شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

عقوبة الإعدام والتباس الجغرافيا السياسية في الموت

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم يقظان التقي
نُشر سبتمبر 2, 2026 - 11:34

يخطو لبنان خطوة مهمة باتجاه صون حق الفرد في الحياة بإلغاء عقوبة الإعدام، في وقت تعيش المنطقة على أخبار الحرب والموت والدمار، واقعاً يبدو كأنه إعدام جماعي للإنسان. وإلغاء عقوبة الإعدام ليس مجرد تعديل قانوني أو إجراء تشريعي، إنه فعل حقوقي يضع الحق في الحياة في مرتبة أعلى من حق الدولة في العقاب، وينتصر للفرد في مواجهة سلطة الموت. ومن هذه الزاوية، فإن التحاق لبنان بهذا المسار يكتسب دلالة تتجاوز النص القانوني نفسه في تعزيز حماية الشخص. فيصبح إلغاء الإعدام اعترافاً بأن الدولة لا ينبغي أن تكون قاتلاً باسم القانون، في حين أن الحروب والصراعات والانهيارات السياسية والاجتماعية تجعل الموت ممارسة يومية خارج القانون وداخله.

هنا تبرز قيمة الخطوة اللبنانية، بعد وقف فعلي لتنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2004، وفي منطقة نادراً ما تُحترم فيها حقوق الإنسان. وقد وصف وزير العدل اللبناني عادل نصار إلغاء العقوبة بأنه «رسالة جوهرية لصالح الحقوق الأساسية».

ومن بين دول جامعة الدول العربية، ألغت جيبوتي عقوبة الإعدام من قانون عقوباتها في عام 1995، لكنها تقع في القرن الأفريقي. أما في الشرق الأوسط، فقد ألغت إسرائيل عقوبة الإعدام للجرائم العادية عام 1954، مع الإبقاء عليها في عدد من الجرائم الاستثنائية، من بينها الخيانة في زمن الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والجرائم ضد الشعب اليهودي.

وفي مارس/ آذار الماضي، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يفرض عقوبة الإعدام على مرتكبي بعض جرائم القتل المصنفة إرهابية من سكان الضفة الغربية، باستثناء المواطنين الإسرائيليين والمقيمين في إسرائيل، مع إمكان استبدالها بالسجن المؤبد في ظروف خاصة يحددها القضاء العسكري. وقد رعاه اليمين المتطرف، بعد أن أعادت حرب ما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 الزخم السياسي إلى الدعوات لتوسيع استخدام عقوبة الإعدام. وبهذا يصبح تطبيقه عملياً موجهاً بصورة أساسية إلى الفلسطينيين الخاضعين للمحاكم العسكرية. وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان الدولية والإسرائيلية هذا التوجه باعتباره يكرس نظام عدالة من طبقتين.

إنها ليست فلسفة الانتصار لحقوق الإنسان فقط، بل تأكيد على أن حياة الإنسان لا تفقد قيمتها بسبب الجريمة، ولا بسبب انتمائه، ولا بسبب موقعه السياسي أو الطائفي أو الجغرافي والإثني. وفي منطقة يُختزل فيها الإنسان كثيراً إلى رقم في حصيلة الضحايا بالآلاف، يصبح الدفاع عن حق الفرد في الحياة موقفاً سياسياً بامتياز. لكن المفارقة أن إلغاء عقوبة الإعدام يأتي في بيئة إقليمية يُمارس فيها الموت على نطاق واسع، بحيث يبدو الانتقال من الإعدام الفردي الذي تنفذه الدولة بحكم قضائي إلى الإعدام الجماعي الذي تنتجه الحروب والعنف أحد أكثر التناقضات تعبيراً عن أزمة الشرق الأوسط العنيف.

لذلك، لا ينبغي النظر إلى إلغاء عقوبة الإعدام باعتباره نهاية النقاش، بل بداية لسؤال أكبر: كيف يمكن تحويل الحق في الحياة من مبدأ قانوني يحمي الفرد أمام الدولة إلى قيمة سياسية وأخلاقية تحمي الإنسان أمام الحرب والعنف والاستبداد وانهيار الدولة؟

إنها حالة التباس الجغرافيا السياسية في الموت.

في سوريا، صدرت أحكام إعدام غيابية على الرئيس السابق بشار الأسد، بتهمة القتل العمد والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية، من بين تهم أخرى مرتبطة بالحرب التي شنها على شعبه طوال ما يقارب أربعة عشر عاماً. ومعه، صدرت أحكام بحق أركان من نظامه المتورطين في القتل الجماعي والتهجير وتعذيب المساجين، في سياق انتقال سياسي شديد الالتباس، حيث يختلط مفهوم العدالة بمقتضيات الانتقام السياسي وتصفية الحسابات.

وفي إسرائيل، يأخذ الموت شكلاً آخر، إذ يُمارَس العنف في سياقات توصف بالإرهاب، ويتحول قتل الإنسان الفلسطيني إلى أداة في الصراع الوجودي والأمني.

هذا يجعل الفكرة أكثر تركيباً، فالموت والإعدام يأخذان أشكالاً مختلفة، أي إن الموت نفسه يتحول إلى أداة سياسية. لكن الإنسان يبقى في النهاية هو الحلقة الأضعف.

فبينما يتقدم لبنان باتجاه إلغاء العقوبة، تجري حوله وعلى أرضه عمليات قتل وإعدام وتفجيرات خارج منطق سيادة الدولة والقانون، أو تحت عناوين سياسية وأمنية مختلفة، في حين أن المبدأ الحضاري يفترض أن لا أحد يملك هذا الحق بصورة مطلقة. لكن ماذا تعني العدالة في زمن الحرب والاضطرابات؟ وأي نوع من المساءلة يمكن تحقيقه حقاً بينما لا تزال الجرائم والتسويات السياسية والمالية مستمرة؟

مع ذلك، يفتح إلغاء العقوبة آفاقاً جديدة للعدالة. ويمكن للبنان الآن أن يجدد طلب تسليم إيغور غريتشوشكين، وهو مواطن روسي قبرصي كان مشغّلاً لسفينة «روسوس» التي نقلت نترات الأمونيوم المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت في آب/ أغسطس 2020. وكانت محكمة بلغارية قد رفضت طلب تسليمه بعدما اعتبرت أن الضمانات اللبنانية بعدم تعريضه لعقوبة الإعدام غير كافية. ومع إلغاء العقوبة، زال أحد أبرز العوائق القانونية أمام تجديد طلب التسليم.

وعلى أمل أن تكون مثالاً إقليمياً، يدرس لبنان أيضاً ما إذا كان سيرفض تسليم مسؤولين من النظام السابق إلى سوريا للمحاكمة أمام محاكم لا تزال تصدر أحكاماً بالإعدام، إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً مع حجم التدخلات الخارجية.

من هنا، لا يعود إلغاء عقوبة الإعدام مجرد مسألة جزائية، بل يصبح موقفاً منطقياً في مواجهة ثقافة سياسية تجعل الموت وسيلة لإعادة إنتاج السلطة أو تصفية الخصوم. فالفرق بين الإعدام والعنف السياسي ليس دائماً في النتيجة، بل في الجهة التي تمنح نفسها الشرعية لارتكابه. يُلغى الإعدام في القانون، بينما يعيش في جغرافيا سياسية يُمارَس فيها بأشكال أخرى.

فإلغاء الإعدام فعل ديمقراطي وقانوني من حيث المبدأ، ويندرج أيضاً في باب الرحمة في غالبية الديانات السماوية. لكنه لم يعد كافياً لكي نسمّيه وحده فعلاً ديمقراطياً، ولا يُقاس فقط بما تفعله الدولة داخل قاعة البرلمان أو المحكمة التي تستبدل الحكم بالمؤبد، بل بقدرتها على حماية الحياة خارجها أيضاً.

ثم إن الديمقراطية ليست فقط أن تمنع الدولة إعدام فرد بحكم قضائي، بل أن تؤسس شروطاً سياسية واجتماعية واقتصادية تجعل حياة الإنسان مصونة في الواقع من الحرب والفقر والمجاعة والانفجار والانهيار والنزوح. لذلك لم يعد التحدي محصوراً في إلغاء الإعدام، وإنما في إلغاء الشروط التي تجعل الموت عادياً، متكرراً، ومقبولاً كأنه جزء طبيعي من الحياة السياسية.

في نزاعات القرن الأفريقي، وفي حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا، وفي الإعدامات الجماعية أو المتزايدة في إيران، تتسع المسافة بين الحق القانوني في الحياة وبين واقع الإنسان. وهنا تتكشف أزمة الدولة نفسها. وما قيمة الاعتراف بحق الإنسان في الحياة إذا كانت السياسة عاجزة عن حمايته من كل أشكال القتل السياسي والحربي والاجتماعي والاقتصادي؟

لم يعد الموت استثناءً في هذه الجغرافيا. إنه حاضر في الحرب، والإرهاب، والمجاعة، والفقر، والنزوح، والانهيار الاقتصادي، في مجتمعات مفتوحة قابلة للاستباحة.

وهنا، يصبح الدفاع عن الحياة أكثر من دفاع عن حق قانوني، يصبح دفاعاً عن إمكانية أن يعيش الإنسان حياة عادية، بلا حرب، بلا خوف، بلا جوع، وبلا انتظار دائم للموت حين يغادر بلده هرباً، فيجد نفسه أمام البحر، والحدود، ومراكز الاحتجاز، والسجون، أو الشرائط الشائكة التي تتحرك معه من عاصمة إلى أخرى.

ومن هنا تصبح الهجرة نفسها جزءاً من السؤال الديمقراطي. فالإنسان الذي يغادر بلده بحثاً عن الحياة يفترض أن يدخل فضاءً أكثر أمناً، لكنه قد يجد نفسه في نظام من الحدود المغلقة، والاحتجاز، والترحيل، والاستغلال. يصبح حق الإنسان في الحياة معلقاً بين دولتين، دولة دفعته إلى الرحيل، ودولة لا تريد استقباله.

لم يعد الموت استثناءً. إنه الحرب والإعدام والإرهاب والمجاعة والفقر والانهيار، والحرائق والفيضانات. حتى الذين يهربون من الموت لا يخرجون بالضرورة من جغرافيته. قد ينتقلون من حرب إلى بحر، ومن بحر إلى حدود، ومن حدود إلى مركز احتجاز، ومن مركز احتجاز إلى سجن آخر، كما في حالات نقل سجناء إسلاميين متشددين من ألمانيا جواً إلى السجون السورية حيث تعرضوا للتعذيب.

وكأن السجون لم تعد دائماً أماكن ثابتة؛ أصبحت مسارات متحركة، تتبدل فيها الجغرافيا ولا تتبدل حالة الإنسان.

ولذلك لم تعد القضية مجرد إلغاء عقوبة الإعدام. القضية هي استعادة الحياة الطبيعية نفسها، أن يستطيع الإنسان أن يعيش، وأن يتحرك، وأن يعبر الحدود، وأن يختلف، وأن يحتج وينتفض، من دون أن يتحول كل ذلك إلى طريق محتمل للموت.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل