
كان ممكناً أن نحزن لفقدها كما نحزن على صديقٍ حميم، وأن نتألم كما يتألم المرء حين يبتر الموت قطعةً من حياةٍ مشتركة: صداقةٍ وأخوّةٍ وعائلة. وكان ممكناً أيضاً-ولعلّه كان الأسهل عليها-أن تمضي عمرها في رفاهٍ محمي، محصّنٍ من نوائب الأصل وقسوة المصير. فهي ابنة بيتٍ كريمٍ ميسور، ووريثة نعيمٍ كان يتيح لها أن" تتّكئ" على إرث العيش الآمن، وأن تُطيل المقام في ظلّ عائلةٍ لا ينقصها مجدٌ ولا ستر. لكنّها لم تكن " أيّ امرأة". كانت ليلى. برحيلها اليوم يتكدّس على الأسى جرحٌ ثخين. لأن الفقد هنا ليس فقد صديقةٍ فحسب، بل فقدُ سيرةٍ قاومت الفكرة السهلة: فكرة أن ينجو الإنسان بنفسه ويترك وطنه لمصيره. قصتنا معها بدأت من الرضاعة… نعم، من ذلك الباب الذي لا يُدخله التاريخ عادة في سير العظماء، بينما هو أصل الحكاية. أمّها سيرين كانت تُرضع شقيقتي حياة مع ليلى، وأمّي سلمى تُرضع ليلى مع حياة. في بيتنا كانت ليلى ابنة كامل وسلـمى، وفي بيتهم كنّا أولاد منيب وسيرين. هكذا فُطمنا على الدنيا: بلا حدودٍ بين بيتٍ وبيت، وبلا مسافاتٍ بين دمٍ ودم.







