
آليات الدفاع الذهنية

هناك كلمات مفتاحية، حالما تلفظها، تستنفر محدثك الممانع؛ فحال ذكر فلسطين او المقاومة او اميركا او اسرائيل، يحصل سويتش في ذهنه، فيتصلب بحيث يستحيل عندها اجراء اي نقاش هادئ وموضوعي.
لم تعد المشكلة في لبنان اليوم في اختلاف الآراء، بقدر ما أصبحت في غياب عملية التفكير نفسها. المواقف الجاهزة تُستدعى فوراً، والخطابات تُعاد كما هي، والخيارات تستمر رغم تغيّر ما يحدث من حولها. وكأننا لا نراجع انفسنا، ولا نقيّم، ولا نسأل: هل ما زلنا نفكر فعلاً في ما نقوم به، أم أننا نكرر ما اعتدنا عليه فقط لأنه أصبح جزءاً من هويتنا؟ هنا تحديداً تبدأ المخاطر، حين يتحول التكرار إلى بديل عن التفكير.
إن ما يحدث في ذهن الممانع هو أقرب إلى آلية دفاع ذهني مُبرمجة، أكثر منه مجرد رأي سياسي. عندما نذكر احى الكلمات التالية: "فلسطين - المقاومة- أمريكا- إسرائيل"، يحصل في ذهن الممانع ما يشبه "تشغيل برنامج جاهز"، يشبه ملابس ال prêt à porter، وهو يحدث على عدة طبقات:
اولاً: حصرية الهوية واختزالها، القضية (فلسطين) لم تعد قضية سياسية قابلة للنقاش او لوزن الموقف الانجع لصالحها، لقد أصبحت جزءاً من الهوية الشخصية. وبالتالي فإن أي نقاش حولها يُستقبل كأنه هجوم على الذات، لا كتحليل سياسي.
ثانياً: الاستجابة الشرطية (réponse conditionnée) على غرار ما يطلق عليه في علم النفس: stimulus محفّز، عند ذكر كلمة "إسرائيل"، الرد الجاهز "عدو مطلق"، كان سيهاجمنا قبل ان نهاجمه. بدون تحليل او حتى نقاش الاحتمالات او الطريقة الامثل لمواجهتها، او مراجعة نتائج مواجهتها حتى الآن.
ثالثاً: التنافر المعرفي (cognitive dissonance)، عندما تتعارض الوقائع مع القناعة (مثلاً: نتائج سياسات المحور على لبنان)، يحصل توتر داخلي ambivalence، ينتج عنه تبني الحل الأسهل، فيحصل إنكار للواقع مع إعادة تفسيره أو مهاجمة من يطرحه مباشرة.
رابعاً: نصل الى الانغلاق الجماعي والامتثال conformité، التماثل مع الجماعة، فداخل بيئة مثل بيئة حزب الله، الرأي ليس فردياً بل جماعياً، ويعتبر أي خروج عن الخط كخيانة. يصبح التفكير النقدي تهديداً للتماسك.
من هنا إن ما يبدو لنا أحياناً تصلّباً أو رفضاً للنقاش، ليس مجرد موقف سياسي متشدّد، بل هو نتيجة بنية خطابية- ذهنية متكاملة تُبنى بعناية وتُكرَّر وتعاد بعناية والحاح، حتى تتحوّل إلى آلية تلقائية في التفكير.
هذه البنية تبدأ من نقطة حاسمة: تعريف الواقع مسبقاً؛ جميع المصطلحات الأساسية مثل "العدو" و"المقاومة" لا تُطرح كمواضيع للنقاش، بل كحقائق نهائية. ضمن هذا الإطار، تُقدَّم أميركا واسرائيل كعدو مطلق، وتُمنح "المقاومة" شرعية مطلقة. وهكذا، لا يعود النقاش يدور حول الخيارات، بل داخل حدود مرسومة سلفاً لا يُسمح بتجاوزها.
بعد تثبيت هذا الإطار، تأتي المرحلة الثانية: شحن اللغة بالعاطفة، فتُستخدم مفردات مثل "التضحيات"، "الصمود"، "الكرامة"، و"العدوان" ليس لوصف الواقع، بل لإثارة استجابة شعورية قوية. وعندما تتقدّم العاطفة، يتراجع التحليل، ويصبح الاعتراض أقرب إلى خيانة أخلاقية منه إلى اختلاف في الرأي.
ثم تُبنى فوق ذلك "ثنائية مغلقة" لا تقبل التدرّج: إما أن تكون مع المقاومة، أو مع العدو. تختفي المنطقة الرمادية، ويُلغى التعقيد الطبيعي لأي واقع سياسي. فلا يعود هناك مجال للتفكير في حلول وسط، أو تسويات مرحلية، أو حتى في مصلحة وطنية مستقلة عن هذا الانقسام الحاد.
ولكي تكتمل هذه الدائرة، يتم نزع شرعية اي بديل. فكل طرح مختلف يُوصَف فوراً بأنه "انحراف" أو "تآمر" أو "تنكّر للتاريخ وللتضحيات". هنا لا تُناقَش الفكرة بحد ذاتها، بل يُجري تشويهها مسبقاً، بحيث يصبح مجرد التفكير بها خطوة تحمل مجازفة معنوية.
في موازاة ذلك، يُستدعى مفهوم "الجماعة" كمرجعية عليا. يتم التحدَّث باسم "الشعب" و"الثوابت الوطنية" و"الشرفاء"، كما في خطاب حزب الله، بحيث يُفهم ضمناً أن من يعارض لا يختلف في الرأي فحسب، بل يخرج عن الجماعة نفسها. وهنا يتدخّل عامل الخوف: الخوف من العزل، أو من الاتهام بالخيانة، أو من فقدان الانتماء.
لكن أخطر ما في هذه البنية هو الربط بين الداخل والخارج. فعندما يُقدَّم الخلاف الداخلي كخطر يفوق الخطر الخارجي، كما يظهر في تصريحات نواب حزب الله، يتحوّل المُعارض إلى تهديد وجودي، لا إلى شريك في النقاش. عند هذه النقطة، يصبح التصعيد الداخلي مبرَّراً سلفاً.
وفي نهاية هذا المسار، يُقدَّم خيار واحد على أنه الحل الوحيد: لا بديل عن "المقاومة" بصيغتها الحالية، مهما تغيّرت الظروف أو تبدّلت موازين القوى أو تعارضت مع مصالح البلد. وهكذا تُغلق الدائرة بالكامل.
مع تكرار هذه البنية عبر الزمن، تتحوّل إلى ما يشبه "زر" نضغط عليه في العقل: كلمة واحدة كفيلة بإطلاق سلسلة كاملة من الأحكام الجاهزة. لا يعود التفكير ضرورياً، لأن النتيجة معروفة مسبقاً. عندها، لا يصبح النقاش مواجهة بين أفكار، بل صداماً بين هويات. وفي هذا المستوى تحديداً، يتوقف العقل عن العمل، لا لأنه عاجز، بل لأنه لم يُدرَّب أصلاً على الخروج من هذا الإطار المغلق.