شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

منطق الانتصار وبيع الاوهام الايديولوجية

صورة للأخبار
تم تركيب لافتات دعائية تحمل صور خامنئي الأب والابن على طول طريق المطار في بيروت، كُتب عليها: «شكراً لإيران الوفية». (أ ف ب)
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر يونيو 22, 2026 - 16:37

علّق مواطن جنوبي على عودة النازحين الى الجنوب بالتالي:

" إن عدتم… عودوا بصمتٍ يليق بما حدث، لا بضجيجٍ يطعن ما تبقّى من الحياة.

لا ترفعوا شارات النصر فوق أرضٍ لم تجفّ دموعها بعد، ولا تلوّحوا بالرايات حيث ما زال الغُبار يحجب ملامح الوجوه التي لم تُنتشل من تحت الركام.

عودوا… ولكن اخلعوا عن أكتافكم غرور الشعارات، فهنا ليست منصّات للاحتفال، بل قبورٌ مفتوحة..."

إذا تتبعت تصريحات نعيم قاسم، الذي يطل علينا اكثر من مرة في الاسبوع، فهو قد انتصر وتغلب على اسرائيل وحرر لبنان؛ لذا يحق له أن يتهم رئيسي الجمهورية والحكومة بالخيانة والعمالة ويطالب بإسقاط الحكومة التي يمتنع عن إقالة ممثليه منها. في وقت وصلت اسرائيل فيه الى مشارف النبطية وتقصف قرى الزهراني وتحاول احتلال اهم تلة مشرفة - علي الطاهر، هذا والقتلى أكثر من ٤ ٱلاف والجرحى ١١ الف والبيوت المهدمة والقرى الممحية عن وجه الارض.. كل ذلك ليس سوى انتصارات الهية.

وعندما يتحدث المسؤولون اللبنانيين مع الأميركيين، هم خونة، ولكنهم يفتخرون عندما يعلن ترامب أنه التقى بحزب الله. وعندما يبرم لبنان اتفاق وقف نار يستنكرون على الدولة ولا يعترفون به، ويقبلون بوقف إطلاق نار ايراني..

ماذا يمكن ان نسمي هكذا عقل ومنطق أو بالأحرى "اللاعقل واللامنطق"؟

إنه تجسيد لفصل الواقع الميداني عن الخطاب التعبوي.

حين يقول نعيم قاسم إن "الانتصار تحقق"، فهو ليس قياساً بالمعايير التي يستخدمها الناس عادة أمام: خسائر بشرية، دمار، سيطرة على الأرض. بل قياس ضمن منطق مختلف، يتلخص بالتالي:

أولاً: إعادة تعريف الانتصار، الذي لا يعني هزيمة العدو عسكرياً أو حماية الأرض والسكان، بل يعني "صمود" الحزب وعدم انهياره الكامل. والقدرة على الاستمرار بالقتال والرد، ولو بشكل متقطع وغير فعال.

بهذا التعريف، يمكن تحويل أي نتيجة تقريباً إلى "انتصار"، حتى في ظل خسائر فادحة.

أيضاً: نقل المعركة من الواقع إلى السردية. فعندما تصبح الوقائع صعبة على الاحتمال (دمار، قتلى، تراجع ميداني)، يتم تعويضها بسردية إعلامية قوية: تضخيم الإنجازات الرمزية، وتجاهل أو تبرير اية خسائر، وشيطنة وتخوين أي صوت داخلي معترض.

وهنا يصبح من يعارض هذه السردية "خائناً"، لأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، انها معركة على الرواية.

ثم ينتقل الى منطق "احتكار الوطنية"، فيتهم الدولة أو المسؤولين بالخيانة (رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة). يدخلنا ضمن منطق يعتبر أن: الشرعية ليست للدولة، بل "للمقاومة".، وأي تفاوض مع الخارج (خصوصاً مع أميركا) هو خيانة، بينما التواصل نفسه يصبح مقبولاً إذا تم عبر قنواتهم أو يخدم خطابهم، على ما سبق ان مارسوه مرات عدة.

كيف نفسّر هذا المنطق؟

يمكن تفسيره بعدة مفاهيم معروفة في العلوم السياسية والاجتماع:

ازدواجية المعايير، والتفكير الإيديولوجي المغلق: حيث تُرفض الوقائع إذا خالفت العقيدة. كما انها بروباغندا التعبئة التي تهدف الحفاظ على الالتفاف الشعبي حولها، وعلى رأس كل هذا: إنكار الواقع كلما اشتدّت الأزمات. والأدقّ انه "منطق تعبوي غير قابل للمحاسبة"، لأنه لا يسمح بقياس النتائج ولا بمساءلة القرار. جميعها مقدسة وإلهية.

الخطر الحقيقي لهذه السياسة المفروضة، لا تقتصر على التناقض، بل على نتائجها الكارثية:

تعطيل الدولة ومؤسساتها

ضرب مفهوم الحقيقة نفسها (كل شيء يصبح قابلاً للتأويل)

تحويل المجتمع إلى معسكرين: "مؤمن" و"خائن" . وهذا بالضبط ما يجعل أي نقاش عقلاني شبه مستحيل.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالدعاية او بالتناقض، المشكلة في أدوات التفكير نفسها.

لقد أصبحت أدوات التفكير هذه أوثاناً تُعبد. وكان بول فاليري يحذر من أن يتحول الانسان من مستخدم لأدوات التفكير الى خادم لها.

فنحن أمام: مفاهيم قديمة (انتصار\ هزيمة، مقاومة \ خيانة) يعاد استعمالها، وصيغ جاهزة للتفسير لا يحيدون عنها، وقوالب لغوية ثابتة.

هذه كلها تتحول من أدوات إلى مرجعيات مقدسة. لكنهم لا يرون أنها قديمة.

هنا يتخطى سؤالنا: هل هذا التحليل صحيح؟ ويصبح: هل انه ينتمي إلى القاموس المقبول داخل الجماعة؟

ثانياً: العقل "الماضوي"، ليس جهلاً، بل بنية. انه عقل ماضوي يلائم نفسه مع الحاضر. فهو ليس خارج الحاضر، بل يعيش فيه، لكن بأدوات من زمن آخر.

كيف يعمل هذا العقل؟ يقوم "بإسقاط الماضي على الحاضر"، كل حدث يُفهم كأنه تكرار لمعركة سابقة، وامتداد لسردية قديمة (مقاومة/تحرير/مؤامرة) . في تجاهل تام إلى أن "الشروط نفسها تغيرت"، وأن ميزان القوى تغيّر، وأن طبيعة الحرب تغيّرت، وأن المجتمع نفسه تغيّر. مع ذلك بقيت الأداة نفسها ولم تتغير.

لإنهم يحمون الهوية عبر الجمود. فأي تغيير ينظر اليها كتهديد وجودي، وليس كضرورة.

يمكن ان تساعدنا مفاهيم دوركهايم على فهم هذا المنطق رغم تناقضاته، هو يتحدث عن "الوقائع الاجتماعية" التي تفرض نفسها على الفرد. فالرأي في هذه الحالة، ليس رأياً فردياً بل هو الخطاب الجماعي، و "الحقيقة جماعية المفروضة". يصبح الفرد عاجزاً عن رؤية التناقض، او هو لا يستطيع كسره حتى إن رآه؛ فكسره يعني الخروج عن الجماعة.

قد نجد تفسيراً لهذا السلوك في نظرة كلود ليفي ستراوش إلى كيفية عمل العقل البشري وفقاً للبنى "structures". وغالباً عبر الثنائيات: نصر / هزيمة، خيانة / مقاومة، نحن / هم.

وهكذا لا يعود الواقع مهماً، بل المهم هو إدخاله في هذه الثنائية.

لذلك يحدث ما نراه يومياً: الهزيمة الميدانية تُعاد صياغتها كنصر، وتفاوض الدولة هو خيانة، أما تفاوض "المقاومة" فهو تكتيك ومشروع. وهذا ليس لأنهم لا يرون، بل لأن بنيتهم العقلية لا تسمح لهم برؤية أخرى.

يعدّ ذلك أخطر من مجرد غياب منطق أو لاعقل، إنه عقل يعمل داخل نظام مغلق. لا يمكننا تصحيحه بالوقائع ولا بالحجج ولا حتى بالخسائر. كل معلومة جديدة يتم "هضمها" داخل البنية القديمة.

هو نظام إدراك كامل يعيش على أدوات ميتة… لكنه يعيد إحيائها كل يوم.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل