شعار Levant Time

تحليل

من أوكرانيا إلى إيران: السلاح النووي بوليصة التأمين الوحيدة؟
بقلم
سمير عبد الملك
نُشر
يونيو 19, 2026 - 13:36

لم يعد السلاح النووي مجرد أداة عسكرية، بل بات رمزاً لسؤال أعمق يتعلق بأمن الدول في عالم تتراجع فيه فعالية الضمانات الدولية. فالحرب في أوكرانيا، والتوتر حول إيران، واستمرار كوريا الشمالية رغم عزلتها، كلها تعيد طرح السؤال نفسه: كيف تحمي الدول نفسها في نظام دولي يزداد اضطراباً؟ أوكرانيا: درس التخلي عن الردع تمثل أوكرانيا النموذج الأكثر إثارة للجدل. فبعد تخليها عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات أمنية دولية، وجدت نفسها في مواجهة الغزو الروسي. ومنذ ذلك الحين، عاد التساؤل بقوة حول ما إذا كانت الضمانات السياسية وحدها كافية لحماية الدول من التهديدات الكبرى. كوريا الشمالية: قوة الردع فوق العزلة في المقابل، تقدم كوريا الشمالية نموذجاً معاكساً. فعلى الرغم من العقوبات والعزلة الاقتصادية، فإن امتلاكها للسلاح النووي جعل كلفة استهدافها عسكرياً مرتفعة جداً. وبذلك تحوّل الردع النووي إلى ضمانة بقاء للنظام والدولة، بغض النظر عن الأثمان الاقتصادية والسياسية. إيران والبحث عن مظلة ردع أما إيران فتقف بين النموذجين. فهي لم تعلن امتلاك سلاح نووي، لكنها تسعى إلى تعزيز موقعها الردعي في بيئة إقليمية مضطربة. ومن منظورها، يشكل البرنامج النووي جزءاً من استراتيجية تهدف إلى منع أي محاولة لفرض تغيير بالقوة أو تهديد أمنها القومي. الردع لم يعد نووياً فقط لكن التحولات الأخيرة أظهرت أن الردع لم يعد يقتصر على السلاح النووي. فإيران تمتلك ورقة استراتيجية تتمثل في قدرتها على التأثير في حركة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز. وكوريا الشمالية استطاعت توظيف قدراتها العسكرية للحصول من روسيا على مكاسب اقتصادية وتقنية. أما أوكرانيا فنجحت في تطوير تقنيات متقدمة في الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية بدأت تجذب اهتمام دول أخرى. الشرق الأوسط أمام مفترق طرق في الشرق الأوسط، يفرض هذا الواقع أسئلة صعبة حول مستقبل الأمن الإقليمي. فهل يمكن الاستمرار بالاعتماد على تحالفات دولية متغيرة، أم أن المنطقة تتجه نحو تعزيز قدرات الردع الذاتي بأشكال مختلفة، نووية وغير نووية؟ لبنان وقوة النموذج: حين يصبح الإنسان مصدر الردع في خضم هذا النقاش حول أدوات الردع والقوة، يبرز لبنان كحالة مختلفة. فثروته الحقيقية لم تكن يوماً في امتلاك السلاح النووي، أو السيطرة على ممرات استراتيجية، أو تطوير ترسانات عسكرية متقدمة، بل في امتلاكه نوعاً آخر من القوة: قوة الإنسان. فقيم العيش المشترك، والقدرة على التضامن في المحن، والطاقة الإبداعية التي حملها اللبنانيون إلى العالم في الاقتصاد والثقافة والطب والتعليم والفنون، شكّلت على الدوام رصيداً استراتيجياً منح لبنان حضوراً يفوق بكثير حجمه الجغرافي والديموغرافي. هذه القوة الناعمة، وإن بدت أقل صخباً من الصواريخ والأساطيل، تبقى أحد أهم عناصر بقاء لبنان ودوره في منطقة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نماذج للتعايش والانفتاح بدل الانقسام والصراع. السؤال المفتوح قد لا يكون السؤال الأساسي ما إذا كان السلاح النووي هو بوليصة التأمين الوحيدة للدول، بل ما إذا كان العالم يدخل مرحلة تتعدد فيها أشكال الردع، فيما تتراجع الثقة تدريجياً بقدرة القانون الدولي وحده على ضمان الأمن والاستقرار.

خارج بيروت… لكن إلى أين؟
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر
يونيو 18, 2026 - 18:11

في بلد يعاني من انهيار اقتصادي غير مسبوق، وأزمة مالية مستمرة، وبنية تحتية متآكلة، تبدو إعادة إحياء مطار القليعات في شمال لبنان خطوة تحمل كثيراً من الطموح. لكن بعيداً عن الحماسة السياسية والإعلامية التي رافقت المشروع، يبرز سؤال أكثر أهمية: هل يمثل القليعات بالفعل الخيار الأكثر جدوى للبنان، أم أن النقاش الحقيقي حول المطار الثاني في البلاد لم يُفتح بعد؟ لا يتعلق الأمر بمعارضة المشروع بحد ذاته. فوجود مطار ثانٍ في لبنان لم يعد ترفاً، بل أصبح حاجة وطنية وأمنية واقتصادية. تجربة السنوات الأخيرة أظهرت مدى هشاشة اعتماد البلاد على مطار واحد فقط، سواء في ظل الحروب أو الأزمات الأمنية أو حتى الضغوط التشغيلية المتزايدة على مطار بيروت. ولذلك فإن المبدأ يكاد يكون محل إجماع. لكن الخلاف يبدأ عند سؤال آخر: لماذا القليعات؟ ولماذا الآن؟ من الناحية الجغرافية، يتمتع مطار القليعات بمزايا لا يمكن إنكارها. فهو يمتلك مدرجاً قائماً، ويقع في منطقة تحتاج بشدة إلى مشاريع تنموية، كما أنه قريب نسبياً من الساحل والشبكات البرية الرئيسية. لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتحديد الأولويات الوطنية. فعندما يُطرح مشروع بهذا الحجم في دولة تعاني من محدودية الموارد، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت دراسات الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية قد قارنت فعلاً بين القليعات وخيارات أخرى مطروحة منذ سنوات، وعلى رأسها مطار رياق في البقاع. أنصار رياق يجادلون بأن الموقع البقاعي يمنح لبنان منفذاً جوياً في عمق البلاد بعيداً عن الساحل والحدود الشمالية، وأنه أكثر قرباً من الامتداد الطبيعي نحو الداخل العربي. كما أن البقاع يشكل عقدة جغرافية تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب، ما قد يمنح أي مطار هناك بعداً وطنياً يتجاوز البعد المناطقي. في المقابل، يرى مؤيدو القليعات أن لبنان لا يحتاج فقط إلى مطار إضافي، بل إلى مشروع تنموي يعيد الحياة إلى منطقة عانت لعقود من التهميش. وهنا يتحول النقاش من سؤال اقتصادي إلى سؤال سياسي: هل الهدف من المطار خدمة النقل الجوي أم تحقيق توازن إنمائي بين المناطق؟ المشكلة أن الدولة اللبنانية لم تقدم حتى الآن رؤية واضحة تجيب عن هذا السؤال. فالمطارات ليست مجرد مدارج للطائرات، بل مكونات ضمن استراتيجية وطنية للنقل والاقتصاد والاستثمار. وعندما تنجح دول العالم في إنشاء مطارات جديدة، فإنها تفعل ذلك ضمن شبكة متكاملة تشمل المرافئ والطرق السريعة والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية وخطط التنمية الإقليمية. أما في لبنان، فيبدو النقاش أحياناً وكأنه يدور حول المطار بمعزل عن كل ما يحيط به. والأهم من ذلك أن توقيت المشروع يثير بدوره أسئلة مشروعة. فلبنان اليوم لا يواجه فقط أزمة نقل أو ازدحاماً في مطار بيروت، بل يواجه أزمة مالية وهيكلية عميقة. الدين العام مرتفع، والاستثمارات الأجنبية محدودة، والإصلاحات الاقتصادية الكبرى ما زالت متعثرة. وفي ظل هذه الظروف، يصبح السؤال ليس فقط ما إذا كان لبنان يحتاج إلى مطار ثانٍ، بل ما إذا كان هذا المشروع يمثل الأولوية الأكثر إلحاحاً مقارنة بملفات الكهرباء والمياه والنقل العام وإعادة الإعمار. هذا لا يعني أن المشروع غير ضروري. بل على العكس، قد يكون من أكثر المشاريع الاستراتيجية التي يحتاجها لبنان خلال العقد المقبل. لكن نجاحه لن يتحدد بقرار إعادة التشغيل، بل بقدرته على الاندماج ضمن رؤية اقتصادية شاملة. وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فلبنان يمتلك تاريخاً طويلاً من المشاريع التي وُلدت كرموز سياسية أكثر منها أدوات اقتصادية. وغالباً ما كانت المنافسة بين المناطق والطوائف والقوى السياسية تتقدم على النقاش التقني والاقتصادي البحت. لذلك يصبح من الضروري اليوم أن يُطرح السؤال بصراحة: هل وقع الاختيار على القليعات لأنه الخيار الأفضل للبنان، أم لأنه الخيار الأكثر توافقاً مع التوازنات السياسية القائمة؟ قد يكون القليعات بالفعل المشروع الصحيح. وقد يكون رياق أو أي موقع آخر أكثر جدوى على المدى الطويل. لكن المشكلة الحقيقية ليست في اسم الموقع بقدر ما هي في غياب النقاش الوطني الجدي حول معايير الاختيار نفسها. فالدول لا تبني مطاراتها على أساس الجغرافيا السياسية فقط، ولا على أساس الإنماء المتوازن وحده، ولا وفق اعتبارات أمنية منفردة. بل على أساس رؤية متكاملة تحدد أين سيكون لبنان اقتصادياً بعد عشرين أو ثلاثين عاماً. لهذا السبب، فإن النقاش حول القليعات يجب ألا يقتصر على عدد الرحلات أو حجم الاستثمارات أو الوظائف المتوقعة. إنه في جوهره نقاش حول طريقة اتخاذ القرار في لبنان. هل ما زالت المشاريع الكبرى تُبنى وفق منطق التوازنات والمحاصصات، أم أن البلاد بدأت أخيراً تعتمد منطق التخطيط الاستراتيجي.

ذرائع "الحزب" في تبرير تجنيد الأطفال
بقلم
منى فياض
نُشر
يونيو 17, 2026 - 13:08

عندما يُسأل حزب الله، او الدائرين في فلكه تجنيدهم للأطفال، تكون الاجابة: أن تجنيد الاطفال، ( المفهوم المحدد ب 18 عاماً بحسب التعريف القانوني الحالي للطفولة من قبل اليونيسيف)، بأنهم يريدون ذلك، أو انهم ناضجون كفاية، أو أنه أمر طبيعي ويتماشى مع ممارسات جميع الثورات في التاريخ، وتكر سلسلة تعدادها بما يعود بنا قرونا الى الوراء. وهنا نقع في مغالطات لا تحصى: بداية أن تقسيم الأعمار لا يخضع لمفوم ثابت، بل هو متغير عبر العصور. وهنا من المفيد مراجعة عمل آرييس الموسوعي عن الطفولة خصوصاً، ومدرسة حوليات عموماً، فالطفولة لم تكن موجودة كمفهوم في العصور الوسطى، والطفل كان يُعامل كراشد صغير، إذ لم يكن هناك فصل واضح بين عالم الأطفال وعالم الكبار، لا لجهة التربية ولا الملابس ولا الألعاب، وكان الاندماج المبكر في عالم الكبار هو القاعدة، وفي هذا العالم كان تجنيدهم في الحروب "مقبولاً". لكن مع مرور الزمن تغيرت المعايير والمفاهيم، وهذا يعني ان ما كان يعتبر "طبيعياً" في زمن ما، قد يصبح مرفوضاً أخلاقياً وقانونياً في زمن آخر. فنحن نعلم أن عمل الأطفال كان شائعاً في زمن الثورة الصناعية، وهو موجود الأن في البلدان الفقيرة المعدمة. مع ذلك تم الاعتراف الدولي بحقوق الطفولة وحاجتها للحماية والعناية على جميع الصعد: التربوية والصحية والنفسية، كي نساعد الأطفال على النمو والتفتح بشكل سليم. أي ان التاريخ نفسه يثبت أن المجتمعات تتخلى عن ممارسات كانت تعتبرها "طبيعية" في مرحلة ما. من هنا جاء الحسم القانوني من قبل اليونيسيف عبر "شرعة حقوق الطفل"،أن كل انسان دون الثامنة عشرة هو طفل. وهذا ليس رأياً ثقافياً خاضعاً للتأويل، بل معيار دولي وقاعدة تنظيمية دولية تفرض الالتزام القانوني، وأساساً لسياسات الدول والمنظمات. أما عن حجة الثورات ففيها أيضاً مغالطات: بالطبع استخدمت الثورات الأطفال، لكن كان عمل الأطفال مقبولاً أيضاً،غياب التعليم كان اعتيادياً، كما كانت العبودية مشرّعة، وحرمان النساء من الحقوق كان موجوداً وكان شائعاً، وأيضاً العنف الممنهج. فهل كل ذلك يجعلها مقبولة اليوم؟ بالطبع لا. أما المغالطة الأخرى التي يقعون فيها، فهي قياس الحاضر بمعايير الماضي (وهذا ما يمارسونه على جميع الصعد)، بينما هم يستخدمون أحدث منتجات التكنولوجيا الحديثة من طائرات مسيّرة وإعلام رقمي وهواتف ذكية (تسببت بتسهيل عملية البايجرز المعروفة النتائج). وهنا لا يمكنهم استخدام تكنولوجيا القرن 21 وتبرير الممارسات الاجتماعية بمعايير القرون الوسطى!! انهم يقومون بإعادة تعريف الطفولة، بعد تفريغ كلمة "طفولة" من معناها المعاصر، واستبدالها بتعريف مرن: "واعي" او "مستعد" أو "ناضج"، لخدمة سياساتهم التي يأتمرون بها من ربة عملهم إيران. يفككون تعريف الطفولة، لإعادة بنائها حسب حاجاتهم. يحولون الطفل من "موضوع حماية" إلى "أداة صراع" ، وفي هذا تعارض ومخالفة مباشرة مع : علم النفس التنموي، القانون الدولي، ومنظومة الأخلاق الحديثة . لذلك، فإن الاستناد إلى ممارسات تاريخية لتبرير تجنيد الأطفال اليوم هو تجاهل لتطور القيم والمعايير الإنسانية، تماماً كما لا يمكن تبرير العبودية أو عمل الأطفال أو اضطهاد النساء، بحجة أنها كانت شائعة في الماضي. إن وجود الشيء في الماضي لا يعطيه الشرعية اليوم؛ وإلا كنا سنقبل بالعبودية وبحرمان النساء من حقوقهن. المشكلة ليست في التاريخ، بل في محاولة استخدامه لتبرير ما لم يعد مقبولاً في الحاضر. إن كل ما يقومون به لا يعد "أصالة" بل انتقائية نفعية، وإسقاط قواعد على واقع تحكمه قواعد اخرى، بمعنى أنهم يخلطون أطراً معيارية مختلفة بشكل عشوائي ولكنه ممنهج. لا يمكن العيش بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين وتبرير السلوك بمعايير القرون الوسطى، وإذا كان المفهوم قد تطوّر، فلا يمكن الرجوع إلى مراحل سابقة لتبرير ممارسات اليوم. ان ما يحدث فعلاً نزع صفة "القاصر" عن الطفل، وتحويله إلى "مقاتل صغير"، بحجة انه "واعٍ" بما يكفي لما يقوم به. وهذا ما يسقط عنه الحماية التي يتمتع بها قانونياً. ان هذا الطرف نفسه، يستند الى القانون الدولي عندما يخدمه، ويتجاهله عندما لا يخدمه. يستندون إلى القانون الدولي عندما يتحدثون عن: حقوق الشعوب ، العدوان ،السيادة.... هذا ليس موقفاً مبدئياً بل استخدام أداتي للمعايير، يمكننا تسميتها بوضوع: انتقائية معيارية أو ازدواجية مرجعية نفعية، عبر التلاعب بالمفاهيم. القضية ليست ماذا كان يحدث في الماضي، بل أي معايير نعتمد اليوم، وهل نطبّقها بشكل متّسق أم نستخدمها انتقائياً حسب المصلحة؟ فتُعتمد حين تخدم الموقف، وتُستبعد حين لا تخدمه، مع إعادة تعريف المفاهيم الأساسية وفق الحاجة.

