شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

العالم بين السوبرمان والسبايدرمان

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم يقظان التقي
نُشر أغسطس 22, 2026 - 19:36

معروف عن السوبرمان أنه الرجل الفولاذي، الذي يرتدي ملابس ضيقة وعباءة حمراء وزرقاء، يأخذ الأمور على محمل الجدّ، ويحمل على عاتقه كشرطي مسؤوليته إنقاذ العالم. هذا هو رجل المخرج ديفيد كورينسويت بنسخته الحديثة في هوليوود، يوقف الأشرار، يتدخل لإنقاذ أرواح الناس من الحروب والحرائق والغرق. ويتفرّع عن هذا الفيلم الأميركي مشهد سوبرمان آخر، يتدخل في شؤون العالم من دون أن يتوقف، أو أن يفكر في عواقب التدخل في نزاعات الدول الأخرى. قد تبدو هذه المقاربة الجيوسياسية غير مناسبة مع قيم الأبطال الخارقين. لكن هذا ما يوحي به الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حركاته الباهرة لإعادة تشكيل العالم بموحى مجازي لشخصية الشرير أستر، التي يعرفها مخرج الفيلم في “MAGA”، من دون أن يسميها في شخصية رجل الأعمال أو آخرين (ليكس لاثر)، أي نسخة أميركا الجديدة في عالم شرير ورأسمال جشع، صورة عن رجال الأعمال المتغطرسين، مثل غوردون جيكو في فيلم “وول ستريت”.

تم ابتكار شخصية سوبرمان قبل 87 عاماً ليقاتل أرباب العمل المستقلين والنازيين في الحرب العالمية الثانية، وليقف في الخمسينيات إلى جانب الأميركيين في الحرب الباردة، وكل نسخة منه كانت تعكس التهديدات والهموم التي تسيطر على الأميركيين. فيما يقفز سوبرمان الممثل الآن لمساعدة كل ما يكرهه ترامب، مهاجرًا من طبيعة فقيرة، ويعتبر أن من يعترض على هذه الصورة هو عنصري في الحديث عن المهاجرين و”رغبتهم في تدمير أميركا”. كل سوبرمان كان رمزاً للتغيير، حيث يحتاج العالم لمن ينقذه في صوره المحتدمة التي تعكس عصر رأسمالية الدولة في بيئتها الضخمة، نسخة أكثر أميركية تذكر العالم، بما يمكن أن يكون عليه في أسوأ حالاته مع أكثر أبطال أميركا حيوية، وما يعكس إغراءات وتناقضات الزمن المفرط في البحث الأميركي عن معنى الدولة العظمى.

في الواقع، يقدم ترامب نفسه نسخة تناص مع النص الأصلي، لكنه يثير أشكالاً من العمل السياسي بعيداً عن القالب الكلاسيكي، حيث يعيد إلى المسرح الدولي مثالاً عن حقبة رأسمالية الدولة، واستغلال الموارد العالمية، وسياسة القوة في النزاعات الجيوسياسية في انعكاسات معاصرة للمشهد السياسي الذي يمثله بذلك الحلف الذي عقده فوست مع الشيطان. في الوقت الذي لا يتنازل فيه عن الترف والجانب الترفيهي في استخدام فنون العرض البصرية الرمزية لإضافة التغيير لعمله السياسي، كشخصية مزيج من التطلعات للسيطرة والهيمنة مع كل الانحرافات السياسية والاجتماعية حين يفجر قضية الهجرة في العالم، ويحيي النزاعات الاجتماعية والقومية العنصرية. وهو يتلاعب بكل شيء بالقواعد الدولية والأعراف الدبلوماسية، ولا يعرف حدوداً لصفقاته ونفوذه في فرض التعريفات الجمركية والتلاعب بها. ولا يتوقف في جرأته من عدم الاعتراف بأزمة الطاقة العالمية في حرب “مضيق هرمز” ومخاطر التغيير المناخي، رغم الحرائق الضخمة والأعاصير والفيضانات التي تجتاح العالم.

وتماماً، كما يتخيل كاتب الرعب، كان النظام في طهران أضعف من أي وقت مضى في تاريخه البالغ 47 عاماً قبل شن الحرب الأميركية - الإسرائيلية في 28 شباط / فبراير 2026، يكاد أن يسقط دون حرب من خلال الرهان على ديناميات تفكك التوازنات الداخلية، وتظهير نزاعات بين فئات وقوى محلية. فيحالف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحظ، في فنزويلا، وهو الذي كان يسخر من رؤى المحافظين الجدد لتغيير الأنظمة وبناء المجتمعات الديموقراطية، لاسيما حين يقول “كل ما أريده هو الحرية للشعب الإيراني”. فيعلن الحرب للقضاء على التهديد النووي والانتصار على الفوضى الإقليمية، التي يتسبب بها المتشددون، ويعد بتحرر الإيرانيين أخيراً من النظام الثيوقراطي. لكن تجربة سوبرمان عالمي، ليست كلاسيكية في الطموح الجامح الحديث للمعجبين من جماهير الإنترنت، التي لديها الرغبة في التأثير دون المخاوف من السقوط في الفوضى السياسية والمالية، حول العالم، وهو يحاول إعادة توزيع الثروات بشكل يفتقر إلى منظور العدالة والمساواة في مناخ نظام اقتصادي دولي تحتكره شركات الغافا الكبرى، ولا يرى إلى الأبعاد الجيوسياسية الأخرى من فقر وبطالة وجوع يصيب الملايين من أطفال العالم جراء حروبه بالشكل الكافي. هو يعرف كيف يفرض رسوماً، يجبر القادة والرؤساء في العالم على دعم أجندته والرقص معه، يفرض عقوبات ويعرف متى يتراجع بعد أن يتحرك في مواقع الصراع. فيعلن نفسه الرجل المستحق لجائزة نوبل للسلام، يمنح نفسه القدرة على إطفاء الحرائق والحروب، من دون التحقق من بوادر وقفها حين يقدم نفسه محيطاً بشؤون الحرب وفرض السلام بالقوة.

والنتيجة، أزمة تعيد تشكيل الشرق الأوسط بطرق من المرجح أن تكون لها تداعيات طويلة الأمد على واشنطن، بينما يتكيف القادة الإقليميون في المنطقة مع واقع جديد بدل الخضوع المحض، على اعتبار أن ما هو موجود الآن أفضل من اللاشيء وسط شكوك حول موثوقية الولايات المتحدة، والشك بأن إسرائيل قوة مزعزعة للاستقرار، في وقت سوبرمان الوهمي يطلب من الأميركيين والعالم مكافآته في السعي لخوض الانتخابات الرئاسية لفترة مقبلة.

بالمقابل، يثير هذا الكم من القلق والانقسام ديناميات متقلبة في العالم تعمق الأزمات، ولا يمكن أن تعطى الثقة لشخص واحد يقود العالم حين يتحرك بصفقة شاملة لا تمثل حقيقيًا ثلثي المعمورة، وهو لا يتوقف عن الكلام والتسلية، ولا يتوقف عن مخاصمة الآخرين. يهاجم الجهود الدولية المبذولة في الأمم المتحدة ويحكم سلباً على رجالات مؤسساتها القانونية. ويقوم بعمل جيد بصياغة شروط المحادثات وخطاباته ولقاءاته وسفرياته لاحتواء الآخرين، باستثناء المخلصين الرقميين من ممارسي “ما بعد السخرية” من المجتمعات الأخرى. فيمنح السوبرمان الأميركي لنفسه كل هذه الثقة قبل أن يستحقها. ذلك أن أوضاع العالم ما زالت متصلة بصعوبات الأنظمة السياسية وبظاهرة غير ديمقراطية استباقية تطبق مفاهيمها على الرأسمالية والتكنولوجيا، التي تضعف مؤسسات الدولة وتعطلها.

كل ما يفعله المدافعون عن الواقعية السياسية هو الخضوع الذي يلحق الضرر بالعالم الحقيقي، خصوصاً فيما يتعلق بالسياسة الدولية نفسها والمعاهدات الدولية القائمة. يقع العالم في فخ الفكرة القائلة، بأن النتائج تتحقق عبر صفقات شخصية وارتجالية، بدلاً من النظام المتعدد الأطراف القائم على قواعد بينيّة ثابتة ومستقرة. وهنا وجه الخطورة، أن تفقد الإنسانية رأسها السياسي، وتحاصر الدول في سياساتها الداخلية لصالح نظام إقطاعي جديد يحكم العالم في فلسفة رجعية معادية للديمقراطية بتأثير الآراء السياسية لمستثمري التكنولوجيا بما في ذلك بيتر ثيل وإيلون ماسك، ما يساعد في تشكيل الثقافة الحالية في وادي السيلكون والبيت الأبيض، بدل الدفاع عن التعددية والديمقراطية. وإذا اعتقد الناس أن الحكومات يجب أن تدار من قبل الشركات التكنو-رأسمالية أو الذكاء الاصطناعي، أو أن المجتمع الإنساني يعمل بالتفرد. فإن هذه المفاهيم تصبح حقيقية مع انعكاسات الفشل في الاستراتيجيات المعلنة، وهي ليست بحاجة لتحركات خصوم أميركا ضدها. هذا في حال نجح سوبرمان (غير الذي كنا نعرفه بشكل أقل)، مع ميول ترامب نحو الجانب الأكثر ظلمة في الحروب، وكل ما يتبع ذلك من إغراق العالم واقتصادياته في المجهول.

مع ذلك، لا يزال هناك وقت للترفيه السينمائي لتجنب الأسوأ، قبل أن يتبع الناس مفضليهم ويروجون لهم في محاولة لإعادتهم إلى دائرة الاهتمام العام، مثل وصول فيلم سبايدرمان على هيئة سربه المكون من 1500 طائرة مسيّرة (درون)، يعبر فوق جسر “غوانغان”، ويواصل اكتساح شباك التذاكر في السوق الأميركية والكندية، متجاوزًا فيلم سوبرمان بأضوائه الكاشفة. باختصار فتح ترامب بنفسه صندوق باندورا. إنها كارثة جديدة في حرب السلام العالمي بالقوة، تفتقر إلى استراتيجية، حيث يؤدي كل فيلم إلى فيلم أميركي آخر. وللمشاهدة الواسعة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل