
قراءة في رهانات مطار القليعات


في بلد يعاني من انهيار اقتصادي غير مسبوق، وأزمة مالية مستمرة، وبنية تحتية متآكلة، تبدو إعادة إحياء مطار القليعات في شمال لبنان خطوة تحمل كثيراً من الطموح. لكن بعيداً عن الحماسة السياسية والإعلامية التي رافقت المشروع، يبرز سؤال أكثر أهمية: هل يمثل القليعات بالفعل الخيار الأكثر جدوى للبنان، أم أن النقاش الحقيقي حول المطار الثاني في البلاد لم يُفتح بعد؟
لا يتعلق الأمر بمعارضة المشروع بحد ذاته. فوجود مطار ثانٍ في لبنان لم يعد ترفاً، بل أصبح حاجة وطنية وأمنية واقتصادية. تجربة السنوات الأخيرة أظهرت مدى هشاشة اعتماد البلاد على مطار واحد فقط، سواء في ظل الحروب أو الأزمات الأمنية أو حتى الضغوط التشغيلية المتزايدة على مطار بيروت. ولذلك فإن المبدأ يكاد يكون محل إجماع. لكن الخلاف يبدأ عند سؤال آخر: لماذا القليعات؟ ولماذا الآن؟
من الناحية الجغرافية، يتمتع مطار القليعات بمزايا لا يمكن إنكارها. فهو يمتلك مدرجاً قائماً، ويقع في منطقة تحتاج بشدة إلى مشاريع تنموية، كما أنه قريب نسبياً من الساحل والشبكات البرية الرئيسية. لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتحديد الأولويات الوطنية.
فعندما يُطرح مشروع بهذا الحجم في دولة تعاني من محدودية الموارد، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت دراسات الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية قد قارنت فعلاً بين القليعات وخيارات أخرى مطروحة منذ سنوات، وعلى رأسها مطار رياق في البقاع.
أنصار رياق يجادلون بأن الموقع البقاعي يمنح لبنان منفذاً جوياً في عمق البلاد بعيداً عن الساحل والحدود الشمالية، وأنه أكثر قرباً من الامتداد الطبيعي نحو الداخل العربي. كما أن البقاع يشكل عقدة جغرافية تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب، ما قد يمنح أي مطار هناك بعداً وطنياً يتجاوز البعد المناطقي.
في المقابل، يرى مؤيدو القليعات أن لبنان لا يحتاج فقط إلى مطار إضافي، بل إلى مشروع تنموي يعيد الحياة إلى منطقة عانت لعقود من التهميش. وهنا يتحول النقاش من سؤال اقتصادي إلى سؤال سياسي: هل الهدف من المطار خدمة النقل الجوي أم تحقيق توازن إنمائي بين المناطق؟
المشكلة أن الدولة اللبنانية لم تقدم حتى الآن رؤية واضحة تجيب عن هذا السؤال. فالمطارات ليست مجرد مدارج للطائرات، بل مكونات ضمن استراتيجية وطنية للنقل والاقتصاد والاستثمار. وعندما تنجح دول العالم في إنشاء مطارات جديدة، فإنها تفعل ذلك ضمن شبكة متكاملة تشمل المرافئ والطرق السريعة والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية وخطط التنمية الإقليمية.
أما في لبنان، فيبدو النقاش أحياناً وكأنه يدور حول المطار بمعزل عن كل ما يحيط به.
والأهم من ذلك أن توقيت المشروع يثير بدوره أسئلة مشروعة. فلبنان اليوم لا يواجه فقط أزمة نقل أو ازدحاماً في مطار بيروت، بل يواجه أزمة مالية وهيكلية عميقة. الدين العام مرتفع، والاستثمارات الأجنبية محدودة، والإصلاحات الاقتصادية الكبرى ما زالت متعثرة. وفي ظل هذه الظروف، يصبح السؤال ليس فقط ما إذا كان لبنان يحتاج إلى مطار ثانٍ، بل ما إذا كان هذا المشروع يمثل الأولوية الأكثر إلحاحاً مقارنة بملفات الكهرباء والمياه والنقل العام وإعادة الإعمار.
هذا لا يعني أن المشروع غير ضروري. بل على العكس، قد يكون من أكثر المشاريع الاستراتيجية التي يحتاجها لبنان خلال العقد المقبل. لكن نجاحه لن يتحدد بقرار إعادة التشغيل، بل بقدرته على الاندماج ضمن رؤية اقتصادية شاملة.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فلبنان يمتلك تاريخاً طويلاً من المشاريع التي وُلدت كرموز سياسية أكثر منها أدوات اقتصادية. وغالباً ما كانت المنافسة بين المناطق والطوائف والقوى السياسية تتقدم على النقاش التقني والاقتصادي البحت. لذلك يصبح من الضروري اليوم أن يُطرح السؤال بصراحة: هل وقع الاختيار على القليعات لأنه الخيار الأفضل للبنان، أم لأنه الخيار الأكثر توافقاً مع التوازنات السياسية القائمة؟
قد يكون القليعات بالفعل المشروع الصحيح. وقد يكون رياق أو أي موقع آخر أكثر جدوى على المدى الطويل. لكن المشكلة الحقيقية ليست في اسم الموقع بقدر ما هي في غياب النقاش الوطني الجدي حول معايير الاختيار نفسها.
فالدول لا تبني مطاراتها على أساس الجغرافيا السياسية فقط، ولا على أساس الإنماء المتوازن وحده، ولا وفق اعتبارات أمنية منفردة. بل على أساس رؤية متكاملة تحدد أين سيكون لبنان اقتصادياً بعد عشرين أو ثلاثين عاماً.
لهذا السبب، فإن النقاش حول القليعات يجب ألا يقتصر على عدد الرحلات أو حجم الاستثمارات أو الوظائف المتوقعة. إنه في جوهره نقاش حول طريقة اتخاذ القرار في لبنان. هل ما زالت المشاريع الكبرى تُبنى وفق منطق التوازنات والمحاصصات، أم أن البلاد بدأت أخيراً تعتمد منطق التخطيط الاستراتيجي.