
قراءة تفكيكية في اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي

ليست أهمية اتفاق الإطار المقترح بين لبنان وإسرائيل في كونه يهدف إلى إنهاء مواجهة عسكرية فحسب، بل في كونه يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة اتفاقات ما بعد الحروب. فالوثيقة لا تشبه اتفاقات وقف إطلاق النار التقليدية، ولا تقتصر على معالجة خطوط التماس أو ترتيبات الانسحاب، وإنما تؤسس لنموذج جديد من التسويات، يصبح فيه بناء الدولة جزءاً من عملية بناء السلام، وتصبح السيادة مفهوماً مستحدثاً ، أكثر تعقيداً من مجرد حماية الحدود.
فإذا كانت اتفاقات كامب ديفيد أو وادي عربة أو حتى الطائف ودايتون قد جاءت بعد حروب كبرى لإعادة تنظيم العلاقات السياسية بين المتحاربين، فإن الاتفاق الحالي يذهب خطوة أبعد، إذ يحاول إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية نفسها وأدوات القوة داخلها، بالتوازي مع إعادة رسم البيئة الأمنية الإقليمية على الرغم من رفض "حزب الله" الذي يريد الاعتماد على راعيه الإيراني لرسمم ملامح ما بعد الحرب وينتفض ضد الاتفاق.
ومن اللافت أن الوثيقة لا تبدأ من سؤال، لماذا اندلعت الحرب؟ بل من سؤال مختلف تماماً: كيف ينبغي أن يكون شكل الدولة بعد الحرب؟ ولهذا لا تنشغل كثيراً بأسباب النزاع التاريخية وهي معروفة جيداً، بقدر ما تركز على النظام الذي يفترض أن ينشأ بعد انتهاء القتال. إنها لا تكتب خاتمة الحرب، بقدر ما تكتب مقدمة مرحلة سياسية جديدة.
وتكشف القراءة التفكيكية للنص أن القضية المركزية فيه ليست الحدود، بل احتكار الدولة للقوة. فتكاد جميع البنود تدور حول استعادة الدولة اللبنانية لقرار الحرب والسلم، ونزع سلاح القوى المسلحة خارج المؤسسات الرسمية، وربط الأمن الوطني بالسلطة الدستورية. وهنا يبرز تطور لافت في مفهوم السيادة؛ إذ لم تعد السيادة تُختزل بحماية الحدود أو إنهاء الاحتلال، بل أصبحت تعني أيضاً احتكار الدولة لاستخدام القوة داخل إقليمها. إنها سيادة مزدوجة على الأرض، وعلى أدوات القوة في الداخل.
وفي المقابل، يعكس النص قدراً من الذكاء التفاوضي اللبناني عند السفير سيمون كرم وفريق السفارة . فهو لا يعيد فتح ملف الحدود الدولية، ولا يتعامل معها بوصفها موضع نزاع قابل لإعادة التفاوض، بل ينطلق ضمناً من أن الحدود، باستثناء المسائل التقنية المعروفة، تستند إلى شرعية دولية قائمة في ضوء القانون الدولي بموجب اتفاقية الهدنة اللبنانية- الإسرائيلية للعام على 1949 على الرغم من تقادم بعضها، أخذاً بعين الاعتبار، الظروف التي أحاطت بنشأتها وبررتها وأعطتها الشرعية . وهكذا نجح المفاوض اللبناني في الفصل بين مسألة السيادة الإقليمية، باعتبارها قضية قانونية منجزة، وبين الترتيبات الأمنية التي فرضتها ظروف الحرب، مانعاً تحويل نتائج المعركة إلى مدخل لإعادة تعريف حدود الدولة ، ذات الدور البارز في الاستقرار الدولي خاصة . والبحث في أي اتفاق نهائي يتوصل إليها . فذلك يشكل نموذجاً دولياً في كيفية الحفاظ على المواثيق الدولية عموما، وهي التي ستحدد معاني الممرحلة بشمولية كلّية في ظروفها التاريخية( أي " المحيط الجيوستراتيجي الإقليمي والدولي").
ولا تقل فلسفة التنفيذ أهمية عن مضمون الاتفاق نفسه. فالوثيقة لا تفترض أن السلام يتحقق بمجرد التوقيع، بل تعترف ضمناً بأن آثار الحرب ستظل حاضرة على الأرض، وأن احتمال وقوع خروقات أو احتكاكات سيبقى قائماً خلال المرحلة الانتقالية. لذلك اعتمدت منطق التدرج، بحيث يرتبط كل انسحاب بخطوة مقابلة، وكل تقدم ميداني بآليات تحقق وإشراف دولي. وهنا لا يصبح التدرج مجرد إجراء تقني، بل فلسفة سياسية تعترف بأن الانتقال من الحرب إلى السلام عملية تراكمية، لا حدثاً لحظياً. إنها إدارة للانتقال أكثر منها إعلاناً لنهايته.
وتتجلى حداثة الاتفاق أيضاً في طبيعته التفاوضية. فالتاريخ الدبلوماسي عرف اتفاقات تُعقد داخل مسار تفاوضي واحد يجمع الأطراف المعنية مباشرة. أما هنا، فيبدو الاتفاق جزءاً من هندسة إقليمية أوسع، حيث يتزامن المسار اللبناني – الإسرائيلي مع مسارات تفاوضية أخرى تمس البيئة الاستراتيجية المحيطة بالصراع. وإذا كانت المؤشرات السياسية توحي بوجود تفاهمات موازية بين واشنطن وطهران حول ملفات إقليمية أوسع، فإن نجاح الاتفاق اللبناني لا يعود رهناً فقط بإرادة بيروت وتل أبيب، بل أيضاً باستمرار التوازنات التي تنتجها تلك التفاهمات الإقليمية. وهكذا ينتقل العالم من منطق "الاتفاق الواحد" إلى منطق "التسويات المتزامنة"، حيث يصبح كل مسار جزءاً من شبكة تفاهمات أشمل .ومع ذلك يقول الرئيس جوزاف عون " نحن نرحب بأي مساعدة تأتي من دول لإنهاء الحرب، ولكن هناك فرق بين العمل لمساعدتنا وعدم التدخل في شؤننا الداخلية ، ونحن نتفاوض بأنفسنا، ولا نقبل أن تتفاوض أي جهة نيابة عنا".
كما أن الوثيقة تعيد تعريف وظيفة إعادة الإعمار. فهي لا تقدمها باعتبارها استجابة إنسانية لآثار الحرب، بل تجعلها جزءاً من معادلة سياسية وأمنية، تربط الدعم الدولي بتحقيق مراحل قابلة للتحقق من بسط سلطة الدولة واحتكارها للسلاح. وبذلك تتحول المساعدات الاقتصادية إلى أداة لترسيخ الاستقرار، لا مجرد وسيلة لمعالجة الدمار.
غير أن البعد الأعمق في الاتفاق يتجاوز مضامينه الأمنية ليطرح سؤالاً حول مستقبل النظام السياسي اللبناني نفسه. فإذا كانت الوثيقة تدعو إلى احتكار الدولة للقوة، فإنها تفتح، ضمناً، الباب أمام احتكار المؤسسات الدستورية للقرار الوطني. فالقضايا المصيرية من هذا النوع لا يمكن أن تستقر إلا إذا انتقلت من منطق الشارع وموازين القوى إلى منطق المؤسسات.
ومن هنا، فإن أي اعتراض على الاتفاق، مهما كانت مبرراته السياسية أو السيادية، ينبغي أن يجد مكانه الطبيعي داخل مجلس النواب، باعتباره المؤسسة الدستورية التي تمثل الإرادة الوطنية وتملك سلطة الرقابة والتشريع. فالمعارضة ليست نقيض الدولة، لكنها تصبح خطراً عليها عندما تغادر المؤسسات إلى موازين القوى الميدانية. وإذا كان الاتفاق يسعى إلى إنهاء تعددية السلاح ( الجماعات المسلحة غير الشرعية ) ، فإنه يختبر، في الوقت نفسه، قدرة اللبنانيين على تكريس وحدة القرار السياسي داخل المؤسسات الشرعية.
وفي المحصلة، لا يمكن قراءة هذا النص باعتباره مجرد اتفاق أمني بين دولتين، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف مفهوم السيادة، وآليات بناء السلام، وطبيعة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. إنه ينقل النقاش من الحدود إلى المؤسسات، ومن إدارة الصراع إلى إعادة بناء الدولة، ومن السلام بوصفه وقفاً للنار إلى السلام بوصفه عملية سياسية متدرجة.
ويبقى نجاح هذا المشروع رهناً بعامل يتجاوز نصوص الاتفاق نفسها، هو قدرة اللبنانيين على تحويل الاختلاف حوله من صراع في الشارع إلى تنافس ديمقراطي داخل البرلمان. فعندها فقط يصبح احتكار الدولة للقوة متكاملاً مع احتكارها للقرار، وتصبح نهاية الحرب بداية فعلية لقيام الدولة، لا مجرد هدنة جديدة في تاريخ الصراعات اللبنانية. عندها فقط يمكن أن تصبح نهاية الحرب بدايةً لقيام الدولة. أما إذا اختار اللبنانيون إسقاط هذا المسار خارج المؤسسات، فإنهم لن يكونوا قد أسقطوا اتفاقاً فحسب، بل ربما أسقطوا آخر فرصة تاريخية لإعادة بناء دولتهم، وكأن الانتحار السياسي ما زال يتقدم، مرة بعد أخرى، على غريزة البقاء.