

في عام 1957، ألقى المؤرخ وفيلسوف التاريخ أرنولد توينبي محاضرةً في «الندوة اللبنانية» بعنوان «لبنان تعبير عن التاريخ». فبعد أن استعرض تعقيدات تاريخ لبنان وتفاعله مع الحضارات المحيطة، وحلّل كيــف شكّل فيها الموقع الجغرافي للبنان وتكوينه المتعدد الطوائف نقطة التقاء وصدام بين الديانات والهويات المختلفة، ختم توينبي محاضرته بتحذير استشرافي إذ قال:
"إذا رُسمت، في المشرق، الحدود بين الإمبراطوريتين العالميتين، الأميركية والروسية، على قمّة جبال السلسلة الشرقية، فإن الجمهورية اللبنانية قد تواجه مصير دولة إسرائيل. فلبنان، مثــل إسرائيل، غير قابل للحياة إذا وجد نفسه في حالة عداء دائمة مع جيرانه في الشرق."
لقـد أُلقيت هذه المحاضرة في ظل المناخ الثقيل للحرب الباردة، بما حملته من توترات جيوسياسية وصراعات أيديولوجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وكتلتيهما. فخلال تلك الحقبة، أسـدلَ «الستار الحديدي» السوفياتي على تسعِ دول أوروبية وجعل حدودها متوترةً وعدائيَّـةً واندلعت حروبٌ على الحدود بين الكوريتين، وعلى الحدود المتحركة في الهند الصينية. فكمـا خشــي توينبــي، تثبّت خطّ التماس بين الإمبراطوريتين الأميركية والروسية على قمّة السلسلة الشرقية لجبـال لبنــان أي على الحدود اللبنانية ـ السورية.
إزاء هذا الوضع المعقّد، اختار لبنان التموضع في الفلك الأميركي، فأعلن في 16 آذار 1957 انضمامه إلى "مشـروع أيـزنهـاور" بعد أن كان، في إطار التحالفات الدولية للمعسكر الغربي خلال الحرب البارد، قـد درس لبعض الوقــت إمكانيَّــة الانضمام إلــى «حلف بغداد».
وفي المقابل، وعلى الجهة الأخرى من الحدود الفاصلة بين منطقتــي النفوذ، فلقـد دفع رفض الغرب مساعدة الدول العربية — وفي مقدّمها سوريا — والدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، بسوريا، ذات التوجّه اليساري آنذاك، وكذلك بـ«الجمهورية العربية المتحدة» التي أُعلنت عام 1958 بنتيجــة اتحاد مصر وسوريا، إلى الارتماء بأحضان الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.
لم يُعر اللبنانيون اهتمامًا كبيرًا لتحذير توينبي بسبب اطمئنانهم إلى التفوّق العالمي للولايات المتحدة وإلــى تفوّقها العسكري على الاتحاد السوفياتي.
وهكذا، أصبحت الحدود اللبنانية ـ السورية، كما هي محدّدة ومكرّسة في الدستور اللبناني — وهو الدستور الوحيد في العالم الذي يُصــف الحدود فــي نص دستوري — أكثر من مجرّد خط إداري أو نـص قانوني، إذ اكتسبت تلك الحدود طبيعتين في آن واحد، فهــي حدودٌ بين دولتين، وهي خطٌّ فصل سياسي واقتصادي وأيديولوجي بين منطقتَي النفوذ الأميركيَّـة والسوفياتيَّة. فعندما التقى الرئيس فؤاد شهاب الرئيس جمال عبد الناصر تحت خيمة نُصبت على الحدود، تمسّك كلُّ منهما بالبقاء على أرض بلاده، وقـد هـدف الرئيــس شهاب مـن اختيــار مكان الاجتماع وإخراجــه إلــى إبراز الأهمية الوطنية والإقليمية لهذه الحدود.
لكنـه تبيَّــن أن نبوءة توينبي كانـت غير صحيحة، إذ أنَّ خطّ التماس هذا بين مجالَي النفوذ، حمى لبنان لمدّة من الزمن من الطموحات السورية التوسعية السياسية والأمنية والاقتصادية والأيديولوجية، وكان نعمةً حقيقيةً للبنان طوال أكثر من ربع قرن.
فالكارثة حلّت بلبنان عندما بدأت الولايات المتحدة، فـي إطار البراغماتيــة وبنتيجـة قابليتهــا لمقايضة تحالفاتها بـ«صفقات» — من بينها الصفقة مع سوريا الأسد — بطمــس هذا الخط قبل أن تمحوه شبــه كليًا، وذلك عبر تنظيـم دخول الجيش السوري إلى لبنان في نيسان 1976 ومــن ثم، أوكلت عمليًا واشنطن إلى دمشق الوصاية على لبنان بمناورات مستوحاة من هنري كيسنجر.
إن إلغاء هذا الخط الفاصل، الذي كان ثمرة اتفاق أميركي ـ سوري انعقـد من دون أدنى اعتبار للبنانيين الذين كانوا لا يزالوا يؤمنــون أن التحالفات الأميركية تقـوم على مبادئ، أتاح لسوريا فرض هيمنتها على لبنان وتبين أن التحالف بين الولايات المتحدة ولبنان لم يكن سوى اتفاقٍ عابرٍ وظرفي، تحكمه مصالح واشنطن خلال الحرب الباردة.
كما أخطأ توينبي أيضــاً فــي أنَّ البديل للحدود المتوترة ليس بالضرورة السلام — بل قد يكون الهيمنة.