شعار Levant Time

تحليل

الشرق الأوسط في قلب التحولات
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
أغسطس 8, 2026 - 18:43

تشهد المنطقة الممتدة من العراق إلى لبنان وسوريا وإسرائيل، مروراً بالولايات المتحدة، تحوّلاً عميقاً في طبيعة وظيفة السلاح داخل الدولة. فالمسار العام يتجه نحو إعادة تعريف دور القوة المسلحة، سواء عبر نزع السلاح أو دمجه في ترتيبات أمنية تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية التقليدية، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من منطق السيادة الصلبة إلى منطق الأمن المُدار. في المقابل، تتبلور ملامح تكتل عسكري–استراتيجي جديد في المنطقة، يتقاطع فيه الدور السعودي مع التركي، ويمتد تأثيره إلى باكستان النووية، في ظل إعادة تموضع إيراني حساس. هذا التشابك لا يمكن قراءته كتحالفات ظرفية، بل كجزء من إعادة هندسة أوسع للإقليم، تُدار بمنطق “التخطيط الإمبريالي الجديد”، حيث تُعاد صياغة التوازنات عبر ربط الأمن بالطاقة والاقتصاد ضمن شبكة مصالح مترابطة. ضمن هذا الإطار، يُعاد توزيع الأدوار الإقليمية بشكل متدرج. فالعراق يُدفع نحو ضبط الفصائل المسلحة وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة غير النظامية. وسوريا تدخل مرحلة إعادة هيكلة أمنية ضمن ترتيبات دولية وإقليمية جديدة، فيما يواجه لبنان سؤال احتكار الدولة للسلاح في ظل أزمة بنيوية عميقة. أما إسرائيل، فتعمل على إعادة تعريف تفوقها العسكري بما يتلاءم مع بيئة إقليمية أكثر تشابكاً، في حين تنتقل الولايات المتحدة من إدارة الحروب المباشرة إلى إدارة التوازنات عبر أدوات غير مباشرة وشبكات نفوذ متعددة المستويات. إيران بدورها تعيش انقساماً استراتيجياً داخلياً بين تيار يعتبر المواجهة ضرورة للحفاظ على النفوذ الإقليمي، وآخر يرى أن الاندماج في الترتيبات الجديدة أقل كلفة وأكثر استدامة. هذا الانقسام يعكس أزمة أعمق في تعريف الدور الإقليمي الإيراني، بقدر ما يعكس ضغط البيئة الدولية والإقليمية المتغيرة، خصوصاً في ظل محيط إقليمي يعاد تشكيله عسكرياً وسياسياً. اقتصادياً، يبرز غاز شرق المتوسط كعنصر حاسم في إعادة تشكيل التوازنات، من إسرائيل إلى قبرص ومصر، مع احتمالات امتداد نحو لبنان وسوريا. هذا المورد يتحول تدريجياً إلى أداة جيوسياسية لإعادة رسم خرائط النفوذ، خصوصاً في ظل سعي أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن روسيا. هذا التحول يعزز في الوقت نفسه موقع الدولار، إذ إن تسعير الطاقة يتم ضمن النظام المالي الغربي، ما يربط قوة العملة الأمريكية بإعادة توجيه تدفقات الطاقة نحو فضاءات خاضعة لنفوذها. في المقابل، تواجه روسيا تراجعاً تدريجياً في قدرتها على استخدام الطاقة كأداة نفوذ داخل السوق الأوروبية. بذلك، يتداخل الأمن بالطاقة ضمن منظومة واحدة يمكن وصفها بـ”الإمبريالية الشبكية”، حيث لا تقوم السيطرة على الاحتلال المباشر، بل على إدماج الدول في شبكات مصالح معقدة تحد من استقلال قرارها، وتعيد تعريف مفهوم السيادة نفسه. إقليمياً، لم يعد الشرق الأوسط ساحة صراع تقليدية، بل عقدة مركزية في شبكة توازنات عالمية متداخلة، حيث يرتبط كل تحالف عسكري بمسار اقتصادي، وكل مشروع طاقة ببعد أمني، وكل تحول داخلي بتأثير إقليمي أوسع. في هذا السياق، يمثل لبنان نموذجاً مكثفاً لهذا التشابك، لارتباطه بغاز شرق المتوسط وبالتوازنات الدقيقة بين إسرائيل وسوريا ومحور إيران. ويشكّل العراق نقطة توازن حساسة بين إيران والعالم العربي، فيما تتحول سوريا إلى ممر جغرافي–استراتيجي للطاقة والنفوذ. أما إسرائيل، فتبرز كمركز تكنولوجي–طاقوي صاعد في شرق المتوسط. في المقابل، تعمل الولايات المتحدة كمنظّم بعيد المدى، لا يتدخل دائماً بشكل مباشر، لكنه يحدد الإطار العام عبر النظام المالي العالمي، والتحالفات الأمنية، وشبكات الطاقة. وهي بذلك تنتقل من إدارة الصراعات إلى إدارة البنية الكلية للنظام الإقليمي. في المحصلة، تعكس المرحلة الراهنة انتقالاً من إدارة القوة إلى إعادة توزيعها، حيث تتقاطع مسارات نزع السلاح مع صعود التحالفات الجديدة، وتحول الطاقة إلى عنصر حاسم، وتراجع بعض القوى التقليدية عن أدوارها التاريخية. وهكذا يتجلى منطق التشابك الإمبريالي كإطار جامع، لا تتحرك فيه الدول بمعزل عن بعضها، بل ضمن شبكة مترابطة تتداخل فيها الجغرافيا بالطاقة، والأمن بالاقتصاد، والسياسة بالتحالفات، في مسار يعيد تعريف مفهوم القوة في النظام الدولي المعاصر.

البحر الأحمر ومخاطر الذهاب إلى حرب إقليمية أوسع
بقلم
يقظان التقي
نُشر
أغسطس 5, 2026 - 19:44

تعزّز توترات الخليج العالمية المتزايدة مخاوف حول تأزم جديد في الملاحة في البحر الأحمر، ما سيفرض قيوداُ ومخاطر على تجارة عالمية بحرية غالية الكلفة، وأزمة امدادات أخرى على مسافات ليست بعيدة عن مناطق النزاع في مضيق هرمز، وما يرتبط بها من المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إذا ما طال الصراع. والسيناريو بات يتكرر بالوتيرة نفسها حتى أصبح قابلاً للتوقع. يرفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف تهديداته إلى الحد الأقصى. تتحدث واشنطن عن ضربة واسعة، والوزير ماركو روبيو عن بدائل عن مضيق هرمز، وتبدأ الأسواق بتسعير احتمال اندلاع حرب إقليمية. يقفز سعر النفط، وتتراجع أسواق الأسهم، وتعيش المنطقة المجهول . أما السياسيون، فينظر كل منهم إلى الأزمة من زاويته الخاصة. بعضهم يفكر في حسابات الانتخابات المقبلة، وآخرون في موازين القوة والنفوذ، فيما تتحرك جماعات الضغط والشركات الكبرى وفق منطق المصالح والأرباح، مستفيدة أحياناً من تقلبات الأسواق التي تخلقها الأزمات نفسها. لم تعد الأسواق تنظر إلى هذا المسار بوصفه استثناءً، بل باتت تتعامل معه باعتباره نمطاً متكرراً. فمع كل تصعيد ترتفع أسعار النفط خوفاً على إمدادات الطاقة، وما إن تظهر مؤشرات التهدئة حتى تعود الأسعار إلى الانخفاض. والأمر نفسه ينسحب على أسواق المال التي تهتز مع كل تهديد ثم تستعيد جزءاً من خسائرها مع كل حديث عن اتفاق. مع ذلك ، الخشية من تعطل إضافي لملاحة السفن في مضيق هرمز مع تراجع خطير في نشاط ملاحة الحاويات عبر خليج عدن وباب المندب وقناة السويس. أكثر من خمسين دولة دولة متضررة للآن ، تعاني دول أفريقية مثل نيجيريا من تفشي الفقر والجوع عند الأطفال بآثار الحرب المستمرة ، ويسجل تراجع في انتاج سيارات تيسلا في مصانع ألمانيا نتيجة قرار أكثر من 18 شركة شحن دولية تغيير الطريق البحرية نحو رأس الرجاء الصالح ، ما يعني تأخر وصول المواد الصناعية الأولية ، كما تعليق عملاقة الشحن اليابانية ( أن واي كي ) الملاحة عبر البحر الأحمر. هذا التحول لشركات النقل البحري يرفع كلفة الشحن أربعة أضعاف بسبب طول المسافة على الساحل الأفريقي، ويسببّ الاضطراب في سلاسل الإمداد، وتأخر وصول المكوّنات الصناعية والتكنولوجية من الصين وتايوان ودول أخرى في شرق آسيا. خلال الأشهر الماضية ، غيرت الكثير من الناقلات طريقها التقليدي في خليج عدن وقناة السويس في الإتجاهين ، وكانت تمر عبرها نحو عشرون الف سفيتة شحن سنويا من اجمالي اسطول الشحن العالمي، الذي يتألف من 105 آلاف سفينة ذات حمولة ، بلغت في عام 2024 نحو 15 مليار طن من السلع والمواد المختلفة عبر البحار. وتمثل العودة الى شبح التضخم، أكبر التحديات التي تواجه حكومات العالم بعد التكيّف نسبياً مع آثار إغلاق مضيق هرمز، ما يعزز العودة إلى ما قبل جائحة كورونا. أوروبا قلقة من ارتفاع أسعار النفط ومن توسع محتمل في حروب الشرق الأوسط . ولا تزال اقتصاديات الإتحاد الأوروبي تعاني من أثار تكلفة الحرب الروسية في أوكرانيا. أي تغيير في اللعبة الأميركية سيقود الى واقع اقتصادي جديد في أوروبا مع فروقات النمو وتنافسية اقتصادية غير متوازية. الأوروبيون مصدمون، وعليهم أن يقرروا سريعا .لا يستطيعون الصمود أمام تحدٍ اقتصادي آخر من التضخم والبطالة والحرائق ، ويبحث الاتحاد الأوروبي عن موردين بديلين للطاقة في مسافات بعيدة . في المقابل ، وعلى مدى أشهر الحرب الأميركية على إيران لم يتأثر كثيراً الاقتصاد الأميركي القائم على الطلب الداخلي. فيما تعززت التجارة الأميركية مع دول الشمال ومع دول آسيان جنوب شرق آىسيا بنحو 1200 مليار دولار، ووجهت طريق التجارة البحرية نحو المحيط الهادي، فيما ارتفعت تجارة الصين الى 800 مليار دولار. واحدة من المغامرت التي قام بها البشر ليصبح البحر المتوسط بكل تجارته وثرواته بحيرة للتبادل بين قدامى الفينقيين واليونانيين والمصريين وشمال افريقيا وجنوب أوروبا والهند ( كريستوف كولومبس وفاسكو دي غاما). ودشنت فيه روما طرق التجارة الحربية القديمة ، إلى اختزاله المسافات بين "طريق الحرير" الآتية من الصين الى أوروبا( رحلة ماركو باولو) ، ورحلة الأدميرال ماجيلان حول العالم، التي أسست طرق بحرية جديدة للتجارة الدولية. والبحر لا يعمل في خدمة هدف واحد. يعمل في التجارة البحرية أكثر من مليون شخص يقيمون فوق البواخر وعل الأرصفة ، وما يمتد الى صناعة السفن والصيد واليخوت السياحية ، ويخدم خطط تطوير قطاعات التنمية وتحريك قطاعات اقتصادية كثيرة ، واستهلاك مواد محلية مثل مصانع الحديد والألمينيوم والكابلات وورش انتاج الألياف الزجاجية . لذلك، أي تمدد في حروب المضائق من باب المندب الى بحر الصين واليابان، في وقت يسجل الاقتصاد العالمي أضعف نمو3%، سيكون له مضاعفات أخرى سياسية واقتصادية ، فيما تبقى نتائجه الاقتصادية والنفسية حاضرة في حياة ملايين الناس. تقدر أوساط مالية اجمالي البضائع السنوية العابرة للبحر الأحمر بما لا يقل عن 3 تريليون دولار، تمثل نحو 13% من التجارة العالمية، (5 تريليونات دولار بحلول عام 2050). لكن على رغم أهمية الجسر العالمي، لا يزال تفتقر طريق البحر الأحمر إلى الخدمات البحرية، أحواض البناء ،تقديم خدمات الصيانة، الصناعة البحرية، المسؤولية عن التدفق الحرّ للتجارة ، الغرف الدولية للشحن(80% من المنتجات الغذائية في العالم مثل زيت النخيل والحبوب )، والخشيّة من نيّة لإعادة ترتيب خطوط النقل والإمداد في المنطقة على حساب مصر ودول في أفريقيا، وتعتبر مصر الخاسر الأكبر بسبب محاولات التلاعب بإيرادات قناة السويس نحو 11 مليارات دولار ( 15% من التجارة العالمية ، 30% من الحاويات، 8% من النفط الخام ) .لقد أنجزت اسرائيل أكبر مرصد عسكري، وأهم منصة استراتيجية في أرتيريا، وهي ترى الى منطقة تيران( جبل طارق) ، وحربها مع إيران تزيد في توترات تتطور إلى عنف دولي واقليمي مسلح، والعنف المرتبط بالهويات والقرصنة ، وبما قد يلحق الضرر بالأمن القومي العربي، حيث لا يوجد تصور عربي واحد متكامل للآن لتأمين الممر والأمن العربي المشترك ، ومن شأن ذلك تقويض دور دول المنطقة وأنظمتها الحالية واستقلالها السياسي وإضعاف حيويتها. وهكذا، قد تنخفض أسعار النفط بعد إعلان ترامب تأجيل أي ضربة عسكرية، وقد تنتعش البورصات مع الحديث عن اتفاق وشيك، لكن ذلك لا يعني أن السلام قد تحقق، ولا أن أسباب التوتر قد زالت. فالشرق الأوسط لا يعيش حرباً مفتوحة ولا سلاماً مستقراً، بل يقيم في منطقة رمادية بين الاثنين؛ حرب باردة تتبدل فيها أدوات المواجهة، فيما تبقى نتائجها الاقتصادية والنفسية حاضرة في حياة ملايين الناس أي تصعيد يؤثر على الجميع ، وله عواقب وخيمة على النمو العالمي وعلى مستويات التضخم( جي بي مورغان )، وعلى كلفة أسعار البنزين، الأجهزة الالكترونية ،ارتفاع كلفة التأمين ، انشاء مسارات بحرية كممرات بحرية خضراء ( مؤتمر غلاسكو) .المحطات المينائية ، تحرير القطاع في المغرب وأفريقيا ، البناء قدماً مع التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والأنترنت،التوسع في مجال الأوفيشور/المحاكيات والأكاديميات البحرية . هذه الدورة المتكررة للأزمات، لا تعني أن المنطقة تتجه نحو السلام، بل إنها تكشف عن واقع مختلف: لا حرب شاملة ولا استقرار حقيقياً، بل إدارة دائمة للأزمات. فالتصعيد أصبح ورقة تفاوض، والتهديد تحول إلى أداة سياسية، فيما باتت المفاوضات وسيلة لتأجيل المواجهة أكثر من كونها طريقاً لحل جذري. لكن وسط هذا الاشتباك السياسي والاستراتيجي، يبقى طرف واحد يدفع الثمن الحقيقي، فهل تدرك الدول العربية أهمية وضع استراتيجيات لحماية "بحيرتها النفطية "، الشريط الساحلي الأساسي في رسم خريطة التجارة العالمية ؟

وهم "الأنفاق المحصنة" وعمى البيانات
بقلم
منى فياض
نُشر
أغسطس 4, 2026 - 12:26

كيف لنا ان نستوعب أنه مع وجود اللبنان الآخر تحت الأرض، تعرّض حزب الله الى هذه الهزيمة وفقد ارتالاً من صفوفه وما تسبب به من مقتل وتهجير أهالي الجنوب؟! كما عرّض حتى الجغرافيا الى البعثرة والتغيير. كشف لي خطاب السيد نصرالله، الذي قال فيه انه يبحث عن الجندي الاسرائيلي "بالسراج والفتيلة"، ليس فقط عن مجرد مبالغة سياسية عابرة، بل عن بنية كاملة من وهم القدرة. لسنا هنا أمام فجوة بين الخطاب والواقع، بل أمام خلل أعمق: تصوّر غير واقعي للقدرة نفسها. فالقوة التي روَّجوا لها، اعتماداً على شبكات الأنفاق والترسانة الصاروخية، لم "تصطد جندياً واحداً"؛ ولا غيرت قواعد الاشتباك، والنتيجة نعيشها. هذا التناقض لا تفسره فقط خطل الحسابات السياسية، بل يدل على : تحوّل القوة إلى خطاب أكثر منها أداة فعلية. أي أن السلاح موجود، مع عجز عن استخدامه. المفارقة التي توضحت هنا: كلما ارتفع سقف الخطاب، انكشفت محدودية القدرة. الأهم ان ما يحرّك الحزب، في قرار الحرب والسلم لا ينبع حصراً من داخل لبنان او مصلحته، بل يتصل بمحور إقليمي تقوده إيران. وهذا ما يفسّر التردد، التناقض في البيانات، والعجز عن اتخاذ موقف أو قرار. لقد عاش حزب الله لسنوات، تحت تأثير أوهام سرديته الإعلامية الخاصة حول "القدرة المطلقة" و"الردع الذي لا ينكسر"، وهي سردية تضخمت بفعل انتصاراته في معارك غير متناظرة سابقة (مثل حرب سوريا). في المقابل، بالغت إسرائيل لسنوات في تصوير خطر حزب الله وأنفاقه وحجمها، لتبرير ميزانياتها العسكرية العملاقة وتهيئة رأيها العام للحرب. وعندما بدأت المواجهة الفعلية، تبخرت المبالغات من الطرفين: تبيّن للحزب أن التحصينات الهندسية والمدن المحفورة تحت الأرض ليست قلاعاً أسطورية، بل هي مجرد منشآت ثابتة تصبح عبئاً ومقبرة لمن فيها إذا تم عزلها هندسياً وقطعت اتصالاتها. وتبيّن لإسرائيل أن تفكيك هذه "المدن الصخرية" يتطلب جهداً هندسياً وتدميراً واسعاً، لكنه ممكن جداً طالما أنها تمتلك التفوق الجوي المطلق، وتتحرك في أرض فرغت من سكانها. الاستنتاج ان التحصينات والأنفاق هي أداة مادية. إن لم تسندها دولة قوية، وإجماع شعبي حقيقي، وعمق إقليمي مستعد للتضحية بحساباته الخاصة، ومنظومة تكنولوجية قادرة على مجاراة العدو، فإن تلك المدن المدفونة تحت الصخر تتحول سريعاً من عناصر هجوم ومفاجأة، إلى مجرد خنادق دفاعية معزولة تسقط بسقوط خطوط الاتصال والسياسة الفوق أرضية. وقع الحزب في "فخ النجاحات السابقة"؛ حيث ظن أن التكتيكات التي حققت ردعاً نسيباً في حرب 2006 يمكن تعميمها في العصر الحالي، غافلاً عن الطفرة الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية التي تمتلكتها إسرائيل. شكلت الأنفاق والتحصينات الأرضية "محميات طبيعية"، في زمن سابق، عندما نجحت في حماية مقاتلي الحزب ومنصات الصواريخ من القصف الجوي الكلاسيكي. لكنها تحولت في الزمن الرقمي الحالي الى "مصائد موت". فإسرائيل استخدمت خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وطائرات الاستطلاع الحراري، والمسح الجيولوجي المتقدم، وقامت برسم خرائط ثلاثية الأبعاد لشبكات الأنفاق بدقة متناهية. ورصدت حركة الدخول والخروج، واستهدفت فتحات التهوية والإمداد.. كل ذلك جعل التحصينات مكشوفة تماماً ومعزولة، حتى قبل أن تبدأ المعركة البرية. أوقعته تكتيكاته القديمة في فخ النمطية، لأنه اعتمد على آليات اتصال وتحرك تقليدية مكررة. فيما تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية على رصد مثل هذه "الأنماط الروتينية": من خلال تحليل السلوك اليومي، بصمات الصوت، التحركات اللوجستية، وحتى فترات التناوب بين المقاتلين، تمكنت خوارزميات التنبؤ من قراءة خطوات الحزب مسبقاً. هذا الخرق الكبير جعل أي محاولة لتنفيذ كمين تقليدي مكشوفة وإجهاضها بضربات استباقية دقيقة قبل ملامسة القوات الإسرائيلية للأرض. الخرق السيبراني الشامل الذي تعرض له، مكّن تكنولوجيا التجسس الإسرائيلية من اختراق الخوادم الرقمية، الهواتف الذكية للعناصر وعائلاتهم، والكاميرات المحيطة بمراكزه؛ وصولاً الى تنفيذ "الاغتيال التكنولوجي الممنهج" (كما حدث في تفجيرات أجهزة البيجر واللاسلكي). كل ذلك مثل صدمة شلت القدرة على القيادة والسيطرة وأفقدت الكوادر الثقة في أي جهاز إلكتروني يمتلكونه. ايضاً اعتماده على مخازن السلاح الثابتة والخطوط اللوجستية التقليدية القادمة عبر الحدود، مقابل إدارة إسرائيل المعركة عبر "سحابة عسكرية رقمية"، تربط الطائرة المسيرة في السماء، بضابط الاستخبارات أمام الشاشة، بالدبابة على الأرض فوراً وبفارق ثوانٍ معدودة، حرمه من ميزة "المباغتة" التي تميز بها عام 2006. النتيجة العسكرية شلل الحزب التام، لأنه لم يدرك أن التحصينات الهندسية والأنفاق لا تحمي نفسها بنفسها، بل تعتمد كلياً على كفاءة منظومة القيادة والسيطرة والاتصال وعنصر المفاجأة لتفعيلها. ومن أوهام الحزب أيضاً أن تحصيناته ستبقى سرية ومفاجئة للعدو. لكن تبين أن الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي كان عميقاً جداً؛ حيث امتلك الجيش الإسرائيلي خرائط دقيقة لمواقع هذه الأنفاق ونقاط ضعفها وهندستها قبل الدخول البري. في الخلاصة: ان التحصينات والجيوش تحتاج إلى جبهة داخلية صلبة ومتماسكة. في حرب تموز 2006، حظي الحزب باحتضان سياسي وشعبي واسع عابر للطوائف. لكن هذا المشهد تغير تماماً حالياً: فلبنان أُدخِل الحرب بوجود انقسام داخلي حاد، وهو يعاني من انهيار اقتصادي تاريخي، ومؤسسات دولة مشلولة. كما اعتبرت شريحة واسعة جداً من اللبنانيين (من مختلف الطوائف) أن قرار الحرب تم اتخاذه بشكل منفرد وتلبيةً لأجندة إقليمية إيرانية، دون استشارة الدولة أو بقية المكونات. كما واجهت البيئة الاجتماعية المباشرة للحزب (التي نزحت بالآلاف) أزمة معيشية واجتماعية خانقة وعزلة. إن غياب الاحتضان الوطني العام حوّل المعركة من "قضية دفاع وطني جامعة" إلى معركة فئوية معزولة سياسياً وشعبياً في الداخل، مما شكل ضغطاً معنوياً هائلاً على المقاتلين في الميدان. ولا يزال الخطاب الحزباللوي على عنجهيته ومكابرته، ومشكلته ليست فقط الفجوة بين الخطاب والفعل، بل في أن الخطاب نفسه اصبح منفصلاً عن الواقع. فلا تماس مباشر، ولا قدرة على فرض اشتباك من النوع الذي يُروَّج له، ولا تغيير فعلي في قواعد اللعبة. هذا يعني بوضوح أن ما يُقدَّم كقوة حاسمة ليس سوى استغلال رأس مال رمزي متضخم، يعيش على تكرار صورة قديمة لم تعد موجودة. فنجاحات سابقة تحوّلت إلى أسطورة، والأسطورة تحوّلت إلى قناعة، والقناعة إلى خطاب، والخطاب إلى بديل عن الواقع. وهنا يصبح السلاح نفسه جزءاً من المشكلة: موجود، لكنه غير قابل للاستخدام بالشكل الذي يُعلن عنه، لأن استخدامه الفعلي يفضي إلى كشفه وتدميره بسرعة. أي أننا أمام قوة لا تعمل إلا بقدر ما تبقى غير مستخدمة - وهو تناقض قاتل. ناهيك عن أن هذا الخطاب يتصل بمحور تقوده إيران، ما يضيف طبقة أخرى من الانفصال عن الواقع المحلي. إن جوهر المسألة هنا: اننا أمام بنية ذهنية تنتج الوهم وتعيد إنتاجه، حتى عندما تفنّده الوقائع على الأرض. وهم منظّم يُدار ويُسوَّق ويُفرض كبديل عن الحقيقة، إلى أن ينكشف، كل مرة، على حساب الأرض وأهلها... الى ان يقضي الله أمراً كان مفعولا.

سيمون كرم… حين تتحول الذاكرة الوطنية إلى عنصر قوة في التفاوض

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بقدراتها العسكرية فقط، بل بنوعية من يمثلها. فالمفاوضات المصيرية ليست نقاشًا تقنيًا حول خرائط أو ترتيبات أمنية، بل اختبار لقدرة الدولة على حماية روايتها التاريخية وصياغة مستقبلها. في هذا السياق، يبرز السفير سيمون كرم كأحد الوجوه البارزة في الدبلوماسية اللبنانية. حضوره لا يقوم على الخطابة أو الظهور الإعلامي، بل على هدوء راسخ، ودقة في المقاربة، ونزاهة رجل دولة يضع معيار النجاح في ما يحققه للوطن لا لنفسه. وخلال مسيرته، أثبت كرم استقلالية واضحة في الموقف والسلوك. لم يتعامل مع المناصب كامتياز شخصي، ولم يتردد في مغادرتها عندما تعارضت مع قناعاته أو مع ما يراه منسجمًا مع مبادئه. وقد عكس ذلك في محطات سياسية وتنظيمية متعددة، وصولًا إلى استقالته من منصبه كسفير للبنان في واشنطن، تأكيدًا على أولوية المبدأ على الموقع. وتتجلى دلالة هذا السلوك بشكل أوضح عند مقارنته بسياقات دبلوماسية مشابهة، حيث غالبًا ما يفضّل العديد من الدبلوماسيين البقاء في مواقعهم رغم التباينات السياسية. في المقابل، شكّلت استقالته رسالة واضحة بأن الموقع بالنسبة إليه ليس غاية، بل وسيلة مرتبطة بمدى القدرة على خدمة الموقف الوطني. وهذا ما يمنحه لاحقًا هامشًا أوسع من الحرية في أي دور استشاري أو تفاوضي، لأنه لا يتحرك تحت ضغط الاعتبارات الوظيفية أو الحسابات الشخصية. هذه الخلفية تمنحه مصداقية إضافية في العمل التفاوضي، إذ إن المفاوض غير المرتبط بموقعه يكون أكثر حرية في الدفاع عن المصلحة الوطنية، وأقل خضوعًا لحسابات البقاء في المنصب. وقد ظهر هذا النوع من الاستقلالية في تجارب دولية عديدة، حيث لعب دبلوماسيون سابقون أدوارًا حاسمة في مفاوضات حساسة بعد خروجهم من مناصبهم الرسمية، مستفيدين من خبرتهم دون قيود إدارية مباشرة. إلى جانب ذلك، يتميز السفير كرم بمعرفة معمقة بجنوب لبنان، ولا سيما بتاريخ جبل عامل. وهي معرفة تتجاوز الإطار الجغرافي أو التوثيقي، لتشمل فهمًا لبنية المجتمع العاملي، وتاريخه الاجتماعي والسياسي، ودور نخبه ومرجعياته في تشكيل جزء من الهوية اللبنانية. وتتجلى أهمية هذه المعرفة في كونها ليست نظرية فقط، بل مستندة إلى متابعة طويلة لتطورات الجنوب اللبناني خلال محطات مفصلية، من مرحلة ما بعد الاجتياحات الإسرائيلية، إلى التحولات الأمنية والسياسية التي شهدها الإقليم في العقود الأخيرة. هذا الاطلاع يتيح له قراءة أعمق لديناميات الأرض والناس، وهو عنصر أساسي في أي نقاش يتعلق بالحدود أو الترتيبات الأمنية أو مستقبل الاستقرار في المنطقة. فعلى سبيل المثال، في أي نقاش حول الخط الأزرق أو النقاط الحدودية المتنازع عليها، لا يكفي الإلمام بالنصوص الدولية، بل يصبح فهم طبيعة القرى الحدودية، وتركيبة العائلات الممتدة عبر الخطوط، وتجربة السكان مع النزاعات السابقة، عنصرًا حاسمًا في صياغة موقف تفاوضي واقعي وقابل للحياة. وهنا تبرز قيمة الخلفية التي يمتلكها كرم، إذ تسمح له بربط البعد القانوني بالواقع الاجتماعي الميداني. هذا الاهتمام ليس طارئًا، بل جزء من تكوينه الثقافي والفكري، ما يجعله يقرأ هذا التاريخ بوصفه عنصرًا حيًا في الذاكرة الوطنية، لا مجرد سردية ماضية. وتكتسب هذه المعرفة أهمية خاصة في سياق المفاوضات المتعلقة بالحدود والأمن ومستقبل الجنوب، حيث لا تُختزل الأرض في خطوط جغرافية، بل في تاريخ وحقوق وتجارب تراكمت عبر الزمن. وفي حالات مشابهة في تجارب دول أخرى، أثبتت المفاوضات أن تجاهل البعد التاريخي والاجتماعي يؤدي إلى اتفاقات هشة، بينما يسهم دمج هذا البعد في إنتاج تفاهمات أكثر استقرارًا واستدامة. وتُظهر التجارب الدولية أن المفاوض الفعّال هو من يجمع بين القانون والتاريخ والجغرافيا والسياسة، لا من يقتصر على البعد التقني وحده. ومن هذا المنطلق، ينتمي كرم إلى مقاربة تعتبر المعرفة العميقة جزءًا من أدوات القوة التفاوضية، لا مجرد خلفية ثقافية. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل مرحلة إقليمية حساسة قد تعيد رسم توازنات الجنوب اللبناني، وتفتح الباب أمام مقاربات جديدة للعلاقات في المنطقة، حيث تصبح التفاصيل الدقيقة في فهم الأرض والسكان جزءًا من معادلة الأمن والاستقرار. وفي هذا الإطار، لا يمثل الوفد اللبناني طرفًا سياسيًا بعينه، بل يعكس الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها وتاريخها. لذلك، فإن وجود شخصيات ذات خبرة واستقلالية مثل السفير كرم يعزز من صدقية الوفد ويقوي موقعه التفاوضي، خصوصًا في الملفات التي تتطلب مزيجًا من الحس التاريخي والدقة القانونية. ورغم تباين التقديرات حول نتائج هذه المفاوضات، يبقى الثابت أن لبنان، إذا أراد أن يكون فاعلًا في صياغة مستقبله، يحتاج إلى نماذج من رجال الدولة تجمع بين النزاهة والخبرة والمعرفة العميقة بتاريخ البلاد. في هذا النموذج تحديدًا، يبرز السفير سيمون كرم، حيث تتقاطع الاستقلالية مع الخبرة، والمعرفة مع الالتزام. ومن هنا، فإن حضوره في أي مسار تفاوضي لا يعكس قيمة شخصية فحسب، بل يعبر عن تصور لدور الدولة نفسها: دولة تستند إلى تاريخها، ويمثلها من يضع المبدأ فوق المنصب، ويجعل من الدبلوماسية أداة لحماية الحق قبل أن تكون وسيلة لإدارة التوازنات.

تحت الأرصفة... النور
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر
أغسطس 1, 2026 - 14:19

سحمر. تجمع سكاني يقع في غرب البقاع، يضم نحو ألف وخمسمئة منزل، ويقطنه ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف نسمة. وبالنظر إلى حجمه وعدد سكانه، فإن وصف صحمور بأنها قرية يبقى التوصيف الجغرافي الأدق. تعرضت سحمر لقصف إسرائيلي متكرر، حتى بدا الأمر وكأنه روتين ثابت. وإذا كانت هذه القرية ورؤساء بلدياتها المتعاقبون يشكلون عامل جذب للجيش الإسرائيلي، فإن مبنى البلدية نفسه يبدو وكأنه صاعقة تستقطب البرق. في قائمة «العشرة الأوائل» من بين أسوأ المتخلّفين عن سداد فواتير مؤسسة كهرباء لبنان، يبرز كلٌّ من مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، ومؤسسة مياه البقاع، إضافة إلى بلدية سحمر… فوفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة كهرباء لبنان يحدد قيمة الفواتير غير المسددة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2022 وديسمبر/كانون الأول 2025، بلغت المتأخرات المستحقة على مبنى البلدية المتواضع 1,599,205 دولارًا. وتُظهر عملية حسابية بسيطة، على أساس كلفة قدرها 25 سنتًا لكل كيلوواط/ساعة، أن البلدية استهلكت خلال تلك الفترة 6,396,820 كيلوواط/ساعة، أي بمعدل 170,430 كيلوواط/ساعة شهريًا. وبما أن الأرقام وحدها قد تكون مملة، فلا شيء يضاهي المثال العملي: فهذا الاستهلاك الشهري يكفي لتزويد 560 منزلًا في فرنسا بالكهرباء بشكل متواصل، مع التشديد على كلمة «متواصل»، وهي كلمة تكاد تكون غائبة عن واقع الكهرباء في لبنان، التي أصبحت أكثر مراوغة حتى من أحدث قاذفات B-2. مبنى بلدي يسطع بألف ضوء، إلى درجة أن استهلاكه يفوق بثلاث مرات استهلاك المقر الرئيسي لمؤسسة كهرباء لبنان في بيروت، الذي تبلغ متأخراته غير المسددة 530 ألف دولار. وعندما نكتشف أن بلدية متواضعة تستهلك كهرباء أكثر من مركز متخصص في الذكاء الاصطناعي، ما لم تكن قد قررت تزويد سكانها والقرى المجاورة بالطاقة بنفسها، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الأرقام التي نشرتها مؤسسة كهرباء لبنان كاذبة، بل ماذا تحاول أن تخبرنا. المشكلة الحقيقية تكمن في فهم مصدر هذا الثقب الأسود الكهربائي. وماذا لو كان التفسير، بالمعنى الحرفي للكلمة، موجودًا داخل حفرة؟ مدفونًا تحت الأرض، حيث جعل حزب الله منذ زمن طويل من باطن الأرض مقره المفضل. فمنذ أشهر، بدأت الشبكات تحت الأرض تظهر إلى العلن، وكأن شعار «نبني ونحمي» لم يكن مجرد شعار انتخابي، مع فارق أن البنية التحتية لم تُشَيَّد فوق الأرض، بل تحتها. إنها نسخة معاصرة من رواية «آلة الزمن» للكاتب هربرت جورج ويلز، حيث انشغل «المورلوكس» المحليون طوال العقدين الماضيين، ليس فقط ببناء دولة داخل الدولة، بل ببناء بلد تحت البلد. وطوال سنوات، كان مسؤولون سياسيون ووزراء معنيون، رغم اعتمادهم سياسة النعامة، يدركون تمامًا ما كان يجري، لا سيما أن دفن الرأس في التراب يمنح رؤية أوضح لما يحدث تحت سطحه. ويتفق المؤرخون على أن لبنان يتمتع بعمق حضاري استثنائي. أما اليوم، فأكثر من أي وقت مضى، بات هذا الوصف يُؤخذ بمعناه الحرفي. وهكذا نفهم بصورة أفضل لماذا تعجز الدولة عن بسط سلطتها على الأراضي اللبنانية: إنها تبحث عنها... في المستوى الخطأ.

من روما إلى الجمهورية الثالثة: هل بدأت إعادة هندسة لبنان؟

التاريخ لا يتذكر المدن التي توقفت فيها الحروب فقط، بل المدن التي وُلدت فيها الأنظمة الجديدة. لهذا، قد لا تُذكر روما مستقبلاً باعتبارها المدينة التي استضافت جولة مفاوضات بين لبنان وإسرائيل، بل باعتبارها المكان الذي بدأت فيه عملية إعادة صياغة النظام الأمني والسياسي اللبناني بعد حرب غيّرت موازين القوى في المنطقة. الاجتماعات المرتقبة في روما ليست مجرد بحث في وقف إطلاق النار، أو الانسحاب الإسرائيلي، أو تبادل الأسرى، رغم أهمية هذه الملفات، بل هي جزء من مسار أوسع يهدف إلى تحويل نتائج الحرب إلى واقع سياسي جديد يمنع العودة إلى ما كان قائماً قبلها. في التجارب الدولية، لا ينتهي أثر الحروب عندما تصمت المدافع، بل عندما تنجح القوى المعنية في بناء نظام جديد يعالج أسباب الصراع ويمنع تكراره. وهذا ما يبدو أن الولايات المتحدة تحاول تحقيقه في لبنان. من زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن، إلى اتفاق الإطار، وصولاً إلى اجتماعات روما، تبدو الصورة وكأنها حلقات مترابطة في مسار واحد: الانتقال من إدارة الأزمة اللبنانية إلى إعادة تنظيم قواعد الدولة. الهدف الأول لهذا المسار هو تثبيت مبدأ واضح: دولة واحدة، جيش واحد، وقرار أمني واحد. لم يعد ملف حصرية السلاح بيد الدولة مجرد مطلب لبناني أو دولي، بل أصبح عنواناً لإعادة بناء الدولة نفسها. إذ لا يمكن لأي دولة أن تستعيد دورها إذا بقي قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية. لكن اختزال أزمة لبنان في السلاح وحده سيكون قراءة ناقصة. فالمشكلة اللبنانية لم تكن فقط وجود قوة عسكرية موازية للدولة، بل أيضاً وجود دولة أُضعفت من الداخل بفعل منظومة سياسية كرست المحاصصة وحولت المؤسسات إلى ساحات نفوذ. وهنا يبرز دور نبيه بري، باعتباره أحد أطول السياسيين حضوراً في قلب السلطة اللبنانية. لم يقتصر دوره خلال العقود الماضية على موقعه كرئيس لمجلس النواب أو على علاقته السياسية بحزب الله، بل كان جزءاً من منظومة الحكم التي أدارت الدولة بعد اتفاق الطائف. وكما ساهم حزب الله في تكريس واقع أمني موازٍ للدولة من خلال امتلاك السلاح خارج المؤسسات، ساهمت قوى سياسية متعددة، كان بري أحد أبرز أركانها، في تكريس نمط إدارة للدولة قائم على المحاصصة السياسية والتعيينات التي غالباً ما غلبت عليها الاعتبارات السياسية على حساب الكفاءة. وكانت النتيجة دولة مثقلة بالترهل الإداري، وقطاعاً عاماً يعاني من التضخم الوظيفي، وانتشار البطالة المقنّعة، وتراجع قدرة المؤسسات على القيام بدورها الطبيعي. من هنا، فإن إعادة بناء لبنان لا يمكن أن تعني فقط معالجة ملف السلاح، بل يجب أن تشمل أيضاً إعادة تأسيس الدولة نفسها: إدارة عامة حديثة، قضاء مستقل، مؤسسات فعالة، وتعيينات تقوم على الجدارة لا على الولاء السياسي. وفي هذا السياق، يمكن فهم الضغوط المتزايدة حول نبيه بري. فحتى الآن، لم تستهدفه واشنطن شخصياً، لكنها وجهت رسائل سياسية واضحة عبر الضغط على شخصيات وشبكات مرتبطة بمحيطه. ويبدو أن الرسالة الأساسية هي أن المرحلة المقبلة لن تسمح باستمرار قواعد اللعبة القديمة. لكن الهدف قد لا يكون إقصاء بري بقدر ما هو إعادة تعريف دوره. يمتلك الرجل خبرة سياسية وشبكة علاقات تجعله لاعباً لا يمكن تجاهله في أي انتقال سياسي. إلا أن السؤال المطروح أمامه هو: هل سيكون شريكاً في بناء الدولة الجديدة، أم مدافعاً عن منظومة الحكم التي أوصلت لبنان إلى أزمته الحالية؟ أما حزب الله، فهو أمام اختبار تاريخي مختلف. فالمطلوب لم يعد مجرد وقف المواجهة العسكرية، بل إعادة تعريف موقعه داخل الدولة اللبنانية. فإما الانتقال إلى حزب سياسي يعمل ضمن قواعد الدولة، أو الاستمرار في مواجهة مسار داخلي ودولي عنوانه استعادة الدولة لقرارها الكامل. وفي المحصلة، فإن روما قد لا تكون مجرد محطة تفاوض بين لبنان وإسرائيل، بل بداية تفاوض أوسع حول شكل لبنان المقبل. فإذا كان اتفاق الطائف قد أنهى الحرب الأهلية وأعاد توزيع السلطة، فإن المرحلة المقبلة قد تكون بداية إعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية نفسها: دولة تحتكر السلاح، وتحتكر قرار الحرب والسلم، وتستعيد دورها العربي والدولي، وتبني اقتصاداً قادراً على النهوض. لكن نجاح هذا المسار ليس مضموناً. فالولايات المتحدة تستطيع رعاية التفاهمات، والدول العربية تستطيع المساهمة في إعادة الإعمار، والمجتمع الدولي يستطيع تقديم الدعم، لكن بناء الدولة يبقى مسؤولية اللبنانيين أنفسهم. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستنتج اجتماعات روما؟ بل: هل ستفتح روما الطريق أمام الجمهورية اللبنانية الثالثة؟ جمهورية لا تقوم فقط على إنهاء الحرب، بل على إنهاء الأسباب التي منعت قيام الدولة. فالمعركة المقبلة في لبنان ليست فقط معركة حدود، بل معركة هوية الدولة نفسها: هل تبقى دولة موزعة بين مراكز قوة متعددة، أم تصبح دولة واحدة صاحبة القرار والسيادة؟ وهنا سيُكتب الفصل المقبل من تاريخ لبنان.

تداعيات انتصار أوكرانيا أو روسيا (4/5)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
يوليو 28, 2026 - 14:06

تواصل الحرب في أوكرانيا تصدّر النقاشات الدولية، في ظل قصف شبه يومي يستهدف، من الجانبين، مواقع حيوية، ولا سيما العاصمتين الروسية والأوكرانية . ولفهم مختلف أبعاد هذا الصراع القديم بصورة أفضل، لا بد من العودة إلى مقدماته وجذوره التي أفضت إلى اندلاع هذه الحرب (التي يمكن وصفها بالأخوية)، مع استعراض دوافع وتطلعات الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا، بما في ذلك جميع دول حلف شمال الأطلسي باستثناء تركيا)، فضلاً عن التذكير ببدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى السلام، أو على الأقل إلى مفاوضات، مع الإقرار بأن المسؤوليات في هذا السياق متعددة . ولفهم مختلف جوانب الحرب في أوكرانيا، تبرز منذ البداية مجموعة من الأسئلة الأساسية: ماذا تمثل روسيا وأوكرانيا بالنسبة إلى الغرب؟ وما التداعيات العملية لانتصار حاسم لأي من الطرفين؟ وما الانعكاسات التي قد تترتب على ذلك بالنسبة إلى الغرب والشرق الأوسط؟ في سلسلة من خمسة مقالات، يعرض جان-باتريك دايراس، الأميرال البحري المتقاعد في البحرية الفرنسية، رؤيته وتحليله لهذه القضية . قراءة استشرافية: ماذا لو... أ – إذا انتصرت أوكرانيا، واستعادت كامل أراضيها ... التداعيات على أوكرانيا – تعزيز ملحوظ لمكانة أوكرانيا الدولية. – تسريع وتيرة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن نيل العضوية الفعلية سيبقى مساراً طويلاً. – توثيق أواصر التعاون العسكري مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بغض النظر عن حصول العضوية الرسمية من عدمه. – تراجع النفوذ الروسي في جزء واسع من أوروبا الشرقية. التداعيات على روسيا سترتبط النتائج المترتبة على موسكو بحجم الهزيمة، غير أنه من المؤكد تماماً ما يلي: – فقدان جزء كبير من هيبتها الدولية. – تكبد فاتورة اقتصادية باهظة ومستدامة ناجمة عن العقوبات المفروضة، فضلاً عن أعباء إعادة الإعمار وإعادة بناء القدرات العسكرية. – زعزعة ركائز سياسة الكرملين، وهو أمر ستتحدد نتائجه تبعاً لتطورات الأوضاع الداخلية. – تأثر مجمل السياسة الروسية المتبعة منذ سنوات في أفريقيا، وكذلك في مختلف دول مجموعة "بريكس+" أو الدول المرتبطة بها. ملاحظة: تتبنى تشاد مؤخراً توجهاً للتقارب مع فرنسا، وهو ما قد يُمثّل تمهيداً لتغيير في الجيوسياسية الإفريقية. ينبغي دراسة هذا التطوّر بعناية قبل تأكيده. في المقابل، يتعذر التكهن بأن هزيمة روسية محتملة ستؤدي تلقائياً إلى تغيير في النظام الحاكم؛ فتاريخ السياسة يثبت أن تطورات كهذه تظل رهينة جملة معقدة من العوامل الداخلية. التداعيات على أوروبا من شأن انتصار أوكراني أن يؤدي إلى: – تعزيز الشعور بالأمن لدى دول أوروبا الشمالية والوسطى والشرقية. – الحفاظ على مستوى عالٍ من الإنفاق العسكري. – تسريع جهود التنويع الطاقي التي انطلقت فعلياً منذ عام 2022. التداعيات على الولايات المتحدة قد تُصوَّر نتيجة كهذه على أنها نجاح لسياسة الدعم التي تقودها الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا وتحالفاتها الثنائية. ومع ذلك، فإنها لن تضع حدّاً للأزمات والتحديات الاستراتيجية الأخرى (كالخصومة مع الصين والمفاوضات المعقدة مع إيران). التداعيات على الصين ستراقب بيجين عن كثب الدروس المستفادة من النزاع، لا سيما تلك المتعلقة بغزو عسكري مباشر لتايوان. وقد تدفع هزيمة روسية الصين إلى: – تعميق بعض الروابط مع موسكو للحفاظ على شريك استراتيجي، ولكن من موقع مهيمن. – إعادة تقييم بعض جوانب سياستها الخارجية (إيران، تايوان، والتحالف الناشئ بين أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين). التداعيات على المنظمات الدولية سيُفسّر انتصار أوكراني على أنه تكريس للمبدأ القاضي بعدم جواز تغيير الحدود بالقوة. وقد يعزز ذلك مصداقية بعض قواعد القانون الدولي، رغم أن تطبيقها يظل رهيناً بموازين القوى بين الدول. حدود هذا السيناريو حتى في حال تحقق النجاح العسكري الأوكراني، ستظل عدة صعوبات قائمة: – إعادة إعمار البلاد، التي تُقدَّر تكلفتها بمئات مليارات اليورو والتي يتعين أن تتحملها روسيا. – عودة اللاجئين (وهو أمر لا يلتزم به إلا من يؤمن به). – إزالة الألغام من مساحات واسعة من الأراضي. – الملاحقات القضائية المرتبطة بجرائم الحرب المزعومة (مع احتمال تورط الأوكرانيين أنفسهم في جرائم مماثلة). – العلاقات المستقبلية بين روسيا وأوكرانيا والدول الأوروبية. ولن يمحو هذا الانتصار التوترات الجيوسياسية. فحتى لو بلغت أوكرانيا أهدافها العسكرية الرئيسية، فإن العلاقات بين روسيا والغرب ستظل على الأرجح محكومة بشكوك متبادلة وعسكرة مناطق معينة، وبإعادة صياغة التوازنات الأمنية في أوروبا. كما ستتوقف التداعيات أيضاً على شروط إنهاء النزاع: فتوصل الأطراف إلى اتفاق تفاوضي، أو وقف دائم لإطلاق النار، أو هزيمة عسكرية حاسمة، لن تكون لها النتائج ذاتها. ب - فوز روسيا وخسارة أوكرانيا يعتمد كل شيء على مفهوم "فوز روسيا"، إذ تختلف التبعات تماماً باختلاف طبيعة هذا النصر، سواء أكان مكسباً جغرافياً محدوداً، أم سيطرة مستدامة على جزء من أراضي البلاد، أم تغييراً في شكل الحكومة في كييف. قد تسفر الهزيمة الأوكرانية عن: – الفقدان المستديم لكل الأراضي المحتلة أو أجزاء منها. – تكبد أثمان بشرية واقتصادية وديموغرافية باهظة. – تباطؤ وتيرة إعادة الإعمار وضخ الاستثمارات. – استمرار نزوح تدفقات كبيرة من اللاجئين نحو الدول الأوروبية الأخرى. ويتحدد مستقبل أوكرانيا السياسي بناءً على شروط إنهاء النزاع؛ فالتوصل إلى وقف لإطلاق النار، أو إبرام معاهدة سلام، أو فرض اتفاق، سينتج عنه تداعيات متباينة. في حال حققت موسكو أهدافها الرئيسية، قد ينعكس ذلك في: – تعزيز وضع الكرملين على الساحة الداخلية. – تصوير النتيجة باعتبارها انتصاراً استراتيجياً. – الحفاظ على نفوذها ضمن أجزاء من أوكرانيا ومحيطها الإقليمي (مثل مولدوفا). وفي المقابل، وحتى في حال تحقيق نجاح عسكري، ستستمر روسيا في مواجهة: – العقوبات الاقتصادية الغربية. – تنامي الاعتماد على شركاء محددين مثل الصين، والهند، وغيرها من الدول غير الغربية. – أعباء مالية باهظة مرتبطة بإعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرتها والحفاظ على انتشار قوات عسكرية ضخمة. التداعيات على أوروبا من المرجح أن يؤدي انتصار روسيا إلى: – ارتفاع مستدام في حجم الإنفاق العسكري للدول الأوروبية. – تعزيز الوجود العسكري لحلف شمال الأطلسي على جناحه الشرقي (مع وجود تساؤلات حول دور الولايات المتحدة). – تسارع وتيرة السياسات الهادفة لخفض الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية. إضافة إلى ذلك، تتصاعد المخاوف من احتمالية مطالبة دول الجوار الروسي، ولا سيما دول البلطيق، بضمانات أمنية أكثر صلابة. التداعيات على الولايات المتحدة قد تتعرض الاستراتيجية الأمريكية في الملف الأوكراني لتشكيك جدي في جدواها، مما يمهد الطريق لنقاشات داخلية حول سياسة واشنطن الخارجية ومستوى التزامها بدعم حلفائها (بما يشمل منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية). التداعيات على الصين: يمكن تفسير النصر الروسي بطرق مختلفة: – يرى البعض فيه دليلاً على قدرة القوة الكبرى على تحقيق أهدافها رغم العقوبات. – يشدد آخرون على التكلفة الاقتصادية والبشرية والدبلوماسية الباهظة للنزاع، والتي قد تشكل أيضاً تحذيراً. وفي جميع الأحوال، ستظهر الصين بمظهر الطرف الذي مكّن روسيا من الانتصار بفضل الدعم الذي قدمته لها، لتكون هي الرابح الأكبر؛ بينما لن تعود روسيا عملاقاً ينافسها. التداعيات على القانون الدولي يرى العديد من رجال القانون أن أي سيطرة دائمة على الأراضي بالقوة ستشكل تحدياً كبيراً لمبدأ وحدة أراضي الدول، ولا سيما المبدأ المكرس من الأمم المتحدة. فيما يذكر آخرون أن السوابق التاريخية متباينة، وغالباً ما تتأثر ردود الفعل الدولية بموازين القوى، بينما سيشهد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تراجعاً في مكانته وصولاً إلى التشكيك في جدواه. حدود هذا السيناريو حتى في حال تحقيق النصر، قد تُقلص عدة عوامل هذه المكاسب: – التكلفة الاقتصادية على المدى الطويل. – إدارة أراضٍ قد تتسم بعدم الاستقرار. – استمرار العزلة عن جزء من الدول الغربية. – خطر وقوع تمرد مسلح أو اضطرابات مستمرة بحسب المناطق المعنية. – نجاح يشوبه الوصم نظراً للوقت المستغرق لتحقيق هدف كان يُؤمل في البداية أن يكون سريعاً، بل وسهلاً (حرب استمرت لفترة أطول من الحرب العالمية الأولى). – تراجع محتمل لهيبتها في إفريقيا. باختصار: تعتمد مكاسب النصر الروسي على مداه وظروف إنهاء الحرب. سيبقى المشهد الأمني الأوروبي متغيراً جذرياً، وستظل العلاقات بين روسيا والدول الغربية متوترة للغاية لفترة طويلة، فيما يستمر إعادة تشكيل النظام الأمني في أوروبا لأعوام عديدة. وفي المقابل، ستظل تداعياتها على الداخل الروسي والتوازن العالمي والتحالفات المقبلة غير حاسمة ومحل جدل بين الخبراء. الخلاصة: تُبرز التداعيات المذكورة أن هذا النزاع سيقضي على مفهوم النصر وفق النظام والنموذج الويستفالي. المقال المقبل انتصار أوكراني أو روسي: التداعيات على الشرق الأوسط (5/5) اقرأ أيضًا حول نفس الموضوع كيف اختار الغرب أوكرانيا (1/5) الحرب في أوكرانيا: فشل جهود السلام الأولية (2/5) الحرب في أوكرانيا: الأخطاء الاستراتيجية الروسية وسوء التقدير الغربي (3/5)

نهاية كأس العالم ما لها وعليها؟
بقلم
يقظان التقي
نُشر
يوليو 26, 2026 - 07:27

نجاح يسجل للفيفا، والولايات المتحدة، والمشجعين في نهاية كأس العالم2026، ومن المتوقع أن تصل إيرادات كأس العالم إلى 13 مليار دولار، مما يجعله الحدث الرياضي الأكثر ربحاً في التاريخ، وهو ما يعزز موقف "إنفانتينو" لإعادة انتخابه رئيساً للفيفا العام المقبل. كانت هذه البطولة من بين أغلى الأحداث الرياضية في الولايات المتحدة على الإطلاق، حيث بلغ سعر التذكرة الواحدة في السوق الثانوية ذروته ، وبلغ متوسط سعر الشراء 10800 دولار. ووصل سعر تذكرة واحدة إلى 32000 دولار، وهو أمر يعتبر جيداً أو سيئاً اعتماداً على ما، إذا كنت تشتري التذكرة أو تبيعها. وعلى الرغم من أن الطقس عطل عدداً قليلاً من المباريات، وليس العشرات كما كان يخشى البعض، إلا أن الكوابيس اللوجستية لتنظيم البطولة عبر ثلاث دول لأول مرة - الولايات المتحدة والمكسيك وكندا ، لم تتحقق. استضافت البطولة 48 فريقاً و104 مباريات، مما أفسح المجال لعدد من المفاجآت التي أضفت على البطولة بريقها وحيويتها. قدمت الرأس الأخضر، ثاني أصغر دولة تتأهل لكأس العالم، ظهوراً لا يُنسى، حيث تعادلت مع إسبانيا في مباراتها الافتتاحية. النرويج، التي شاركت في البطولة لأول مرة منذ قرن، وصلت إلى ربع النهائي بفضل المهاجم العملاق إيرلينج هالاند، الذي أصبح سريعاً مفضلاً لدى الجماهير بينما احتفل مشجعو الفريق بـ "احتفالية الفايكنج" التي انتشرت على نطاق واسع. كما خاضت كندا ومصر مباريات كأس العالم لأول مرة، ووصلت مصر إلى دور الـ16، لتصبح واحدة من تسع دول أفريقية تصل إلى الأدوار الإقصائية. ومن بين الاتحادات القارية الستة للفيفا، كان أداء أفريقيا أفضل من أوروبا، حيث أرسلت 13 فريقاً إلى دور المجموعات. لم يترك ليونيل ميسي أي شك في أنه لاعب كبير في تاريخ كأس العالم، إن لم يكن في تاريخ كرة القدم ، حيث قاد فريقه إلى النهائي، وغادر الملعب في ملعب "ميتلايف" باعتباره اللاعب الثاني الذي يشارك في ثلاث نهائيات لكأس العالم (بتكوين إسباني رابح بالضرورة). لكن إذا كانت هذه هي النقاط المضيئة، فقد كانت هناك أيضاً نقاط سلبية. كانت هذه أكثر بطولات كأس العالم تسييساً، والأولى التي كانت فيها الدولة المضيفة، الولايات المتحدة، في حالة حرب مع إيران . كان لذلك تداعيات بدءاً من رفض منح تأشيرات لأكثر من اثني عشر عضواً من الوفد الرسمي الإيراني. كما رفضت وزارة الخارجية الأميركية دخول عمر عبد القادر أرتان، وهو حكم صومالي معتمد، بدعوى "التدقيق في المخاوف". وعلى الرغم من أن نظام حكم الفيديو المساعد (VAR) اعتمد في المقام الأول لتنبيه الحكم الرئيسي إلى الأخطاء الواضحة والمؤكدة، أو الحوادث الخطيرة التي فاتته، إلا أنه أصبح في هذه البطولة تدخلياً، حيث ألغى هدفاً لكرواتيا، وكلف مصر ما كان يمكن أن يكون هدف الفوز .وهو أمر ينتقده البعض لأنه أزال أي شعور بالحكم أو التقدير، مما سلب اللعبة الكثير من دراميتها. فكرة القدم فن، وهذا هو سبب حب الناس لها. ثم كان هناك تدخل الرئيس ترامب الذي نسب الفضل لنفسه في قرارات الحكام في قضية المهاجم فولارين بالوغون، واعترف بأنه اتصل، وتم تعليق عقوبة البطاقة الحمراء. ولكن كما هو الحال دائماً مع الفيفا، المال هو الصوت الأعلى، وسلوك إنفانتينو المثير للجدل على مدى العام الماضي لا يبدو أنه كلفه الكثير من الدعم. وهذا هو السبب في أن إسبانيا لم تكن الفائز الوحيد في هذه البطولة، التي صارت فرعاً من العلاقات الدولية وتعبيراً عن القوة الناعمة. بطولة، هي آخر لغة عالمية يتحدثها البشر. مصنع للذاكرة، وللانتماء .وهنا تأتي الفيفا، وترامب، وإنفانتينو، والأموال، والرعاة، والـVAR، لا كوقائع منفصلة، بل كدليل على أن السياسة لم تعد تراقب المباراة من المدرجات، بل نزلت إلى أرض الملعب لكن رغم كل محاولات التسييس، لا يزال الناس يبكون لهدف، ويفرحون لمفاجأة، ويؤمنون بأن منتخباً صغيراً يستطيع إسقاط قوة كروية مفاجئة. هذه هي العدالة الرمزية التي لا تستطيع السياسة شراءها بالكامل) لطالما كانت أكبر بطولة لكرة القدم في العالم محاطة بالفضائح والنزاعات منذ أول بطولة أقيمت في أوروغواي عام 1930، إيطاليا عام 1934، إنجلترا 1966، وفي عام 2002). يمكن أن تكون مباريات كرة القدم بدائل سلمية للحرب، أو ممكن أن تساعد المشجعين في كل مكان على رؤية ما يشتركون فيه، بدلاُ من التقاتل المشترك، أو التسييس، أو الفساد المزعوم، أو الغسيل الرياضي. لكن، هذه ليست هي القصة الحقيقية. كأس العالم ليست سوى رفاهية. فكل 4 سنوات ، يتسلل عشاق كرة القدم حول العالم إلى أعمالهم للمشاهدة ، ويتركون أطفالهم يسهرون لساعات متأخرة. لا يمكن لأحد أن يمنع هذه المتعة. كأس العالم هي آلة لصناعة الذكريات. يتذكر المشجعون المخضرمون أين كانوا عندما شاهدوا أعظم انتصارات فرقهم وأكثر هزائمهم إيلاماً، ومع من كانوا في الغرفة الواحدة من الآباء الراحلين إلى الأصدقاء والأبناء الذين كبروا. في وقت، يمكن للفرق أن تمنح الأمل في مستقبل مختلف، مثل انتصارات الصدمة بأن الضعفاء في الفرق قد يرثون أرض الملاعب. دراما لا تمحى، كرة خلاص في الأناشيد الوطنية التي تشير أيضاً بالضرورة إلى العنف والجنود والحرب. إن انتشار نظريات المؤامرة دليل على مدى اهتمام الناس في كل مكان بكأس العالم. ووفقاً للفيفا، شاهد نحو 3مليار شخص نهائي 2026 على التلفزيون. وهذا يولد تدفقات هائلة من الإيرادات من حقوق البث، وصفقات الرعاية وتذاكر المباريات والضيافة. ومثل أسلافه الذين خدموا طويلاً، بلاتر وجواو هافيلانج ، أثبت إنفانتينو براعته في مخالطة الأقوياء. فقد حصل على ميدالية "وسام الصداقة" من فلاديمير بوتين، وابتكر "جائزة الفيفا للسلام" ليمنحها لدونالد ترامب. ومن خلال توسيع البطولة إلى 48 فريقاً، زادت الفيفا ً من نطاق الصراع والمصالح وسط الاضطرابات الجيوسياسية. إن القول بـ "إبقاء السياسة خارج الرياضة" هو المغالطة المعتادة، لا يمكننا توقع المثال، لكن يجب المطالبة بالاتساق والمساءلة. يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في تحقيق هذه الأهداف، لكنها يمكن أن تعقدها أيضاً، إذا ما تم التعامل معها خلف الستار الرقمي لحكم الفيديو المساعد (VAR). لا جدال في الأذواق( باستثناء، قليليلن لديهم حساسيتة جمالية تنفر من القمصان الرياضية باعتبارها لعبة عنيفة). فالجميع يهوس بكرة القدم، لأن الأمر يعود في النهاية إلى غرائز وردود أفعال عميقة كطقس جماعي. وكما يقول عالم الاجتماع إميل دوركايم، فإن الأشياء المقدسة "تكون منفصلة ومحاطة بالمحرمات". فالكرة للبعض هي يوم عبادتهم، كطقس يوفر شعوراً بالفخر المجتمعي، ويجمع الناس (بشكل سلمي) حول هويات مشتركة، دافعاً - رغبة في أن يكونوا جزءاً من شيء يتجاوز ذواتهم في "الإثارة الجماعية" (collective effervescence)، وسيلة لخلق غير المألوف والاستثنائي في خلق روابط تفاهم بين أشخاص قد لا يكون لديهم الكثير من القواسم المشتركة، وهم يحتفلون بانتصارهم غير المتوقع. هذا أيضاً قد يثير عوالم أخرى بطرق غير متوقعة. فموضوع الولاء في الأمة، الذي يتم التعبير عنه من خلال الهوية الوطنية للفرد، يمكن أن يصبح معقداً. قد ينظر إلى لاعب كرة القدم الأمريكي "فلورين بالوغون" على أنه "طفل مرساة (anchor baby) لوالدته النيجيرية، و كان بإمكانه اللعب لإنجلترا أو نيجيريا. لذلك، تشجيع اي فريق كرة القدم هو تشجيعا للمثل التعددية ولإنتاج "توليفات هوياتية" في تحولها من "أنا" إلى "نحن"، وهو ما جمع سكان نيويورك معاً. يجادل اللاهوتي الكاثوليكي "مايكل نوفاك" بأن "الرياضة تتدفق إلى الخارج كعمل من دافع طبيعي عميق نحو الكمال". والسياسة، بالطبع، هي التسلية الأخرى في ما تطلبه القبلية في الرياضة، وهو ألطف مما تجلبه صناديق الاقتراع. وهذا في حد ذاته نوع من الرحمة.

حروب إيران وأذرعها: من سيدفع الثمن؟
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر
يوليو 25, 2026 - 15:31

لم تعد المواجهة التي تشهدها المنطقة مجرد فصل جديد في الصراع بين إيران وخصومها، ولا يمكن اختزالها في المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فما تكشفه التطورات الأخيرة يتجاوز حدود الحرب نفسها إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بشكل النظام الإقليمي الذي سيخرج من هذه المواجهة، وبموقع إيران داخله، وبمستقبل شبكة القوى المسلحة التي بنت طهران من خلالها جزءاً مهماً من نفوذها في العالم العربي. لسنوات طويلة، قامت الاستراتيجية الإيرانية على معادلة واضحة نسبياً: حماية الداخل الإيراني وتوسيع النفوذ والقدرة على الردع خارج الحدود، عبر شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة الممتدة من العراق ولبنان إلى اليمن. وقد وفّر هذا النموذج لطهران ما اعتبرته “عمقاً استراتيجياً”، وأتاح لها ممارسة الضغط على خصومها من ساحات متعددة من دون أن تكون الأراضي الإيرانية بالضرورة ميدان المواجهة المباشرة. لكن الحرب الحالية تكشف حدود هذه المعادلة، وربما بداية انقلابها على أصحابها. فالمسألة لم تعد مقتصرة على تحرك حلفاء إيران. لقد أصبحت دول مجاورة لإيران نفسها جزءاً من مسرح المواجهة، وتعرضت دول عربية لهجمات إيرانية مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي 28 شباط، أفادت الكويت وقطر والإمارات والبحرين باعتراض صواريخ إيرانية، كما اعترض الأردن صواريخ دخلت أجواءه. وفي الأسابيع التالية امتدت الهجمات والتداعيات إلى ساحات أخرى في الخليج. وفي 11 آذار، اعتمد مجلس الأمن القرار 2817 الذي أدان الهجمات الإيرانية على دول إقليمية وطالب إيران بوقفها. وهنا تظهر المفارقة الأولى التي ينبغي التوقف عندها: كيف تستطيع إيران أن تطالب باحترام سيادتها، وفي الوقت نفسه تتعامل مع سيادة دول الجوار باعتبارها قابلة للتجاوز كلما اقتضت حساباتها العسكرية ذلك؟ لا شك أن إيران تعرضت بدورها لهجمات عسكرية واسعة، وقد استندت في تبرير ردها إلى حق الدفاع عن النفس. وهذه حقيقة لا ينبغي تجاهلها في أي قراءة موضوعية للصراع. لكن حق أي دولة في الدفاع عن نفسها لا يمنحها تلقائياً الحق في تحويل دول أخرى إلى امتداد جغرافي لساحة المواجهة، خصوصاً عندما تكون هذه الدول حريصة على عدم الانخراط في الحرب أو تعمل على احتواء التصعيد. من تصدير النفوذ إلى تصدير كلفة الحرب تكمن إحدى المشكلات الأساسية في السياسة الإقليمية الإيرانية في أنها لم تكتفِ خلال العقود الماضية بتوسيع نفوذها السياسي، بل ربطت جزءاً من أمنها القومي ببناء قدرة عسكرية خارج حدودها. كانت الفكرة، من وجهة النظر الإيرانية، أن مواجهة الخصوم بعيداً عن الأراضي الإيرانية توفر لطهران هامشاً أكبر للمناورة والردع. لكن لهذه الاستراتيجية وجهاً آخر: نقل كلفة الصراع الإيراني إلى دول ومجتمعات أخرى. وهذا ما يجعل التطورات الراهنة مختلفة في دلالاتها. دول الخليج، على سبيل المثال، ليست اليوم الدول نفسها التي كانت عليها قبل عقدين. السعودية والإمارات وقطر والكويت وعُمان والبحرين تستثمر في نماذج اقتصادية تعتمد بصورة متزايدة على الاستقرار، وجذب الاستثمارات، والطيران والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية وربط اقتصاداتها بالأسواق العالمية. بالنسبة إلى هذه الدول، لم يعد الأمن مجرد حماية للحدود. لقد أصبح جزءاً من نموذجها الاقتصادي ومن قدرتها على تنفيذ مشاريعها المستقبلية. لذلك، عندما تصبح مطاراتها أو منشآتها الحيوية أو أجواؤها أو ممراتها البحرية جزءاً من مواجهة إيرانية مع طرف ثالث، فإن المشكلة تتجاوز مسألة عسكرية عابرة. إنها تمس مباشرة مفهوم السيادة الذي يفترض أن يحكم العلاقات بين دول المنطقة. والأخطر أن هذه السياسة لا تتحرك فقط من خلال الدولة الإيرانية. هنا تبدأ الحلقة الثانية من المشكلة: الأذرع والحلفاء المسلحون. الحوثيون: عندما تقرر جماعة مسلحة علاقة دولة بدولة أخرى التطور الأخير في اليمن يقدم ربما المثال الأكثر وضوحاً على المعضلة التي تواجه المنطقة. فقد أعلن الحوثيون ما وصفوه بـ”الحصار البحري” على السعودية، وهددوا حركة السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، في خطوة نقلت المواجهة إلى مستوى يتجاوز بكثير حدود الصراع اليمني الداخلي. وقد دفعت التهديدات بالفعل ناقلات تحمل النفط السعودي إلى تغيير مساراتها، بما يظهر أن تداعيات القرار لا تتوقف عند البيانات السياسية، بل تصل إلى التجارة والطاقة والملاحة الدولية. هنا يجب ألا يكون السؤال فقط: لماذا يفعل الحوثيون ذلك؟ السؤال الأكثر أهمية هو: من منح جماعة مسلحة داخل اليمن حق اتخاذ قرار يمكن أن يحدد علاقة اليمن بدولة مجاورة بحجم السعودية، وأن يعرّض اليمن نفسه لتداعيات عسكرية واقتصادية قد تكون هائلة؟ هذه ليست مسألة يمنية فقط. إنها تمس جوهر الأزمة التي أنتجها نموذج القوى المسلحة الموازية للدولة في أكثر من بلد عربي. فالمشكلة لم تعد أن إيران تمتلك حلفاء مسلحين في المنطقة فحسب، بل إن بعض هؤلاء الحلفاء بات يمتلك القدرة على إعادة رسم علاقات دوله مع جيرانها من خارج مؤسسات الدولة نفسها. وهذا فارق بالغ الأهمية. يمكن لحزب سياسي أن يتبنى الموقف الإقليمي الذي يريده، وأن يؤيد إيران أو يعارضها، وأن يعلن موقفه من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو السعودية. هذه هي السياسة. لكن امتلاك القدرة العسكرية المستقلة التي تسمح لهذا الحزب أو التنظيم بتحويل موقفه السياسي إلى حرب تتورط فيها الدولة بأكملها هو أمر مختلف تماماً. من اليمن إلى لبنان والعراق ما يطرحه المثال اليمني اليوم ليس بعيداً عما اختبره لبنان، وإن اختلفت الظروف والسياقات. لقد عرف اللبنانيون خلال السنوات الأخيرة معنى أن يصبح قرار الحرب مرتبطاً بحسابات تتجاوز مؤسسات الدولة، وأن يتحول بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية وسياسية عميقة إلى جزء من مواجهة إقليمية أوسع. وهنا لا يتعلق النقاش فقط بموقف اللبنانيين من إسرائيل، ولا بشرعية مقاومة الاحتلال في مراحل تاريخية سابقة، بل بسؤال أكثر تحديداً: من يملك اليوم قرار إدخال لبنان في الحرب؟ الدولة أم تنظيم داخل الدولة؟ وفي العراق، تبدو المعضلة مشابهة وإن اتخذت شكلاً مختلفاً. فبغداد تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران من جهة، ومع الدول العربية والولايات المتحدة والمجتمع الدولي من جهة أخرى، بينما يمكن لتحركات بعض الفصائل المسلحة أن تضع الدولة أمام نتائج قرارات لم تتخذها الحكومة نفسها. وقد أظهرت المواجهة الحالية أيضاً أن حسابات بعض القوى العراقية المسلحة ليست بالضرورة متطابقة بصورة كاملة مع حسابات طهران؛ إذ أفادت تقارير بأن جماعات بنت إيران معها علاقات على مدى سنوات أبدت تحفظاً على الانخراط في حرب واسعة قد يدفع العراق ثمنها. وهذا تطور يستحق الانتباه. لأن السؤال الذي بدأ يظهر داخل هذه البيئات قد لا يكون: هل نقف مع إيران أم ضدها؟ بل سؤالاً مختلفاً تماماً: هل مصلحة إيران في هذه الحرب هي بالضرورة مصلحة العراق أو لبنان أو اليمن؟ الميليشيات بين “العمق الاستراتيجي” والعبء الاستراتيجي هنا ربما تكمن أكبر مفارقات الاستراتيجية الإيرانية. لقد استثمرت طهران لعقود في بناء شبكة من العلاقات مع قوى مسلحة في المنطقة، واعتبرت هذه الشبكة جزءاً من قدرتها على الردع وحماية أمنها القومي. لكن ما اعتُبر طوال سنوات عمقاً استراتيجياً قد يتحول في البيئة الإقليمية الجديدة إلى عبء استراتيجي . فكلما استخدمت جماعة مسلحة أراضي دولة عربية لتهديد دولة أخرى، تزداد الضغوط ليس فقط على تلك الجماعة، وإنما على الدولة التي تعمل منها. وكلما أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة والممرات البحرية أدوات تستخدمها قوى من خارج المؤسسات الرسمية، يصبح من الأصعب التعامل مع سلاح هذه القوى باعتباره مجرد شأن داخلي للدولة التي توجد فيها. وهنا قد ترتكب إيران وحلفاؤها خطأ استراتيجياً كبيراً إذا افترضوا أن الشرق الأوسط الذي سيخرج من الحرب الحالية سيقبل بالقواعد نفسها التي حكمت المنطقة قبلها. المنطقة تتغير… وقواعد اللعبة أيضاً هناك تحول أوسع يحدث في الشرق الأوسط. السعودية ودول الخليج تعيد تعريف أولوياتها. دول عربية أخرى تحاول استعادة مؤسساتها بعد سنوات من الحروب والانقسامات. وهناك اتجاه متزايد نحو اعتبار الاستقرار الاقتصادي والأمن الإقليمي والسيادة الوطنية مصالح مترابطة وليست ملفات منفصلة. وفي هذا السياق، يصبح من الصعب تصور نظام إقليمي مستقر يقبل بصورة دائمة بوجود تنظيمات مسلحة تستطيع اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة ضد دول أخرى. الدولة لا تستطيع أن تطالب جيرانها باحترام سيادتها إذا كانت لا تحتكر السلاح وقرار الحرب داخل حدودها. والتنظيم المسلح لا يستطيع أن يكون جزءاً من النظام السياسي عندما يناسبه ذلك، ثم يتصرف كدولة مستقلة عندما يتعلق الأمر بالحرب والسلم. هذه المعادلة قد تكون قابلة للاستمرار عندما تكون كلفة المواجهات محدودة. لكنها تصبح أكثر صعوبة عندما تستطيع مسيّرة واحدة أو صاروخ واحد أن يستهدف منشأة حيوية، أو يعطل مطاراً، أو يهدد ممراً بحرياً، أو يجر دولتين إلى مواجهة أوسع. ولهذا، فإن ما يحدث اليوم قد يؤدي إلى ما هو أبعد من إعادة رسم موازين القوى بين إيران وخصومها. قد يؤدي إلى إعادة تعريف المقبول وغير المقبول في النظام الأمني الإقليمي نفسه . الخطأ الإيراني الأكبر ربما يكون الخطأ الأكبر في حسابات طهران اليوم هو الاعتقاد بأن توسيع مساحة المواجهة يزيد دائماً قدرتها على الردع. قد يكون ذلك صحيحاً عسكرياً في لحظة معينة. لكن الاستراتيجية لا تقاس فقط بعدد الجبهات التي يستطيع اللاعب فتحها، وإنما أيضاً بالنظام السياسي والأمني الذي تنتجه تلك الجبهات بعد انتهاء الحرب. إذا أدت التحركات الإيرانية وتهديدات القوى المتحالفة معها إلى دفع السعودية ودول الخليج والأردن ودول أخرى نحو تعاون دفاعي أعمق، وإلى زيادة الضغط الدولي على الجماعات المسلحة خارج الدولة، وإلى تعزيز المطالبة الداخلية في لبنان والعراق واليمن بحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، فإن إيران قد تكتشف أن الحرب التي أرادت من خلالها إثبات اتساع نفوذها ساهمت في تقويض البيئة التي سمحت لهذا النفوذ بالنمو أصلاً. وهذا الاحتمال لا ينبغي التقليل من أهميته. فالقوة الإيرانية الإقليمية لم تقم فقط على الصواريخ أو البرنامج النووي أو القدرات العسكرية التقليدية. جزء مهم منها قام على قدرة طهران على العمل داخل المساحات الرمادية للدولة العربية: دولة موجودة، ولكنها لا تحتكر القوة؛ حكومة قائمة، ولكنها لا تحتكر القرار العسكري؛ وحدود معترف بها، ولكنها لا تمنع انتقال السلاح والصراع عبرها. إذا بدأت هذه المساحات بالانحسار، فإن أحد أهم مصادر النفوذ الإيراني سيتعرض لتحدٍ جوهري. حروب إيران وأذرعها… من سيدفع الثمن؟ لا تزال نتيجة المواجهة الحالية مفتوحة على احتمالات متعددة. ولا يمكن الجزم اليوم بشكل النظام الإقليمي الذي سيخرج منها. لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها: المنطقة التي تعيش هذه الدرجة من التهديد وعدم الاستقرار لن تعود ببساطة إلى النقطة التي كانت عندها قبل الحرب. ستعيد الدول تقييم تحالفاتها ودفاعاتها وحدودها وعلاقاتها مع إيران، كما ستعيد النظر في الطريقة التي تتعامل بها مع الجماعات المسلحة القادرة على تهديدها من أراضي دول أخرى. وهنا ينبغي على حلفاء إيران أنفسهم أن يطرحوا السؤال الذي قد يكون أكثر أهمية من سؤال الانتصار والهزيمة في الحرب الحالية: ماذا سيبقى لهم ولدولهم عندما تتوقف الحرب؟ فالحوثيون يستطيعون تهديد السعودية، لكن اليمن سيكون أول من يتحمل نتائج أي حرب جديدة. والفصائل العراقية تستطيع الدخول في مواجهة إقليمية، لكن العراق هو الذي سيواجه انعكاساتها الاقتصادية والأمنية والسياسية. وفي لبنان، يمكن لأي قوة مسلحة أن تعتبر نفسها جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، لكن اللبنانيين هم الذين سيبقون بعد انتهاء المواجهة أمام بلد يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده ودولته ومؤسساته. أما إيران، فقد تستطيع توسيع ساحات المواجهة وإثبات قدرتها على إيذاء خصومها خارج حدودها، لكنها بذلك تخاطر أيضاً بتحويل الخوف من نفوذها إلى أساس لنظام إقليمي جديد يقوم على احتوائه. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ما بنته إيران طوال عقود ليكون عمقاً استراتيجياً قد يتحول، بفعل الاستخدام المفرط له، إلى السبب الذي يدفع المنطقة إلى البحث عن نظام أمني جديد هدفه منع أي دولة أو جماعة مسلحة من امتلاك القدرة على تقرير مصير دول أخرى. لذلك، فإن السؤال اليوم ليس ما إذا كانت إيران وأذرعها قادرة على فتح جبهات جديدة. لقد أثبتت أنها تملك أدوات لذلك. السؤال الأصعب هو ما إذا كانت تدرك أن كل جبهة جديدة قد تسرّع ولادة شرق أوسط لم يعد مستعداً لقبول القواعد التي سمحت لهذه الأذرع بالنشوء والاستمرار. حروب إيران قد تبدأ من حسابات طهران، لكن الدول والشعوب التي تتحول إلى ساحاتها قد تكون أول من يدفع الثمن. وفي الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم، قد يصبح احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم ليس مجرد مطلب سيادي داخلي، بل شرطاً أساسياً لأي نظام إقليمي قابل للحياة.

هرمز... الدبلوماسية القسرية و"نظرية الرجل المجنون"!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
يوليو 25, 2026 - 01:14

تمسّكوا جيدًا! فوفقًا لبعض القراءات، لم يكن القصف الأميركي المتواصل لإيران، لليلة تلو الأخرى، يهدف فقط إلى تدمير أهداف عسكرية أو مدنية، أو إلى نسف الرادارات ومنصات إطلاق الصواريخ ومصافي النفط، بل كان يحمل في طياته رسالة سياسية موجهة إلى طهران. وبحسب هذا المنطق، فإن كل ضربة جوية ليست سوى وسيلة لدفع إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن وفق شروط جديدة. وهذا ما كان سيدافع عنه الاقتصادي الأميركي توماس شيلينغ، الحائز جائزة نوبل عام 2005، الذي اعتبر أن الحروب ليست مجرد مواجهات عسكرية، بل هي أيضًا شكل من أشكال التفاوض بوسائل أخرى، حيث يتبادل الخصوم الرسائل عبر القصف بقدر ما يتبادلونها عبر القنوات الدبلوماسية. التحول في المقاربة الأميركية في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict)، يميز شيلينغ بين مفهومَي الردع (Deterrence) والإكراه (Compellence)، ويجعل منهما ركيزتين لفهم السلوك الاستراتيجي للدول. فطالما اكتفت حاملات الطائرات الأميركية بالانتشار في المنطقة من دون استخدام القوة، كانت واشنطن تمارس سياسة الردع. لكن مع اندلاع المواجهات، ثم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، جاءت الوساطة الباكستانية لتفضي، في 17 حزيران/يونيو الماضي، إلى مذكرة التفاهم (MOU). ورأى كثيرون أن الدبلوماسية الإيرانية، بما أظهرته من مرونة وقدرة على المناورة، دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى خفض سقف مطالبه، فانتقل من السعي إلى إسقاط نظام الملالي إلى الاكتفاء بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وبدا وكأن الولايات المتحدة انتقلت من سياسة الردع إلى الإكراه، ثم انتهت إلى التفاوض، الأمر الذي فسره البعض على أنه تراجع في الموقف الأميركي. غير أن ترامب لم يكن قد أنهى اللعبة. فقد أثار غضبه ما اعتبره مناورة من المفاوضين الإيرانيين وتأويلهم للمادة الخامسة من مذكرة التفاهم، فاتخذ من حادث أمني محدود ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية. وهكذا عاد الخليج إلى دائرة التصعيد، مع استئناف الضربات الأميركية المكثفة.(1) السابقة الفيتنامية كثيرون وصفوا سياسة ترامب بالتقلب، معتبرين أن أهدافه غير واضحة وأن إدارته للحرب تفتقر إلى الاتساق. لكن هل كان هذا التوصيف منصفًا؟ فالرئيس الأميركي، وإن لم يكن من دعاة الحروب، ولا يشبه بنيامين نتنياهو في اندفاعه العسكري، ولا الحرس الثوري الإيراني في نهجه التصعيدي، فإنه يجيد التكيف مع تطورات الميدان، ويعرف كيف يوظف القوة عندما يرى أنها تخدم أهدافه السياسية. وإذا بدا أحيانًا وكأنه يتراجع، فإنه غالبًا ما يعود إلى التصعيد في توقيت غير متوقع. والتاريخ الأميركي يقدم سابقة مشابهة. ففي حرب فيتنام، وبعد سنوات من الاستنزاف العسكري، وصل ريتشارد نيكسون إلى البيت الأبيض وهو يسعى إلى إنهاء الحرب من دون أن تبدو الولايات المتحدة مهزومة. وأسند إلى وزير خارجيته هنري كيسنجر مهمة إدارة المفاوضات في باريس مع الفيتناميين الشماليين. لكن عندما تعثرت المفاوضات، لجأ كيسنجر إلى الجمع بين التصعيد العسكري المكثف والتفاوض، في إطار ما أصبح يعرف بـ«الدبلوماسية القسرية» (Coercive Diplomacy) و«نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) التي ارتبطت باسم الرئيس نيكسون.(2) وقد أفضى هذا النهج في النهاية إلى توقيع اتفاقيات باريس في كانون الثاني/يناير 1973. من هرمز إلى جبل عامل ويبدو أن السيناريو نفسه يتكرر اليوم في مضيق هرمز، بعدما أدرك ترامب أن سياسة الردع وحدها لم تعد كافية، وأن حرب الاستنزاف مع إيران ستكون أكثر كلفة مما توقع. ومن هنا، يرى الكاتب أن واشنطن انتقلت إلى مرحلة الإكراه، حيث لا تستهدف الضربات الجوية القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية بقدر ما تهدف إلى رفع الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية للحرب، ودفع طهران إلى تعديل سلوكها والعودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أكثر ضعفًا. وبذلك تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة ضغط دبلوماسية، لا إلى غاية بحد ذاتها. العبرة بالنسبة إلى لبنان وانطلاقًا من هذا المنظور، يرى الكاتب أن إسرائيل ستواصل حرب الإكراه في جنوب لبنان إلى أن يرضخ حزب الله. فسياسة الأرض المحروقة والتدمير المنهجي ليست، في رأيه، سوى وسيلة ضغط لفرض نتائج سياسية. ويستحضر الكاتب تجربة عام 1982، عندما وافق ياسر عرفات على مغادرة بيروت مع مقاتليه، استجابة لنداءات شخصيات سنية رفضت تحويل العاصمة إلى «ستالينغراد» جديدة. ويطرح في المقابل سؤالًا: هل يمكن انتظار الموقف نفسه من طهران؟ ويجيب بأن القيادة الإيرانية، التي يصفها بأنها مركز المشروع الخميني، تبدو مستعدة، وفق رأيه، لمواصلة المواجهة «حتى آخر شيعي». ويختم بالقول إن التاريخ سيحكم، في نهاية المطاف، بأن الإيراني لم يُبدِ التعاطف نفسه الذي أظهره الفلسطيني. (1) يستند الكاتب في فرضيته إلى أن الطائرات الأميركية تواصل منذ السابع من تموز/يوليو قصف المنشآت الإيرانية، بينما ترد طهران باستهداف الكويت وقطر والبحرين وسلطنة عُمان والأردن بحجة استضافتها قواعد أميركية، من دون أن تستهدف مباشرة حاملات الطائرات أو القطع البحرية الأميركية. (2) تشير «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) إلى استراتيجية في السياسة الخارجية تبناها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، تقوم على إقناع الخصوم بأنهم يواجهون قائدًا غير قابل للتنبؤ، ومستعدًا للذهاب إلى أقصى درجات التصعيد، بما في ذلك استخدام قوة تدميرية هائلة.