حروب شرق أوسطيّة بلا نهاية
بقلم
يقظان التقي
نُشر
يونيو 15, 2026 - 17:30

يغرق الشرق الأوسط في حروب واضطرابات مرشحة للتفاقم، وأكثر شراً من أي وقت مضى. وهذا سبب كافٍ لاجتراح حلول ليخرج العالم من مأزقه، دبلوماسياً، وأن يتصرف بحسٍ سليم غير غريزي، أوإثبات حدود للقوة العسكرية. أو مزيج من هذه العوامل بالحد من تحدي القوانين والتهور في قوانين الحرب، وما يقع الآن في قبضة "قانون سلطة آلة القتل". قد تحقق الحروب والاغتيالات والضربات أهدافاً عسكرية، لكنها في كثير من الأحيان مادة إعلانية أكثر، تولد أثاراً سياسية معاكسة، والأنظمة الأيديولوجية والقومية في المنطقة، نادراً ما تنهار تحت الضغط الخارجي وحده، بل تميل إلى إعادة انتاج تماسكها عبر استدعاء سردية التهديد والحصار والصدّ لكل جديد. والاغتيالات أكثر من اللازم ليست تكنولوجيا فقط، بل عمليات سياسية غير مستقلة عن العلاقة بالبشر والشعوب والتاريخ لا تحرر المنطقة من معتقداتها بالضرورة. وتشير السياقات التاريخية إلى أن سقوط الأنظمة الشمولية لا يحدث عادة بفعل الضربات الخارجية المباشرة. ذلك، أن تفكيك البيئة أعمق وغالباً ما يساء تقديره. وما يبدأ حدثاً إخبارياً دقيقاً، يتطور إلى تصعيد وعدم استقرار وتحالفات هويّة أكثر قوة من ذي قبل. قد تنتج الضربات نجاحاً تكتيكاً، ولكنها مشكلة استراتيجية حين تثير قومية وعنفاً دموياً أكبر، حين يؤدي قتل زعيم مثل المرشد الأعلى علي خامنئي إلى لحظة تحول بالنسبة للشرق الأوسط وأيضاً للإسلاموية العالمية بعد أربعة عقود من السلطة المطلقة والثيوقراطية الفائقة العسكرة من قبل الحرس الثوري، وإلى العنف الاجتماعي والفوضى والضغط في بلد مثل إيران، مجهز لتلقي الصدمات والمراقبة وإدارة المخاطر. لقد غامرت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في عملية" قطع الرأس" للرجل البالغ من العمر 86 عاماً. وغير القتل، يظهر التاريخ خطر هذا النهج حين يفشل في الرهان على تعبئة المجتمع المدني والتغيير الاجتماعي داخل الأنظمة المغلقة. يمكن للقصف أن يقتل أو يشلّ قادة العدو ويضغط الحروب في أيام، أو أكثر من حرب واحدة تفترض أن" قطع الرأس" يزيل القمة، وينهار الهيكل،(كان سقوط نظام فرانشيسكو فرانكو بوفاته، فيما فاة جوزيف ستالين أو ماو تسي تونغ لم تنه المنظومات التي بنوها فوراً). هذا هو فخ آلة الحرب اليوم، تقتل الإنسان ، وتضغط الصراع بدلاً من تخفيفه، تضعف النظام، لكن لا تسقطه نهائيا في مجتمعات أكثر عقائدية، وإنقلابية أكثر في طابعها الداخلي في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويتحول الصراع مع الخارج عن طبيعته عبر دمج الهوية بالاستشهاد ( حماس ، حزب الله ، الحوثيين وقادة إيران ). ويصبح التصعيد أوسع من الناحية السياسية. فتتسع دائرة الثأر والانتقام التي تقوم على بنية مؤسسية وأيديولوجية مركبة تمزج بين الدين والسياسة بالمجتمع. ويتحول القتل الخارجي في هذه البنى إلى عامل تعبئة داخلية ، وقد تعزّز الإطار السياسي بدل التوجيه العميق لإنهاء النظام. ويتحوّل الصراع إلى دورة عنف شبه دائمة، تتعزز معها قدرات التحصين والتكيف والتكرار مع تلاشي الرهان على تحولات داخلية تفترض شروطاً سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة. وهكذا تصبح المفاوضات الدبلوماسية طويلة وأقل جدوى، والحرب الموسعة حتمية. هذا بعد أن أعتقد الإيرانيون أنهم سيستثمرون في كسب الوقت من خلال مضاعفة الحجج للصمود وعلى حساب حياة الإيرانيين ورفاهيتهم. ومن جانبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبالغ في قدرته على تحميل الرسائل، ومن طموحاته الممتدة في قاعة الاحتفالات، قوس النصر، مركز كينيدي ، إلى القضايا السياسية الأكثر جدية - التضخم، الإصلاحات التي تعثرت أمام المحاكم، استياء الرأي العام قبل أشهر من الانتخابات التشريعية ،وحتى موازين القوى الدولية ، حربه ضد إيران ، إلى دبلوماسيته تجاه روسيا والصين ، ولا شيء يسير كما يريد لثني ما تبقى من نظام المرشد على الطاعة. فيما تواصل إسرائيل استغلال الفرصة التي تنتظرها في حربها التوسعيّة بلانهاية. عادت أميركا إلى وضع مشابه لما كانت عليه 2003. مرة أخرى يشن رئيس جمهوري حرباً لتغيير النظام، ومرة أخرى الهدف هو ديكتاتورية ما في معادلة أميركية للسيطرة. لكنها معادلة تقتل الناس في قوارب صيد في البحر الكاريبي دون دليل أو إجراءات قانونية، تأسر وتعزل الرئيس الفينزويلي، وتهدد كوبا والمكسيك. تغتال المرشد الأعلى الإيراني مع الملاحظات الكبيرة على أدائه في سحق الاحتجاجات الجماهيرية. ولم ينس العالم كيف وصف جورج دبليو بوش غزو العراق ب" عملية حرية العراق". ويتذكر كثيرون تصوراته الكبرى لتصدير الديمقراطية إلى افغانستان. والمفارقة أن دونالد ترامب الذي انتخبه جمهور" أميركا أولاً " في خط انعزال صارم في حملتيه الناجحتين في عام 2016و2024، يضاعف التدخلات الخارجية والعودة الى حرب في افتراضات حول برنامج نووي إيراني - كان على وشك أن يكون خطيراً. لكن يتحول النجاح التكتيكي إلى جعل "جيمس بوند" أكثر تكنولوجية في بعد التدخل في فنزويلا. إن التحول المرحلي الذي يمكن أن تحدثه القوى الكبرى العسكرية بقتل الزعماء الأجانب بدقة ليس تكنولوجياً بل سياسياً. قد لا يحسم الأمور/ أو يزيل السلطة ببساطة، بل يعيد توزيعها، ويتحول إلى مشكلة،(محاولة قتل معمر القذافي عام 1986، أو صدام حسين في التسعينات، أو جوهر دوداييف، زعيم الحركة الانفصالية الشيشانية). فتتكون خيارات تصعيد تتجاوز العتبة الى شيئ آخر. لم يفتت مقتل حسن نصرالله المقاومة كلياً ، ولا دوداييف، ولا القادة التاريخيين في حركتي فتح وحماس، لقد فجرها على نحو أكثر عنفاً ودماراً. وتتحول الأمور نحو قيادة أقل تقيداً بالدبلوماسبية، وأكثر استعداداً للتصعيد والعنف، وتشتد الكثافة العاطفية، وكل ذلك لا يحقق السيطرة المطلقة ويفسدها. كانت افغانستان ثيوقراطية تحت سيطرة طالبان، وقررت أميركا إخضاعها وجرّها إلى العصر الحديث، وحيث يمكن للفتيات الذهاب الى المدارس والنمو للحصول على الوظائف والترشح للمناصب وارتداء ما يردنّ مع حقوق متساوية. وما الذي حدث؟ الاستنتاج ، بأن الحرب لا تنجح في جعل بلد ديمقراطياً، البلاد بمواطنيها وحدهم يمكن أن تفعل ذلك. ومن المرجح أن السلطة هي الأهم عند ترامب، وسيعقد صفقات مع من يمثلها، سواء كانوا رجال دين ، أو اشتراكيين في فنزويلا ، أو شيوعيين في "هافانا" ، أو حكاماً مستبدين في إيران. ويكاد أن يكون متورطاً في البحث عن حلفاء ليس لهم وزن، كما الحال مع ديليس رودريغيز في فنزويلا. ليست ايران العراق 2003 ، وتبدو قادرة على الانتقام غير المتماثل في الرد على الضربات الموجعة الأميركية – الإسرائيلية ، وتلك الهجمات التي نفذتها على دول الخليج العربي وغير المبررة. إن ذلك، قد يؤدي أيضاً الى تناقض العوائد، وهذه الحرب يمكن أن تكون أكثر قتامة وحرب استنزاف طويلة لدول المنطقة ، وقد بدأ العالم في الـتأقلم والتكيف مع آثارها الاقتصادية، بدل التركيز السياسي الذي أراد الغرب توجيهه نحو آسيا. تعادل المخاطر نصف الحسابات عادة، من دون تقييم كافٍ لحجم الأضرار بشأن نتائجها. لا شك أن " الكيديّة الفارسيّة " أحدثت أضراراً كبرى في حياة الإيرانيين وشعوب المنطقة على مدى نصف قرنٍ، وتسببت بالعودة إ لى الوراء وعدم الاهتمام الظاهر بحاجات الناس في بناء المستقبل. والأخطاء الاستراتيجية هي في الشر الذي لم يعد يستجيب له أحد في ضرب منطقة خليجية كانت تحاول أن تنجز حداثتها. والتحدي الأكبر تجنب الأسوأ في حروب كثيرة لا يعرف العالم كيف يقفلها.

ال"حزب" أو الهيمنة عبر منع الاختلاف مسبقا والمعاقبة عليه

عندما استعدت فحوى كتاب أورويل “1984” ورواية “الغريب” لكامو، شعرت برابط معين فيما يتعلق بوصفهما لأداة السيطرة، أو للإطار العام للسيطرة، وبين ما هو حاصل في لبنان، خصوصاً في السنوات الاخيرة، بعد ان استتبت السلطة في يد حزب الله وتحت أمرته. هناك تقاطع غريب بين عالمي أورويل وكامو، في حين يبدوان ظاهرياً مختلفان: عالم القمع الخارجي عند اورويل وعالم اللامعنى والبرود الوجودي عند كامو. عند أورويل الفرد خاضع لرقابة خارجية مطلقة. “الأخ الأكبر” لا يراقب السلوك فقط، بل يحاول السيطرة على الوعي ذاته. الهدف ليس فقط الامتثال، بل إلغاء إمكانية الاختلاف الداخلي. هنا الحرية مهددة من الخارج، والفرد (وينستون) يسعى إلى استعادة ذاته عبر التمرد. أما عند كامو، فالأمر مقلوب تقريباً. لا توجد سلطة شمولية ظاهرة تراقب البطل ميرسو. المشكلة ليست رقابة خارجية، بل فراغ داخلي. ميرسو لا "يتمرّد" لأنه أصلاً لا يرى ما يستحق التمرد. ومع ذلك، المجتمع لا يقبل هذا الحياد؛ فيُحاكمه ليس على جريمته فقط، بل على عدم امتثاله العاطفي، عدم البكاء في جنازة أمه. في “1984”: المجتمع يفرض رقابة شاملة - الفرد يحاول الهروب منها لاستعادة إنسانيته. في “الغريب”: الفرد لا يخضع تلقائياً للمعايير – فيمارس المجتمع عليه رقابة لاحقة ليُعيده إلى "السلوك السوي". بمعنى آخر: أورويل يصف مجتمعاً يمنع الاختلاف مسبقاً. أما كامو فيصف مجتمعاً يعاقب الاختلاف بعد ظهوره. ان القمع عند أورويل: سياسي-مؤسساتي. وعند كامو: أخلاقي-اجتماعي. في عالم أورويل لا يُسمح للفرد أن "يبتعد" أصلاً ، لأن الرقابة استباقية وشاملة، وإن ابتعد (كما فعل وينستون)، فسوف تُعاد صياغته بالكامل، وسوف يُجبر على حب السلطة نفسها. وهنا "الاستعادة" أكثر رعباً: ليست عودة للسلوك الطبيعي، بل إعادة خلق الإنسان من الداخل. في العملين، المجتمع لا يحتمل الابتعاد عن "النموذج"، لذلك يمارس رقابة هدفها النهائي إعادة الفرد إلى القاعدة، إما عبر الإقناع القسري (كامو) أو إعادة البرمجة الكاملة (أورويل). عند كامو: القاعدة أخلاقية/اجتماعية، المطلوب أن تشعر كما يجب. عند أورويل: القاعدة سياسية/فكرية، المطلوب أن تفكر كما يجب. كلا العالمين يقولان شيئاً مزعجاً جداً: المشكلة ليست فقط في السلوك، بل في أن المجتمع يريد: توحيد الداخل الإنساني نفسه: المشاعر أو الأفكار. ميرسو يُدان لأنه لا يشعر كما يجب وينستون يُكسر لأنه لا يفكر كما يجب. الآن إذا قمنا باستبدال كلمة "المجتمع"، ووضعنا مكانها "حزب الله"، أفلن نجد أن هذا الحزب قام بإنجاز أسلوب القمع كما في رواية أورويل 1984، وتعامل جميع محازبيه والمدافعين عنه، كما فعل "المجتمع" في رواية كامو؟ عند إسقاط هذا على الواقع على حزب الله نجده قام ب: إعادة تشكيل الوعي (إقناع، هوية، سردية) أقرب إلى "أورويل الرمزي"، والعقاب المباشر عند الرفض، أقرب إلى "كامو الفعلي". بل حتى أنه أضاف البعد الديني على رقابته، التكفير والخروج على الدين. ورقابته للسلوك الاجتماعي – الاخلاقي، هو كما عند كامو يتمثل في منع حتى التعبير عن مظاهر الحزن، "فالشهيد ارتقى سعيداً". ان ما هو أخطر من القتل، أن تُعاد صياغتك بحيث لا تعود ترى نفسك منفصلاً عن السلطة أو الجماعة. وهنا تحديدا يلتقي أورويل مع كامو في الطريقة التي اتبعها حزب الله: الأول عبّر كسر الداخل، والثاني عبّر عن معاقبة من يرفض الانخراط في "الإطار المرسوم" عبر "ثقافة السحسوح". من هنا نجد ان هيمنة حزب الله على جزء كبير من الطائفة الشيعية، وعلى مفاصل أساسية في الدولة اللبنانية، لم تكن نتيجة عامل واحد بسيط، ولا يمكن تفسيرها فقط بالقوة العسكرية أو فقط بالشرعية الشعبية. ما حصل هو نتيجة تراكم تاريخي معقد جمع بين العنف، وتأطير الهوية، وإعادة تشكيل المجتمع من الداخل. لفهم هذا المسار، لا بد من قراءة ثلاث آليات مترابطة: أولاً: القسر – تأسيس القوة وفرض الوقائع في مرحلة الثمانينيات، وضمن سياق الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن الصراع سياسياً فقط، بل كان صراعاً على الوجود والنفوذ داخل الطائفة نفسها. ولقد شهدت هذه المرحلة: تصفية أو إقصاء قوى فكرية حسن حمدان وحسين مروة وغيرهم حتى من المقاومين (شيوعية، يسارية، ليبرالية) صدامات مع قوى شيعية أخرى (حركة أمل وحرب الأخوة) استخدام أدوات العنف، والخطف، والردع المباشر على البيئة اللبنانية، وعلى الاجانب ايضاً (تفجير السفارات وخطف الاجانب..) فرض أنماط سلوك بالقوة أو بالترهيب في بعض البيئات، هذا يعني أن الحزب لم ينشأ في بيئة "اقتناع حر"، بل في بيئة: أُعيد تشكيلها جزئياً بالقوة. وهنا نكون أمام ما يمكن تسميته: المرحلة الأورويلية التأسيسية؛ حيث تُفرض الحدود أولاً، قبل أن تُبنى الشرعية. ثانياً: الضبط الاجتماعي: تحويل الإكراه إلى "السلوك السوي - الطبيعي". بدأ بعد تثبيت النفوذ، التحول الأهم: لم يعد المطلوب فقط السيطرة، بل إعادة تشكيل المجتمع نفسه. تم ذلك عبر: فرض معايير للسلوك (الديني، الاجتماعي، الثقافي)، محاولة فرض الحجاب بالقوة عبر التهديد بالتشويه (ماء النار)، ومن ثم بالترغيب، عبر دفع اموال مقابل التحجب. ثم خلق ثنائية: "مقاوم/خائن"، و"ملتزم/منحرف". وتم ضغط اجتماعي قوي على المختلفين (سمعة، مقاطعة وعزلة، وتخوين). في هذه المرحلة، لم يعد القمع مباشراً دائماً، بل أصبح: موزعاً داخل المجتمع نفسه. أي أن المجتمع بدأ يمارس الرقابة على أفراده. وهنا نقترب من منطق كامو: لا يُعاقَب الفرد فقط على ما يفعل، بل على عدم امتثاله للنموذج الجماعي. ثالثاً: بناء الإطار الذي ينتج القناعة والهوية. والمرحلة الأهم في نجاح هذا النموذج كانت: بناء سردية قوية تؤطر كل ما سبق، كي تعطيه المعنى. هذه السردية قامت على: فكرة المقاومة والكرامة حماية الجماعة من تهديدات خارجية إعطاء قيمة للتضحية والمعاناة والشهادة ربط الدين بالسياسة والهوية بالتوازي، تم بناء: شبكات خدمات اجتماعية مؤسسات تعليمية وصحية وترفيهية بنية تضامن داخلي: تزييد المناسبات الدينية، وخلق طقوس وعادات مستوردة اصلاً من إيران. وهنا بدأ يتحقق التحول الحاسم: من مجتمع خاضع إلى مجتمع مقتنع (جزئياً على الأقل). ونجد تفسير هذا السلوك عند إريك فروم: الإنسان لا يهرب فقط من القمع، بل أحياناً: يختار الامتثال لأنه يمنحه الأمان والشعور بالانتماء للجماعة. رابعاً: اللجوء الى القمع والقسر السياسيين رغم نجاح الضبط الاجتماعي وبناء القناعة، بقي القسر السياسي حاضراً عند الأزمات. تجلى ذلك في: أحداث داخلية مفصلية (مثل 2008) مناخ الاغتيالات والردع السياسي، منذ الشهيد الحريري وحتى استشهاد لقمان سليم. ترسيخ خطوط حمراء غير قابلة للتجاوز: الدوحة والثلث المعطل، والقمصان السود. هذه اللحظات تؤدي وظيفة أساسية: التذكير الدائم بأن القوة لا تزال موجودة. وبذلك يبقى التوازن قائماً بين: القناعة من جهة والخوف من جهة اخرى. خامساً: كيف نشأ "الرضى الظاهري"؟ لا يمكن تبسيط ما يبدو كـ"رضى" داخل البيئة، بل هو نتيجة تداخل عوامل مركبة: قناعة فعلية عند شريحة من الناس، و تكيف عند شريحة أخرى، وخوف أو صمت عند آخرين، إضافة الى غياب بدائل مقنعة. أي أن: "الرضى" هو في الواقع بنية مركبة، وليس موقفاً واحداً. ما نتج عن هذا المسار الطويل، وصولنا إلى وضع حيث: الحزب لا يسيطر فقط بالقوة، بل عبر الهوية والاطار الذي من خلاله يفهم الإنسان نفسه، ومعاناته، وخياراته، بوصفها منطقية ومشروعة وذات قيمة. عندها يساهم المجتمع نفسه جزئياً في إعادة إنتاج هذه الهيمنة. وبالتالي: لا تعود السيطرة خارجية فقط، بل تصبح داخلية أيضاً. ماذا يحدث اليوم؟ لكن التحولات الأخيرة، خصوصاً تحت ضغط الأحداث الإقليمية والعنف الخارجي، أودت الى ظهور: فجوة بين السردية والواقع تساؤلات داخلية (لا تزال صامتة في الغالب) إعادة تقييم غير معلنة لكن في المقابل: الخطر الخارجي يعيد شدّ التماسك والضغط الاجتماعي يمنع الانفجار العلني لذلك نعيش اليوم: مرحلة اهتزاز صامت، لا تحول واضح أو نهائي بعد.

الجرائم السورية ومعيار «ياماشيتا»
بقلم
يوسف معوض
نُشر
يونيو 6, 2026 - 13:23

ما الذي لن يفعله متهم أو ملاحَق قضائياً لإنقاذ رقبته! فإذا كان ضابط سوري سابق من أجهزة المخابرات سيُحاكم أمام محكمة بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، فماذا عساه ألا يقول دفاعاً عن نفسه وتنصلاً من أفعاله؟ أظافر أطفال درعا المنتزعة كان عاطف نجيب أول من مثل أمام «محاكمات دمشق». وقد تابعنا إفادته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان هذا المتهم يجيب عن أسئلة المحكمة الجنائية ببرود ولا مبالاة، وكأنه غير معني بمصير الفتيان الذين سلّمهم لأبشع صنوف التعذيب. صحيح أنه أقرّ بالوقائع كما هي: نحو خمسة عشر تلميذاً كتبوا شعارات مناهضة للأسد على جدران مدرستهم، فاحتُجزوا لأكثر من شهر وتعرّضوا لتعذيب شديد شمل الضرب المبرح واقتلاع الأظافر. ومع ذلك، أنكر عاطف نجيب بشدة أي تورط مباشر أو شخصي له في المعاملة اللاإنسانية التي أُلحقت بهؤلاء الشبان. وللتنصل من المسؤولية، ألقى باللوم على أجهزة أخرى كانت تتولى عمليات القمع. وباختصار، فإن التعذيب الذي تعرض له هؤلاء التلاميذ لم يكن، بحسب زعمه، نتيجة مبادرة شخصية منه، بل كان جزءاً من «سلسلة قيادة» أوسع. وكأنه يقول: ماذا كان بوسعي أن أفعل إذا كانت هذه هي الآلية الهرمية والجماعية التي تعمل بها أجهزة الأمن السورية؟ نقل المسؤولية: آلية دفاع متكررة إن إلقاء المسؤولية على «جهة أعلى أو غير محددة» أو على النظام القائم برمته، هو أسلوب دفاعي تقليدي يهدف إلى تبرئة الذات أو تمييع المسؤولية الشخصية. غير أن المحاكم الجنائية الدولية تحصّنت منذ زمن ضد هذا النوع من الدفوع الذي يلقي اللوم على التسلسل القيادي. ومع ذلك، فإن عاطف نجيب، سواء كان محقاً أم لا في استناده إلى الأوامر التي تلقاها، قد دعا ضمناً أصحاب القرار في أعلى هرم الدولة إلى تحمل مسؤولياتهم. وفي نهاية المطاف، ستُطرح هذه المسألة بحدة أكبر عندما يمثل أمام القضاء الجنرال خردل أيوب، المتهم بالتورط في الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية عام 2013. معيار ياماشيتا في القانون الجنائي الدولي، تُعرف مسؤولية القيادة العسكرية (سلسلة القيادة) أيضاً باسم «معيار ياماشيتا»، نسبة إلى الجنرال الياباني الذي حوكم وأُعدم بسبب الجرائم التي ارتكبتها قواته خلال الحرب العالمية الثانية. فالقائد العسكري مُلزم بمراقبة مرؤوسيه ومنعهم من ارتكاب الانتهاكات. وهذه الفكرة ليست حديثة العهد، فقد أرستها اتفاقيتا لاهاي لعامي 1899 و1907، ثم جرى تطويرها وتأكيدها باستمرار منذ ذلك الحين. ومن ثمّ، لا يمكن للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد أن يدفع بجهله بهجوم كيميائي نفذه مرؤوسوه، سواء كانوا جنرالات أم جنوداً، أو أن يحتج بأنه لم يصدر أوامر محددة بهذا الشأن. فبموجب المعيار المذكور، وبصفته القائد الأعلى، يتحمل المسؤولية الجنائية متى «علم، أو كان ينبغي أن يعلم، بأن مرؤوسيه ارتكبوا جرائم، ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعها أو لمعاقبة مرتكبيها». إدغار موران والتوبة رحل عنا مؤخراً إدغار موران Edgar Morin، عالم الاجتماع والمناضل المناهض للنازية. وهو يهودي سفاردي لم يدعُ إلى الانتقام من «مهندسي الحل النهائي». وتتجلى نزعته الإنسانية العميقة في نص خصصه لذاكرة المحرقة (الهولوكوست)، حيث قال: «أنا من أولئك الذين ينتظرون توبة الشرير. وأنا من أولئك الذين لم يحبسوا الإنسان الذي ارتكب جريمة داخل مفهوم المجرم الذي يختزله بالكامل.» غير أن منح الصفح لا يعني القبول بالنسيان أو طمس الحقيقة! لذلك، لا بد أولاً من إحقاق العدالة. ولن يكون من العدل أن يدفع في سوريا عاطف نجيب وخردل أيوب وحدهما الثمن نيابة عن الفارين الذين يتحصنون في موسكو! إن العدالة الانتقالية شرط أساسي للمصالحة الوطنية. لكن لا يمكن أن تتحقق أي عدالة حقيقية ما لم يمثل بشار وماهر الأسد وأعضاء القيادة السورية العليا أمام المحاكم المختصة. وما لم يقفوا داخل قفص الاتهام ليستمعوا إلى الحكم الصادر بحقهم.

واقع لبنان: حين تتحول الجغرافيا من فرصة إلى عبء
بقلم
منى فياض
نُشر
يونيو 5, 2026 - 23:01

نسمع بشكل متزايد تعليقات ممن يندبون حظهم: لماذا ولدنا في هذه البقعة من العالم؟ فلبنان حالياً جعله موقعه الجغرافي في وضع لا يحسد عليه. مع ذلك ليست الجغرافيا قدراً أعمى، لكنها إطار صارم يحدّد الممكن ويضيّق هامش الخطأ. في علم الجغرافيا السياسية، كما يذكّرنا روبرت د. كابلان في كتابه "انتقام الجغرافيا"، لا تختفي الجغرافيا خلف الشعارات، بل تعود لتفرض نفسها كلما تجاهلتها الدول، خصوصاً الدول الصغيرة الواقعة على خطوط التماس. ولبنان احدى هذه الدول، فهو يقع بين جارتين قويتين: أحداهما تشكل ثكنة عسكرية ضخمة تضم أحد أكبر جيوش العالم، ومدعومة من الولايات المتحدة، وقد ساعدناها على إعادة احتلال لبنان. والجارة الثانية سبق ان هيمنت على لبنان ومارست عليه وصاية ثقيلة ابان الحكم الاستبدادي للنظام الأسدي. لذا يعد لبنان مثالاً صارخاً للبلد الذي يلعب فيه موقعه الجغرافي دوراً حاسماً. فموقعه بين إسرائيل جنوباً وسوريا شرقاً وشمالاً، وعلى ساحل متوسطي مفتوح، جعله تاريخياً مساحة عبور وتفاعل، لا ساحة مواجهة. وقد فهم ميشال شيحا هذه الخصوصية باكراً، فرأى أن ضيق الساحل وارتفاع الجبل وغياب العمق الاستراتيجي البري تدفع اللبناني نحو البحر، أي نحو التجارة والانفتاح والوساطة، لا نحو الحروب والصراعات. ويشهد تاريخنا الفينيقي على ذلك. بهذا المعنى، لم تُصمَّم جغرافية لبنان لدور عسكري، بل لدور اقتصادي- حضاري. لكن التحوّل الخطير حصل عندما خرج لبنان عن هذه الوظيفة، وانجرّ للانخراط تدريجياً في صراعات إقليمية تفوق قدرته، فتحوّل من مساحة توازن إلى ساحة نزاع. في هذا السياق، يصبح الحديث عن "لعنة الجغرافيا" مضلّلاً. فالمشكلة ليست في الموقع بحد ذاته، بل في كيفية استخدامه. الجغرافيا التي كان يمكن أن تكون مصدر ازدهار، كما كانته في مرحلة حديثة معينة، تحوّلت إلى مصدر خطر عندما استُخدمت كمنصة لصراعات الآخرين، وعندما فقدت الدولة احتكارها لقرار الحرب والسلم. هنا يتقاطع الواقع اللبناني مع تحوّل تاريخي أشار إليه ألكسيس دو توكفيل في "الديمقراطية في أمريكا". ففي زمن الإمبراطوريات، كانت الكيانات الصغيرة تُبتلع بسهولة، أما مع نشوء مفاهيم السيادة وحقوق الشعوب، وظهور منظومة دولية لاحقاً تمثّلت في الأمم المتحدة، فقد أصبح من حيث المبدأ ممكناً حماية الدول الصغيرة عبر قواعد قانونية وقرارات دولية. لكن هذا التحول، رغم أهميته، لم يُلغِ منطق القوة، بل أعاد تشكيله. فالقانون الدولي يمنح الشرعية، لكنه لا يضمن الحماية تلقائياً. والدول الصغيرة لا تُصان فقط بالنصوص، بل عندما يصبح استقرارها جزءاً من مصالح قوى أكبر. من هنا، تبدو أزمة لبنان مركّبة: فهو يمتلك اعترافاً دولياً كاملاً بسيادته، لكنه يفتقد الشروط الداخلية والخارجية التي تجعل هذه السيادة قابلة للحماية. فالتدخلات الخارجية، المباشرة وغير المباشرة، لم تكن لتنجح لولا وجود هشاشة داخلية، حساسيات مذهبية، وانقسام في القرار السيادي، وارتباط بعض القوى المحلية بمحاور إقليمية، لا سيما في ظل صراع مفتوح بين إيران وإسرائيل يُدار جزئياً على أرضه. في هذه الحالة، تتحول الجغرافيا إلى نقطة ضعف قاتلة. فالدولة الصغيرة، المفتوحة جغرافياً، لا تستطيع تحمّل ازدواجية القرار، ولا أن تكون في آنٍ واحد جزءاً من صراع وكياناً يطلب الحماية منه. الحل لا يكمن في إنكار الجغرافيا، بل في إدارتها بواقعية. وهذا يمرّ عبر إعادة تعريف وظيفة لبنان: من ساحة نزاع إلى مساحة توازن، ومن أداة لمحاور إلى مجتمع يبحث عن المصلحة المشتركة. الحياد، في هذا السياق، ليس شعاراً أخلاقياً، بل خياراً استراتيجياً مشروطاً. وقد أثبتت تجارب دول مثل سويسرا والنمسا أن الحياد لا يقوم إلا على ثلاثة عناصر متلازمة: إجماع داخلي صلب، قدرة دفاعية وطنية موحّدة، وضمانات دولية واضحة. من دون هذه العناصر، يتحول الحياد إلى فراغ تستغله القوى الخارجية. لبنان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يبقى أسير موقعه كخط تماس، وإما أن يعيد تموضعه ككيان لا يمكن الاستغناء عن استقراره. وهذا يتطلب استعادة القرار السيادي، توحيد المرجعية الأمنية، وربط استقرار البلاد بمصالح اقتصادية وإقليمية ودولية تجعل أي اهتزاز فيه مكلفاً للجميع. إن موقع لبنان البحري كان يمكن أن يعني تجارة وخدمات ودور مالي. كما كان في الستينيات ومطلع السبعينيات. لكنه تحول اليوم الى: بلد محاصر ويهدِّد ومهدَّد ومستهدف. بهذا المعنى، لا يمكن للبنان أن يغيّر جغرافيته، لكنه يستطيع أن يغيّر موقعه في هذه الجغرافيا. وهنا فقط، تتحول الجغرافيا من قدر مفروض إلى خيار يُدار تبعاً للمصلحة الوطنية. فهل يمكن للبنان أن يحصل على "ضمان دولي" يحمي حياده من دون أن يتحوّل إلى وصاية؟ وماذا نعني ب "ضمان دولي"؟ طبعاً ليس انتداباً جديداً ولا إدارة خارجية أو فقدان للسيادة، بل تحييد معترف به دولياً والتزام جماعي بعدم استخدام لبنان كساحة صراع. ما يعني تحويل حياد لبنان الى مصلحة مشتركة يلتزم بها الجميع. إن تغير البيئة الدولية يرجح نجاح هذا النموذج: فالقوى الكبرى لم تعد تريد ساحات انفجار دائمة في الشرق الاوسط، والدول العربية تتجه نحو التنمية ، عبر التهدئة والتقليل من الفوضى، كما ان أوروبا تحتاج الى استقرار الشرق الاوسط. وهذا يخلق للبنان نافذة يمكنه ان يستثمرها. آن الأوان لأن يخرج لبنان من دائرة الصراعات وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة فقط. أن لا يُستخدم منصة لأي محور. وأن يجعل استقراره مصلحة للجميع، لا عبئاً على الجميع. أن اقتصادنا، ومدارسنا، ومستقبل أولادنا، ليست أوراق تفاوض، لأننا نرفض أن نُستَخدم، من أي جهة كانت.

كيف يمكن لأمة أن تنجو بين المفترسين؟
بقلم
باسكال أوسور *
نُشر
يونيو 1, 2026 - 22:51

نرى جميعاً أن العالم يزداد قسوة يوماً بعد يوم، وكأنه بات بلا إيمان ولا قانون. وحتى إن كانت الحروب الدائرة في أوكرانيا وإسرائيل وغزة وسوريا والسودان وإيران ليست أشد عنفاً في جوهرها من حروب القرن العشرين، فإن ما يلفت نظر المراقب هو الانفلات الكامل للأطراف المتحاربة في استخدام القوة. فلا يكاد أي طرف معني يسعى إلى تبرير أفعاله أخلاقياً أو قانونياً إلا من باب الشكليات. إن هذا الغياب للتظاهر الأخلاقي يعكس منطق الافتراس الذي بات سائداً في كل مكان. ويبدو أن السؤال الوحيد المطروح اليوم هو: كيف يمكن تحقيق المكاسب أو على الأقل تجنب الخسائر الكبيرة في ظل قواعد اللعبة الجديدة هذه؟ وكما يقول دونالد ترامب، بما يمتلكه من قدرة على استشعار روح العصر: «لا مزيد من دور الرجل اللطيف». بالنسبة إلى الدول الأوروبية، التي تربت على حسن السلوك واحترام القواعد، فإن الصدمة قاسية. فكيف يمكن التكيف مع هذا التوحش المتزايد؟ هل ينبغي رفضه مع خطر التحول إلى فريسة والاختفاء جيوسياسياً؟ أم الانضمام إلى المفترسين مع خطر فقدان الروح والاندثار ثقافياً؟ بالنسبة إلى أوروبا، يتخذ هذا العالم الجديد شكل صحوة صعبة جاءت على غير انتظار. فمنذ عام 1945، وبعد ثلاث حروب فرنسية ـ ألمانية خلال ثلاثة أجيال، بينها حربان عالميتان والهولوكوست، قرر الأوروبيون، وقد هالهم هذا التدمير الذاتي، التخلي من حيث المبدأ عن العنف بين الدول فيما بينهم. وبذلك استكملوا تطوراً فكرياً وسياسياً بدأ قبل ثلاثة قرون، في أعقاب الحروب الدينية المروعة التي دمرت القارة لعقود طويلة. وهكذا أعادت أوروبا الحديثة بناء نفسها في منتصف القرن العشرين حول ثلاثية وُصفت لاحقاً بأنها «ما بعد تاريخية»: تهميش العامل الديني، ونزع الشرعية عن العامل القومي، واستبدال موازين القوى بالقواعد القانونية والحق والسوق. وكان الاتحاد الأوروبي، بوصفه مشروعاً سياسياً، ثمرة هذا التطور. وقد تحقق الهدف. فالأوروبيون، المثقلون بالإرهاق والشعور بالذنب والإخفاق، نجحوا في القضاء على الحرب الأهلية داخل قارتهم، وأقصوا تدريجياً مبدأ اللجوء إلى العنف. سقوط الاتحاد السوفياتي غير أن هذا «السلمية المبدئية» لم تكن أمراً بديهياً خلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بينما كانت التهديدات السوفياتية تتعزز على حدود أوروبا الغربية. وقد حُلّت هذه المعضلة بفضل الحماية التي وفرتها الولايات المتحدة، التي لم تكن تمتلك فقط القوة الاقتصادية والصناعية والعسكرية، بل لم تكن أيضاً تعاني من النفور من الحرب الذي انتشر في القارة العجوز. فعلى العكس من ذلك، احتفظت غالبية الأميركيين، البعيدين عن الاضطرابات الأوروبية، طوال القرن العشرين بشعور أنهم أمة ديناميكية وسليمة أخلاقياً وتنتمي إلى معسكر الخير، ما جعلها تنظر إلى استخدام القوة من دون عقد. وقد كانت هذه الثقة والتحرر من القيود أحد المحركات التي سمحت للولايات المتحدة بأن تصبح القوة الغربية العظمى منذ عام 1945، ثم القوة المهيمنة عالمياً بلا منافس حقيقي منذ تسعينيات القرن الماضي. لقد عزز سقوط الاتحاد السوفياتي قناعة كل من الشريكين عبر الأطلسي بمقاربته الخاصة. فالأوروبيون، بعد زوال آخر تهديد مباشر لهم، اقتنعوا بأنهم دخلوا نهائياً عصراً جديداً تصبح فيه عنف الدولة ظاهرة هامشية ثم غير ضرورية. أما الأميركيون، فرأوا في ذلك دليلاً على صحة نموذجهم الإمبراطوري وجدوى توسيعه. وهكذا أتاحت العولمة لواشنطن تعزيز هيمنتها القائمة على التجارة والقواعد والنموذج الأميركي. غير أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة اتسمت بغموض مضر. فمصطلح «الغرب» كان يجمع في الواقع بين رؤيتين متناقضتين: من جهة، الترويج للنموذج الأوروبي السلمي والكوني، ومن جهة أخرى، واقع نظام دولي تهيمن عليه دولة ابتعدت تدريجياً عن أوروبا ولم تفقد أبداً ميلها إلى استخدام القوة. وقد فضّل الأوروبيون، لشعورهم بعدم الارتياح، غض الطرف عن ذلك، لأنه كان ثمن راحتهم. وكانت عزلة فرنسا خلال حرب العراق عام 2003 خير دليل على ذلك. خارج أوروبا، لم تتأخر مقاومة الإمبراطورية الأميركية في الظهور. أولاً لأن محو الفوارق بين المجتمعات يخلق توازناً هشاً ويظل مصدراً للعنف المحاكاتي، كما شرح ذلك رينيه جيرار. وثانياً لأن أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية انتشرت في كل مكان، مما أتاح للصغار مجابهة الكبار. وثالثاً لأن الولايات المتحدة لم تستطع مقاومة إغراء فرض قواعدها والدفاع عن مصالحها بالقوة. وهكذا، بدلاً من أن تكون العولمة عاملاً للاندماج والسلام، أصبحت عاملاً للتشظي العالمي، وأفرزت قوى مراجعة للنظام القائم، صغيرة كانت أم كبيرة، في مختلف أنحاء العالم. وعادت الهويات والنماذج البديلة والمصالح الوطنية إلى الواجهة. كما عاد استخدام القوة العسكرية، سواء لأن المرجعية الأوروبية بدأت تتآكل أو لأن القدرات العسكرية باتت منتشرة على نطاق واسع. وإذا كان هذا التصاعد في التحدي والصراعات يمثل مشكلة للولايات المتحدة، فإنها مستعدة له لأنها لم تتخلَّ يوماً عن هذه المنطق. أما الأوروبيون فهم أقل ارتياحاً. فقد تخلوا عن منطق القوة، ونزعوا سلاحهم فكرياً ومادياً ومعنوياً، في وقت باتوا فيه هدفاً للولايات المتحدة ولمنافسيها من الشرق والجنوب، الذين يرون فيهم فريسة مثالية: أغنياء، غير مبالين، مترفون، مسنون، ضعفاء، جبناء، ومولعون بإعطاء الدروس. أن تكون على الطاولة لا على قائمة الطعام نحن الأوروبيين نستيقظ اليوم في عالم ليس عالمنا. وأمام التنافس والضعف، بدأنا ندرك أن جيراننا قد يرغبون في شقائنا وقد ينجحون في ذلك. فماذا نفعل؟ إن إغراء العودة إلى النوم، أو الاكتفاء بالاحتجاج، أو البحث عن حامٍ، قائم بالفعل، لكنه سيصطدم سريعاً بالمصير الذي يواجه المهزومين والخاضعين. في العالم المقبل، حيث الندرة والافتراس هما القاعدة، ستجلب الهزيمة والتبعية نصيباً كبيراً من المعاناة. ولهذا السبب نلمس في كل مكان تشدداً في المواقف: الرد بالمثل، واكتساب التفوق النفسي، والضرب أولاً، والتهديد بردود انتقامية مدمرة... كثيرون يعملون على ذلك أو يستعدون له بطريقتهم الخاصة. ولا تستطيع أوروبا الإفلات من تحديث جذري لبرمجيتها في إدارة العلاقات الدولية، لأن بقاءها بات على المحك. يجب عليها أن تعيد التسلح فكرياً ومادياً، وقبل كل شيء نفسياً، حتى تصبح أقوى وأكثر مصداقية، وحتى تكون على الطاولة لا ضمن قائمة الطعام. ويجب أن تستعيد أوروبا مكانتها كقوة، وهذا يقتضي تعزيزاً كبيراً للدول المكونة لها، لأن القوة الأوروبية لن تولد من جمع نقاط ضعف كل دولة على حدة. وفرنسا أمامها الكثير لتفعله في هذا المجال. القوة الناعمة لكن بعد استعادة هذه القوة، هل ينبغي لأوروبا أن تصبح مفترسة حتى يكون لها وزن بين المفترسين؟ ليس من مصلحتها أن تفعل ذلك. فقد استفادت أوروبا طويلاً من ميزة استراتيجية نابعة من قوة الجاذبية التي يتمتع بها نموذجها الثقافي الأكثر هدوءاً مقارنة بغيره. وهذه الخصوصية ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة التاريخ وآلامه. فبسبب ما عاشته من ويلات الحروب، طورت منظومة فكرية قائمة على الإصغاء والاحترام والتسوية. وقد نجحت هذه المنظومة في إحلال السلام داخل القارة، لكنها فشلت في أماكن أخرى لأنها لم تكن مدعومة بقوة كافية. وفي الوقت الذي تنزلق فيه الولايات المتحدة إلى دوامة التصعيد العسكري اللامحدود، «بلا رحمة ولا شفقة»، على حد تعبير وزير حربها، وعلى غرار قادة روسيا وإسرائيل وتركيا وأذربيجان وإيران وحماس وحزب الله وغيرهم كثيرون، ثمة طريق آخر يمكن لأوروبا وفرنسا أن تسلكاه. فإذا قررتا العودة إلى لعبة القوى الكبرى وتوفير الوسائل اللازمة لذلك، عندها يمكنهما أن تجعلا صوت «القارة العجوز» مسموعاً وذا مصداقية، على حد تعبير دومينيك دو فيلبان الذي لاقى صدى واسعاً خلال حرب العراق. لذلك، لا يتعين على فرنسا وأوروبا الاختيار بين المثالية السلمية والتوجه الحربي. بل يمكنهما الجمع بين قوة النفوذ الاقتصادي والعسكري والأخلاقي، وبين قوة النموذج أو ما يُعرف بـ«القوة الناعمة»، التي نظّر لها جوزيف ناي خلال إدارة بيل كلينتون، والتي تبتعد عنها الولايات المتحدة اليوم. وعلينا بالتالي أن نطلق مسارين متوازيين يبدوان متناقضين ظاهرياً. أولاً، إعادة بناء قوة حقيقية، أي «قوة صلبة»، تفرض الاحترام وتثير الخشية. غير أن الجهود المالية والمجتمعية التي يتطلبها ذلك تفرض، بما أننا في أنظمة ديمقراطية، الحصول على تأييد الشعوب، وبالتالي إعادة تأسيس التماسك داخل المجتمعات السياسية، سواء الوطنية منها أو الأوروبية. فهذا التماسك، الذي بدا غير ضروري في عالم ما بعد القومية والحدود، تديره السوق وحدها، أصبح اليوم أمراً جوهرياً مع عودة الجغرافيا السياسية. وعلينا أن نستعيد ما يشكل هوياتنا الوطنية والأوروبية، وأن نحدد مصالحنا، ونعترف بمصالح الآخرين، وأن نستعيد القدرة على الردع دفاعاً عن القيم والقضايا العادلة. لكن، وهذا هو المسار الثاني، يجب ألا تقودنا هذه القوة المستعادة إلى الوقوع مجدداً في الغطرسة الانتحارية التي دمرت أوروبا قبل قرن من الزمن، والتي تعود اليوم بأشكال مختلفة في أنحاء العالم. بل ينبغي أن تكون هذه القوة في خدمة رفض العنف الأعمى والابتزاز والافتراس، وأن تجعل من السعي إلى سلام قائم على تسويات عادلة ودائمة هدفاً أساسياً. فالقوة هي التي ستمنح هذه الاستراتيجية، التي تجمع بين الواقعية والسلمية، المصداقية. وعندما تصبح أوروبا قوية ومحترمة، ستشعر شعوبها بالأمان ولن تنجرف نحو العدوانية، كما أن شركاءها لن يفسروا سعيها إلى التهدئة على أنه دليل ضعف أو جبن. وعندها، ستكون أوروبا، الواثقة والمسموعة الكلمة، قادرة على إطلاق ودعم صياغة تعددية دولية جديدة للقرن الحادي والعشرين، انسجاماً مع النداء الذي أطلقه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه بمنتدى دافوس في يناير الماضي. ففي عالم يسعى فيه المفترسون إلى إيجاد تابعين وأتباع، ما زال هناك مكان لقوى قوية وخيّرة تدافع عن نظام أكثر عدالة. ويمكن لأوروبا وفرنسا أن تساهما في ذلك، فتكونان عندئذ على مستوى إرثهما التاريخي. *Pascal Ausseur: نائب أميرال (متقاعد)، مدير العام لـ«مؤسسة التحكم في القضايا الاستراتيجية» (FMES)

بين الانضباط والمقاومة الصامتة وبداية التمرد
بقلم
منى فياض
نُشر
يونيو 1, 2026 - 05:58

كان اطلاق الندائين من ناشطين في صور والنبطية الموجهان الى الدولة اللبنانية، لحماية المدينتين الاثريتين من تهديد الجيش الاسرائيلي بمحوهما، ونشر الجيش والقوى الامنية فيهما، وجعلهما مدينتين مفتوحتين خاليتين من السلاح، أول نشاط علني مقاوم ومنظم من قبل البيئة الشيعية، التي تكاثرت دعوتها في المدة الأخيرة، كي تتخلي عن خوفها وترفع صوت الاعتراض، ضد من صادر تاريخها وحاضرها ومستقبلها ثأراً للخامنئي. ولقد تعرض هؤلاء الناشطين لحملة تهديد وتخوين وهتك للأعراض، جعلت البعض يتراجع. وكنت قد باشرت في كتابة مقالي هذا قبل صدورهما، لفهم آليات سيطرة الحزب وقدرته على الهيمنة، ولرصد المقاومة الصامتة لهذه البيئة ولفهم آليات نجاح سيطرة الحزب عليها. ولكن إذا كان فهم السلطة في البيئات الحزبية يقتصر على أدوات القمع المباشر، فإننا نكون قد تجاهلنا الجزء الأكثر فاعلية فيها. فكما يبيّن ميشال فوكو، لا تقوم السلطة الحديثة فقط على المنع والعقاب، بل على إنتاج أفراد يراقبون أنفسهم بأنفسهم، ويعيدون تشكيل سلوكهم بما يتوافق مع المعايير المفروضة عليهم. لكن هذا لا يعني أن السيطرة تكتمل أو تستقر. هنا تحديداً، يساهم جايمس سكوت في كشف الوجه الآخر: حتى في أكثر البيئات انضباطاً، لا تختفي المقاومة، بل تتخذ أشكالاً خفية، يومية، وغير معلنة. يظهر هذا التداخل بوضوح في هيمنة حزب الله على فضاء بيئته الاجتماعي والثقافي بالكامل. فمن جهة، هناك نظام انضباطي متكامل، لا يعمل فقط عبر الأجهزة أو الخطاب الرسمي، بل عبر تبني "البيئة الاجتماعية" لمعايير الحزب وإعادة إنتاجها. ومن جهة أخرى، هناك أيضاً ممارسات يومية صغيرة، تكشف عن مسافة صامتة بين الأفراد وهذه المعايير، تكاثرت خصوصاً بعد الحرب الراهنة التي تسبب بها. بحسب فوكو لا تكون المراقبة فعّالة لأنها شاملة فحسب، بل لأنها مُستبطنة. في مراقبة الفرد لنفسه يتعلم أن: يختار كلماته، يضبط نبرته، يعيد التفكير في ما يمكن أن يُفهم أو يُساء فهمه. هذه الرقابة تصبح مع الوقت جزءاً من تكوينه الاجتماعي دون أي تدخل مباشر. وتتحول إلى ما يشبه "الطبيعة الثانية"، حيث يبدو الامتثال وكأنه خيار شخصي، لا نتيجة ضغط خارجي. لكن هنا تظهر المفارقة التي يسلّط الضوء عليها سكوت. فحين يُجبر الأفراد على الامتثال في العلن، لا يعني ذلك أنهم يوافقون في باطنهم. بل ينشأ ما يسميه "النص الخفي"، وهو مجموعة من المواقف والمشاعر التي لا تجد طريقها إلى العلن، لكنها تُتداول داخل دوائر ضيقة، أو في أشكال غير مباشرة. في هذا السياق، لا تعود السياسة محصورة في الخطابات أو التظاهرات، بل تنتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالصمت، مثلاً، لا يكون دائماً علامة على القبول، بل قد يكون استراتيجية امتناع. والتورية ليست نقصاً في التعبير، بل وسيلة لتفادي الكلفة. وحتى الامتناع عن المشاركة يمكن أن يُقرأ كفعل سياسي، لا كغياب للفعل. ما يضيفه الجمع بين فوكو وسكوت هو فهم العلاقة بين هذين المستويين. فالنظام الذي ينجح في إنتاج أفراد منضبطين، هو نفسه الذي يخلق شروط "المقاومة بالحيلة". فكلما ارتفعت كلفة التعبير، ازدادت الحاجة إلى أشكال ملتوية من الرفض. وكلما تعمّقت المراقبة، أصبح معنى الصمت أكثر كثافة. ففي البيئة التي نتناولها، وتحت ضغط الحرب والتصعيد الإسرائيلي المستمر، يكشف سلوك "البيئة الحاضنة" عن تحول عميق في الصورة التي تتشكل في الفضاء العام، الى أكثر من مجرد تراجع اقتصادي أو إنهاك اجتماعي، اننا أمام تغير في العلاقة نفسها بين الناس والخطاب السياسي الذي يفترض أنه يمثلهم. وهنا يظهر تداخل الاستبطان والمقاومة. فالفرد قد يلتزم بالخطاب العلني، يكرر مفرداته، ويظهر انتماءه، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بمسافة داخلية. هذه المسافة لا تُعلَن، لكنها تظهر في لحظات محددة: في نكتة عابرة، في تعليق مبهم، في امتناع عن الحماس، أو في عدم الاستجابة لدعوة تعبئة. وهذا أخطر أشكال المقاومة ليست تلك االمُُعلنة، بل تلك التي تمرّ دون أن تُلاحظ. لكن هذه المقاومة، رغم خفائها، لا تعني بالضرورة تحوّلًا جذرياً أو قطيعة مع السلطة المهيمنة. فهي غالباً ما تبقى ضمن حدود النظام، تتكيف معه بقدر ما تعارضه. وهذا ما يجعلها في الوقت نفسه علامة على الضعف والقوة: ضعف لأنها لا تُترجم إلى فعل جماعي واضح، وقوة لأنها تكشف حدود السيطرة. كما ان فوكو يوضح أن السلطة لا تتضرر فقط من المعارضة المباشرة، بل أيضاًً من التآكل الداخلي. حين يصبح الامتثال شكلياً، وحين تتحول الطاعة إلى مجرد أداء، تفقد السلطة جزءاً من فعاليتها. فهي قد تنجح في ضبط السلوك الظاهري، لكنها تفشل في إنتاج اقتناع فعلي. في هذا الإطار، يمكن فهم ظواهر مثل عدم الاستجابة لدعوات التعبئة، أو انتشار اللامبالاة، ليس كدليل على غياب السياسة، بل كتحول في أشكالها. الناس لا تخرج إلى الشارع، لكنها أيضاً لا تنخرط. لا تعترض، لكنها لا تستجيب. في النهاية، لا يمكن اختزال هذه الدينامية في ثنائية بسيطة بين السيطرة والمقاومة. ما نراه هو تداخل مستمر بين الاثنتين، حيث تنتج السلطة أشكالها الخاصة من الرفض، وحيث تتكيف المقاومة مع شروط السلطة بدل أن تواجهها مباشرة. في هذه المنطقة الرمادية، حيث لا يكون الصمت قبولاً ولا يكون الامتناع حياداً، تتشكل السياسة الفعلية، بعيداً عن الخطاب المعلن. وهنا يمكن ان نفهم كيف يمكن لبيئة تبدو منضبطة ومتماسكة في العلن، أن تحمل في داخلها مستويات متعددة من التردد، والانفصال، والمقاومة الصامتة، التي لا تُرى بسهولة، لكنها تترك أثرها مع الوقت. من هنا يمكن اعتبار عدم تلبية التعبئة التي يقوم بها نعيم قاسم للنزول الى الشارع لا يعني الحياد. بل يمكن قراءته، في هذا السياق، كشكل من أشكال الرفض الصامت. الناس لا تعلن معارضتها، لكنها لا تمنح شرعية فعلية عبر المشاركة. إنها حالة وسطى بين الطاعة والتمرد، حالة من التعليق، من الانتظار، وربما من إعادة التقييم. بهذا المعنى، يمكن القول إن ما نراه اليوم هو انتقال تدريجي من "البيئة الحاضنة" إلى "البيئة المتعبة". البيئة الحاضنة تستجيب، تتحرك، تنخرط. أما البيئة المتعبة، فهي تتحمّل، تصمت، لكنها لا تتجاوب. وهذا التحول، حتى لو كان جزئياً أو غير مكتمل، يحمل دلالة سياسية عميقة: تآكل القدرة على التعبئة. ويبرهن النداءين الأخيرين اللذان ناشدا تدخل الدولة وسحب السلاح من صور والنبطية، بداية لكسر حاجز الخوف داخل بيئة الحزب، بوضوح وشجاعة.

 السينما والسياسة والحرب
بقلم
يقظان التقي
نُشر
مايو 31, 2026 - 22:22

أرخى ظل الحرب والسياسة في الشرق الأوسط وأكرانيا وتهديد الجيوسياسة بظلاله على حفل ختام الدورة 79 لمهرجان. كان الخطاب السياسي الأكثر إثارة للانتباه هو خطاب أندريه زفياغينتسيف، الذي فاز فيلمه "مينوتور" (Minotaur)، بالجائزة الكبرى وهو تصوير للاجتياح الروسي لأوكرانيا من خلال تدهور أسرة،. وجه المخرج الروسي المنفي في فرنسا الرسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "أوقفوا هذه المهزلة، العالم بأسره ينتظر إنهاء المذبحة، حيث يقف ملايين الأشخاص على جانبي خط الجبهة،لا يحلمون بشيء سوى إنهاء المجازر والحرب التي لم تعد تحظى بشعبية على الضفتين المتقاتلين" ، وذلك في صدى بعيد لخطاب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي ألقاه على نفس المسرح في 17 ايار/ مايو 2022. من الميتا- رواية إلى الهاوية، غالبًا ما يكون هناك خطوة واحدة، خطوة اتخذها مهرجان كان في عام 2026 باختياره، من بين 22 فيلمًا في المسابقة، ستة أعمال تتناول الحرب. لا جديداً في أن يكون للسينما، الفن المرتبط بنبض العالم، هذا التأثير السياسي. لكن يكمن تعقيد سرد قصة مهرجان كان هذا في جانبين: في تنوع وجهات النظر التي تنظر إلى الحرب من خلال الإخلاص التاريخي والإنجاز الفني في التقاط الرعب والعنف، أو أن يكون الأمر مجرد لمحة، فلا يشكلان بالضرورة مزيجًا متناغمًا عن الواقع نفسه. كانت هناك مسافة كبيرة، جماليًا وفلسفيًا، بين "تحية لنا” (Notre Salut) لإيمانويل مار، الذي يشير من خلال ترويج موظف صغير، في عهد بيتان وفي جميع الأوقات، إلى روح التعاون، وبين "مولان" (Moulin) لـ لازلو نيميس، الذي يمجد شهادة المقاوم جان مولان الذي عذبه حتى الموت . فيما كلاوس باربي في فيلم "الوطن" (Fatherland) يختار مسارًا ثالثًا، حيث يشير إلى الكارثة الأخلاقية والحضارية للحرب العالمية الثانية من خلال عودة توماس مان إلى ألمانيا 1949. بدورها الممثلة جوليان مور عكست واقع هذا الانقسام في السينما في خلال زيارتها إلى كان خلال الأسبوع الأول من الدورة التاسعة والسبعين للمهرجان، لتسلم جائزة "Women in Motion"، ومن بين الفائزات السابقات، جين فوندا، فيولا ديفيس، وميشيل يوه. فأعلنت مور (ملهمة تود هاينز)، عن مواقف سياسية متميزة في السياسة. وتقول إنها منذ طفولتها تضيع في مكتباتها التي أصبحت ملاذًا، وتجد فيها فهمًا إنسانيًا للعالم ولأولئك الذين يشكلونه، سواء كان ذلك مأساويًا أولا. وفي فقاعة لوس أنجلوس السطحية أحيانًا، تسعى مور بمساعدة فرق اتصالاتها، إلى إعطاء عمق للمواضيع ، التي غالبًا ما تكون مجردة في حين يعتمد كل شيء على رؤية واضحة وإن كانت خانقة. نفس المنطق هو ما سيجلب لها أقصى تكريم، جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن فيلم، "Still Alice" (2014) ". وتقول مور: "إنه وزن التاريخ، وصناعة الأحلام التي يسعدني أن أساهم فيها، بالالتزام ضد حمل السلاح، وضد الفوضى الاجتماعية التي نعيش فيها، وهي تحزنني، وتخيفني في سياق جيوسياسي غير متوازن بشكل عام" (ومور معروفة بقربها من الديمقراطيين، مع أخذ مسافة من الدورة السياسية اللاحقة، لتظهر بشكل أقل مع جو بايدن وكامالا هاريس). لذلك أبقت مور نفسها بعيدًا عن الإفراط في التعرض للصحافيين ، بينما ينغمس الآخرون في السجاد الأحمر والعروض الأولى، مفضلة شكلاً من أشكال الانسحاب الاستراتيجي عن الأفلام التي تحتوي على انفجارات وقنابل في ضوء الوضع العالمي الحالي، "المصطنعً بشكل لا يصدق". تجدر الإشارة إلى مفارقة جرت في منح جائزة السيناريو لـ "Notre salut" (خلاصنا)، وهو عمل قوي وأصيل عن التعاون، بينما اعترف المخرج إيمانويل مار عن نفسه بأن العديد من المشاهد تم ارتجالها. وذهبت جائزة لجنة التحكيم إلى فيلم "Aventure rêvée" (المغامرة الحلم) لـ فالسيكا غريسباغ. كانت الآراء حول هذا الفيلم الحدودي متباينة. بلغت القمة مع جائزة الإخراج ، لأنها كرمت اثنين من المخرجين لفيلم "La bola negra" (الكرة السوداء). يروي هذا الرواية السينمائية التاريخ الإسباني عبر القرن، ويتناول الحرب الفرانكية والمثلية الجنسية. هذا، ويتخذ عالم السينما مسافة عن المتمردين بعد تصريحات ماكسيم سعادة، رئيس Canal+، حيث أبدى أصحاب دور السينما والمنتجون والموزعون الفرنسيون قلقهم من استقطاب متزايد للراديكالية في التعبيرية السينمائية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية . وكانت هناك عريضة في افتتاح المهرجان حملت عنوان "لا تلتف إلى بولوريه" تم توقيعها من قبل أكثر من 600 شخصية تمثل مهنيي السينما. ويحتجون فيها على ما يعتبرونه سيطرة رجل الأعمال البريتوني على الفن السابع ورغباته الاحتكارية ، وتتعلق بشكل كبير بتمويل السينما. وباستثناء أديل هانيل، التي لم تعد تصور أفلامًا منذ ست سنوات، وجولييت بينوش، وآنا موغلاليس، وسوان أرلاود، فإن الغالبية العظمى من الموقعين غير معروفين في المجال المهني( اعتبروهم البعض جبهة سياسية أكثر منها مهنية)، على اعتبار أنه لم يلاحظ أحد توحيد الأفلام أو السيطرة الفاشية على الخيال الجماعي عبر Canal+ حتى المنظمات التي تنتمي لليسار الذي دمره بولوري. مع ذلك ، يقول العديد من المنتجين: "يومًا ما، ربما، سيكون علينا القلق بشأن نفوذ فنسنت بولوري على السينما وفقدان القوة الفكرية والفنية ونهاية اللعبة للتقدمية الثقافية ". وبغض النظر عما إذا كانت قصص الأفلام لا علاقة لها بأيديولوجية اليمين المتطرف وبأنه لم يتم شراء دور سينما UGC من قبل فينسنت بولوريه لأسباب أيديولوجية، بل من قبل ماكسيم سعادة، رئيس مجلس إدارة Canal+، لأسباب صناعية . يقول أحد الموزعين، "إنها مذبحة وستتزايد"، وربما يكون هذا المهرجان هو الأخير قبل وصول اليمين المتطرف إلى السلطة بالنسبة لاولئك الذين يدافعون عن الاستقلالية والإبداع والديمقراطية. سينمائياً ، قد يُطلب من الجميع اختيار معسكرهم بين اليمين واليسار ، مع الحرب في الشرق الأوسط و مآسي الناس أو ضدها . لكن الأهم من ذلك، بينما يتقاتل السينمائيون الفرنسيون على بولوري، فإن عمالقة الإنترنت – يوتيوب، فيسبوك، أمازون، ديزني، نتفليكس، ميتا ينسجون شبكة تسمح لهم بتعزيز قوتهم على الصور. لن يكون هذا بلا عواقب على اقتصاد السينما ، وعلى تنوع الجماليات مع اقتحام الذكاء الاصطناعي عالم السينما ، وأموال شركات GAFA تمول الأفلام والمسلسلات ، وأمازون، على رأس منصة Prime Video تضاعف ثروتها. في نفس الوقت يسيطر هؤلاء العمالقة على السوق الإعلانية. و"قمة اقتصاد المبدعين" (Creator Economy Summit)، التي تم إنشاؤها حديثًا من قبل مهرجان، انعقدت لأول مرة مع تنامي المبدعين الرقميين الذين يبنون جماهير واسعة عبر منصات مثل انستغرام ويوتيوب وتيك توك - بطريقة تطوير القصص وتمويلها وتوزيعها بسرعة، ويتجه هؤلاء نحو السرد الطويل وإنتاج الأفلام السينمائية. وقد سمح هذا اللقاء الأول بين عالمين مختلفين جدًا - صناع الأفلام والمؤثرين - بمعالجة التحديات الرئيسية من التوزيع إلى الإنتاج، مرورًا بالكتابة وإدارة المواهب إإوسهولة توزيع المحتوى. ولا يمكن لأي من شركات GAFAM أو Big Tech تجاهل اقتصاد المبدعين ، الذي من المتوقع أن يتجاوز 250 مليار دولار من الإيرادات هذا العام. السينما تتعرض للهجوم والقطاع التقليدي يتقاتل . قد يخسر العالم الثقافي معركة السردية السينمائية التي تغذات جزئيا وعلى المال العام. هذا انقلاب ثقافي مذهل من تطور وضع بشكل مختلف ، حيث يتكاثر الميليارديرات في قنوات المعلومات ، وفي توتاليتارية أيديولوجية سينمائية، ما يؤكد فشل "دمقرطة" الثقافة السينمائية ".أما بالنسبة لسيناريوهات الخيال ، فإن الامتثال الاجتماعي ينتصر في كل مكان.