شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

الحرب في أوكرانيا: فشل أولى جهود السلام 2/5

صورة للأخبار
في الثالث من أبريل 2022، في بوتشا، ضاحية كييف التي انسحبت منها القوات الروسية للتو، كانت جثث المدنيين الأوكرانيين مبعثرةً على الأرض. ولن يكون ذلك آخر جريمة حرب ترتكبها الجيوش الروسية في أوكرانيا. (أ ف ب)
صورة المؤلف
بقلم جان باتريك دايراس
نُشر يوليو 19, 2026 - 18:46

لا تزال الحرب في أوكرانيا تتصدر نقاشاً واسعاً تُغذّيه، من بين أمور أخرى، القصف شبه اليومي الذي يستهدف من الجانبين مراكز حيوية، وتحديداً العاصمتان الروسية والأوكرانية.

لفهم الأبعاد المختلفة لهذا الصراع العتيق فهماً أعمق، لا بدّ من العودة إلى مقدمات هذه الحرب وجذورها، واستعراض دوافع وتطلعات الأطراف المعنية كافة، ولا سيما الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا بما يشمل جميع دول حلف الناتو باستثناء تركيا)، مع استحضار بدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى سلام، أو على أقل تقدير إلى مفاوضات، مع الإشارة إلى أن المسؤوليات في هذا السياق متشعبة ومتعددة.

لاستيعاب خفايا وتداعيات مختلف جوانب الحرب في أوكرانيا، ثمة تساؤلات جوهرية ينبغي طرحها منذ البداية: ماذا تمثّل روسيا وأوكرانيا بالنسبة للغرب؟ وما هي التداعيات الفعلية المحتملة لانتصار حاسم لأحد الطرفين؟ وبالتبعية، ما هي التبعات التي ستترتب على ذلك بالنسبة للغرب والشرق الأوسط؟

في سلسلة من خمس مقالات، يعرض متعاوننا جان-باتريك دايرا، نائب الأميرال في البحرية الفرنسية، رؤيته وتحليله للمسألة.

جان-باتريك دايرا، نائب أميرال (متقاعد)

في اليوم ذاته الذي شنّت فيه روسيا غزوها لأوكرانيا، في 22 فبراير 2022، رفع كثير من الفرنسيين والأوروبيين الأعلام الأوكرانية (حتى في جزر الأزور!)، وتطوّع بعضهم لاستقبال اللاجئين بل لتعليمهم لغة البلد المضيف. وكان من المثير للاهتمام أن نسأل هؤلاء الذين أظهروا موقفاً سياسياً صريحاً: أين تقع أوكرانيا على الخريطة؟ وما الذي جرى خلال السنوات العشر الأخيرة (2013-2022) بين أوروبا وأوكرانيا وروسيا؟ غير أن طرح مثل هذه الأسئلة بات أمراً غير مقبول في فرنسا بعينها.

الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

بعد أيام قليلة من الغزو الروسي، تقدّمت أوكرانيا رسمياً بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

في 17 يونيو 2022، أوصت المفوضية الأوروبية بمنح أوكرانيا وضع البلد المرشح. لماذا؟ وبأي هدف؟ لن يعلم أحد بالجواب القاطع على الإطلاق.

في 23 يونيو 2022، قرر رؤساء الدول والحكومات في الدول الأعضاء السبع والعشرين، المجتمعون في المجلس الأوروبي، بالإجماع منحَ أوكرانيا وضعَ البلد المرشح الرسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

في 14 ديسمبر 2023، قرر المجلس الأوروبي فتح مفاوضات الانضمام، وفي 25 يونيو 2024 انطلقت هذه المفاوضات رسمياً.

أيّ موظف أو موظفة في شركة كبرى لم يكن يتمنى حصوله على ترقية تُغيّر وضعه الوظيفي بهذه السرعة المذهلة؟ لم يعد الأمر يتعلق بالسلّم الاجتماعي، ولا حتى بالمصعد الاجتماعي، بل بصاروخ فضائي اجتماعي حقيقي!

لنقارن ذلك بأوضاع الدول المرشحة الأخرى التي لم تنضم بعد إلى الاتحاد الأوروبي. تواريخ انطلاق مسار المفاوضات: تركيا 1999؛ مقدونيا 2005؛ الجبل الأسود 2010؛ صربيا 2012؛ ألبانيا 2014؛ مولدوفا 2022؛ البوسنة والهرسك 2022؛ جورجيا 2023. وقد تقدّم كوسوفو بطلب انضمام عام 2022 لكنه لم يحصل بعد على وضع المرشح الرسمي.

فلماذا كل هذه العجلة؟ أولم يكن بالإمكان دعم أوكرانيا دون أن يُفرش لها هذا البساط الأحمر الموعد بالكثير، الموعد بأكثر من اللازم؟

والأقل ما يمكن قوله إن الدول المرشحة لا تُعامَل بالمعيار ذاته. فأوكرانيا بلد كان يعاني فساداً واسعاً ولا يزال. إذ يضعها مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة "الشفافية الدولية" في المرتبة 142 عالمياً عام 2014، ثم المرتبة 116 عام 2022 (وتتقارب مؤشرات روسيا مع هذه الأرقام). وفي حين تصفها وسائل الإعلام الغربية بأنها دولة فاسدة حين يتعلق الأمر بروسيا، يُسدل الستار تماماً على فساد أوكرانيا.

مشروع السلام برعاية تركية

في ربيع عام 2022، لم يكن السلام بعيد المنال. كان الباب موارباً منذ بداية الحرب. أدّت تركيا دوراً دبلوماسياً بارزاً، وإن لم تُفلح في التوصل إلى اتفاق سلام دائم.

كانت تركيا تحتل موقعاً متميزاً: فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتجمعها علاقات وطيدة بأوكرانيا (بيع الطائرات المسيّرة والتعاون العسكري)، فضلاً عن علاقاتها المتينة مع روسيا على الصعيدين الجيوسياسي (في سوريا) والاقتصادي. وكانت تركيا من النادرين من الدول القادرة على التحدث في آنٍ واحد مع موسكو وكييف. وقد استضافت المفاوضات السلمية الرئيسية في مارس 2022، وأسهمت في إبرام اتفاقية تصدير الحبوب.

مفاوضات مارس 2022

استضافت تركيا لقاءً بين وزيري الخارجية الروسي والأوكراني في أنطاليا بتاريخ 10 مارس 2022، ثم مفاوضات أوسع نطاقاً بين الوفدين الروسي والأوكراني في إسطنبول بتاريخ 29 مارس 2022، تضمّنت:

منح أوكرانيا وضع الحياد (بالتخلي عن طموح الانضمام إلى الناتو).

ضمانات أمنية تقدّمها عدة دول مقابل هذا الحياد.

انسحاب القوات الروسية من بعض المناطق.

تأجيل التفاوض حول وضع شبه جزيرة القرم.

تُظهر أبحاث المؤرخين والباحثين أن مسودة اتفاق كانت قائمة، غير أن مسائل جوهرية عديدة ظلّت معلّقة دون حلّ، لا سيما وضع الأراضي المحتلة، والضمانات الأمنية، والجدول الزمني للانسحابات العسكرية، وحجم الجيش الأوكراني المستقبلي.

دفعت الانتصارات العسكرية الأوكرانية حول كييف القادةَ الأوكرانيين إلى الاعتقاد بأن بإمكانهم انتزاع موقف أفضل على أرض المعركة. في المقابل، تمسّكت روسيا بمطالب عدّها الأوكرانيون غير مقبولة.

دور بوريس جونسون

يُقال إن بوريس جونسون ثنى أوكرانيا عن إبرام اتفاق. هذا الادعاء لا يزال موضع جدل، بيد أنه تسرّب بوضوح عبر صحف عديدة ومحللين موثوقين وذوي دراية. ولم ينفِ جونسون ذلك. ويُعدّ دوره في إفشال مفاوضات السلام بين أوكرانيا وروسيا، التي جرت بوساطة تركية في ربيع 2022، من أكثر المسائل إثارةً للجدل في سياق هذه الحرب.

في التاسع من أبريل 2022، توجّه بوريس جونسون إلى كييف. واستناداً إلى مصادر مجهولة الهوية نقلها موقع "أوكرانسكا برافدا" الأوكراني، فقد أوصل رسالتين رئيسيتين: الأولى أن فلاديمير بوتين لا ينبغي اعتباره شريكاً موثوقاً في التفاوض، والثانية أن القوى الغربية غير مستعدة لضمان أي اتفاق يُبرم مع روسيا وفق الشروط التي كانت مطروحة آنذاك.

انطلق من هذه الرواية الادعاءُ بأن جونسون أفسد الاتفاق المرتقب. وقد أعلن صراحةً تشككه في إمكانية التفاوض مع بوتين، وروّج لمواصلة الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا. ولا يوجد دليل قاطع يُثبت أن اتفاق سلام نهائياً كان على وشك التوقيع وأنه أُجهض بسبب تدخّله وحده. ومع ذلك، تبدّل موقف زيلينسكي تبدّلاً جذرياً.

مزايا البلدين

ماذا يمكن لهذين البلدين أن يقدّما لأوروبا؟

تمتلك أوكرانيا بعضاً من أكثر الأراضي الزراعية إنتاجيةً في العالم، إذ تزرع القمح والذرة والشعير وعباد الشمس والكانولا. كما تزخر بموارد معدنية ضخمة، بعضها لا غنى عنه لتطوير التقنيات الحديثة، كالحديد والمنغنيز والتيتانيوم واليورانيوم والجرافيت والليثيوم. وتضم صناعات متطورة في قطاعات الحديد والصلب والمعادن، فضلاً عن صناعة السكك الحديدية والطيران والفضاء وبناء السفن. علاوةً على ذلك، تتمتع بطاقة إنتاجية نووية كبيرة، واحتياطيات من الغاز الطبيعي، وشبكة واسعة من خطوط الأنابيب التي تربط روسيا بأوروبا. وتكتسب أوكرانيا أهمية استراتيجية بالغة كونها تشكّل جسراً يصل أوروبا بروسيا، ولها واجهة على البحر الأسود الذي يُعدّ محوراً حيوياً لتصدير الحبوب وذا ثقل عسكري لا يُستهان به.

أما روسيا، فتحوز ثروات طبيعية هائلة من نفط وغاز طبيعي، إلى جانب موارد معدنية وفيرة تشمل الفحم والنيكل والبلاديوم والبلاتين والذهب والألماس والنحاس والألومنيوم. وبالإضافة إلى امتلاكها أوسع رقعة غابات في العالم، تتمتع بقطاع زراعي يُشكّل ورقة تصديرية رابحة، لا سيما في مجال القمح والشعير والزيوت النباتية.

المقال التالي

الحرب في أوكرانيا: أخطاء روسيا الاستراتيجية والتخبط الغربي (3/5)

اقرأ أيضاً حول الموضوع ذاته

كيف اختار الغرب أوكرانيا (1/5)

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل