لا يملك خيوط اللعبة ويفتقد القدرة). هنا تظهر معضلة الدوران في حلقة مفرغة، إذ تصبح السيادة مسؤولية دون أدوات. فلبنان مطالب بتنفيذ قرار سيادي، بينما جزء كبير من شروط نجاحه يتحدد خارج حدوده. وما يزيد من حدّة التناقض حاليا هو الضغط الدولي على لبنان لاتخاذ خطوات داخلية، مقابل محدودية القدرة الدولية على فرض شروط الاستقرار الإقليمي اللازمة لنجاح هذه الخطوات.
وهنا تجدر الاشارة الى انسداد الأفق الاقليمي أيضاً، إذ أن الرهان على فك الارتباط بين حزب اللّٰه وإيران وهما يتعرضان لضغوطات عسكرية وأمنية غير مسبوقة، غير مؤكد، بل لربما أصبح أبعد منالاً. ففي لحظات الحصار الوجودي، تميل الشبكات والأذرع الحليفة إلى التشبث بعضها ببعض بدل التفكك. إذ أنَ منطق "الضغط الأقصى" قد يفضي إلى نتيجتين متعاكستين: إما دفع الحزب إلى تراجع تكتيكي إذا شعر بأن بيئته الاستراتيجية تتهاوى، سعياً للحفاظ على ما تبقى من امتيازات وتجنّب تحميل بيئته أثمان داخلية أكبر، وإما أن يدفعه إلى مزيد من التصلب لأنه يرى في السلاح آخر ضمانة لبقائه السياسي والتنظيمي وبالتالي ضماناً لبيئته أيضاً، وورقة تفاض إضافية للوكيل الأصيل. وهنا يصبح السلاح أكثر من كونه مجرد أداة عسكرية، لاعتباره آلية نجاة سياسية ونفسية وتنظيمية. هذا يُضفي هشاشة على هشاشة المقاربة اللبنانية الرسمية، إذ تُطالب الدولة بخفض النفوذ الإقليمي للحزب في اللحظة ذاتها التي يشعر فيها الحزب بأن هذا النفوذ هو ما يحول دون إخضاعه الكامل.
استعادة احتكار السلاح
في صلب هذه المعضلة يقف واقع الدولة اللبنانية نفسها. فالدولة التي يُطلب منها احتكار السلاح هي نفسها دولة تعاني من هشاشة مالية غير مسبوقة، وضعف مؤسساتي، وانقسام سياسي، وضغط اجتماعي ناتج عن النزوح، وقيود أمنية كبيرة. فالاقتصاد لم يتعاف بعد، المؤسسات لم تستعد ثقة المواطنين، والقدرة على إدارة الأزمات ما زالت محدودة. بالاضافة الى الضغط الاقتصادي والمالي والاجتماعي والأمني غير المسبوق، يتصاعد خطر التوتر وانعدام الثقة بين النازحين والمجتمعات المضيفة. فالنزوح الواسع من الجنوب، مع اقتراب الأعداد من 800 ألف وما فوق، لا يمثل مجرد أزمة إنسانية، بل ضغطًا مباشرًا على التوازنات المحلية، والخدمات، والإيجارات، والموارد البلدية، وشبكات التضامن الهشة أصلًا. إذ تشير التقارير إلى أنّ استمرار النزوح وتكراره، مع غياب الدعم الكافي، يفتح الباب سريعًا أمام التوتر وتسييس الاستضافة. وقد بدأنا نتلمّس كيف يمكن لهذا الاحتكاك أن يتحول، في بلد منقسم سياسيًا وطائفيًا، من ضغط اجتماعي إلى وقود لتوتّر أهلي كامن، خصوصًا عندما يُربط النازحون بخيارات عسكرية لم تقررها المجتمعات المضيفة.
آثار الانقسامات السابقة
أما الجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يكون الأداة التنفيذية لهذا القرار، فيتصرف بحذر شديد. فالجيش اللبناني نجح نسبيًا في جنوب الليطاني، ضمن قواعد أرساها الحزب ومن خلفه راعيه الاقليمي رغم الخسائر المدوية التي منيا بها، وأعلن في كانون الثاني/يناير 2026 أنه أمسك بالمنطقة عملياتيا، لكن الانتقال إلى شمال الليطاني أثبت أنه يختلف جوهريًا لأنه يمس لبّ التوازنات الداخلية. هذا الحذر لا يعكس فقط محدودية القدرات العسكرية، بل يعكس إدراكًا عميقًا بأن أي صدام داخلي واسع قد يهدد تماسك المؤسسة نفسها، مستحضرًا ذاكرة انقسامات سابقة خلال الحرب الأهلية. ولذلك، فإن ما يُفسر أحيانًا كسلبية هو في الواقع استراتيجية بقاء مؤسسي وتعبير عن إدراك أن أي خطوة غير محسوبة قد تضرب آخر مؤسسة وطنية ما زالت تحتفظ بقدر من التماسك. ويزداد هذا الحذر مع هشاشة الدولة المالية والقضائية والأمنية. فحتى لو افترضنا وجود قرار سياسي موحّد، فإن تنفيذه يتطلب أجهزة قادرة على الانتشار، والضبط، والتحقيق، والمصادرة، والتفكيك، والمراقبة، والحماية المجتمعية، إضافة إلى قدرة قضائية وإدارية يمكنها إدارة التداعيات.
تعاني الدولة من هامش مناورة ضيق للغاية
إلا أنّ واقع الحال يُشير إلى المؤسسات على اختلافها "مُنهكة"، نتيجة الانهيار المالي والاقتصادي منذ 2019 وتسعى جاهدةً للحفاظ على الحد الأدنى من الأداء عبر ترتيبات ترقيعية لتأمين دفع الرواتب والخدمات الأساسية ودعم خارجي غير كافٍ.
إلى جانب ذلك، تُعاني الدولة، حكومة ورئاسة، من ضعف موقعها الإقليمي والدولي. فلا تملك أوراق ضغط، ولا تحالفات حاسمة، ولا ضمانات أمنية، باعتبارها الطرف الثالث الغير أصيل في الصراع وبالتالي في المفاوضات. فحتى عندما تُطالب الدولة بوقف كامل لإطلاق النار كمدخل لأي تفاوض، تُظهر محدودية تأثيرها وعجزها عن امتلاك ما يكفي من أوراق الضغط لجعل هذا الشرط مُلزمًا لأي طرف؛ فهي لا تستطيع ردع إسرائيل، ولا الضغط على حزب الله. وقد أظهرت المعطيات الأخيرة أن فرنسا نفسها اعتبرت أنه من غير المعقول مطالبة لبنان بنزع سلاح حزب اللّٰه بينما يتعرض للقصف من قبل إسرائيل، وللتسويف من قبل الحزب في آن. وهذا يعني ضمنًا أن بعض العواصم الغربية باتت تُقرّ بالفجوة بين التوقعات المفروضة على الدولة اللبنانية وبين واقع قدرتها الفعلية. لكن الاعتراف بهذه الفجوة لا يعني بالضرورة ترجمتها إلى حماية سياسية للبنان؛ بل قد يتحول إلى مجرد توصيف لعجز مؤكّد. وهكذا يجد لبنان نفسه أمام معادلة قاسية: مطالب باتخاذ قرارات سيادية كبيرة من دون وزن تفاوضي يسمح له بفرض إيقاعه أو أولوياته، ومن دون قدرة فعلية على لجم خيارات الحزب وإيقاعاته التي أصبحت أكثر التصاقاً بالمسار الاقليمي من أي وقت مضى. وفي جميع الأحوال، فإنه لا يمتلك الأدوات السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية اللازمة لتنفيذ هذه القرارات أو حصر تداعياتها.
في المُحصلة، تعيش الدولة اللبنانية وضعًا غير مسبوق من انعدام الروافع - الداخلية منها والخارجية. فهي تواجه توحّشاً واحتلالاً مستمراً، وضغوطًا إقليمية متصاعدةً، وهامشًا دوليًا ضيقًا، وانهيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا متواصلا، وهشاشةً أمنية متزايدةً. ولهذا، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم قد لا يكون في السلاح نفسه، بل في استمرار الغياب شبه الكامل لرؤية واستراتيجية وطنية واقعية تحدد من أين يبدأ المسار، وما هي مراحله لوقف العدوان وتسليم السلاح، وما هي كلفة كل منهما، ومن يتحملها، وما هي الضمانات التي تمنع توسع العدوان أو انفجار السلاح وسقوط ما تبقى من دولة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو الاستمرار في سياسة المراوحة وتضييع الوقت وغياب المسار - التأجيل يصبح نفسه أخطر من القرار.