شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي: السلطة تستعيد زمام الامور...

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ميشال توما
نُشر يونيو 28, 2026 - 00:48

إن العمل الدبلوماسي الذي جرى في 26 حزيران، في واشنطن، يعكس بحد ذاته، وبصورة لا لبس فيها، ومهما كانت تطورات الأحداث لاحقًا، قدرًا كبيرًا من الشجاعة السياسية، من الجانب اللبناني. فمضمون الاتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في ختام خمس جولات وشهرين من المفاوضات المباشرة التي جرت في واشنطن، بإشراف وزير الخارجية ماركو روبيو، يكتسب طابعًا تاريخيًا بكل ما للكلمة من معنى. فبنود هذا الوثيقة تشكّل فعلًا «نقطة تحول» في مسار الأزمة الوجودية العميقة التي ما زالت، منذ عقود، تنخر أسس البلد ونظامه السياسي واستقراره وازدهاره.

ومن الحيوي، منذ البداية، التحلي بالتمييز والوضوح. فليس الهدف من اتفاق 26 حزيران أن يعالج بسرعة، في غضون أيام أو أسابيع قليلة، النزاع الثقيل الذي يواجهه اللبنانيون، ولا سيما سكان الجنوب. إن أهميته تكمن في بعده الجيوسياسي، بمعنى أنه يحدد بوضوح شديد خريطة طريق، ومسارًا سيكون، بلا شك، طويلًا وصعبًا ومتعرجًا، لكنه يمتاز بأنه يضع لبنان، أخيرًا، على الطريق الصحيح: طريق استعادة سيادة الدولة، وطريق إنهاء سياسة الأمر الواقع التي فرضتها دويلات الميليشيات بحكم الأمر الواقع، والتي ما انفكت، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، تقوّض سلطة الدولة المركزية.

AFP__20260626__B8GX3CV__v1__MidRes__LebanonIsraelUsHezbollahProtest

حرص حزب الله على إظهار اعتراضه بعد توقيع الاتفاق الإطار، لكن ردّه اقتصر على بعض التظاهرات وعلى قطع وجيز للطريق القديمة المؤدية إلى المطار. (AFP)

إن البعد الجيوسياسي لوثيقة 26 حزيران يكمن في غايتها: فمن جهة، تطبيق مبدأ احتكار العنف المشروع، أي حصر السلاح بيد السلطة الشرعية؛ ومن جهة أخرى، في نهاية المطاف، وهذا هو الأساس، تحقيق سلام دائم مع إسرائيل، وإقامة علاقات حسن جوار بين البلدين.

مسلمات جوزيف عون

لقد لخص الرئيس جوزيف عون الوضع جيدًا في هذا الإطار عندما طرح أربع مسلمات تحدد بوضوح التوجه الذي يعتمده العهد: لا للاحتلال؛ لا للتدخلات الخارجية؛ لا للوصاية؛ والقرار يجب أن يعود، من الآن فصاعدًا، حصرًا إلى الدولة وإلى اللبنانيين.

ولا بد من الاعتراف بأن هذه العناوين تبدو، في ظاهرها، من البديهيات، وليست هذه الوثيقة الرسمية الأولى التي تحدد خيارات من هذا النوع. هذا صحيح… لكن الفارق هذه المرة أن المسار المرسوم يأتي في ظل ميزان قوى محلي وإقليمي ودولي مؤاتٍ إلى حد بعيد.

فللمرة الأولى منذ ثمانينيات القرن الماضي، يستفيد البلد من تحرك متضافر ومتزامن لرئيس جمهورية، ورئيس حكومة، وحكومة بكاملها، حددوا منذ البداية توجهات سيادية لا تحتمل أي التباس. أما الخطوة الأخيرة، ذات الرمزية العالية، والمتمثلة في استبدال اللوحات المنتشرة على طريق المطار والتي كانت تحمل عبارة «شكرًا لإيران»، بلوحات أخرى بالألوان اللبنانية وتحت شعار «لبنان أولًا»، فليست تفصيلًا عابرًا.

فهذه الخطوة الرمزية تجسد، بصورة مبسطة ومكثفة، البديلين اللذين كان لبنان يقف أمامهما اليوم: إما القبول بالأمر الواقع المتمثل في انخراط إيران المباشر، ميدانيًا، في جهود التسوية في جنوب لبنان، كما كان قد تم الاتفاق عليه خلال المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا، برعاية نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس؛ وإما التمسك بالإرادة الحازمة للسلطة في استعادة زمام المبادرة والانخراط في مسار واشنطن، الذي يتيح للبنان أن يقرر وحده، بعيدًا من أي وصاية، الخيارات الكفيلة بالوصول إلى الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح حزب الله، واستعادة السيادة.

وقد اختارت السلطة بوضوح الطريق الثانية، التي تعني عمليًا إبقاء إيران خارج مسار الحل، خلافًا للخيار الذي تم التوافق عليه خلال مفاوضات سويسرا، والذي كان يضع، بإشراف السيد فانس، الحرس الثوري الإيراني في صلب الدينامية الجارية. وهذا ما يفسر الرد العنيف للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الذي ندّد، في خطاب ألقاه السبت، بالاتفاق الموقّع مع إسرائيل، مشددًا ـ في مؤشر دال ـ على أن حزبه، وبالتالي راعيه، يؤيد الاتفاق الإطار الإيراني ـ الأميركي… وسرعان ما يُنسى «الشيطان الأكبر» وشعار «الموت لأميركا»…

ظرف مؤاتٍ

على المستويين الإقليمي والدولي، يأتي المسار الذي وُضع على السكة في واشنطن، من دون أدنى شك، في وقت يخرج فيه المعسكر الإيراني المزعزع للاستقرار، أو ما يسمى بالمعسكر «المعرقل»، ضعيفًا إلى حد كبير بفعل تطورات السنوات الثلاث الأخيرة. وعند النظر إلى المشهد من زاوية أوسع، واعتماد رؤية شاملة للسياق الجيوسياسي الراهن، لا بد من الإقرار بأن نظام الملالي، الذي يشكل حجر الزاوية والمحرك الأساسي لسياسة التخريب المناهضة للغرب، فقد منذ عام 2023 العديد من أوراقه الاستراتيجية: تصفية القيادة السياسية والعسكرية العليا لحزب الله؛ سقوط نظام الأسد؛ تصفية القيادة السياسية والأمنية للجمهورية الإسلامية؛ الخسائر العسكرية والاقتصادية واللوجستية الهائلة التي تكبدتها طهران نتيجة حربَي حزيران 2025 وآذار ـ نيسان 2026، والتي فاقمت، فوق ذلك، أزمة اجتماعية واقتصادية ومالية عميقة وغير مسبوقة؛ والضعف العام الذي أصاب الوكلاء الإيرانيين في لبنان والعراق وغزة واليمن…

إن مجمل هذه العوامل يخلق، بلا شك، ظرفًا مؤاتيًا لتجسيد الاتفاق الإطار في 26 حزيران، خصوصًا أن الخيار الاستراتيجي الذي اتخذته السلطة اللبنانية في هذا المجال حظي بدعم واضح من دول مجلس التعاون الخليجي، كما يتبين من البيان المشترك الذي صدر الخميس الماضي عن المؤتمر الوزاري لمجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية ماركو روبيو.

وقد صدر هذا البيان عشية توقيع الاتفاق الإطار، مؤيدًا بوضوح توجهات لبنان المتعلقة باستعادة سيادة الدولة، وحصر السلاح بيدها، وتفكيك الجهاز العسكري والأمني لحزب الله… وإلى هذا الدعم الخليجي، أضيف هذا السبت دعم واضح من الاتحاد الأوروبي لتوجهات الدولة اللبنانية. أما مسك الختام، فكان اتصال الرئيس ترامب، في ساعة متأخرة من مساء السبت، بالرئيس عون، حيث هنأه بحرارة على توقيع اتفاق 26 حزيران، موضحًا أنهما سيجريان تقييمًا مشتركًا للمسار الجاري خلال اجتماع قريب سيعقدانه في البيت الأبيض.

القدرة الإيرانية على التعطيل

غير أن هذا الظرف المؤاتي لا يعني إطلاقًا أن المعركة قد حُسمت مسبقًا، أو أن العقبات غير واردة. فالاختبار الحقيقي الذي ستواجهه الدولة اللبنانية في الأيام المقبلة سيتوقف على معرفة إلى أي مدى يستطيع الحرس الثوري الإيراني، أو يريد، إطلاق كامل قدرته على التعطيل، وهي قدرة لا تزال تتجلى كما أظهرت اعتداءاته خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة على سفن في مضيق هرمز, ما أدى خلال الليل إلى شنّ غارات أميركية جديدة على إيران.

وفي موازاة ذلك، إلى أي مدى يستطيع حزب الله، أو يريد، أن يفعل كل ما في وسعه لإفشال المسار الذي أُطلق في 26 حزيران؟ ثمة تطوران قد يخففان من حدة الموقف المتقدم الذي اتخذه الحزب الموالي لإيران في هذا السياق: موقف الجيش الذي أصدر مساء السبت بيانًا حازم اللهجة أكد فيه أنه لن يسمح بأن يتحول النداء إلى التظاهر، الذي أطلقه حزب الله في بداية مساء السبت، إلى قطع طرق في العاصمة أو إلى اعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة؛ وفي الوقت نفسه، دعا زعيم حركة أمل، نبيه بري، إلى التهدئة، وشدد على ضرورة تجنب أي تفلت أمني، مع إدانته توقيع الاتفاق مع إسرائيل والمفاوضات المباشرة مع الدولة العبرية. وهذان العاملان قد يفسران أن دعوة حزب الله إلى تظاهرات واسعة، مساء السبت، في بيروت والمناطق «من أجل إسقاط الحكومة»، لم تلقَ في المرحلة الفورية الصدى الواسع الذي كان متوقعًا.

ومع ذلك، فإن قدرة المعسكر الإيراني على التعطيل قد لا تزال قابلة للظهور على نطاق واسع، رغم الدعم العربي الواسع، من دول الخليج، ودعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمسار الذي انطلق في 26 حزيران.

الانتقام طبق يؤكل باردًا… وردّ الحرس الثوري على اتفاق واشنطن سيشكل، من دون أدنى شك، في مستقبل قريب جدًا، مؤشرًا بالغ الدلالة على قدرته الفعلية على ترجمة هذا المثل إلى وقائع ملموسة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل