

أثرت صرخة الرجل التسعينس ستيفان هيسل في مقالته "Indignez-vous" (اغضبوا) في الملايين من الشباب تحريراً بعد أن قرأوا في كتابه الصغير،"لكم الحق في الغضب، في الرفض، في المعارضة." لكن هذه الصرخة لم تكن كافية بالتأكيد. كانت بداية ما في نزولهم إلى الشارع في مواجهة الصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية . لكن الأمور قد تغيرت بالفعل، وأحد أكبر انتصارات القوى السائدة ، هو تشويه سمعة مصطلح "ناشط"، أو "معارض"، وهو مصطلح يُطلق أحيانًا لمهاجمة الشباب الذين تمكنوا من تحقيق تقدم جوهري.
اليوم، يتم الاحتفاء بفكرة انخراط الشباب مجدداً. ولكن عندما ينخرطون، فإنهم لا يفعلون ذلك بالطريقة الصحيحة، ومحاولاتهم تُفقد مصداقيتها، أو تسخر لتسويات دون التركيز على الدوافع المشروعة الأساسية. وهذا ما يبرر القمع المتزايد من قبل السلطات التي تحاول منع التغيير الصيروري، وتتنكر للديمقراطية كحتمية في تعددية المجتمع وفي اختلاف الأفكار.لم يعد النضال أمرًا سهلاً، والتعقيدات كبيرة مع التغيير الجوهري في طبيعة الصراعات. فالحقائق تتحرك وتتحول ولا تصبح واقعاً، وتواجه تهديدًا حقيقيًا بكافة أشكال العنف في السياسة والاقتصاد والاجتماع ولأمن والتنوع البيولوجي والاحتباس الحراري والأوبئة والتلوث.. هذا غير شكل "الاضطهاد "التقليدي" في الأنظمة التوتاليتارية. وعلى العكس تخضع الناس دون نقاش لتحولات بسبب الرأسمالية والتكنولوجيا والصناعة بخلاف المبادئ والأفكار والفلسفات التنويرية التي وضعت حقائق كبيرة .
الاضطهاد الحالي يكمن في المجتمعات السائلة التي تنهار بسرعة ، وتبتلع معها كل شيء، الروابط، المأساة، المخاوف. وأي تساؤل حول معنى النظام وحرية الفرد وحقوق الإنسان في هيكلية المجتمعات الديمقراطية، يُنظر إليه على أنه سخيف أو مرضي. والمعارض الذي يشكك في كيفية سير العالم، صار يُنظر إليه على أنه مجنون أو أحمق، يمثل اختراعاً لواقع جديد ليس قائماً على أساس ما يُفترض أن يقيم الحياة، أي المال، الإعجابات، السلطة. هذا الانتصار لوظائف تخدم أغراض استهلاكية، أو دعائية، أو سياسية شعبويّة ،هو شكل مختلف تمامًا عن أشكال الاضطهاد في الديكتاتورية السابقة، لأنه لا يوجد خصم مباشر. كان العدو واضحًا، يتألف في الماضي من عسكريين واقطاعيين وقاتلين للسكان الأصليين وذكوريين عنصريين. ولهذا السبب كانت هناك موجة عامة من الحرية وثقافة مضادة نسوية وحركات تحرر"غيفاريّة "، ومن السكان الأصليين.
النضال ضد الديكتاتورية ليس بسيطاً. لكن اليوم، التعقيد كبير أمام الظلم، تدمير الحياة، حيث لا يوجد شيء يجب تحقيقه، ولا شيء لرؤيته، وحيث العزلة تجعل الالتزام محزنًا للغاية في صراع يعتمد على علاقات القوة التي تمر عبر الحياة المهنية، الحساب المصرفي، الهاتف الخليوي، الذكاء الاصطناعي في المنزل. أصبحت النخب السياسية أشبه بشركة واسعة لتوزيع الامتيازات والمكاسب، بدلاً من أن تكون حاملة لرؤية متماسكة للعالم، ومستوى الكوادر السياسية انحدر إلى سياسات منفصلة عن الواقع. ومن يتبع رغبته بالنضال يخاطر دائمًا بحياته قليلاً.هذا سبينوزي إلى حد ما، مما يعطي صورة محزنة للغاية للالتزام بلحظات من المتعة والحب والراحة أمام خطورة اليأس الذي يلتهم المجتمعات. لذلك من الصعب جدًا العثورعلى الرغبة والزخم والطاقة.
التشاؤم لدى الشباب اليوم كبير عندما يكونوا مقتنعًين بأن الأسوأ مؤكد، وأن المؤسسات لم تتكيف مع التطورات المتسارعة، ما يدعو إلى "صدمة في السياسة"، تتضمن تبسيط الإجراءات وتقليل دور الدولة، وإلى إصلاحات مؤسسية مثل الشفافية المالية وإعادة توزيع السلطات .والجميع يسخر من المبادرات التي تحاول إعادة اختراع العالم في شكل من أشكال المثالية. هذا لا يمنع من وضع أهداف ملموسة ، ومن دون تطوير الرغبة في وعود وهمية لتجنب إحباط الفشل. هذه الوهم بالقدرة المطلقة يؤدي إلى خيبة الأمل. فالدولة لا يمكنها ولا يجب عليها فعل كل شيء. والإفراط في سياسة المجتمع مضر، على وهم أن الخلاص الفردي سيأتي من السياسة.
إنه أمر مروع. الناس فقراء، يتم قطع الإعانات للمستشفيات، والمهاجرين والجامعات تتعرض للهجوم، والمظاهرات تُقمع. كل ذلك نتيجة عدم ترتيب المعارك، لأن كل شيء مترابط. ولا يمكن الفصل بين صعود الفكر المتطرف والأزمات السياسية والتمييز وعدم المساواة (لم يحدث هذا دون موافقة أغلبية صامتة) .وغالباً ما يكون لدى السلطات الحاكمة أغلبية يستغلونها لتدمير كل شيء، خاصة عندما يصل القادة المناهضون للديمقراطية إلى السلطة عبر القنوات القانونية مع قلب الخطاب لمن يدافعون عن الديمقراطية. خلال حملتها، تحدثت كامالا هاريس عن ترامب باعتباره خطراً فاشياً. رد الأخير الهجوم، داعياً إلى انتخابه لإنقاذ الديمقراطية. الشيء نفسه حدث في البرازيل: بولسونارو، الذي حاول الانقلاب، حاول أن يضع نفسه في صف المضطهدين، وفكتور أوربان في المجر حاول أن يقيم نظاماً تحت مسمى" الديمقراطية اللاليبرالية". هؤلاء الأشخاص وآخرون مثل الرئيس التركي رجا الطيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يندرجون في هذه الشعبوية التي اتسعت أطرها في العالم. إنهم يستحضرون خيالات الحرب العالمية الثانية. يضربون التمازج والتقاء الشعوب في انفتاح الأقليات الأثنية والدينية والسياسية، بينما يروجون للقمع، ويهرمون تدرجياً بين حياة البشر، وهم يدمرون القوى المضادة والأفكار في استرجاع الأيديولوجيات القديمة. وتأكيداً على موت أبطال التنوير ونهاية عصر الافكار التعددية، يهاجمون الصحافة والقضاء، ويحرمون المواطنين من وسائل العمل الديمقراطي.
لم يعرف العالم كراهية جذريّة كما يعرفها اليوم. كان يُفترض أن يؤدي هذا التحالف بين الطبقتين الحاكمتين، السلطويين والمثقفين إلى تحقيق التوازن في القوة ، وتعزيز مجتمع متناغم. كان يمكن للنخب الطبيعية أن توجه الطبقة العاملة والناشئة بفعالية، وتمنحها النظام والمعنى في آن واحد، وتتقاسم معها الامتيازات والمنافع. هذا لم يحدث،على ما اعتقد عالم الأنثروبولوجيا جورج دوميزيل.
يعيد التاريخ اليوم هذه القسمة السيئة للمنافسة بين النخب. من ناحية، اليمين التجاري، الوطني، الذي يحب أن يقدم نفسه على أنه مناهض للمثقفين، ويتجسد في الولايات المتحدة من قبل دونالد ترامب والجمهوريين. من ناحية أخرى، اليسار المتعلم، الليبرالي، والعالمي عبر المحيط الأطلسي من قبل الديمقراطيين. لكن مؤيدي ترامب يعتمدون أيضًا على مئات الخبراء والجامعيين، الذين تم جمعهم في مراكز فكر قوية. والبرنامج الرأسمالي المفرط الذي يدعمونه في دفاع عنيف عن التسلسلات الهرمية الاجتماعية في التركيز الشديد للسلطة والثروة والضرائب الداعمة للأغنياء، لا يختلف كثيرًا عن البرنامج الذي يتبعه الاقتصاديون الديمقراطيون. والحقيقة أن لهذه النخب المتعددة مصلحة في المبالغة في هذه الاختلافات للتناوب على السلطة، حتى لو كانت خياراتها الأساسية لا تختلف كثيرًا (كيفن بروكس) .
لم تحكم العالم دائمًا النخب. في أعقاب الثورات الاجتماعية في القرن التاسع عشر وصعود الاقتراع العام في القرن العشرين، تمكنت الطبقات الشعبية ومنظماتها النقابية والسياسية من فرض تحول اجتماعي عميق، أحيانًا بالوصول المباشر إلى السلطة (السويديون الاشتراكيون الديمقراطيون من عام 1932 إلى 1976، والعمال البريطانيون في عام 1945، والاشتراكيون والشيوعيون الفرنسيون في عام 1936 و 1945، والديمقراطيون الروزيليتيون في عام 1932)، وبشكل عام من عام 1910 إلى عام 1990، سمحت هذه الجدلية المحركة بوضع تقليل عدم المساواة الاجتماعية في صميم الصراع السياسي.
انهار هذا النظام الطبقي بين عامي 1980-1990 و 2010-2020 في الديمقراطيات الغربية، بدءًا من تعقيد الهيكل الاجتماعي والارتفاع المذهل للصدع الإقليمي، ضرب استقلالية الدول، ومعها الخيارات السياسية للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. وللخروج من الأزمة الحالية والمواجهة الوهمية بين النخب، يجب على اليسار أن يجدد طموحه، وأن يجمع الطبقات الشعبية من جميع الأقاليم، مع الاعتراف بأن النخب تتحد ضدها.هذه هي الطريقة الوحيدة لاستعادة إمكانية التناوب الحقيقي ومواجهة تفكك الديمقراطية.