شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

"المناطق التجريبية": تخريب جيوسياسي في جنوب لبنان

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر يوليو 18, 2026 - 22:56

أدخل الاتفاق الإطاري الثلاثي، الذي جرى التفاوض عليه برعاية الولايات المتحدة ووُقِّع في واشنطن، آلية طموحة لنزع الطابع العسكري عن جنوب لبنان، تتمثل في إنشاء «مناطق تجريبية». وتشمل المرحلة الأولى من هذا المشروع ست قرى رئيسية موزعة على ضفتي نهر الليطاني، هي: زوطر الغربية شمال النهر، وفرون، والغندورية، والقلعوية، وبرج قلاوية جنوبه.

وبموجب هذه الآلية، يتولى الجيش اللبناني مهمة الانتشار، وبسط السيطرة الكاملة، وضمان خلو هذه المناطق بالكامل من أسلحة الميليشيات. وفي المقابل، يفترض أن تنفذ قوات الاحتلال الإسرائيلي انسحاباً تدريجياً.

غير أن هذه التجربة الأمنية المحلية تبدو، رغم ما تمثله من بارقة أمل، طموحاً جيوسياسياً يفوق الواقع. فالمشروع يتعرض لتخريب بنيوي، عالقاً بين المقاومة الداخلية لحزب الله، والتشدد الإسرائيلي، والاستراتيجية الإقليمية الشاملة لإيران.

الفيتو البنيوي والمقاومة الداخلية لحزب الله

يبقى الرفض المطلق لحزب الله تسليم سلاحه العقبة الوطنية الأكثر إلحاحاً أمام تنفيذ المناطق التجريبية. فقد وصف الحزب علناً الاتفاق الإطاري بأنه فشل، محذراً صراحة من أن أي محاولة لنزع سلاحه بالقوة من قبل الدولة في هذه القرى قد تشعل حرباً أهلية مدمرة.

كما اتهم نواب لبنانيون المفاوضين في بيروت بالاستسلام للمطالب الأميركية والإسرائيلية على حساب الوحدة الوطنية.

ورغم أن الجيش اللبناني بدأ بالفعل تعزيز وجوده الميداني عبر إقامة حواجز وتنفيذ دوريات حول قرى غير محتلة مثل صريفا وفرون، فإنه يعمل في ظل قيود عملياتية هائلة.

وقد اضطر الرئيس جوزاف عون إلى مراعاة التحفظات الكبيرة التي أبداها كل من حركة أمل وحزب الله. فالجيش لا يستطيع تفكيك شبكات إطلاق الصواريخ تحت الأرض والبنى العسكرية المدفونة في أودية الليطاني من دون المخاطرة بمواجهة مباشرة ودامية مع الحزب.

ويؤكد حزب الله أن قبوله بتسليم جزء من ترسانته في الغندورية أو زوطر الغربية سيشكل سابقة تمس بجوهر هويته بوصفه «حركة مقاومة».

التشدد الإسرائيلي والتوسع الاستراتيجي

في المقابل، تعمل إسرائيل على عرقلة المشروع التجريبي من خلال التأخير التكتيكي وفرض مطالب ميدانية متشددة.

فقد أُرجئت اجتماعات التنسيق العسكري، التي كان يفترض أن تضع الخرائط والجداول الزمنية للانسحاب، بصورة مفاجئة نتيجة خلافات عميقة حول الحدود الدقيقة للمناطق المشمولة.

وتتهم الوفود اللبنانية إسرائيل بالسعي إلى توسيع نطاق المناطق التجريبية ليشمل قرى لا يحتلها الجيش الإسرائيلي فعلياً، إضافة إلى أراض تقع شمال نهر الليطاني.

كما أعادت إسرائيل التأكيد على أن قواتها لن تنسحب من «منطقة الأمن» الجديدة، التي يبلغ عمقها عشرة كيلومترات، قبل تفكيك حزب الله بالكامل.

ويخلق ترسيخ هذا «الخط الأحمر» الذي تفرضه تل أبيب مأزقاً حقيقياً: فإسرائيل ترفض الانسحاب ما دامت المنطقة تضم أسلحة، فيما لا يستطيع الجيش اللبناني دخولها بأمان لنزع السلاح طالما بقيت القوات الإسرائيلية متمركزة فيها.

إلى جانب ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة، عبر التدمير المنهجي للأحياء وتنفيذ غارات جوية دقيقة. وتشير هذه الضغوط المستمرة إلى أن تل أبيب تسعى إلى الحفاظ على سيطرة أمنية طويلة الأمد، بدلاً من نقل سلطة فعلية إلى الحكومة اللبنانية.

القيد الإقليمي الذي تفرضه إيران

ترتبط المناطق التجريبية أيضاً بمآلات العلاقة الإقليمية بين واشنطن وطهران.

فالشرق الأوسط يشهد حالياً مواجهات عسكرية عنيفة بين الولايات المتحدة وإيران، تتجسد في ضربات أميركية استهدفت بنى تحتية إيرانية، وتوترات بحرية متصاعدة في مضيق هرمز.

ولا تنظر إيران إلى جنوب لبنان باعتباره مجرد ملف حدودي، بل تعتبره جبهة جيوسياسية متقدمة.

وقد شدد حزب الله بوضوح على أن أي وقف فعلي للأعمال القتالية أو أي انسحاب لا يمكن أن يتحقق إلا بقرار مباشر من طهران.

وفي الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، فإن قبول حزب الله بنزع سلاحه داخل المناطق التجريبية سيؤدي إلى إضعاف أهم عنصر ردع تمتلكه إيران في مواجهة إسرائيل، في وقت بلغت فيه الضغوط الأميركية على الجمهورية الإسلامية ذروتها.

ومن هنا، تعمل طهران على توجيه حلفائها في بيروت إلى إبطاء تنفيذ اتفاق واشنطن، بما يضمن بقاء لبنان ضمن محور النفوذ الإيراني.

مهمة الفرصة الأخيرة لجوزاف عون في البيت الأبيض

في ظل هذا الانسداد الداخلي والإقليمي، يتوجه الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن لعقد اجتماع حاسم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وتعد هذه الزيارة الأولى لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ سنوات، وهدفها إنقاذ الاتفاق الإطاري المتعثر وضمان استمرار مشروع المناطق التجريبية.

غير أن الرئيسين يدخلان هذه المفاوضات بأجندتين متعارضتين تماماً.

فمن الجانب اللبناني، يطالب الرئيس جوزاف عون الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف غاراتها الجوية وتنفيذ انسحابات يمكن التحقق منها.

كما يسعى إلى الحصول على دعم أميركي واسع للجيش اللبناني، مالياً ولوجستياً، ويرجح أن يطلب أيضاً تزويده بطائرات مسيّرة متطورة ومنظومات استشعار حدودية للحد من تهريب الأسلحة عبر الحدود اللبنانية ـ السورية.

أما من الجانب الأميركي، فيطالب الرئيس دونالد ترامب بأدلة ملموسة وقابلة للتحقق تثبت استعداد بيروت لنزع سلاح حزب الله.

كما تدفع إدارته نحو إعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني عبر تفكيك الشبكات المالية غير الرسمية المرتبطة بالحزب، بهدف إخراج لبنان نهائياً من المدار الجيوسياسي الإيراني.

ويواجه الرهان الدبلوماسي للرئيس جوزاف عون تحديات كبيرة.

ويشير محللون إلى أن الرئيس اللبناني لا يمتلك سوى هامش محدود جداً من النفوذ الفعلي على الأرض.

وفي حين تضغط واشنطن لعقد لقاء مباشر بين جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تواصل بيروت رفض أي مفاوضات ثلاثية ما دامت القوات الإسرائيلية تحتل أي جزء من الأراضي اللبنانية.

وفي المحصلة، لا يمكن للمناطق التجريبية في زوطر الغربية وصريفا أن تستمر باعتبارها مجرد ترتيبات عسكرية تقنية.

فمن دون تهدئة إقليمية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران، تترافق مع تسوية سياسية داخلية قابلة للتنفيذ في بيروت، سيبقى انتشار الجيش اللبناني مهمة شديدة الصعوبة.

وفي ظل الحصار الذي تفرضه ترسانة حزب الله، والتمدد الدفاعي الإسرائيلي، وحرب الوكالة التي تخوضها إيران، ستظل المناطق التجريبية أمام اختبار بالغ القسوة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل