
عون في واشنطن: أفضل فرصة منذ جيل لاستعادة السيادة

للمرة الأولى منذ عام 2009، يعبر رئيس لبناني هذا الأسبوع أبواب البيت الأبيض، لا بصفته طالب دعم يسعى إلى تذكير واشنطن بوجوده، بل حاملاً مشروعاً متكاملاً. فقد جلس الرئيس جوزاف عون، يوم الثلاثاء، قبالة دونالد ترامب وسلّمه مقترحاً خطياً يتضمن خارطة طريق لتفكيك ترسانة حزب الله، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي التي لا تزال قواتها تحتلها في جنوب لبنان.
أما ترامب، فقد اعتمد نبرة بدت أقرب إلى الأبوة. فقال للصحافيين: «نشعر بإيجابية كبيرة تجاه لبنان»، مضيفاً أن هذا البلد «تعرض لمعاملة سيئة جداً» وأنه يستحق أن «يُعامل بالاحترام الذي يليق به». وفي الجملة نفسها، أقرّ بأن «هناك مشكلة اسمها حزب الله»، وكأنه اختصر، بهذه العبارة، مأساة لبنان وفرصته في آن واحد.
قد يكون من السهل النظر إلى هذه الزيارة باعتبارها مجرد رمز مغلف بالمضمون، أو عملية علاقات عامة لرئيس يسعى إلى إظهار أن بيروت استعادت أصدقاءها في واشنطن أمام الناخبين اللبنانيين والدول الخليجية المانحة.
وقد يكون من السهل أيضاً اعتبارها فصلاً جديداً في السجل الطويل للمبعوثين الأميركيين والاتفاقات الإطارية التي وعدت بالكثير ولم تحقق إلا القليل.
إلا أن هذه القراءة تغفل ما هو جديد بالفعل، وما هو على المحك فعلاً.
فللمرة الأولى منذ عقود، تتقدم الدولة اللبنانية نفسها إلى طاولة التفاوض، لا ميليشيا، ولا راعٍ خارجي، ولا زعيم حرب طائفي، حاملة خطة صاغتها بنفسها. ونجاح هذه الخطة أو فشلها سيحدد ما إذا كان لبنان سيمضي الجيل المقبل دولةً ذات سيادة، أم سيبقى، كما كان طوال خمسين عاماً، ساحةً تؤجر لحروب الآخرين.
رئيس بلا ميليشيا... لكنه يملك جيشاً
إن السيرة الذاتية لجوزاف عون نفسها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشهد الذي يتكشف اليوم في واشنطن.
فقد انتُخب رئيساً للجمهورية في التاسع من كانون الثاني/يناير 2025، منهياً فراغاً رئاسياً شلّ البلاد لأكثر من عامين، بعدما أخفق مجلس النواب في اثنتي عشرة جلسة متتالية في انتخاب رئيس للدولة.
وصل إلى قصر بعبدا لا بصفته زعيماً حزبياً أو وريثاً لعائلة سياسية، بل قائداً سابقاً للجيش اللبناني، في اختيار جاء إلى حد كبير نتيجة ضغوط دبلوماسية مكثفة مارستها كل من واشنطن والرياض، اللتين رأتا فيه شخصية نادرة تحظى بثقة مختلف مكونات المجتمع اللبناني، ولم تتلوث بصراعات الميليشيات التي أفرغت الدولة اللبنانية من مضمونها منذ الحرب الأهلية.

وكان انتخابه، بحد ذاته، دليلاً على تراجع نفوذ حزب الله. فالحزب، الذي خرج مثقلاً بخمسة عشر شهراً من الحرب مع إسرائيل، وفقد أمينه العام حسن نصر الله وقسماً كبيراً من قيادته، فيما انشغلت إيران، راعيته الإقليمية، بأزماتها الخاصة، لم يعد قادراً، كما فعل طوال عامين، على تعطيل انتخاب رئيس لا يسيطر عليه بالكامل.
ويكتسب هذا السياق أهمية بالغة لفهم ما جرى هذا الأسبوع.
فجوزاف عون لم يذهب إلى واشنطن وسيطاً يتنقل بين حزب الله وإسرائيل، بل ذهب بصفته رئيساً منتخباً لدولة تحاول، للمرة الأولى منذ جيلين، أن تتصرف كدولة بالفعل، من خلال التأكيد على احتكارها الحصري لاستخدام القوة المشروعة، وهو مبدأ بديهي في تعريف الدولة، لكنه غاب عن لبنان طوال نحو خمسين عاماً إلى درجة أن غيابه أصبح أمراً مسلماً به. واليوم، باتت إعادة تأكيد هذا المبدأ حدثاً استثنائياً يشكل المحور الأساسي للحياة السياسية اللبنانية.
الاتفاق الإطاري الثلاثي... والبنود غير المعلنة للسيادة
لم تأتِ هذه الزيارة من فراغ.
ففي السادس والعشرين من حزيران/يونيو، وبعد خمسة جولات من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة برعاية واشنطن، وقع ممثلو لبنان وإسرائيل ما بات يعرف بـ«الاتفاق الإطاري الثلاثي»، وهو أول اتفاق، أياً كانت طبيعته، بين البلدين منذ اتفاق السلام القصير العمر عام 1983، الذي انهار بعد أقل من عام على توقيعه تحت ضغط سوريا والانقسامات الداخلية اللبنانية.
وقد وقع سفيرا البلدين في واشنطن الاتفاق بحضور وزيرالخارجية الأميركي ماركو روبيو.
ويتضمن الاتفاق أربعة عشر بنداً، ويلتزم الطرفان، «بدعم كامل من الولايات المتحدة»، بالعمل على إنهاء حالة الصراع بينهما، وضمان سيادة كل منهما وأمنه، والسير، على المدى البعيد، نحو تطبيع العلاقات.
وقد حرص المسؤولون اللبنانيون، إدراكاً منهم لحساسية كلمة «التطبيع» في الداخل اللبناني، على تقديم الاتفاق بوصفه إطاراً للأمن والسيادة، لا معاهدة سلام. إلا أن منطقه يقود، في نهاية المطاف، إلى اتجاه واحد.
غير أن ما ينبغي أن يسترعي انتباه بيروت ليس العناوين، بل الآليات التي يتضمنها الاتفاق، لأنها تكشف في الوقت نفسه عن وعوده وحدوده.
فالوثيقة لا تُلزم إسرائيل بالانسحاب من الشريط الحدودي الذي لا تزال تحتله منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى حرب تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وبدلاً من ذلك، تستحدث ما يسمى «المناطق النموذجية»، وهي منطقتان محدودتان: الأولى تقع جنوب نهر الليطاني ولكن خارج المنطقة الأمنية الإسرائيلية الأولى، والثانية عبارة عن شريط صغير شمال الليطاني داخل تلك المنطقة.
وبموجب هذه الآلية، تنسحب القوات الإسرائيلية من هذه المناطق مقابل انتشار موثّق للجيش اللبناني، وتفكيك أي بنية عسكرية تابعة لحزب الله داخلها.
وفي إحدى هذه المناطق النموذجية، وهي بلدة زوطر الغربية، دخلت وحدات الجيش اللبناني في اليوم نفسه الذي التقى فيه جوزاف عون دونالد ترامب، إلى جانب بلدتي فرون وصريفا المشمولتين بالمرحلة الأولى من الخطة.
وكانت الرسالة، التي صيغت بعناية، واضحة: عندما تقول الدولة إنها ستتحرك، فإنها تتحرك فعلاً، والجيش وحده، لا أي فصيل مسلح، هو أداتها في ذلك.
هذه هي الخطة التي حملها جوزاف عون إلى المكتب البيضاوي: عرضٌ يهدف إلى تسريع هذا النموذج وتوسيعه، مدعوماً بمقترح خطي يقضي بتفكيك ما تبقى من ترسانة حزب الله، مقابل أن يمارس دونالد ترامب ضغوطاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتوسيع الانسحاب الإسرائيلي إلى ما بعد «المناطق النموذجية» الرمزية، وتنفيذ بنود وقف إطلاق النار بالكامل كما تم الاتفاق عليها أساساً.
وقد صرّح ترامب بأنه سيكون مستعداً للتواصل مباشرة مع حزب الله إذا طلب منه عون ذلك. ومهما تكن القيمة العملية لهذا العرض، فإنه يعكس إدارة أميركية تبدو أكثر انخراطاً في تحقيق الاستقرار في لبنان مما كانت عليه منذ عهد الرئيس جورج دبليو بوش.
الخط الأحمر لنتنياهو... ولماذا لا ينبغي أن يحدد شروط لبنان
إذا كان لطموحات الدولة اللبنانية سقف، فهو يُرسم حالياً في اسرائيل.
فخلال زيارة إلى القوات الإسرائيلية المتمركزة في الشريط المحتل جنوب لبنان، قبل أسابيع من زيارة عون إلى واشنطن، لم يترك بنيامين نتنياهو مجالاً لأي التباس، إذ أكد أن القوات الإسرائيلية «لن تغادر جنوب لبنان ما دامت التهديدات قائمة»، وهي صيغة تربط الانسحاب، لا بجدول زمني ولا بسيادة لبنان، وإنما بالتقدير الأحادي الجانب لإسرائيل بشأن اللحظة التي تعتبر فيها أن حزب الله قد جُرّد من سلاحه بما فيه الكفاية.
وفي الوقت نفسه، واصل نتنياهو إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ ضربات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية، وهي ضربات تعتبرها بيروت انتهاكاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
كما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل ما بات يعرف بـ«التلال الخمس»، وهي مرتفعات تقع داخل الأراضي اللبنانية، ويستشهد بها حزب الله، ومعه بصورة متزايدة الحكومة اللبنانية نفسها، بوصفها الدليل الأكثر وضوحاً على أن إسرائيل، لا حزب الله، هي التي تنتهك اليوم جوهر الاتفاق الذي أنهى حرب تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
ويستحق هذا الواقع التوقف عنده، لأنه يكشف عن اختلال واضح في التوازن الذي يقوم عليه مشروع نزع السلاح برمته.
فالدولة اللبنانية مطالبة بتنفيذ مهمة ملموسة وقابلة للتحقق ومحددة المراحل، تتمثل في جمع وتدمير ترسانة ضخمة راكمها فاعل مسلح غير تابع للدولة على مدى أربعة عقود، وذلك ضمن جدول زمني سياسي واضح.
أما الالتزام المقابل المفروض على إسرائيل، أي الانسحاب، فيظل رهناً بتقييم إسرائيلي ذاتي للتهديد، قابل للمراجعة إلى ما لا نهاية، ولا يخضع لأي معيار موضوعي.
وقد كانت منظمة العفو الدولية واضحة في تقييمها لهذا الاتفاق، إذ اعتبرت أنه «يخذل ضحايا جرائم الحرب»، لأنه لا يتضمن أي آلية للمساءلة بشأن استمرار الضربات الإسرائيلية التي تطال المدنيين اللبنانيين، في الوقت الذي يفرض فيه نزعاً أحادياً للسلاح على الجانب اللبناني.

غير أن كل ذلك لا يشكل حجة ضد نزع السلاح، بل على العكس تماماً.
إنه يشكل حجة قوية لكي تطالب الدولة اللبنانية، ومعها أصدقاؤها في الخارج، بأن تُطبَّق التزامات الاتفاق الإطاري بصورة متبادلة، وأن يُستخدم النفوذ الذي تملكه واشنطن على نتنياهو، والذي أظهر ترامب هذا الأسبوع استعداده لتفعيله، من أجل تحقيق انسحاب إسرائيل من «التلال الخمس»، ووقف الضربات داخل الأراضي اللبنانية، لا الاكتفاء بمطالبة بيروت بالوفاء بالمواعيد المحددة لنزع السلاح.
أما العبارة التي استخدمها جوزاف عون أمام المسؤولين الأميركيين، حين قال إن ترامب وحده يملك النفوذ الكافي للتأثير في نتنياهو، فلم تكن مجرد صياغة دبلوماسية.
لقد كانت توصيفاً دقيقاً لموضع القوة الحقيقي في هذه المعادلة، ومطالبة غير مباشرة لواشنطن باستخدام هذا النفوذ.
رفض حزب الله... والأرض التي بدأت تهتز تحت أقدامه
لم يكن مفاجئاً أن يرفض حزب الله كل ذلك.
ففي الأيام التي سبقت مغادرة جوزاف عون إلى واشنطن، ألقى الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، واحداً من أكثر خطاباته حدة، واصفاً الاتفاق الإطاري الموقع في حزيران بأنه «باطل ولاغٍ»، و«اتفاق إذلال»، و«وثيقة كُتبت بالكامل لمصلحة إسرائيل».
كما دعا الرئيس عون إلى التخلي عنه نهائياً، وحصر أي اتصالات بمفاوضات غير مباشرة، مؤكداً أن «الأولوية هي لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي».
غير أن هذه الصيغة تقلب تماماً ترتيب الأولويات الذي اعتمدته الحكومة اللبنانية، إذ تجعل نزع السلاح مشروطاً بانسحاب إسرائيلي قد يؤجَّل إلى أجل غير مسمى، وهو ما يمنح حزب الله عملياً حق نقض دائم لأي محاولة لحصر السلاح بيد الدولة، في وقت يشكل استمرار امتلاكه لهذا السلاح الذريعة الأساسية التي تستند إليها إسرائيل لتأجيل انسحابها.
ومن الضروري تسمية الفخ المزدوج الذي يحاول حزب الله تكريسه، لأنه يشكل جوهر المعركة السياسية والإعلامية الدائرة حول ملف نزع السلاح.
فالحزب يقول إنه لن يتخلى عن سلاحه طالما بقيت قوات إسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
وفي المقابل، تقول إسرائيل إنها لن تنسحب ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه.
وقد يكون الطرفان صادقين في موقفيهما، لكن النتيجة واحدة: تأجيل الاختبار الحقيقي لسيادة الدولة اللبنانية إلى أجل غير معلوم، وهو الاختبار الذي وعد به اتفاق الطائف عام 1989 عندما نص على حل جميع الميليشيات، من دون أن يُنفذ هذا البند حتى اليوم.
إن مهمة الحكومة اللبنانية، وهذا ما يُحسب للرئيس جوزاف عون وحكومته أنهما بدآ يدركانه، لا تتمثل في إدارة هذه الحلقة المفرغة أو التوفيق بين طرفيها، بل في كسرها.
ويكون ذلك من خلال إثبات، عبر انتشار الجيش في المناطق النموذجية، أن الدولة قادرة على بسط سلطتها بحسن نية، بغض النظر عن تعاون حزب الله من عدمه، ثم استخدام هذه المصداقية المكتسبة للحصول، عبر واشنطن لا عبر ترسانة حزب الله، على انسحاب إسرائيلي حقيقي وقابل للتحقق.
وتشير بعض المؤشرات إلى أن هذه الحلقة بدأت بالفعل تتصدع، وأن حزب الله يدرك ذلك.
فعندما زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بيروت في مطلع العام، حاملاً، بحسب عدة مصادر، أموالاً مخصصة للحزب، أفادت تقارير بأن السلطات اللبنانية منعت دخول هذه الأموال.
وقد يبدو الأمر تفصيلاً صغيراً، لكنه يحمل دلالة كبيرة، إذ كان من المستحيل تقريباً تخيل حدوثه قبل ثلاث سنوات، عندما كانت قنوات التمويل بين طهران وحزب الله تعمل بحرية شبه مطلقة.
ومنذ ذلك الحين، بات عراقجي يؤكد، بلغة دبلوماسية، أن إيران «تدعم أي قرار يتخذه الحزب، لكنها لا تتدخل فيه»، في تراجع محسوب عن المرحلة التي كان فيها المسؤولون الإيرانيون يعتبرون ترسانة حزب الله جزءاً غير قابل للتفاوض من منظومة الردع الإقليمية.
وفي المقابل، تحدث جوزاف عون بصراحة غير مألوفة، فأبلغ محاوريه الأميركيين أن القرار النهائي لحزب الله يبقى في طهران، مؤكداً، بعبارات كان يصعب على أي رئيس لبناني التفوه بها قبل عقد من الزمن، أن «لا أحد يفاوض باسمنا».
وعلى نطاق أوسع، لم يعد ما يسمى بـ«محور المقاومة» يمتلك القوة نفسها التي كان يتمتع بها قبل سنوات.
فقد أدى سقوط نظام الأسد في سوريا، واستهداف إسرائيل للقيادة العسكرية لحزب الله، وانشغال إيران بصراعاتها الخاصة، إلى إضعاف المحور بصورة ملحوظة.
ولا يعني ذلك أن نجاح المشروع مضمون، لكنه يعني أن ميزان الضغوط يميل، للمرة الأولى منذ عقود، لمصلحة الدولة اللبنانية.
كما أن المواجهة الأميركية ـ الإيرانية في الخليج تستنزف الموارد العسكرية والمالية التي تستطيع طهران تخصيصها لحلفائها في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، شدد الجيش السوري رقابته على الحدود، ووسع انتشاره في المناطق الحدودية، وأغلق المعابر غير الشرعية والأنفاق التي كانت تستخدم سابقاً لإمداد حزب الله بالسلاح والعتاد.
ويفرض هذا الواقع ضغطاً إضافياً على الحزب.
فترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر تقلصت بصورة كبيرة نتيجة الضربات الإسرائيلية وأشهر القتال، كما أن إغلاق الممر السوري يجعل تعويض هذه الخسائر أكثر صعوبة، فضلاً عن تجفيف قنوات التمويل التي كانت تمر عبر دمشق.
إلى ذلك، ساهم الدمار الواسع الذي أصاب جنوب لبنان، وتهجير مئات آلاف السكان، في تآكل التأييد الشعبي للحزب داخل البيئات التي يعتبرها معقله الأساسي، وهو ثمن سياسي وأخلاقي قد يكون تعويضه أصعب من تعويض أي خسارة عسكرية.
أموال الخليج... والنفوذ الذي تشتريه
إذا كانت واشنطن توفر لهذا المسار القوة الدبلوماسية، فإن دول الخليج توفر له المنطق الاقتصادي، وبصراحة غير معهودة أربكت جزءاً من الطبقة السياسية اللبنانية، التي اعتادت على مساعدات خليجية لا تقترن بشروط واضحة.
فقد أبلغت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بشكل مباشر أن أموال إعادة الإعمار والاستثمارات لن تُصرف إلا في إطار خطة واضحة لنزع سلاح حزب الله، تتضمن جدولاً زمنياً محدداً، لا مجرد إعلان نيات.
ووصف توم باراك، مبعوث إدارة ترامب إلى المنطقة، هذه المعادلة بلغة تكاد تكون تجارية، قائلاً إن الحكومات الخليجية أوضحت للبنان أنها «إذا أنجزت هذه الخطوات، فسنأتي إلى جنوب لبنان، ونموّل منطقة صناعية، ونعيد الإعمار، ونوفر فرص عمل».
وفي هذا السياق، يُفترض أن تستثمر السعودية وقطر مباشرة في الجنوب بعد إزالة سلاح حزب الله، بحيث يتحول هذا الإقليم، الذي احتضن طوال أربعة عقود البنية العسكرية للحزب، إلى نموذج اقتصادي لما يمكن أن يصبح عليه لبنان عندما يستعيد الدولة وحدها السيطرة على السلاح.

ولا يُعد حجم الرهانات الاقتصادية المطروحة أمراً هامشياً.
فوفقاً للتقييم السريع للأضرار والاحتياجات الصادر عن البنك الدولي، تحتاج عملية إعادة إعمار لبنان بعد حرب عام 2024 إلى نحو 11 مليار دولار.
وتشمل هذه الخسائر نحو 4.6 مليارات دولار أضراراً في قطاع الإسكان وحده، إضافة إلى 3.4 مليارات دولار خسائر في قطاعات التجارة والصناعة والسياحة.
أما الاقتصاد اللبناني، الذي كان يعاني أصلاً منذ الانهيار المالي عام 2019، فقد انكمش بنسبة إضافية بلغت 7.1% خلال عام 2024 بسبب الحرب.
وفي موازاة ذلك، وافقت واشنطن، بحسب التقارير، على تخصيص 230 مليون دولار لدعم عمليات نزع السلاح التي ينفذها الجيش اللبناني.
ومن المنتظر أيضاً عقد مؤتمر دولي خلال الأشهر المقبلة لدعم القوات المسلحة اللبنانية، بهدف تنسيق التمويل اللازم لتمكين الجيش من فرض احتكار الدولة للسلاح بصورة فعلية، لا الاكتفاء بإعلانه.
وهنا تكمن الميزة التي لم تكن متوافرة لأي حكومة لبنانية من قبل.
فللمرة الأولى، تقف خلف مشروع نزع السلاح جبهة دولية ذات مصداقية وإمكانات مالية، مستعدة لتمويل المكاسب المترتبة عليه، لا الاكتفاء بالمطالبة به.
ويمنح ذلك بيروت شيئاً ملموساً تقدمه إلى المجتمعات المحلية في الجنوب، ولا سيما القرى والبلدات الشيعية التي عاشت طوال جيل كامل في ظل بنية حزب الله العسكرية، والتي لن تقتنع بجدوى عودة الدولة إلا إذا رأت تنمية حقيقية، لا مجرد خطابات عن السيادة.
فالمال وحده لن يمحو ثمانين عاماً من انعدام الثقة الطائفية.
لكنه، في المقابل، شرط لا غنى عنه إذا أرادت الدولة اللبنانية أن تطلب من سكان الجنوب استبدال قوة مسلحة اعتادوها، بوعدٍ بحماية الدولة لم يُختبر بعد.
الأمم المتحدة تنسحب... فيما تتقدم الدولة
هناك تحول بنيوي آخر يستحق التوقف عنده، لأنه سيعيد رسم البنية الأمنية في جنوب لبنان، بصرف النظر عن مآلات المفاوضات المتعلقة بنزع السلاح.
فقد صوّت مجلس الأمن الدولي على إنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي تنتشر على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية منذ عام 1978، على أن ينتهي تفويضها وعملياتها مع نهاية عام 2026.
وعلى مدى ما يقارب نصف قرن، كانت اليونيفيل في الوقت نفسه قوة لا غنى عنها وقوة عاجزة.
فهي وفرت حضوراً دولياً للمراقبة، لكنها لم تمتلك لا التفويض ولا القدرات العسكرية اللازمة لنزع سلاح حزب الله بصورة فعلية.
ومع ذلك، شكّلت قواتها منطقة عازلة دبلوماسية، وأمنت رقابة دولية معترفاً بها على واحدة من أكثر الحدود توتراً في المنطقة.
أما اليوم، فإن انسحابها يزيل هذا الحاجز في اللحظة نفسها التي يُطلب فيها من الجيش اللبناني أن يتحمل المسؤولية الكاملة عن منطقة كانت اليونيفيل تساهم في مراقبتها لعقود.
وبنظرة متشائمة، قد يبدو هذا القرار وكأن المجتمع الدولي يغسل يديه من مشكلة أمضى نصف قرن في إدارتها من دون أن يحلها، تاركاً بيروت وحدها في مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي وما تبقى من قدرات حزب الله.
لكن من زاوية أكثر تفاؤلاً، وهي الزاوية التي يبدو أن حكومة جوزاف عون تتبناها، فإن انسحاب اليونيفيل يشكل مهلة نهائية تدفع الجيش اللبناني إلى تحمل المسؤولية الكاملة، بعدما لم يعد ممكناً الاكتفاء بدور الشريك الثانوي في جنوب بلاده.
وأيٌّ من هاتين القراءتين سيثبت صحته سيتوقف، إلى حد بعيد، على ما إذا كانت الوعود الدولية المتعلقة بتمويل الجيش اللبناني وتدريبه ستتحول إلى واقع وفق الجدول الزمني الذي يحتاج إليه الجيش، لا وفق الإيقاع الذي تفرضه الموازنات الأجنبية.
ما الذي تعنيه فعلاً استعادة الدولة؟
من الضروري توضيح المقصود بعبارة «استعادة الدولة اللبنانية»، لأن جميع القوى السياسية في بيروت تستخدمها، لكن كل منها يقصد بها شيئاً مختلفاً، بل ومتعارضاً أحياناً.
فاستعادة الدولة لا تعني مجرد نشر وحدات الجيش في القرى التي كان يسيطر عليها حزب الله، وإن كان ذلك يشكل خطوة أولى لا غنى عنها، وهي الخطوة التي بدأت بالفعل داخل المناطق النموذجية.
بل تعني، بصورة أعمق، إعادة تثبيت المبدأ الدستوري الذي نص عليه اتفاق الطائف قبل ستة وثلاثين عاماً ولم يُطبّق قط، والقاضي بأن تحتكر الدولة اللبنانية وحدها الاستخدام المشروع للقوة المنظمة على كامل أراضيها.
فجميع الأزمات الأخرى التي تعانيها الدولة اللبنانية، من شلل الحكومات المتعاقبة، إلى العجز عن انتهاج سياسة خارجية مستقلة، مروراً بانهيار القطاع المصرفي، تعود، بصورة أو بأخرى، إلى وجود طرف مسلح خارج إطار الدولة يفوق الجيش اللبناني قوة ونفوذاً.
وقد راهن الرئيس جوزاف عون، إلى جانب حكومة الرئيس نواف سلام، على أن اللحظة أصبحت مؤاتية أخيراً لتطبيق هذا المبدأ.
لكن ليس عبر مواجهة عسكرية كتلك التي دفعت لبنان إلى الحرب الأهلية عام 1975، أو كتلك التي شهدتها شوارع بيروت في أيار/مايو 2008 عندما استخدم حزب الله سلاحه في الداخل.
بل عبر مسار تفاوضي، بضمانات دولية، وحوافز اقتصادية، يتيح لما تبقى من القاعدة الشعبية للحزب مخرجاً يحفظ كرامتها، ويمنح المجتمعات الشيعية في الجنوب مصلحة ملموسة في نجاح الدولة.
ويستند هذا الرهان إلى قراءة واقعية لموازين القوى الإقليمية.
فحزب الله فقد عدداً كبيراً من أبرز قادته، كما فقد جزءاً مهماً من ترسانته خلال الحرب الإسرائيلية عام 2024.

أما إيران، المنشغلة بمواجهاتها الخاصة، فلم تعد قادرة على إعادة تسليح الحزب أو تمويله كما كانت تفعل سابقاً.
وفي المقابل، لم تعد سوريا تشكل الممر اللوجستي الذي اعتمد عليه الحزب لعقود.
وفوق ذلك، يبدو التحالف الذي يضم الولايات المتحدة ودول الخليج أكثر استعداداً، مقارنة بأي وقت منذ عام 2006، لاستثمار رأس مال سياسي ومالي حقيقي في بناء الدولة اللبنانية، بدلاً من الاكتفاء باحتواء الفوضى اللبنانية.
ومع ذلك، فإن شيئاً من هذا لا يجعل النجاح أمراً محسوماً.
فلا يزال حزب الله يحتفظ بترسانة عسكرية كبيرة، وقاعدة شعبية متماسكة، كما سبق أن أثبت عام 2008 استعداده لاستخدام سلاحه ضد لبنانيين آخرين عندما اعتبر أن موقعه مهدد وجودياً.
وفي المقابل، فإن استمرار إسرائيل في احتلال التلال الخمس، ومواصلتها تنفيذ ضربات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية، وربطها الانسحاب بتقديرها الأحادي للتهديد، يمنح خطاب حزب الله، القائل إن لبنان يُطلب منه أن ينزع سلاحه من جانب واحد، أساساً واقعياً لدى شريحة من اللبنانيين، وليس مجرد حجة سياسية.
كما أن الجيش اللبناني، رغم احترافيته والثقة التي يحظى بها لدى مختلف الطوائف، لا يزال يعاني نقصاً في العتاد والتمويل، بما يحد من قدرته على تأمين الجنوب، ومواجهة أي توغل إسرائيلي، والحفاظ في الوقت نفسه على الأمن الداخلي.
ولهذا السبب تحديداً، فإن المؤتمر الدولي المرتقب لدعم الجيش، إضافة إلى المساعدة الأميركية البالغة 230 مليون دولار، لا تقل أهمية عن أي بيان يصدر من المكتب البيضاوي.
الرهان الذي ينبغي أن يُعقد على بيروت
وسط كل هذه العقبات الحقيقية، ينبغي عدم إغفال مدى ندرة اللحظة التي يعيشها لبنان في تاريخه المعاصر.
فمن الصعب العثور، منذ اتفاق الطائف، على محطة أخرى توجه فيها رئيس لبناني إلى واشنطن حاملاً خطة مكتوبة صاغها بنفسه، بدلاً من أن يتلقى خطة تمليها عليه القوى الخارجية.
ومن الصعب أيضاً العثور على مرحلة ربطت فيها العواصم الخليجية مساعداتها باستعادة سيادة الدولة، بدلاً من الاكتفاء بتمويل رعاة الطوائف المتنافسين، كما جرى طوال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية.
كما يصعب العثور على مرحلة كان فيها الراعي الإقليمي لحزب الله بهذا القدر من الانشغال والضعف، أو كانت فيها إدارة أميركية مستعدة، كما فعل دونالد ترامب هذا الأسبوع، لطرح فكرة التواصل المباشر مع حزب الله، والتعهد بممارسة الضغط على بنيامين نتنياهو، واستثمار رأس مال سياسي حقيقي لمصلحة الدولة اللبنانية، بدلاً من التعامل مع لبنان باعتباره مجرد ساحة ثانوية في المواجهة بين إسرائيل وإيران.
وانطلاقاً من ذلك، نعتقد أن أصدقاء لبنان، سواء في واشنطن أو في العواصم الخليجية أو بين اللبنانيين الذين أنهكتهم خمسون سنة من العيش داخل حروب الآخرين، ينبغي أن يتعاملوا مع هذه اللحظة كما هي بالفعل:
ليست ضمانة للنجاح، لكنها نافذة فرصة حقيقية، ولن تبقى مفتوحة إلى الأبد.
فقد تستعيد إيران جزءاً من موقعها الإقليمي.
وقد تنصرف دول الخليج إلى أولويات أخرى.
وقد تتغير الإدارة الأميركية، ومعها مستوى الاهتمام الذي يبديه أي رئيس أميركي تجاه بلد صغير على شاطئ المتوسط.
وقد يرى بنيامين نتنياهو أن استمرار الاحتلال أقل كلفة، سياسياً، من الانسحاب عبر تسوية تفاوضية.
وأي تحول من هذه التحولات كفيل بإغلاق هذه النافذة التي لا تزال مفتوحة اليوم.
إن ما تحتاج إليه مؤسسات الدولة اللبنانية الآن ليس اتفاقاً إطارياً جديداً، ولا صورة جديدة لمصافحة في المكتب البيضاوي، مهما كانت أهميتها الرمزية.
إنها تحتاج إلى أن يُزوَّد الجيش اللبناني بالوسائل الكفيلة بتوسيع نموذج المناطق النموذجية ليشمل كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، ضمن جدول زمني يُقاس بالأشهر لا بالسنوات.
وتحتاج إلى أن تعتبر واشنطن أن المعاملة بالمثل من الجانب الإسرائيلي — أي الانسحاب الكامل من التلال الخمس، ووقف الضربات داخل الأراضي اللبنانية، والالتزام الفعلي ببنود وقف إطلاق النار — هدفاً لا يقل إلحاحاً عن نزع سلاح حزب الله، لا أن تؤجل هذه المسائل إلى ما بعد تخلي بيروت عن ورقة الضغط الأساسية التي تملكها.
كما تحتاج إلى أن تصل أموال إعادة الإعمار التي وعدت بها دول الخليج إلى جنوب لبنان بسرعة كافية، حتى يشعر سكان المنطقة بأن عودة الدولة تعني تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية، لا مجرد استبدال مجموعة مسلحة بأخرى.
وتحتاج أيضاً إلى توفير مكان، بصورة جدية ومستدامة، لما تبقى من القاعدة الشعبية لحزب الله داخل دولة لبنانية فاعلة، بدلاً من التعامل معها فقط بوصفها مشكلة أمنية ينبغي حلها بالقوة.
وأخيراً، يحتاج لبنان إلى إصلاح جذري للنظامين السياسي والقانوني القائمين على المحاصصة الطائفية، بعدما أثبتا فشلهما، إصلاح يرسخ هوية وطنية تتقدم على الولاءات والانقسامات الطائفية التي طبعت النظام الدستوري اللبناني منذ عام 1943، ويتيح بروز طبقة سياسية جديدة عازمة على تحويل لبنان إلى دولة قادرة على أداء وظائفها في الداخل، وشريك موثوق في الخارج.
إن أياً من ذلك لا يمكن أن تضمنه مصافحة في المكتب البيضاوي.
لكن بالنسبة إلى بلد أمضى نصف قرن وهو يُقال له إن سيادته رهينة جداول الآخرين الزمنية — السورية، والإسرائيلية، والإيرانية، بل وأحياناً رهينة فصائله الداخلية نفسها — فإن رؤية رئيس لبناني يدخل البيت الأبيض حاملاً خطته الخاصة، لا طالباً خطة من الآخرين، ليست حدثاً عابراً.
إنها أول اختبار حقيقي منذ جيل كامل لمعرفة ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة أخيراً على أن تصبح الجهة الوحيدة التي تحتكر السلاح داخل أراضيها.
وخلال الأشهر المقبلة، سيكتشف لبنان، ومعه المنطقة التي تراقبه، ما إذا كانت الدولة باتت، أخيراً، قادرة على اجتياز هذا الامتحان.