شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

الأنثروبولوجيا أمام مرآتها

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم يقظان التقي
نُشر أغسطس 13, 2026 - 14:46

 لم يكن ممتعاً لعلماء الأنثروبولوجيا عندما تم تصنيف تخصصهم كبؤرة لـ "التفكير الجماعي السياسي السيئ"، وبأن "الحياد العلمي"، هو في أفضل الأحوال وهم، وفي أسوأ الأحوال، إملاء سياسي." لقد غضبوا جداً من "تقرير حالة المنح الدراسية في العلوم الإنسانية والعلوم الإنسانية الاجتماعية"، الذي كفلته جامعة "فاندربيلت" و"جامعة واشنطن" في سانت لويس من خلال تقرير أعده  عشرة علماء، والذي صدر أخيراً عن  علم  الأنثروبولوجيا كمثال على مجال يرى تدهوراً واسع  النطاق في المعايير العلمية، جنباً إلى جنب مع مناخ فكري سيئ يتم فيه قمع ومعاقبة الاختلاف المعقول في الرأي حول الموضوعات المثيرة للجدل سياسياً. فماذا يبقى من العلم عندما يصبح الخلاف حول المنهج نفسه خاضعاً للضغط السياسي والأخلاقي والهوياتي في الأنثروبولوجيا؟، واحدة  من  فروع الدراسات الحديثة بالمعنى الزمني، لأنها علم قديم نسبياً، بل إنها من الحقول التي اكتسبت حضوراً متزايداً في البحث المعاصر، خصوصاً عند تقاطع التاريخ والسياسة والمجتمع والثقافة. فالأنثروبولوجيا السياسية تحديداً توسعت من دراسة السلطة والمؤسسات إلى دراسة الدولة، والقومية، والهوية، والمواطنة، والعنف، والذاكرة الجماعية، والدين، والممارسات اليومية للسلطة، وأصبحت أكثر انفتاحاً على التاريخ والعلوم السياسية والفلسفة السياسية.  كما أن مؤسسات وبرامج أكاديمية معاصرة تقدم الأنثروبولوجيا والسياسة بوصفهما مجالاً بينياً لفهم الثقافات والسياسات والشؤون الدولية بأبعادها التاريخية والاجتماعية والثقافية، إلى جمع وتأويل وقائع متأتية من أقاليم العالم.

في 2023، ألغت الجمعية الأنثروبولوجية الأميركية والجمعية الكندية للأنثروبولوجيا جلسة بعنوان Let's Talk About Sex, Baby: Why Biological Sex Remains a Necessary Analytic Category in Anthropology. وبررت الجمعيتان القرار بالسلامة والكرامة و"النزاهة العلمية"، وقالتا إن الجلسة تقوم على افتراضات تعتبر الجنس والنوع الاجتماعي ثنائيين بصورة مبسطة  لكن اللافت أن القرار نفسه أثار اعتراضاً من جهات معنية بحرية التعبير الأكاديمي، بينها PEN America وFIRE، اللتان اعتبرتا أن إلغاء الجلسة بسبب «الضرر» يطرح مشكلة تتعلق بحرية النقاش. فهل يجوز لمؤسسة علمية أن ترفض سؤالاً علمياً، لأنها ترى أن بعض الإجابات المحتملة عنه مؤذية لأحكام بلا سند ، على ضوء فرضية لا  تؤخذ في الاعتبار الفيزياء، وبالتالي ربط التعقيد الفيزيائي بالتعقيد البيولوجي والتعقيد الأنثروبولوجي. هذا الانشغال بمعرفة تخمينية أعاد في  العام 2026 طرح نقاشات حادة  في إطار أزمة أوسع تتعلق بالتسييس والمعايير العلمية وإعادة تركيب مراحلها التي تحمل الكثير من الانفصالات النظرية عن  فلسفة القرن السابق.

تأتي هذه الهجمات من قوى سياسية تدعو إلى قراءة بيولوجية للعالم، وفي الجهة المقابلة، تستخدم قوى سياسية أخرى خطاباً بيولوجياً واجتماعياً يعيد تفسير الفوارق البشرية باعتبارها معطيات طبيعية ثابتة( المليارديرات عباقرة يستحقون ثرواتهم، والفقراء كضعفاء وُلدوا ليكونوا فقراء) ، ويشكك في كثير من المكتسبات التي أنتجتها العلوم الاجتماعية حول العرق والجندر والطبقة والسلطة. ليست المشكلة أن العلوم الاجتماعية «يسارية» أو «يمينية»، بل أن حدود ما يمكن أن يُسأل عنه علمياً بدأت تتحدد أحياناً قبل إجراء البحث، والأنثروبولوجيا نشأت أصلاً لتفكك ما يبدو طبيعياً وبديهياً. لكنها قد تقع اليوم في خطر تحويل بعض نتائجها النظرية إلى مسلمات لا يجوز مساءلتها، أي أنها تنتقل من نقد البديهيات إلى إنتاج بديهيات جديدة . فتأتي العلوم الاجتماعية لتزعزع هذا النظام القائم عن العلاقات الاجتماعية والتمييزات، وتهز هذه العلوم خطابات السلطة. لذا، يجب إسكاتها، أو أنها تصيب العدالة الاجتماعية، لكن ماذا لو أصبحت العدالة الاجتماعية نفسها معياراً لقبول المعرفة؟

تقرير يعلن أزمة في العلوم الإنسانية ، وتصبح  الأنثروبولوجيا نموذجاً للنزاع ، مثال إلغاء جلسة الجنس البيولوجي للإنسان، والسؤال هل نحن أمام تسييس للعلم أمام تصحيح علمي مشروع؟ إنها مهمة تبدو شاقة، علماً أن المطالبة بحياد علمي هي بالنسبة للباحث، إنكار لعلاقته بالعالم، وقد تصل حتى إلى شكل من أشكال سوء النية. ومن ناحية أخرى، الموضوعية هي مبدأ أساسي للعلم يجب تعزيزها باستمرار من خلال إجراءات ومبادئ تسمح بالبحث عن الحقيقة.

كانت الهجمات في الولايات المتحدة، موجهة أولاً ضد العلوم الاجتماعية، قبل أن تستهدف أيضًا علوم المناخ والميكروبيولوجيا وحتى اللقاحات. في أوروبا، تتعرض دراسات الجندر للهجوم منذ فترة طويلة في دول مثل هنغاريا. في فرنسا، كان تدخل وزيرة التعليم العالي فريديريك فيدال في عام 2021، إلى تحقيق في بعض مجالات الدراسات النقدية. وبدا من المهم تسليط الضوء على البروتوكولات والمبادئ التي تشر عن العمل العلمي الذي لا يعتمد على حياد الباحث، بل على موضوعية منهجه، و تحت أي ظروف يمكن أن تتحدى ما يبدو بديهيًا، أي أن تكون نقدية حقًا.  فلا  ينبغي للسياسة أن تحدد ما هو صحيح علمياً، كما لا ينبغي للعلم أن يدعي أنه يعيش خارج السياسة والمجتمع؟

تقول جوليا ايليشار أستاذة أنثروبولوجيا في برينستون، "لقد استخدموا الذكاء الاصطناعي لمسح مجموعات كبيرة من النصوص بشكلٍ أصبح طريقة شائعة بشكل متزايد في العديد من العلوم الاجتماعية". وأكدت أن تدريس علم الجنسين سيكون "بمثابة تحويل قسم علم الفلك إلى قسم لعلم التنجيم" . إنها قراءة متباينة في وقت تتعرض فيه الأكاديمية لهجوم غير مسبوق، فهي بحاجة إلى خبراء علاقات عامة يمكنهم بيع قيمة التعليم العالي للجماهير. بدلاً من ذلك، لا يزال معظم الأكاديميين يفعلون ويقولون أشياء في حدود غير مفهومة  ، ومعهم رؤساء الجامعات الذين يتعثرون في جلسات استماعهم، وكذلك خبراء الصحة العامة في تصاريحهم المتناقضة، ومراكز الفكر، التي تجادل في محاولة إعادة بناء الثقة وترتيب الاعتراضات على ما يقوم عليه الفكر النظري لأنثروبولوجيا تصف نفسها أنها تطويرية.

تنسب كلمة "حياد" في البحث إلى ماكس ويبر. لكنها كانت خلطات من كتاب "العالم والسياسي" بلون، 1959،  وتم جمعها في عام 1959 من قبل ريمون أرون بهدف إقصاء العلوم الاجتماعية الماركسية. نظرية أخرى مهمة في بناء هذه الموضوعية العلمية هي نظرية الانعكاسية لبيار بورديو 1930-2002) ، أكد فيها أن الباحث في العلوم الاجتماعية يتعرض لتحيزات. فالأنثروبولوجيا لم تكن يوماً علماً «محايداً» بالمعنى الفيزيائي أو الرياضي، والباحث يدخل الميدان بثقافته، ولغته، وموقعه الاجتماعي، وأسئلته المسبقة. والسبب الأكثر شيوعاً لانعدام الثقة في الأوساط الأكاديمية هو "الأجندة السياسية"، يليها مباشرة "التكلفة" وتصور أن الشهادات لم تعد تُعد الخريجين لسوق العمل. لقد أمضى الأكاديميون سنوات في إقراض مصداقيتهم المؤسسية لمشاريع سياسية متنوعة. والآن هم مفلسون من حيث السمعة. إذا لم يصلحوا الضرر، والعديد من المؤسسات ستصبح مفلسة مالياً أيضاً. ذلك، أن العلم الموضوعي لا ينفصل عن مجتمع ديمقراطي يخضع لنفس المتطلبات النقدية للموضوعية والسياق. فالعلم هو مشروع جماعي، يتطلب، لتعريف ما يُعتبر معرفة، نوعًا من الديمقراطية.

 وتُعتبر إحدى الانتقادات الموجهة إلى الجامعات راهناً، في أن حرية التعبير تتعرض للهجوم، وتستهدف هذه الاتهامات إقصاء الليبرالية الفكرية التي أدت إلى عدم الرقابة، بل إلى وضع حدود محاطة بالقانون، تمنع التصريحات المعادية للديمقراطية، العنصرية أو الميسوجينية، التي تهدف هذه الانتقادات إلى إعادة شرعنتها. هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين، دون خوف من التناقض، يهاجمون الحريات الأكاديمية، بسياسة مناهضة تهدف إلى السيطرة أو إسكات العلماء، وكل من يعمل على الدفاع عن الحريات والحقوق في مجالات العدالة، والصحافة أو ثقافة محررة، في خدمة  للمنفعة العامة والخير العام ، تعمل من أجل عالم قابل للعيش لأكبر عدد ممكن من الناس. فالعلم لا يموت عندما يكون مسيّساً، يموت عندما يصبح غير قابل للتصحيح.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل