شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

هل أنهت زيارة البابا إلى لبنان فكرة الهجوم الإسرائيلي؟ بين الرمزيات الكبرى والحسابات الواقعية

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي
نُشر ديسمبر 10, 2025 - 22:20

لم تكن زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان مجرد محطة دينية أو رعوية عابرة، بل لحظة سياسية بامتياز في أكثر لحظات المنطقة حساسية. زيارة تحمل معها رسائل إلى الداخل اللبناني بقدر ما تحمل رسائل إلى الخارج، وتحديدًا إلى إسرائيل، وإلى القوى الدولية التي تمسك بخيوط اللعبة الإقليمية. غير أنّ السؤال الذي تردّد بقوة بعد مغادرة البابا هو الآتي: هل تُنهي هذه الزيارة فكرة الهجوم الإسرائيلي على لبنان؟

الجواب ليس بسيطًا. فما بين القيمة الرمزية الهائلة للزيارة، والحسابات الاستراتيجية الباردة على الحدود الجنوبية، تظهر حقيقة واضحة: الزيارة منحت لبنان فسحة نفسية وسياسية مؤقتة، لكنها لم تُلغِ منطق الحرب. إلا أنّها — مع الحراك الفرنسي المتصاعد، وزيارة رئيس الجمهورية إلى سلطنة عمان — ساهمت في خلق شبكة ردع سياسية ودبلوماسية جديدة قد تُبطئ قرار الحرب، وربما تُعيد رسم شروطها.

زيارة البابا: قوة رمزية… لكن حدودها واضحة

يحمل قدوم البابا إلى بلد تعصف به الأزمات رسالة واضحة: العالم لم يترك لبنان نهائيًا، وأنّ الحفاظ على تنوعه ودوره ما زالا أولوية دولية. وقد شجّع البابا اللبنانيين على المصالحة، وعلى الاحتكام للدولة، وعلى نبذ العنف. لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في مضمون خطابها، بل في التوقيت الأكثر حساسية منذ نهاية حرب 2006.

إسرائيل تراقب هذه اللحظات بعين استراتيجية. فوجود رأس الكنيسة الكاثوليكية في بيروت رفع كلفة أي اعتداء واسع خلال هذه الفترة. كان من الصعب أن تشنّ إسرائيل حربًا فيما لبنان يستقبل شخصية دينية عالمية بهذا الحجم، وفيما العالم بأسره يصرّح ويعلّق ويتابع. هذا يعني أن الزيارة نجحت — ولو مرحليًا — في خلق مظلة حماية إعلامية ومعنوية.

لكن هل تُغيّر هذه الزيارة موازين القوة؟

بالطبع لا. إسرائيل لا تأخذ قرارات الحرب بناءً على المعنويات ولا على الرمزيات، بل بناءً على الحسابات العسكرية والسياسية. لذلك، يمكن القول إن تأثير الزيارة محدود بالزمن وبالإطار الرمزي، وليس كافيًا لردع قرار حرب إذا اتخذته القيادة الإسرائيلية لاحقًا.

الدور الفرنسي: بين الوساطة والضغط الدبلوماسي

إذا كانت زيارة البابا موجّهة إلى العاطفة والضمير العالمي، فإنّ الدور الفرنسي موجّه إلى قلب اللعبة السياسية. فرنسا، تاريخيًا وواقعيًا، تُعدّ الأكثر انخراطًا بين الدول الأوروبية في ملف لبنان.

وقد عملت باريس في الأسابيع الماضية على خطين متوازيين:

1. تهدئة ميدانية عبر قناة مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل.

2. تحريك ملف الحدود وتطبيق القرار 1701 من جديد.

ليس سرًا أنّ القيادة الفرنسية تحاول منذ أشهر منع انزلاق الجنوب إلى حرب شاملة. ولطالما لعبت باريس دور الوسيط الذي يُذكّر واشنطن بأن الحرب في لبنان لن تخدم الاستقرار الإقليمي الذي تبحث عنه الإدارة الأميركية.

لكن حدود القوة الفرنسية واضحة أيضًا:

• فرنسا لا تملك قدرة فرضية على إسرائيل.

• تأثيرها قائم أساسًا على “الإقناع” وليس على “الإلزام”.

• انسجامها الكامل مع الموقف الأميركي ليس مضمونًا دائمًا.

ومع ذلك، فإن الضغط الفرنسي — خصوصًا مع التحركات الدبلوماسية المتسارعة — يدخل مباشرة في حسابات تل أبيب ويُشكل عاملاً من عوامل التردد. فإسرائيل تعلم أن فرنسا قادرة على تحريك أوروبا سياسيًا وإعلاميًا ضد أي اجتياح واسع، وهذا ليس تفصيلاً في لعبة الشرعية الدولية.

زيارة الرئيس اللبناني إلى سلطنة عُمان: منصة إقليمية للتهدئة

في لحظة تزدحم فيها الساحات الإقليمية بالتوترات، جاءت زيارة رئيس الجمهورية إلى سلطنة عُمان كاستثمار ذكي في الدور الهادئ الذي تلعبه مسقط. فالسلطنة ليست دولة ضجيج، لكنها دولة تأثير صامت، تمتلك علاقات متوازنة مع جميع الأطراف:

• طهران

• العواصم الخليجية

• القوى الغربية

• وحتى قنوات خلفية مع أطراف دولية حساسة

هذا يعني أن زيارة الرئيس ليست بروتوكولية، بل منصة لبناء شبكة من الضمانات الإقليمية، وفتح خطوط وساطة تساهم في تبريد الجبهة الجنوبية.

ومسقط تُتقن الدور الذي لا يستطيع أحد سواها لعبه: التواصل الهادئ بين خصوم كبار دون إعلان. وقد يكون هذا الدور أحد الأعمدة غير المعلنة في عملية منع التدهور العسكري.

بين ثلاثة أدوار: البابا – فرنسا – عُمان… ماذا تغيّر؟

عند جمع العوامل الثلاثة نلاحظ الآتي:

1. زيارة البابا أعطت لبنان حصانة رمزية ومعنوية، وأعادت وضعه في الضوء العالمي.

2. الدور الفرنسي يدفع نحو تسوية سياسية ويمنع الحرب عبر الضغط الدبلوماسي المتواصل.

3. حراك الرئيس في عُمان قد يكون مقدّمة لخطّ تفاوضي غير مباشر بين أطراف إقليمية ودولية حول ملف الجنوب.

لكن هل يكفي كل ذلك لمنع الحرب؟

الحقيقة أنّ الحرب تُمنع فقط عندما تصبح كلفتها أعلى من مكاسبها بالنسبة لإسرائيل. والزيارة البابوية، والدور الفرنسي، والتحرك العُماني، جميعها ترفع هذه الكلفة — لكن لا تلغي خيار الحرب إذا اعتقدت تل أبيب أن أمامها فرصة استراتيجية لا تُعوَّض.

إذن، نحن اليوم أمام تجميد مؤقت لمنطق الهجوم، لا إلغائه. أمام توازن هشّ بين ضغط دولي يسعى لتهدئة، وقرار إسرائيلي لا يزال يتأرجح بين التصعيد والحسابات الداخلية.

في النهاية. زيارة البابا إلى لبنان لم تنه فكرة الحرب، لكنها جعلت الحرب أصعب.

والتحركات الفرنسية خلقت شبكة ردع سياسية.

وزيارة الرئيس إلى عُمان فعلت ما تفعله الدبلوماسية الهادئة: فتحت أبوابًا لا تُفتح في العلن.

إسرائيل ستظل تراقب، ولبنان سيظلّ ينتظر، لكن الحقيقة أنّ الضغط الدولي على تل أبيب اليوم هو الأقوى منذ سنوات، وهذا وحده ليس ضمانًا… لكنه على الأقل فرصة

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل