

مئات الصور يوميًا. الرمادي كلون أساسي، لربما بعض من البرتقالي، ودفتر تلوين ودمية.
أحيانًا أخرى، تصل الصور ملطّخة بذكريات أناس، لا نعرفهم، ولا يعرفوننا، ولا حتى هم انفسهم، يتعرفون على تلك الذكريات.
إنها ذكريات معلّقة، تمر سريعًا، ومضات على شاشات الهواتف. سريعة على شاشات التلفزة، وخط أحمر أسفلها، كُتب على عجالة، بأخطاء نحوية وإملائية، يذكر اسم المكان، من اجل الدقّة، أو تخرج على شكل مقاطع قصيرة، تضمن التدفّق الذي لا ينقطع.
في هذا التدفّق، لا تعود الصورة حدثًا، بل تصبح جزءًا من نظام بصري مستمر، يُعيد تشكيل علاقتنا بالحرب، وبما نراه منها.
ومع التحولات التقنية التي جعلت الالتقاط فوريًا، والنشر لحظيًا، والتداول بلا حدود، تبدّل موقع الصورة، وتبدّل معه موقع من ينظر إليها: فهي تتكون داخل الحدث، وتصلنا، في الآن نفسه. تنتشر والحدث لا يزال يحدث.
ونحن، المتلقون العائمون في بحر من القصف البصري، نتساءل عن الألم، عمّا يصلنا منه، عمّا نسقطه، عمّا نخزّنه، وما الذي يفلت منّا. ولربما ايضا، عن جدوى النظر.
ضمن هذا النظام البصري المتسارع، تتحول الكارثة إلى حضور دائم يترك أثرًا غير مكتمل في الذاكرة.
هذا إن ترك أثرًا أصلًا.
عمِلت بعد حرب تموز 2006، على مشروع أطروحة يضع المصور الصحافي كزاوية بحث أساسية: تساءلت عن موقعه، القرارات التي يتوجب عليه اتخاذها، والقرارات التي تسبق الصورة.
وقد أجابني العديد ممن التقيتهم آنذاك، بأن الصورة لم تكن نتيجة لحظة عابرة، بل بناءً يتشكّل من زاوية وتوقيت واختيار.
اخبرني أحدهم بأنه كان يشعر دومًا بمسؤولية كبيرة، كونه يحدّد كيف تُرى الحرب، ويقرّر ما يدخل في الإطار وما يُستبعد منه.
الصورة، منذ عقدين من الزمن، كانت تُشاهَد وتُحفَظ، وكان لها زمنها الخاص. ووقعها. وصيرورتها وديمومتها.
أما اليوم، فهي تتراكم إلى حدّ يصعب احتواؤها داخل سرد واحد. هذا التراكم لا يترسّخ كذاكرة، بل يخلق حالة من التشتت.
في كتابها “فيما يتعلق بألم الآخري”، تتوقف سوزان سونتاغ عند علاقة الصورة بالألم وحدود ما يمكن أن تنقله.
“الصور لا تشرح، بل تُقِرّ بوجود ما حدث”. فهي إذ تثبّت وقوع الحدث، لا تقدّم مفاتيح فهمه.
ومع الوتيرة المتسارعة لبث الصورة، تفقد قدرتها على حمل معنى ثابت، فتتحول إلى عنصر ضمن تدفّق بصري.
يرتبط التبلّد الذي تتحدث عنه سوزان سونتا بكثافة الصور وسرعة تداولها، كما بشروط النظر نفسها، وبالموقع الذي يُوضع فيه المتلقي داخل هذا النظام البصري.
هنا تتعقّد مسألة المعنى. “الوعي بالمعاناة ليس أمرًا معطًى، بل هو أمر يُبنى”.
ما نراه لا يكفي وحده لإدراك الكارثة، إذ إن المعنى يتشكّل ضمن سياق، ومن خلال موقع من ينظر ومن يتلقى.
لتحذّر من افتراض وحدة التجربة في النظر: “لا ينبغي افتراض وجود “نحن” واحدة حين يكون الموضوع هو النظر إلى ألم الآخرين”.
وقد كتب الكثير حول "صمت العالم" امام هول الابادة في غزة. كيف يصمت "الآخرون" امام الاطفال العراة؟
وها نحن أيضًا نكتب اليوم في لبنان، أشياء شبيهة، حول ردود أفعالنا تجاه بلدة أبيدت. هل نملك نفس العلاقة بالبلدة؟ هل نستعين بالاسقاط، لنستشعر بعضًا من تعاطف؟ هل يصل البعض منا إلى اللامبالاة كاستراتيجية دفاعية؟
النظر ليس تجربة مشتركة، لانه يتحدد بالمسافة وبإمكانية التعرّض وبالعلاقة مع الخطر.
فالدراسات الحديثة حول صور العنف والتي بدأت بالسؤال عمّا تفعله هذه الصور بنا، باتت تسائل فعل النظر ذاته: كيف ننظر، ومتى، وتحت أي شروط؟
في لبنان، أخذ التحول البصري شكلًا مكثفًا خلال العقد الأخير. فالصورة خرجت من موقع التوثيق إلى موقع التجربة المباشرة. من يصوّر يصبح في كثير من الأحيان داخل الحدث نفسه.
أصبح الهاتف امتدادًا للجسد: الاهتزاز، الصوت، والصدمة، كل تلك الأمور انتقلت لتستقر داخل إطار الصورة.
في هذه اللحظة، لم يعد موقع النظر مستقرًا. فالمُشاهد يعيش داخل الصورة، ويراقبها في الوقت نفسه.
فنحن، إن صحّ الحديث عن «نحن» واحدة، لم نعد من ينظر إلى الكارثة عن بعد، بل أصبحنا من يُنظر إليه.
هذا التحول لا يتوقف عند حدود الحدث. فها هو يتكرّر مع كل أزمة، ومع كل تصعيد، ومع كل “كارثة جديدة”.
لكن، منذ حرب غزة، مرورًا بالحربين الأخيرتين على لبنان (وما زلنا فيها)، ظهرت طبقة إضافية داخل هذا النظام البصري:
فالصور لم تعد تقتصر على التوثيق، بل شملت صورًا مزيّفة، مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، أو منزوعة من سياقات أخرى.
هذه الصور تنتشر بالسرعة نفسها، وتُنتج استجابات حقيقية رغم غياب الحدث الذي تدّعيه.
بقدر ما يتعلق الأمر بخطأ في التمثيل، فهو ايضا يتعلّق بزعزعة موقع الصورة كدليل. وفي كثير من الحالات، لا يكون من الممكن الجزم بحقيقتها.
“الصورة ليست بديلًا عن الواقع” تكتب سونتاغ. فهي انتقلت من الاشارة إلى حدث، الى التحرك داخله، واعادة تشكيل إدراكه، لتصبح جزءًا من تجربته.
في هذا المشهد، ينزاح موقع النظر ويرتبط أكثر بالتعرّض المستمر، ويبتعد عن الفهم المتماسك.
لتصبح الصورة حضورًا مستمرًا بلا لحظة تركيز.
...
.
تحتاج الذاكرة، لكي تتماسك، إلى حدود زمنية واضحة، إلى بداية ونهاية. وفي حالة التدفّق الذي نعيش داخله، فإن ما يبقى هو أثر عام، غير محدد.
تكتب سونتاغ بأن “التعاطف شعور غير مستقر، يحتاج إلى أن يتحول إلى فعل، وإلا يذبل”.
ضمن تدفّق الصور، يتبدد التعاطف مع الصورة التالية. فبعض الصور يظل عالقًا دون تفسير. والبعض يختفي رغم شدته.
وعليه، ما يُحفظ لا يتبع منطق الأهمية، بل منطق القدرة على الاستمرار داخل هذا التدفق.
في بعض الحالات، يتعامل العقل مع هذا الفيض عبر الإزاحة أو المحو الجزئي. في الحالتين، لا يترتبط السبب بغياب الأهمية، بل بسبب فائض التعرض.
فالصورة لا تختفي، لكنها لا تترسّخ.
من هنا، يبرز احتمال آخر: الامتناع عن النظر، كموقف.
فبعض الصور، مع تكرارها، تتحول إلى استنزاف لمعناها، أو إلى إعادة إنتاج للعنف الذي تحمله.
ومع ذلك، لا يقدّم هذا الامتناع مخرجًا واضحًا، إذ إن حجب الصور لا يلغي وجودها، ولا يوقف أثرها.
ما ترانا فاعلين بهذا الكم الهائل من المباني التي تسقط؟ القطط التي تفقد عيونها؟ قرى وبلدات عرفناها ربما، لكنها تظهر وكأنها نتاج فيلم ابوكالبتيّ؟
يعتقد البعض بأن النظر، فعل طبقّي، أي أن من ينظر اليوم إلى الحرب، باستطاعته أن ينظر. هذا لأنه حي، وفي مأمن، لأن من سقط تحت الركام، صار الصورة.
ويؤمن البعض الآخر، بأننا اصبحنا نعيش داخل صورة، تعاد صناعتها من دون تدخلنا.
ليجيب آخرون بأن النظر أيضًا فعل سياسي، بمعنى أننا، أي الشهود الأحياء، نلعب دورًا حقيقيًا في صيرورة الكارثة، امتدادها وتوثيقها.
ولكننا لا نوثق شيئًا. لا نشعر بالكثير، هذا لأننا “اعتدنا” النظر.
لعل الكارثة الفعلية، هي تحديدًا بأننا، اعتدنا على المشهد.