شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

زيارة عون إلى واشنطن، ركيزةٌ أساسية في التوجه السيادي للسلطة

دبلوماسيان فرنسيان يتعرضان للاعتداء من قِبل أجهزة الأمن الإيرانية في طهران

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ميشال توما
نُشر يوليو 21, 2026 - 00:25

قد تُسهم الزيارة الرسمية للرئيس جوزيف عون إلى واشنطن، ولا سيما اللقاء المرتقب في البيت الأبيض مع الرئيس دونالد ترامب، يوم الثلاثاء الواقع في 21 يوليو، في دفع عجلة التوجه السيادي الواضح الذي اتخذه الحكم دفعةً قوية إلى الأمام، بل يمكن القول إنها ينبغي أن تفعل ذلك. وقد تجلّى هذا التوجه - الذي يلتقي مع شعار 14 آذار "لبنان أولاً" - بوضوح جليّ ودون تردد، منذ الثاني من مارس الماضي، حين أقحم حزب الله البلاد من طرف واحد في حرب عبثية جديدة، على الرغم من تحذيرات السلطة، وذلك بهدف وحيد هو دعم النظام الإيراني والانتقام المزعوم لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي الذي لقي حتفه في الساعات الأولى من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.

ولاستيعاب الأثر الاستراتيجي الفعلي الذي قد تتركه لقاءات واشنطن على مصير لبنان على المديين القريب والمتوسط، لا بد من التراجع خطوة إلى الوراء والنظر من منظور أرحب، لتقييم موضوعي للتحولات الجذرية المتعددة التي شهدتها منطقة المشرق منذ السابع من أكتوبر 2023 المشؤوم، حين أطلقت حركة حماس هجومها الدموي على الأراضي الإسرائيلية انطلاقاً من غزة.

شكّلت تلك العملية نقطة انعطاف حاسمة على مستوى المنطقة، إذ كانت الشرارة الأولى لسلسلة طويلة من التطورات الكبرى على الصعيدين السياسي والعسكري، تتالت بوتيرة متسارعة ولا تزال مستمرة حتى اليوم، وكان من أبرز نتائجها الانحدار المتسارع لما يُعرف بمحور الممانعة.

بدأ هذا الانحدار من أولى محطاته بتدمير غزة وتفكيك حركة حماس، ثم توالت الأحداث بسرعة؛ من اغتيال حسن نصرالله وتصفية القيادتين السياسية والعسكرية لحزب الله، مما أفضى إلى إضعافه إضعافاً بالغاً، ثم سقوط نظام الأسد الذي حرم الجمهورية الإسلامية من فضائها الاستراتيجي الحيوي، وصولاً إلى تسلّم فريق حاكم جديد في العراق مقاليد الأمور مؤخراً، يخوض معركة شرسة لمواجهة النفوذ الإيراني في البلاد.

وقد ترسّخ هذا التوجه الجديد الذي بات يتبلور منذ أسابيع في بغداد، إبان الزيارة الأخيرة التي أداها رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي إلى واشنطن، حيث استقبله الرئيس ترامب الذي أكد دعمه الراسخ للسلطة العراقية الجديدة في صراعها مع النفوذ الإيراني.

وتفقد الجمهورية الإسلامية بذلك ساحة حيوية أخرى كانت تُشكّل لها سنداً بالغ الأهمية على أكثر من صعيد.

في هذا السياق الإقليمي الشامل الذي تهيمن عليه موجة الانحسار القوي والمتزايد لنظام الملالي، تأتي هذه "الأيام اللبنانية في واشنطن".

ومن المرتقب أن تعمل المحادثات التي يجريها الرئيس عون مع وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الأحد، ثم مع الرئيس ترامب يوم الثلاثاء 21، على ترسيخ التوجهات السيادية للسلطة وتكريسها على نطاق واسع، وهي توجهات تنتظم تحديداً في السياق العام لإضعاف التمدد الخارجي لحرس الثورة الإسلامية والحدّ منه، بل والقضاء عليه.

والتوجه الذي اتخذه الحكم اللبناني في هذا الشأن مُعلَن صراحةً تحت راية تحرير لبنان من الوصاية الإيرانية.

ولم يُفوّت المسؤولون الأمريكيون الفرصة للتشديد على الأهمية الاستراتيجية لهذا التوجه الذي يطبع المشهد في المنطقة، حتى إنهم ذهبوا إلى الحديث عن "تحالف" بين بيروت وبغداد في مواجهة النفوذ الإيراني.

وتأكيداً منه على الدعم الأمريكي غير المشروط لاستعادة هيبة السلطة المركزية، دعا روبيو لبنان وسوريا صراحةً إلى الإعلان المشترك عن بيان رسمي يرتكز على احترام سيادة كلا البلدين.

كأنه يستبق نتائج زيارة الرئيس عون إلى واشنطن، أكد وزير الخارجية يوم الاثنين أن رئيس الدولة سيتمكن، حين يعود إلى بيروت، من أن يقول للبنانيين إنه هو من نجح، بفضل توجهاته الوطنية، في إعادة البلاد إلى مسار النهوض.

وحرص روبيو على التأكيد في هذا الصدد أن واشنطن لا محاور لها في لبنان سوى الرئيس عون والشرعية، وبالتالي لا مكان للنظام الإيراني في هذه المعادلة بأي شكل من الأشكال.

انطلاق تطبيق «المناطق التجريبية»

انطلاقاً من هذا الالتزام ذاته بإعادة بناء لبنان سيادي وحر، تُوظّف إدارة ترامب ثقلها كاملاً لتطبيق بنود اتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من يونيو الماضي.

ChatGPT Image 18 juil. 2026, 22_00_36

بدأ تطبيق المناطق التجريبية المنصوص عليها في الاتفاق اللبناني الإسرائيلي مساء الاثنين، ومن المتوقع أن يتواصل يوم الثلاثاء مع انسحاب قوات الدولة العبرية من المنطقة التجريبية الأولى التي تضم قرى فرون وصريفا وزوطر الغربية، حيث يفترض أن ينتشر الجيش اللبناني يوم الثلاثاء، وأن يتحقق، تحت إشراف أمريكي، من خلو المنطقة المعنية من أي وجود ميليشياوي لحزب الله.

إذا سارت هذه العملية دون عقبات، فإنها ستُكرّس بلا شك نجاح خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل الذي اختاره المسؤولون لاستهلال مسار الانسحاب الإسرائيلي وحل أزمة جنوب لبنان.

وحرصت وزارة الخارجية الأمريكية يوم الاثنين على الإشارة إلى أن انطلاق تطبيق «المناطق التجريبية» جاء نتيجة مباشرة للمباحثات اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة التي جرت قبل أيام في روما.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الرئيس عون وحكومة نواف سلام سلكا هذا الطريق رغم الضغوط والمناورات التي مارسها النظام الإيراني، الذي كان يسعى إلى فرض «حله» الخاص للجنوب كي ينتزع لنفسه حق التحكم بالورقة اللبنانية، بهدف تعزيز موقعه التفاوضي في مواجهة إدارة ترامب...

غير أن السلطة وقفت بحزم في وجه هذا النهج الإيراني، مؤكدةً بوضوح لا لبس فيه أن التفاوض باسم لبنان حق حصري للدولة اللبنانية وحدها.

العودة إلى «التفاوض» مع طهران؟

بينما يمضي لبنان في طريقه نحو استعادة سيادته، لاح بصيص أمل خافت وخجول في الأفق الإقليمي مساء الاثنين.

إذ أشارت معلومات واردة من إسلام آباد إلى وجود مشروع لوقف إطلاق النار لمدة نحو عشرة أيام.

وسيُستثمر هذا الهدوء، الذي سيرافقه إتاحة حرية الملاحة في مضيق هرمز، لبحث سبل استئناف المحادثات بين واشنطن وطهران.

أي أن المسألة تتعلق في هذه المرحلة بمفاوضات لتمهيد الطريق... نحو مفاوضات حول الملفات الخلافية!

مع العلم أن النقاشات مع الجمهورية الإسلامية حول هذه الملفات بالذات (البرنامج النووي، وتخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية...) تمتد منذ أكثر من... عشرين عاماً!

فقد انطلقت في مطلع الألفية الثالثة، وأفضت إلى صدور ست قرارات عن مجلس الأمن الدولي بين عامَي 2006 و2010، تطالب إيران بوقف تخصيب اليورانيوم. دون جدوى...

وخلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، أعرب النظام الإيراني عن رغبته في إعادة إحياء المحادثات مع الولايات المتحدة، وأوفد وزير داخليته إلى إسلام آباد لهذا الغرض، لبحث سبل استعادة وقف إطلاق النار في الخليج وفقاً لمذكرة التفاهم المبرمة مع واشنطن في يونيو الماضي.

وكان من المرتقب أن يؤكد وزير الخارجية الإيراني في بيان يصدر يوم الاثنين على ضرورة «التمسك بمسار التفاوض مع الأمريكيين».

بدا هذا التوجه «السلمي» المفاجئ أكثر إثارةً للدهشة في ضوء بيان نُسب في نهاية الأسبوع الماضي إلى المرشد الأعلى الغامض مجتبى خامنئي، جاء فيه أن «التوقيع الذي وضعه دونالد ترامب على مذكرة التفاهم لا قيمة له»، وهو ما يجعل تلك المذكرة -من حيث المبدأ- لاغيةً ضمنياً في نظر طهران، في حين يسعى بعض المسؤولين الإيرانيين إلى إحيائها من جديد...

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التناقض الصارخ جاء في أعقاب تسع ليالٍ متواصلة من القصف الأمريكي المكثف على مواقع الحرس الثوري وبنيته العسكرية ومستودعات أسلحته وذخائره.

اعتداء على دبلوماسيين فرنسيين

وعلى أي حال، فبينما يُشدد نظام الملالي على رغبته في استئناف «الحوار» مع الولايات المتحدة، لم يتردد في الوقت ذاته في إطلاق صواريخه وطائراته المسيّرة مساء الاثنين باتجاه الكويت والبحرين والأردن.

وفي السياق نفسه، رُصدت الاثنين هجومان جديدان على سفن تعبر مضيق هرمز، فيما أكد الرئيس الإيراني في وقت سابق من اليوم ذاته أن «دور إيران» في مضيق هرمز «غير قابل للتفاوض»!

وأوضح مسؤول إيراني رفيع من جهته أن هذا الممر المائي لن يكون مفتوحاً لأي دولة «تتعاون مع الولايات المتحدة»!

أما رئيس البرلمان والمفاوض الرئيسي مع واشنطن محمد باقر قاليباف، فقد أدلى بتصريحات بالغة الحدة في حق الأمريكيين، منتقداً نقل الجيش الأمريكي لمعدات عسكرية في حين تدّعي الولايات المتحدة رغبتها في «إنهاء الحرب».

وأضاف كاشفاً عن نبرته التصادمية: «إنهم يراهنون على أن ذكاءنا محدود كما هو حجم ذكائهم هم»!

وأعلن الحوثيون اليمنيون المدعومون من إيران من جانبهم «حصاراً بحرياً على المملكة العربية السعودية»، وذلك في أعقاب تبادل لإطلاق النار بين الطرفين الأسبوع الماضي.

والأشد خطورةً من ذلك كله أن وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو أعلن مساء الاثنين أن دبلوماسيين فرنسيين «احتُجزا دون أي مبرر» في طهران من قِبل الأجهزة الأمنية «لساعات عدة، وخضعا للاستجواب، وتعرض أحدهما للإيذاء الجسدي»! ووصف السيد بارو ما جرى بأنه «عمل تخويفي بالغ الخطورة».

إن هذا التراكم السريع من الأفعال العدوانية والتصريحات الاستفزازية في فترة وجيزة يكشف بجلاء عن الحالة الذهنية الحقيقية لمراكز القوى في إيران، وعن الطريقة التي ينظر بها هؤلاء منذ أكثر من عشرين عاماً إلى علاقاتهم مع الغرب والمجتمع الدولي برمته.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل