شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

لبنان والحرب: كلفة المواجهة وأسئلة الدولة المؤجّلة

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم زياد عبد الصمد
نُشر أبريل 8, 2026 - 18:45

منذ اندلاع التصعيد العسكري الأخير على الحدود الجنوبية، عاد لبنان إلى واجهة المشهد الإقليمي بوصفه ساحة مواجهة مفتوحة، ما أعاد طرح أسئلة قديمة تتعلق بدوره وحدود قراره وقدرته على تحمّل كلفة الانخراط في صراعات تتجاوز حدوده. وفي ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل أساسي: كيف يمكن تقييم جدوى هذه المواجهة من منظور لبناني داخلي، في ضوء ما ترتّب عليها من نتائج ميدانية واقتصادية واجتماعية؟

المعطيات الميدانية تشير إلى كلفة مرتفعة. فقد شهدت مناطق واسعة من الجنوب أضرارًا كبيرة في البنية التحتية والممتلكات، وترافق ذلك مع موجات نزوح داخلي طالت مئات الآلاف من السكان، ما ألقى أعباء إضافية على مناطق الاستضافة وعلى الدولة التي تعاني أصلًا من أزمة اقتصادية ومالية عميقة. كما تأثرت قطاعات إنتاجية أساسية، لا سيما الزراعة والسياحة، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد اللبناني إلى أي فرصة للتعافي.

في المقابل، تختلف القراءات حول ما تحقق ميدانيًا. فهناك من يرى أن الانخراط في المواجهة يندرج ضمن استراتيجية ردع أوسع، مرتبطة بتوازنات إقليمية، وأنه يهدف إلى فرض معادلات جديدة أو تثبيت معادلات قائمة. فيما يعتبر آخرون أن النتائج لم تؤدِّ إلى تغيير نوعي في ميزان القوى، وأن سقف المآلات السياسية لا يزال قريبًا من ترتيبات سابقة لوقف الأعمال العدائية، بما في ذلك العودة إلى مفاعيل تلك الترتيبات التي كانت قائمة قبل التصعيد الأخير، ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين الكلفة والنتائج، لا سيما في ضوء كون هذا التصعيد قد جاء في سياق تفاعلات إقليمية أوسع وتقاطعات تتجاوز الإطار اللبناني الداخلي.

هذا التباين في التقييم يعكس، إلى حد كبير، اختلافًا في تحديد موقع لبنان ضمن الصراع الإقليمي. فهل هو طرف مباشر يملك هامش قرار مستقل، أم أنه جزء من شبكة تحالفات أوسع تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست نظرية فقط، بل تنعكس مباشرة على كيفية فهم الحرب وتقدير جدواها.

في الداخل، أعاد التصعيد إحياء النقاش حول دور الدولة وحدود سلطتها. فمسألة احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم تبقى من أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية اللبنانية. يرى فريق أن حصر هذا القرار بمؤسسات الدولة يشكّل شرطًا أساسيًا لتعزيز السيادة وبناء استقرار طويل الأمد. في المقابل، يعتبر فريق آخر أن الواقع الأمني والتوازنات القائمة تفرض صيغًا مختلفة، وأن أي مقاربة لهذا الملف يجب أن تأخذ في الاعتبار المخاوف والهواجس المتبادلة بين المكونات اللبنانية.

هذا الجدل ليس جديدًا، لكنه يكتسب بعدًا إضافيًا في ضوء التطورات الأخيرة. إذ تبيّن التجربة أن تعدد مراكز القرار يطرح تحديات على مستوى التنسيق الداخلي وعلى مستوى إدارة الأزمات، كما يؤثر على موقع لبنان في علاقاته الخارجية، سواء في ما يتعلق بالمسار الدبلوماسي أو بقدرته على الاستفادة من الدعم الدولي.

يرتبط ذلك أيضًا بسؤال أوسع حول طبيعة النظام السياسي. فمنذ إقرار اتفاق الطائف، وُضعت أسس لإعادة بناء الدولة وتعزيز دور مؤسساتها، إلا أن التطبيق بقي متفاوتًا نتيجة تعقيدات داخلية وتوازنات سياسية متحركة، محلية وإقليمية. هذا التفاوت في التطبيق ساهم في إبقاء بعض القضايا الأساسية، ومنها السيادة والإصلاح المؤسسي، في دائرة النقاش المفتوح من دون حسم.

إلى جانب البعد السيادي، تبرز مسألة ثقة المواطنين بالدولة. فالأزمات المتتالية، من الانهيار المالي إلى تداعيات الحرب، أضعفت هذه الثقة، وجعلت شرائح واسعة من اللبنانيين تعتمد على شبكات بديلة لتأمين احتياجاتها. وهذا الواقع ينعكس بدوره على إمكانية بناء عقد اجتماعي فعّال، يقوم على علاقة متبادلة بين الدولة والمواطنين، قائمة على الحقوق والواجبات.

في هذا السياق، يمكن فهم ما يوصف أحيانًا بـ "الانتقائية" في التعامل مع القوانين أو في مقاربة القضايا العامة. فهذه الانتقائية قد تكون، جزئيًا، نتيجة لانعدام الثقة بالمؤسسات أو لشعور بعض الفئات بأن تطبيق القواعد لا يتم بشكل متساوٍ. لكنها، في الوقت نفسه، تساهم في إضعاف فكرة الدولة كمرجعية جامعة، ما يعقّد أي محاولة لإرساء قواعد مستقرة للحكم.

على المستوى الإقليمي، لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن سياق أوسع يشمل تفاعلات بين قوى دولية وإقليمية. وقد أظهرت تجارب السنوات الماضية في المنطقة، في أكثر من ساحة/دولة، كيف يمكن أن تتحول الدول ذات الهشاشة الداخلية إلى مسارح لتقاطع هذه الصراعات. وفي هذا الإطار، يبدو لبنان معرّضًا بشكل خاص لتأثير هذه التوازنات، نظرًا لتركيبته الداخلية وتعقيد علاقاته الخارجية.

في هذا السياق، يندرج أيضًا التطور الأخير المتمثل في الإعلان عن وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لمدة 15 يوما وبوساطة باكستانية، تمهيدًا لإطلاق مسار تفاوضي بين الطرفين بهدف التوصل إلى تسوية للأزمة بينهما. غير أن هذا المسار يثير جملة من التساؤلات بالنسبة إلى لبنان، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا التفاهم يشمله بشكل مباشر أو غير مباشر. كما يطرح مسألة موقع لبنان في مثل هذه الترتيبات، في ظل غياب تمثيل رسمي له على طاولة المفاوضات، في حين يُفترض أن تكون الدولة اللبنانية الجهة المخوّلة حصراً التفاوض باسمه. ويعكس هذا الواقع إشكالية مستمرة تتصل بحدود السيادة الوطنية، حيث تُطرح قضايا تمسّ لبنان ضمن أطر تفاوضية خارجية من دون أن يكون للدولة الدور المركزي في تحديد موقعها وخياراتها.

أمام هذا المشهد، لا تبدو الخيارات سهلة أو أحادية. فالمقاربة الواقعية تقتضي الاعتراف بتشابك العوامل الداخلية والخارجية، وبأن أي مسار للخروج من الأزمات يتطلب معالجة متوازنة لهذه العوامل، على قاعدة ترسيخ الدولة لا مهادنتها أو تقويضها. ويشمل ذلك، من جهة، تعزيز دور مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الملفات السيادية والخدماتية، بما يضمن قيام دولة عادلة تحتكم إلى القانون وتكفل الحقوق بالتساوي، ومن جهة أخرى، العمل على تخفيف حدة الاستقطاب الداخلي وبناء حد أدنى من التوافق حول القضايا الأساسية، بما يعزز الشرعية الوطنية ولا ينتقص من دور الدولة أو سيادتها.

في المحصلة، تطرح الحرب الأخيرة في لبنان أكثر مما تقدّم من أجوبة. فهي تكشف حجم الكلفة التي يمكن أن تترتب على الانخراط في صراعات مفتوحة، كما تعيد تسليط الضوء على أسئلة بنيوية تتعلق بالدولة والسيادة والعقد الاجتماعي. وبينما تختلف القراءات والتقديرات، يبقى التحدي الأساسي في كيفية تحويل هذه التجربة إلى فرصة لإعادة تقييم الخيارات، بدل أن تكون مجرد محطة إضافية في مسار أزمات متكررة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل