شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

ذرائع "الحزب" في تبرير تجنيد الأطفال

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر يونيو 17, 2026 - 13:08

عندما يُسأل حزب الله، او الدائرين في فلكه تجنيدهم للأطفال، تكون الاجابة: أن تجنيد الاطفال، ( المفهوم المحدد ب 18 عاماً بحسب التعريف القانوني الحالي للطفولة من قبل اليونيسيف)، بأنهم يريدون ذلك، أو انهم ناضجون كفاية، أو أنه أمر طبيعي ويتماشى مع ممارسات جميع الثورات في التاريخ، وتكر سلسلة تعدادها بما يعود بنا قرونا الى الوراء.

وهنا نقع في مغالطات لا تحصى:

بداية أن تقسيم الأعمار لا يخضع لمفوم ثابت، بل هو متغير عبر العصور. وهنا من المفيد مراجعة عمل آرييس الموسوعي عن الطفولة خصوصاً، ومدرسة حوليات عموماً، فالطفولة لم تكن موجودة كمفهوم في العصور الوسطى، والطفل كان يُعامل كراشد صغير، إذ لم يكن هناك فصل واضح بين عالم الأطفال وعالم الكبار، لا لجهة التربية ولا الملابس ولا الألعاب، وكان الاندماج المبكر في عالم الكبار هو القاعدة، وفي هذا العالم كان تجنيدهم في الحروب "مقبولاً".

لكن مع مرور الزمن تغيرت المعايير والمفاهيم، وهذا يعني ان ما كان يعتبر "طبيعياً" في زمن ما، قد يصبح مرفوضاً أخلاقياً وقانونياً في زمن آخر.

فنحن نعلم أن عمل الأطفال كان شائعاً في زمن الثورة الصناعية، وهو موجود الأن في البلدان الفقيرة المعدمة. مع ذلك تم الاعتراف الدولي بحقوق الطفولة وحاجتها للحماية والعناية على جميع الصعد: التربوية والصحية والنفسية، كي نساعد الأطفال على النمو والتفتح بشكل سليم.

أي ان التاريخ نفسه يثبت أن المجتمعات تتخلى عن ممارسات كانت تعتبرها "طبيعية" في مرحلة ما.

من هنا جاء الحسم القانوني من قبل اليونيسيف عبر "شرعة حقوق الطفل"،أن كل انسان دون الثامنة عشرة هو طفل. وهذا ليس رأياً ثقافياً خاضعاً للتأويل، بل معيار دولي وقاعدة تنظيمية دولية تفرض الالتزام القانوني، وأساساً لسياسات الدول والمنظمات.

أما عن حجة الثورات ففيها أيضاً مغالطات: بالطبع استخدمت الثورات الأطفال، لكن كان عمل الأطفال مقبولاً أيضاً،غياب التعليم كان اعتيادياً، كما كانت العبودية مشرّعة، وحرمان النساء من الحقوق كان موجوداً وكان شائعاً، وأيضاً العنف الممنهج. فهل كل ذلك يجعلها مقبولة اليوم؟ بالطبع لا.

أما المغالطة الأخرى التي يقعون فيها، فهي قياس الحاضر بمعايير الماضي (وهذا ما يمارسونه على جميع الصعد)، بينما هم يستخدمون أحدث منتجات التكنولوجيا الحديثة من طائرات مسيّرة وإعلام رقمي وهواتف ذكية (تسببت بتسهيل عملية البايجرز المعروفة النتائج).

وهنا لا يمكنهم استخدام تكنولوجيا القرن 21 وتبرير الممارسات الاجتماعية بمعايير القرون الوسطى!!

انهم يقومون بإعادة تعريف الطفولة، بعد تفريغ كلمة "طفولة" من معناها المعاصر، واستبدالها بتعريف مرن: "واعي" او "مستعد" أو "ناضج"، لخدمة سياساتهم التي يأتمرون بها من ربة عملهم إيران.

يفككون تعريف الطفولة، لإعادة بنائها حسب حاجاتهم. يحولون الطفل من "موضوع حماية" إلى "أداة صراع" ، وفي هذا تعارض ومخالفة مباشرة مع : علم النفس التنموي، القانون الدولي، ومنظومة الأخلاق الحديثة .

لذلك، فإن الاستناد إلى ممارسات تاريخية لتبرير تجنيد الأطفال اليوم هو تجاهل لتطور القيم والمعايير الإنسانية، تماماً كما لا يمكن تبرير العبودية أو عمل الأطفال أو اضطهاد النساء، بحجة أنها كانت شائعة في الماضي. إن وجود الشيء في الماضي لا يعطيه الشرعية اليوم؛ وإلا كنا سنقبل بالعبودية وبحرمان النساء من حقوقهن.

المشكلة ليست في التاريخ، بل في محاولة استخدامه لتبرير ما لم يعد مقبولاً في الحاضر.

إن كل ما يقومون به لا يعد "أصالة" بل انتقائية نفعية، وإسقاط قواعد على واقع تحكمه قواعد اخرى، بمعنى أنهم يخلطون أطراً معيارية مختلفة بشكل عشوائي ولكنه ممنهج.

لا يمكن العيش بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين وتبرير السلوك بمعايير القرون الوسطى، وإذا كان المفهوم قد تطوّر، فلا يمكن الرجوع إلى مراحل سابقة لتبرير ممارسات اليوم.

ان ما يحدث فعلاً نزع صفة "القاصر" عن الطفل، وتحويله إلى "مقاتل صغير"، بحجة انه "واعٍ" بما يكفي لما يقوم به. وهذا ما يسقط عنه الحماية التي يتمتع بها قانونياً.

ان هذا الطرف نفسه، يستند الى القانون الدولي عندما يخدمه، ويتجاهله عندما لا يخدمه. يستندون إلى القانون الدولي عندما يتحدثون عن: حقوق الشعوب ، العدوان ،السيادة....

هذا ليس موقفاً مبدئياً بل استخدام أداتي للمعايير، يمكننا تسميتها بوضوع: انتقائية معيارية أو ازدواجية مرجعية نفعية، عبر التلاعب بالمفاهيم.

القضية ليست ماذا كان يحدث في الماضي، بل أي معايير نعتمد اليوم، وهل نطبّقها بشكل متّسق أم نستخدمها انتقائياً حسب المصلحة؟ فتُعتمد حين تخدم الموقف، وتُستبعد حين لا تخدمه، مع إعادة تعريف المفاهيم الأساسية وفق الحاجة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل