


في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الملفات الأمنية في لبنان مع مسار المفاوضات الإقليمية والدولية، تبرز في المشهد الداخلي ثلاثة عناوين مترابطة: تهديدات الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، والجدل حول محاولة إعادة تموضع “الورقة اللبنانية” في التفاوض الإقليمي، ثم ملف النازحين وتجمعاتهم داخل العاصمة بيروت، خصوصاً في مناطق مكتظة مثل بشارة الخوري. هذه العناوين، رغم اختلافها الظاهري، تعكس في العمق سؤالاً واحداً: إلى أي مدى ما زال لبنان دولة قادرة على ضبط قرارها الداخلي وحدودها الأمنية والاجتماعية؟
تهديدات نعيم قاسم الأخيرة لم تكن مجرد خطاب سياسي داخلي، بل جاءت في سياق إقليمي متوتر يرتبط بمسار التفاوض حول مستقبل الجنوب اللبناني، وتطبيق القرار 1701، وإعادة رسم قواعد الاشتباك بعد الحرب الأخيرة. في هذا الإطار، يمكن قراءة الخطاب كرسالة مزدوجة: داخلياً، تأكيد أن ملف السلاح والدور العسكري للحزب لا يزال خارج أي تسوية داخلية منفردة، وخارجياً، الإشارة إلى أن أي ترتيبات تخص لبنان لا يمكن فصلها عن إيران ودورها في المنطقة. هذا ما يعيد طرح فكرة أن “الورقة اللبنانية” يريد حزب الله إعادتها إلى ايران بالكامل وسحبها من يد الدولة اللبنانية.
من هنا، يصبح لافتاً أن الرد السياسي المباشر لم يأتِ من الداخل اللبناني بشكل قوي، بينما برز موقف وزير الخارجية الأميركي باعتباره الأكثر وضوحاً. هذا التفاوت في الردود يعكس حقيقة دقيقة في النظام اللبناني: الدولة تتجنب التصعيد الداخلي المباشر في الملفات السيادية الحساسة، في حين تعتبر الولايات المتحدة أن أي تهديد للاستقرار أو للمسار الدبلوماسي هو مساس مباشر بمصالحها وبالدور الذي تلعبه في إدارة التوازنات الإقليمية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا المناخ السياسي عن الواقع الاجتماعي والأمني داخل العاصمة اللبنانية. فبيروت نفسها تعيش تحت ضغط مزدوج: ضغط الانقسام السياسي الإقليمي، وضغط التدهور الاجتماعي والاقتصادي الداخلي. وفي هذا السياق، يبرز ملف تجمعات النازحين في مناطق مثل بشارة الخوري كأحد مظاهر هشاشة الدولة في إدارة المجال العام.
التجمعات العشوائية على جوانب الطرق وفي الأحياء المكتظة لا يمكن التعامل معها فقط كقضية إنسانية أو فقط كقضية أمنية. فهي نتيجة مباشرة لغياب سياسة دولة واضحة لإدارة النزوح داخل المدن، وغياب قدرة بلدية وإدارية على تنظيم الفضاء الحضري في العاصمة. ومع الوقت، تتحول هذه التجمعات إلى بيئات ضغط اجتماعي: ازدحام، ضعف خدمات، احتكاك يومي مع السكان، وغياب رقابة تنظيمية فعالة.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود هذه التجمعات بحد ذاتها، بل في البيئة العامة التي تحيط بها: دولة مأزومة، انقسام سياسي حاد، ضغط اقتصادي خانق، وتوتر إقليمي مفتوح. في مثل هذه الظروف، أي فراغ إداري أو اجتماعي يمكن أن يتحول إلى نقطة هشاشة قابلة للاستغلال أو الانفجار عند أول أزمة.
هنا يصبح الربط بين المستويين السياسي والأمني والاجتماعي ضرورياً. فحين تتصاعد الرسائل السياسية من أطراف إقليمية وداخلية حول مستقبل القرار اللبناني، وفي الوقت نفسه تتراجع قدرة الدولة على ضبط تفاصيل الحياة اليومية في العاصمة، يتشكل مشهد واحد عنوانه الأساسي: تآكل تدريجي لمفهوم الدولة المركزية.
ومع ذلك، من غير الدقيق توصيف الوضع بأنه انهيار أو “قنبلة موقوتة” حتمية. فلبنان، رغم كل أزماته، لا يزال يمتلك هامش استقرار نسبي ناتج عن توازنات داخلية وإقليمية معقدة تمنع الانفجار الشامل. لكن هذا الاستقرار هش، وأي تداخل بين التصعيد السياسي من جهة، والتدهور الاجتماعي من جهة أخرى، يمكن أن يرفع منسوب المخاطر بشكل كبير.
في الخلاصة، تهديدات نعيم قاسم تعكس استمرار الصراع على تعريف من يملك القرار في لبنان، فيما تكشف تجمعات النازحين في بيروت عن حدود قدرة الدولة على إدارة شؤونها اليومية. وبين هذين المستويين، يظهر لبنان كدولة تعمل ضمن مساحة ضيقة جداً بين السيادة المنقوصة والضغوط الداخلية المتراكمة، ما يجعل أي ملف صغير قابلاً لأن يتحول إلى عنوان أزمة أكبر إذا لم تتم معالجته ضمن رؤية شاملة للدولة لا للمحاور.