شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

حروب شرق أوسطيّة بلا نهاية

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم يقظان التقي
نُشر يونيو 15, 2026 - 17:30

يغرق الشرق الأوسط في حروب واضطرابات مرشحة للتفاقم، وأكثر شراً من أي وقت مضى. وهذا سبب كافٍ لاجتراح حلول ليخرج  العالم من مأزقه، دبلوماسياً، وأن يتصرف بحسٍ سليم  غير غريزي، أوإثبات حدود للقوة العسكرية. أو مزيج من هذه العوامل بالحد من  تحدي القوانين والتهور في قوانين الحرب، وما يقع الآن في قبضة "قانون سلطة آلة القتل". قد تحقق  الحروب والاغتيالات والضربات أهدافاً عسكرية، لكنها في كثير من الأحيان مادة إعلانية أكثر، تولد أثاراً سياسية معاكسة، والأنظمة الأيديولوجية والقومية في المنطقة، نادراً ما تنهار تحت الضغط الخارجي وحده، بل تميل إلى إعادة انتاج تماسكها عبر استدعاء سردية التهديد والحصار والصدّ لكل جديد. والاغتيالات أكثر من اللازم ليست تكنولوجيا فقط، بل عمليات سياسية غير مستقلة عن العلاقة بالبشر والشعوب والتاريخ  لا تحرر المنطقة من معتقداتها بالضرورة. وتشير السياقات التاريخية إلى أن سقوط الأنظمة الشمولية لا يحدث عادة بفعل الضربات الخارجية المباشرة. ذلك، أن تفكيك البيئة أعمق وغالباً ما يساء تقديره. وما يبدأ حدثاً إخبارياً دقيقاً، يتطور إلى تصعيد وعدم استقرار وتحالفات هويّة أكثر قوة من ذي قبل.

قد تنتج الضربات نجاحاً تكتيكاً، ولكنها مشكلة استراتيجية حين تثير قومية وعنفاً دموياً أكبر، حين يؤدي قتل زعيم مثل المرشد الأعلى علي خامنئي إلى لحظة تحول بالنسبة للشرق الأوسط وأيضاً للإسلاموية العالمية بعد أربعة عقود من السلطة المطلقة والثيوقراطية الفائقة العسكرة من قبل الحرس الثوري، وإلى العنف الاجتماعي والفوضى والضغط في بلد مثل إيران، مجهز لتلقي الصدمات والمراقبة وإدارة المخاطر.

لقد غامرت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في عملية" قطع الرأس" للرجل البالغ من العمر 86 عاماً. وغير القتل، يظهر التاريخ خطر هذا النهج حين يفشل في الرهان على تعبئة المجتمع المدني والتغيير الاجتماعي داخل الأنظمة المغلقة. يمكن للقصف أن يقتل أو يشلّ قادة العدو ويضغط الحروب في أيام، أو أكثر من حرب واحدة تفترض أن" قطع الرأس" يزيل القمة، وينهار الهيكل،(كان سقوط نظام  فرانشيسكو فرانكو بوفاته،  فيما فاة جوزيف ستالين أو ماو تسي تونغ لم تنه المنظومات التي بنوها فوراً).

هذا هو فخ آلة الحرب اليوم، تقتل الإنسان ، وتضغط الصراع بدلاً من تخفيفه، تضعف النظام، لكن لا تسقطه نهائيا في مجتمعات أكثر عقائدية، وإنقلابية أكثر في طابعها الداخلي في الشرق الأوسط وأفريقيا،  ويتحول الصراع مع الخارج عن طبيعته عبر دمج الهوية بالاستشهاد ( حماس ، حزب الله ، الحوثيين وقادة إيران ). ويصبح التصعيد أوسع من الناحية السياسية.  فتتسع دائرة الثأر والانتقام التي تقوم على بنية مؤسسية وأيديولوجية مركبة تمزج بين الدين والسياسة بالمجتمع. ويتحول القتل الخارجي في هذه البنى إلى عامل تعبئة داخلية ، وقد تعزّز الإطار السياسي بدل التوجيه العميق لإنهاء النظام.  ويتحوّل الصراع إلى دورة  عنف شبه دائمة، تتعزز معها قدرات التحصين والتكيف والتكرار مع تلاشي الرهان على تحولات داخلية تفترض شروطاً سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة. وهكذا تصبح المفاوضات الدبلوماسية طويلة وأقل جدوى،  والحرب الموسعة حتمية. هذا بعد أن أعتقد الإيرانيون أنهم سيستثمرون في كسب الوقت من خلال مضاعفة الحجج للصمود وعلى حساب حياة الإيرانيين ورفاهيتهم. ومن جانبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبالغ في قدرته على تحميل الرسائل، ومن طموحاته الممتدة  في  قاعة الاحتفالات، قوس النصر، مركز كينيدي ، إلى القضايا السياسية الأكثر جدية - التضخم، الإصلاحات التي تعثرت أمام المحاكم، استياء الرأي العام قبل أشهر من الانتخابات التشريعية ،وحتى موازين القوى الدولية ، حربه ضد إيران ، إلى دبلوماسيته تجاه روسيا والصين ، ولا شيء يسير كما يريد  لثني ما تبقى من  نظام المرشد على الطاعة. فيما تواصل إسرائيل استغلال الفرصة التي تنتظرها في حربها التوسعيّة بلانهاية.

عادت أميركا إلى وضع مشابه لما كانت عليه 2003. مرة أخرى يشن رئيس جمهوري حرباً لتغيير النظام، ومرة أخرى الهدف هو ديكتاتورية ما  في معادلة أميركية للسيطرة. لكنها معادلة تقتل الناس في قوارب صيد في البحر الكاريبي دون دليل أو إجراءات قانونية، تأسر وتعزل الرئيس الفينزويلي، وتهدد كوبا والمكسيك. تغتال المرشد الأعلى  الإيراني مع الملاحظات الكبيرة على أدائه في سحق الاحتجاجات الجماهيرية. ولم ينس العالم كيف وصف جورج  دبليو بوش غزو العراق ب" عملية حرية العراق". ويتذكر كثيرون تصوراته الكبرى لتصدير الديمقراطية إلى افغانستان.

والمفارقة أن دونالد ترامب الذي انتخبه جمهور" أميركا أولاً " في خط انعزال صارم في حملتيه الناجحتين في عام 2016و2024، يضاعف التدخلات الخارجية والعودة الى حرب في افتراضات حول برنامج نووي إيراني - كان على وشك أن يكون خطيراً. لكن يتحول النجاح التكتيكي إلى جعل "جيمس بوند" أكثر تكنولوجية في بعد التدخل في فنزويلا.

 إن التحول المرحلي الذي يمكن أن تحدثه القوى الكبرى العسكرية بقتل الزعماء الأجانب بدقة ليس تكنولوجياً بل سياسياً. قد لا يحسم الأمور/ أو يزيل السلطة ببساطة، بل يعيد توزيعها، ويتحول إلى مشكلة،(محاولة قتل معمر القذافي عام 1986، أو صدام حسين في التسعينات، أو جوهر دوداييف، زعيم الحركة الانفصالية الشيشانية). فتتكون خيارات تصعيد تتجاوز العتبة الى شيئ آخر. لم يفتت مقتل حسن نصرالله  المقاومة كلياً ، ولا دوداييف، ولا القادة التاريخيين في حركتي فتح  وحماس، لقد فجرها على نحو أكثر عنفاً ودماراً. وتتحول الأمور نحو قيادة أقل تقيداً بالدبلوماسبية، وأكثر استعداداً للتصعيد والعنف، وتشتد الكثافة العاطفية، وكل ذلك لا يحقق السيطرة المطلقة ويفسدها.

كانت افغانستان ثيوقراطية تحت سيطرة طالبان، وقررت أميركا إخضاعها وجرّها إلى العصر الحديث، وحيث يمكن للفتيات الذهاب الى المدارس والنمو للحصول على الوظائف والترشح للمناصب وارتداء ما يردنّ مع حقوق متساوية. وما الذي حدث؟ الاستنتاج ، بأن الحرب لا تنجح في جعل بلد ديمقراطياً، البلاد بمواطنيها وحدهم  يمكن أن تفعل ذلك. ومن المرجح أن السلطة هي الأهم عند ترامب، وسيعقد صفقات مع من يمثلها، سواء كانوا  رجال دين ، أو اشتراكيين في فنزويلا ، أو شيوعيين في "هافانا" ، أو حكاماً مستبدين في إيران. ويكاد أن يكون متورطاً في البحث عن حلفاء  ليس لهم وزن، كما الحال مع ديليس رودريغيز في فنزويلا.    

ليست ايران العراق 2003 ، وتبدو قادرة على الانتقام غير المتماثل في الرد على  الضربات الموجعة الأميركية – الإسرائيلية ، وتلك الهجمات التي نفذتها على دول الخليج العربي وغير المبررة. إن ذلك، قد يؤدي أيضاً الى تناقض العوائد، وهذه الحرب يمكن أن تكون أكثر قتامة وحرب استنزاف طويلة لدول المنطقة ، وقد بدأ العالم في الـتأقلم والتكيف مع آثارها الاقتصادية، بدل التركيز السياسي الذي أراد الغرب توجيهه نحو آسيا.

تعادل المخاطر نصف الحسابات عادة، من دون تقييم كافٍ لحجم الأضرار بشأن نتائجها. لا شك أن " الكيديّة الفارسيّة " أحدثت أضراراً كبرى في حياة الإيرانيين وشعوب المنطقة على مدى نصف قرنٍ، وتسببت بالعودة إ لى الوراء وعدم الاهتمام الظاهر بحاجات الناس في بناء المستقبل. والأخطاء الاستراتيجية هي في الشر الذي لم يعد يستجيب له أحد في ضرب منطقة خليجية كانت تحاول أن تنجز حداثتها. والتحدي الأكبر تجنب الأسوأ في حروب كثيرة لا يعرف العالم كيف يقفلها.

 

 

      

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل