شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حزب الله: من ولاية الفقيه إلى صخرة الروشة
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

لم يكن حزب الله الإيراني مقاومةً للأرض قط، بل كان ميليشيا للتوسع المكاني، متخذاً من الأرض ذريعةً لشرعيته. لقد آن الأوان للاعتراف بذلك، نهائياً. منذ نشأته، عاش حزب الله في انقسام جوهري: فهو في آنٍ واحد الجناح المسلح لمشروع إمبريالي - مشروع ولاية الفقيه الإيرانية كما حددها الإمام الخميني - وفاعل يدّعي تجسيد "المقاومة" لتحرير أرض وطنية. "المكان" أولاً: مكان الأمة الشيعية، من قم إلى بيروت، المبنية حول مرشد أعلى قراراته، في مسائل الحرب والسلم، ملزمة. ثم هناك "الأرض": أرض جنوب لبنان، ووادي البقاع، والحدود المتنازع عليها، حيث يقدم الحزب نفسه كحصن منيع ضد إسرائيل وحامي قضية وطنية. ليست هذه الازدواجية بجديدة. فمع تأسيس حزب الله عام ١٩٨٤، تحت ستار "مقاومة الاحتلال الإسرائيلي"، بدأ بإقصاء جزء كبير من حركة المقاومة الوطنية المنبثقة من اليسار اللبناني، وعلى رأسهم مهدي عامل ورفاقه. ثم رسّخ وجوده على الهامش: سهل البقاع، وجنوب لبنان، والضواحي الجنوبية لبيروت. وهناك، بنى بنية تحتية اجتماعية مترامية الأطراف بتمويل من إيران، ودعم لاحقاً من سوريا الأسد في إطار "تحالف الأقليات". وحتى في ذلك الحين، ساد منطق المكان: فقد رأى الحزب نفسه طليعة محور، لا مجرد فاعل إقليمي. وبين عامي ١٩٩٠ و٢٠٠٠، اتخذت هذه الديناميكية طابعاً إقليمياً جزئياً. يقود حزب الله المقاومة المسلحة في الجنوب الذي تخلى عنه النظام، بينما يندمج تدريجياً في قلب النظام: مشاركاً في الانتخابات البلدية عام ١٩٩٢، والانتخابات البرلمانية عام ١٩٩٦، ثم في الحكومة منذ مطلع الألفية الثانية. شكّل الانسحاب الإسرائيلي في مايو/أيار 2000 بمثابة معمودية إقليمية للحزب: إذ استطاع أن يدّعي تحرير جزء من الأراضي الوطنية، وسط ترحيب واسع، مع احتفاظه بأسلحته خارج احتكار الدولة للعنف المشروع. وأصبحت "المقاومة" حينها مفتاح بقائه ميليشيا في دولة بدأ الحزب بالتغلغل في آلياتها بشكل منهجي. بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005 والانسحاب السوري، تجاوز الحزب عتبةً حرجة. فقد تسلّم السلطة من دمشق، وتحالف مع تحالف مار مخايل والتيار العوني - وهو تحالف يجمع بين ضاحيتي دمشق الجنوبية والشمالية - وشرع في حملة حقيقية لضم الدولة. وقدّمت حرب يوليو/تموز 2006 "نصراً إلهياً" للاستهلاك المحلي: إذ أعاد تفعيل شرعيته الإقليمية في اللحظة التي بدأ فيها القرار 1701 بتقييد مناوراته العسكرية. بعد عامين، في مايو/أيار 2008، حاصرت حكومة السنيورة وشنت حملة عقابية على بيروت والجبل، قبل أن تنتزع من الدوحة الأقلية المعارضة للحكومة: الأداة المثالية لسلطة حق النقض فوق الوطنية التي اكتسبت شرعيتها... باسم "المقاومة". من 2008 إلى 2015، وبسبب منعها من شن عمليات علنية في الجنوب بموجب القرار 1701، حوّلت حزب الله مركز ثقلها بشكل نهائي إلى الفضاء. وأصبحت العمود الفقري لمحور طهران-دمشق-بغداد-صنعاء-غزة. وتدخلت في سوريا لإنقاذ الأسد، وفي العراق إلى جانب الميليشيات الشيعية، وفي اليمن مع الحوثيين، كل ذلك مع دعمها لحماس. واختُزل لبنان إلى مجرد حلقة وصل، ومنصة لوجستية، وممر لمشروع إقليمي. وأصبحت دعوة المقاومة، بالمعنى الذي أبرزه ميشيل سورا، موجهة الآن حصراً نحو استثمار الملك، مركز السلطة. يبتلع الفضاء الإمبراطوري الأراضي الوطنية. هذا الخلل هو ما حطمه السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فبشنّها عمليةً جرّت المحور الإيراني بأكمله إلى مواجهةٍ حادةٍ مع إسرائيل، عجّلت حماس بكشف غطرسة النظام. ومدفوعًا بمنطقٍ إقليمي - عدم الرغبة في "التخلي" عن غزة، والحفاظ على أسطورة "المقاومة الموحدة" - اضطر نصر الله إلى فتح جبهةٍ شمالية. لكن الرد الإسرائيلي غير المتناسب، والاستنزاف العسكري، والتدمير التدريجي لقيادة الحزب وبنيته التحتية، والأزمة الإيرانية الداخلية، كشفت هشاشة هذا الهيكل. لقد غيّر سقوط الأسد في سوريا وإغلاق طرق الإمداد كل شيء: بدأ المحور نفسه بالتصدع. انهار تحالف الأقليات، تقنيًا إن لم يكن رمزيًا. فبعد أن كان حزب الله مهيمنًا على دولةٍ متفككة، وجد نفسه مُنهكًا. تم القضاء على رموزه - نصر الله، وصفي الدين، وغيرهما من القادة العسكريين الأسطوريين. انهار الفضاء، وعادت الأرض للظهور. فرضت وصاية أمريكية جديدة إغلاقاً على مطار بيروت، وتم تعيين محافظ للبنك المركزي اللبناني مقرب من واشنطن، وانتُخب رئيس من الجيش بدعم دولي صريح. إن احتمال قيادة البلاد نحو شكل من أشكال الاتفاق مع إسرائيل، والذي بالكاد يُخفى، بات خافيًا. فالحزب، الذي بات أضعف من أن يواجه مواجهة مباشرة، يتراجع إلى مورده الوحيد المتبقي: خطابه الإقليمي. لقد أعاد فجأةً تقديم نفسه كحامي السيادة، ومدافع عن الحدود، متهمًا الدولة - التي أفرغها من جوهرها بشكل منهجي على مدى عقدين - بالخمول في مواجهة العدو. ومن هنا المفارقة الراهنة: فبعد أن مزق حزب الله وحدة لبنان الإقليمية من خلال تكثير "المناطق الأمنية" والمناطق الرمادية والطرق الخاضعة للسيطرة، بات الآن يستحضر "فشل" الدولة ليخفي عجزه. إنه يُخرب سرًا محاولات استعادة السلطة العامة - من المطار إلى الواجهة البحرية، بما في ذلك الرموز الحضرية - بينما يطالب علنًا هذه الدولة نفسها بتحمل مسؤولية مواجهة إسرائيل. بعد أن كان العامل الرئيسي في التفكك الإقليمي والسياسي للبلاد، يحاول الآن الاختباء وراء وهم الدولة للبقاء على قيد الحياة في ظل انهيار نفوذه الإمبراطوري. إن أبرز مثال على هذا الانحدار هو حادثة صخرة الروشة، أو صخرة تاربيان، التي تُعدّ المرحلة الأخيرة من انهيار حزب الله "الضوئي والصوتي". لا يقتصر الأمر على مجرد ازدواجية تكتيكية، بل هو شرخ وجودي. حزب الله لا يعرف معنى الخسارة لأنه لا يعرف كيف يكون فاعلاً وطنياً بحتاً. طالما أنه التجسيد المحلي لمشروع مكاني - ميتافيزيقي، أيديولوجي، إمبريالي - فإنه يستطيع تبرير اختلافه، وترسانته، ووضعه الاستثنائي. في اليوم الذي يعود فيه إلى كونه قوة إقليمية بحتة، خاضعة لقواعد الدولة، والسيادة، والمساءلة، فإنه يتوقف عن كونه نفسه. بالنسبة لحزب الله، فإن الاعتراف بأولوية الدولة يعني الإقرار بأن "المقاومة" ليست سوى شعار. وأنه الآن مجرد حزب واحد من بين أحزاب كثيرة، مسؤول عن سجله الحافل بالموت والخراب والفوضى. بهذا المعنى، لا يمكن تحويل حزب الله إلى مجرد حزب سياسي بسيط. يجب أن يختفي، مهما بدت هذه الكلمة، وهذه الفكرة، قاسية. إن مستقبل لبنان على المحك اليوم. لطالما فشلت الحلول المفروضة من الخارج لاصطدامها بنخبة محلية مهووسة بفن التسوية، بمفهوم "التزامن"، وبالتناقص التدريجي: استرضاء الميليشيات دون الاعتراف بمنطقها، والإشادة بالدولة دون منحها الوسائل اللازمة لممارسة سيادتها. لكن التجربة منذ عام ١٩٦٧ قاطعة: لا دولة بلا احتكار لاستخدام القوة المشروع، ولا أرض بلا استمرارية. لا يمكن التعامل مع السيادة كمتغير قابل للتعديل باستمرار. لم يعد خط الصدع الحقيقي اليوم يعارض "المقاومة" و"العملاء الأجانب"، بل يقسم بين من يقبلون لبنان كأرض سياسية، بدولة لها وحدها الحق في تقرير الحرب والسلام، وبين من يريدون الإبقاء عليه مجرد موطئ قدم في بنية سلطة طائفية أو إقليمية أو إمبريالية. طالما استمر هذا الغموض، سيواصل حزب الله لعب دور المنافق، على أمل أن يعيد الزمن، أو تغيير السلطة في واشنطن أو طهران، يوماً ما وهم عظمته السابقة. لكن زمن البلاد ليس زمن الميليشيات. لم يعد بإمكان لبنان التردد بين الفضاء والأرض. عليه، مرةً وإلى الأبد، أن يختار الوجود كدولة، أو أن يقبل أن يكون مجرد مسرح منهك لإمبراطورية متداعية.

توافقي…
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

هذا المصطلح بات اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى في جميع دول العالم، وعاد إلى تعريفه الأصلي: لا يمكن لأي عمل أن يكون توافقيًا أو قائمًا على الرضى إلا إذا قُبل من الطرف الآخر. وأول مثال يتبادر إلى الذهن هو ممارسة الجنس، الذي يملأ العناوين، ويُشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يقضي على مسيرة شخص ما أو رسالة حياة كاملة. ما دام المصطلح يُطبَّق على فعل بين شخصين، فإن تأثيره يبقى محدودًا. لكن عندما يصبح أساسًا لسياسة، أو لمجتمع، أو حتى ركيزة لدولة، فهنا نحن أمام مسألة مختلفة تمامًا. في لبنان، كل شيء توافقي: ديمقراطيته، دولة القانون فيه، ووجوده بحد ذاته. أصل هذا المصطلح المثير هو الوفاق ، أي “مقبول من الجميع”. وهنا تكمن اللعنة اللبنانية: يجب أن يوافق الجميع على كل شيء، وإلا فلا شيء يكون. محاولة إرضاء الجميع تعني إرضاء أيٍّ كان، كما قال ساشا غيتري. وفي لبنان، لا يكتفي “أيٌّ كان” بالتكاثر، بل يفرض نفسه قوةً تشريعية. إذا كانت الحياة قائمة على المنافسة، فلبنان يخلو من هذه الفضيلة: لا خاسر، والجميع رابح - تقريبًا. المرة الوحيدة التي وُجد فيها خاسر (من دون تسميته علانية) كانت في اتفاق الطائف، الذي قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية لمصلحة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب. لكن، كما كتب فريديريك بيغبدير، فإن المسيحيين عليهم تحمّل مصائب العالم وخطاياه. منذ ذلك اليوم، بُني كل شيء على التوافق، بما في ذلك الديمقراطية. توافقٌ ليس بين مكوّنات المجتمع المختلفة - فصائل، قبائل، طوائف، أديان - فحسب، بل بين زعمائها أو أحزابهم، حتى وإن كان بعضهم يتمتع بعمر سياسي أطول من غيره بكثير. يكفي أن يمارس شخص واحد حق الفيتو حتى تتعطل الآلة، بذريعةٍ أكثر وهنًا من الأخرى، وآخرها شبح الحرب الأهلية. تطبيق القرار 1701 (وبالمناسبة 1559 الذي يُعدّ مدخله) سيؤدي إلى حرب أهلية. منح المغتربين حق التصويت للنواب الـ128 سيضمن غرق الشوارع بالدماء. المطالبة بالعدالة لضحايا 4 آب ستفجّر نهايةَ عالمٍ أكثر تدميرًا من الانفجار نفسه. وباسم الديمقراطية التوافقية، يسود استبداد توافقي. بعد ثلاث أسابيع، تمر سنة على دخول سيد بعبدا الجديد إلى القصر. في خطاب القسم، سمع بعض الذين يحنون الماضي أصداء حلمٍ تبخّر في 14 أيلول 1982، فيما رأى آخرون ولادة مرحلة جديدة تحمل الأمل. لكن التوافق عاد ليطلّ برأسه، مع فزّاعاته السياسية والأمنية، كذرائع مريحة لتعطيل أي قرار حاسم بنظر من قد يتضرر منه. اليوم، نحن في الموقع نفسه الذي كنا فيه في 8 كانون الثاني 2025. يجب أن يوافق الجميع على كل شيء، وإلا فلن يحدث شيء. في ظل هذه الظروف، يستحيل بناء دولة قانون. نزع سلاح الميليشيات والمجموعات الشبه عسكرية يُعد جنونًا، لأنه غير توافقي. سيكون اغتصابًا تمارسه الدولة، حتى لو كان المغتصِب في الأصل جلادًا. لا بد من ملاطفته، بل وتبرئته، وإلا انتهى التوافق وبدأت - بحسب الزعم - الحرب الأهلية. وهذا يطبق على جميع الملفات: ملف المرفأ، ملفات الفضائح الكبرى، حيث يصبح الحفاظ على التوازن التوافقي، أي الطائفي والمذهبي، واجبًا مقدسًا. لماذا يُلاحَق وزير مسيحي ولا يُلاحَق زميله المسلم، فيما يسارع المرجعيات الدينية إلى رسم خطوط حمراء حول كل ابنٍ من أبناء طائفتها؟ كيف يمكن إرسال جيش مؤلف من جنود شيعة لمواجهة “إخوتهم”؟ في هذا السياق، قبلنا ضمناً بتلزيم أمني لجيشٍ أجنبي لا تضم صفوفه أبناء تلك الطائفة. حرب أهلية؟ إن وقعت يومًا، فكما قال أناتول فرانس، ستكون أقل كراهية من الحرب مع عدو الخارجي، إذ نعرف على الأقل لماذا نقاتل. مأساتنا الحقيقية في مكان آخر: نعتقد أننا مركز العالم، وأن الكون كله يدور حولنا. الواقع أكثر قسوة: نحن وحدنا، والعالم لا يكترث بلبنان إطلاقًا. عندما ندرك أن نرجسيتنا لا مكان لها، وأن لا أحد سيوافق نيابة عنا على قيام دولة، وأن القانون لا يُساوَم عليه، والسيادة لا تُستجدى، عندها ربما نتوقف عن انتظار الإذن بالعيش. لأننا، بإصرارنا على نيل موافقة الجميع من أجل الوجود، انتهينا إلى القبول الجماعي، مرةً أخرى، بفَنائنا الذاتي…

 الدوحة تستضيف الملتقى العالمي للفن المعاصر"ارت بازل" في ٢٠٢٦

منذ سنوات تخصص دول الخليج إمكانات كبيرة لتحويل المنطقة إلى مركز عالمي للفنون والتكنولوجيا والثقافة. قطر ليست استثناءً، فالحكومة القطرية كثّفت جهودها لجذب المواهب والاخصائيين من مختلف أنحاء العالم، بالتوازي مع رعاية وتشجيع الكفاءات المحلية. وتواصل الدولة القطرية إطلاق مشاريع طموحة، سواء في مجالات الفن أو الثقافة أو الرياضة والمثل على ذلك استضافتها كأس العالم لكرة القدم عام2022 . لتحقيق هذه الأهداف، تتعاون الحكومة مع فنانين عالميين مرموقين، ومؤسسات ثقافية وتعليمية رفيعة المستوى، إلى جانب دعمها وتشجيعها للنخب والمواهب المحلية. من أبرز المشاريع المقررة في الدوحة عام 2026 إقامة معرض "Art Basel، الملتقى العالمي للفن المعاصر. فبعد بازل في سويسرا وميامي وهونغ كونغ وباريس، تستضيف الدوحة الحدث من 5 إلى 7 شباط المقبل، يسبقه يومان مخصصان للعرض المسبق في 3 و4 من الشهر نفسه. سيُقام المعرض في مركز M7 للابتكار و في منطقة Doha design district في المشيرب، وسط الدوحة. يُعد Art Basel الذي تأسس عام 1950 في مدينة بازل السويسرية، المنصة الأبرز للفن المعاصر، إذ يجمع في مكان واحد الفنانين والمعارض وهواة اقتناء الأعمال الفنية من مختلف أنحاء العالم. و هو يعتبر معرضًا مؤثرًا في أسواق الفن، حيث يحدد توجهاتها وأسعارها ويلعب دوراً مهماً في مسيرة الفنانين المهنية . إن نسخة قطر 2026 من "Art Basel " جاءت ثمرة شراكة بين شركة قطر للاستثمارات الرياضية (QSI) و QC+ . يحمل هذا الحدث أهمية كبرى للبلاد والمنطقة، إذ يسلط الضوء على المشهدين الثقافي والفني في قطر والشرق الأوسط على حد سواء، ويعزز مكانة الدوحة على الساحة العالمية للفن المعاصر. وفقًا لفينتشينزو دي بيلّي (Vincenzo de Bellis) ، المدير الفني العالمي والمسؤول عن معارض "آرت بازل"، فإن الدوحة توفر بيئة مثالية لرؤية فنية جديدة. فهي تقع حالياً عند تقاطع التراث والحداثة اذ ان الدولة القطرية تشجع بقوة التجارب الفنية المبتكرة مع التشديد على الحفاظ على تاريخها العريق والغني. عنوان معرض آرت بازل الدوحة 2026 هو "التحول" وهذا العنوان يعكس بشكل مثالي وضعية قطرالحالية، اذ تمتزج فيها التقاليد والتراث القديم مع أحدث التقنيات، و قد تحولت طرق التجارة التاريخية القديمة إلى شبكات هائلة للتبادل الثقافي والمالي. في هذا السياق، يشكل الفن شاًهداً صادقاً على تاريخ قطر و يجسد القوى الحية التي تصوغ هوية المنطقة. ولقد اختير الفنان وائل شوقي، المولود في مصر والمقيم في الدوحة، مديرًا فنيًا للمعرض. ويُعرف شوقي بصرامته الفكرية واضطلاعه العميق على المنطقة، وهي مؤهلات قادته عام 2024 إلى تولي الإدارة الفنية لمحطة الإطفاء في الدوحة حيث أطلق برنامج للدراسات الفنية المكثف (AISP). يهدف هذا البرنامج إلى تعزيز التفكير النقدي والتعليم التطبيقي. وقد عمل شوقي في هذا الاطارعلى تطوير مسيرة الفنانين الصاعدين القطريين والعالميين على حد سواء. عرض شوقي اعماله في معارض مرموقة في انحاء العالم مثلTate Modern London و MoMA في نيويورك. و قد حظي في عام 2024، على تنويه خاص وإشادة واسعة على عمله ‘’فيديو دراما “1882في ‘’ Biennale de Venise’’ . وهو يعرض حالياً في LUMA في مدينة آرل في فرنسا وفي "غاليري تالبوت رايس" بجامعة إدنبرة Galerie .Talbot Rice de l'Université d'Édimbourg أما اللجنة المسؤولة على المعرض فتضم ممثلين عن معارض محلية ودولية مهمة. وجود هؤلاء في اللجنة المشرفة على المعرض إن دلّ على شيء فهو خير دليل على أهمية Art Basel بالنسبة للفنانين وللمنطقة باسرها. نذكر من بين أعضاء اللجنة لورنزو فياشي Lorenzo Fiaschi ، احد مؤسسي "غاليريا كونتينوا" Galleria Continua الإيطالية الشهيرة؛ ودانييلا غاري Daniela Gareh ، مديرة "وايت كيوب" White Cube في لندن و محمد حافظ، وهو من مؤسسي "معرض أثر" Athr Gallery في الرياض، وساني رحبر Sunny Rahbar احد مؤسسي "ذا ثيرد لاين" The third Line" في دبي. استضافة آرت بازل في الدوحة تشكل حدثاً رئيسياً سيعيد تشكيل المشهد الفني لكامل المنطقة بلا شك، وهو يوفر للمشاركين رؤية دولية وفرصة فريدة للتفاعل مع المشهد الفني العالمي.

دول الخليج: من الإقليمي إلى الدولي (٣/٢)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

برزت دول الخليج وازدادت ثراءً بفضل استغلال مواردها من الطاقة، لكنها خضعت أيضًا، عبر مراحل متسارعة، لتحول عميق مكّنها من فرض حضورها على الساحة الدولية. وحرصًا منها على ألا تبقى مجرد «دول خليجية»، سعت المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت وسلطنة عُمان وقطر إلى تجاوز وضعها الإقليمي البحت، مستندة إلى ما راكمته من مقومات، مع مضاعفتها وتطويرها ضمن مسار يشبه إلى حد كبير اندفاعًا قسريًا، وُصف أحيانًا بالمفرط أو المتجاوز، لكنه يعكس عزيمة مكّنتها من تنفيذ طموحاتها والوصول إلى اعتراف عالمي. وقد أضفت هذه الدول على طابعها الإقليمي بعدًا دوليًا. فأصبحت، كمجموعة، محورًا عالميًا ونقطة التقاء. وتغيرت صورتها بما أتاح ما يمكن تسميته دخولها عصر العولمة، وفق التعبير الشائع في الخطاب الأنغلو-ساكسونيي. وكل دولة، بطريقتها الخاصة، حرصت على عدم البقاء في عزلة، فكان التواصل والحوار في صدارة أولوياتها، سواء مع معظم الفاعلين الإقليميين أو مع القوى المؤثرة، بدرجات مختلفة، في هذه المنطقة من العالم. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، وروسيا والصين، وكذلك تركيا وإيران، إضافة إلى الهند اليوم. حوار في جميع الاتجاهات: التحدث مع الجميع والتموضع بما يسهّل التبادلات واللقاءات والمشاورات والمفاوضات. وهي أنشطة باتت هذه الدول تضطلع فيها بدور مهم، بل وحاسم أحيانًا. وقد اتجه اهتمامها وتحركاتها، إلى ما وراء المنطقة الممتدة بين البحر الأحمر والخليج، نحو الشرق والشمال، واليوم نحو أفريقيا، بزخم يوازي ما تقوم به دول أخرى تعمل على تنويع علاقاتها الدولية، ولا سيما روسيا والصين وتركيا، ومؤخرًا، وإن بشكل لا يزال أوليًا، اليابان، فضلًا عن الدول الاستعمارية السابقة والولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال. وعلى الصعيد الجيو-استراتيجي، نشرت هذه الدول دبلوماسية فعّالة تتيح لها اليوم التدخل لدى إيران أو إسرائيل، مستندة في قدرتها على الوساطة إلى قوتها الاقتصادية، والتطور اللافت في أدواتها وخبرتها الدبلوماسية، وإلى إرادتها أن تكون فاعلًا لا غنى عنه يمكن للعالم الاعتماد عليه. وقد منحها ذلك اعترافًا ودورًا قد يتجاوزان الأهداف الأولية، لأنها أحسنت توظيف عناصر قوتها لتحقيق غاياتها واستثمار الفرص التي أتاحتها أحيانًا الخلافات الإقليمية، حيث أظهرت حكمة ودبلوماسية مكّنتها، في نهاية المطاف، من ترسيخ مظهر من مظاهر قوتها تدريجيًا. العلاقات، الدبلوماسية، التحالفات، الشراكات، الحوار، الوساطة، النفوذ… انتقلت دول الخليج بذلك مما يمكن تسميته «القوة الصلبة» إلى «القوة الناعمة». فقد مارست القوة الصلبة بصفتها مُصدِّرًا للمواد الأولية، ومن خلال دورها في مجالات المال، وبناء مراكز المؤتمرات وقاعات المعارض، والرياضة والتخطيط العمراني، وكذلك في تطوير موانئ ذات أهمية دولية — إذ كان ميناء دبي في عام 2024 الحادي عشر عالميًا في حركة الحاويات، ويُعد من بين أبرز ستة فاعلين في القطاع البحري. أما القوة الناعمة، فقد طوّرتها هذه الدول من خلال تنظيم فعاليات متنوعة أثارت أحيانًا انتقادات، لكنها نُفذت دائمًا باستخدام أحدث الوسائل وأكثرها ابتكارًا. وبرفضها للعزلة، قررت هذه الدول التحاور مع جميع الفاعلين على الساحة الدولية، معتمدة على قوتها الاقتصادية والدبلوماسية، ورافضة المقولة القائلة إن «عدوي يجب أن يكون عدوك». ولماذا ينبغي أن تكون هذه قاعدة؟ فهي لا تدعم روسيا في غزوها لأوكرانيا، فهل يعني ذلك قطع كل علاقة مع روسيا؟ لكل منها إجابته الخاصة. وهكذا، فإن دول الخليج ليست اليوم شريكًا ثانويًا لروسيا. وقد مكّنها هذا النهج البراغماتي، ليس في هذا الملف وحده، من بلوغ المكانة الدولية التي تتمتع بها حاليًا، ومن إحداث ثورة حقيقية في أسلوب عملها، وفي سلوكها على صعيد العلاقات الدولية، وفي تعاملها مع الشركاء. عقيدتها؟ خوض المعارك التي تخصها وحدها. فهناك قضايا لا ينبغي التدخل فيها؛ ومصالح الآخرين ليست بالضرورة مصالحها. وهو مزيج من الفعل والحياد لا ينبغي الخلط بينه وبين التقاعس. ملاحظة: نظراً لأهمية هذا الموضوع، خصص منظمو الاجتماع الاستراتيجي المتوسطي الرابع (RSMed 2025)، وهو مؤتمر يُعقد سنوياً في تولون، فرنسا، منذ عام 2022 من قِبل مؤسسة المتوسط ​​للدراسات الاستراتيجية (FMES)، جلسة نقاشية له ضمن برنامج هذه الأيام (8 و9 أكتوبر/تشرين الأول 2025). المقال التالي: دول الخليج، في سعيها نحو نوعٍ خاص من القوة (3/3)

جان كلود غيليبود والمسألة الروحية للشر

شعر جميع المفكرين والقادة السياسيين الذين ما زالوا يتأملون في الكشف عن جوانب لا حصر لها من الحرب اللبنانية، وجميع أولئك الذين يمارسون "الاستيلاء الثقافي، الذي من خلاله يشق غير المتخصصين والمهمشون مساحتهم الخاصة" (ميشيل دي سيرتو)، بحزن عميق لرحيل صديقهم وشخصيتهم البارزة، الكاتب جان كلود غيليبود (1944-2025)، في الثامن من نوفمبر. كان غيليبود صحفيًا وناشرًا، وحائزًا على جائزة ألبرت لندن عام 1972، ومراسلًا حربيًا بارزًا (لا سيما في صحف لوموند، وسود أويست، ولا في، وغيرها) لأكثر من عقدين، ومؤسسًا مشاركًا ورئيسًا لمنظمة مراسلون بلا حدود من عام 1987 إلى عام 1993. ألف غيليبود نحو أربعين تقريرًا ومقالًا، كل منها يزخر بالمراجع. ناشرٌ ذو نظرة ثاقبة، شغوفٌ بكل شيء، تترك أعماله انطباعًا بأنه قرأ كل شيء، ودون كل شيء. رحيله خسارةٌ للصحافة الفرنسية والعالمية، وخسارةٌ أيضًا للبنان، الذي فقد برحيله شاهدًا أمينًا، صحفيًا عظيمًا رأى لبنان وفهمه، وساعد الآخرين على فهمه. ينبغي أن يكون رحيله أيضًا فرصةً للتأمل في ذاكرة الحروب اللبنانية، وللوصول أخيرًا إلى فهمٍ واضحٍ لها، وهو ما لن يتحقق إلا عندما يُدرك اللبنانيون أنفسهم ما اكتشفه جان كلود غيليبود هناك. موجة ثورة أكتوبر 2019 تزامن آخر اتصال لجان كلود غيليبود بلبنان مع انطلاق موجة ثورة أكتوبر 2019. فقد اندلعت هذه الثورة الشعبية، التي أشعل فتيلها ظلمٌ طال أمده - محاولة الحكومة فرض ضرائب على تطبيق واتساب المجاني - وألهمت عشرات الآلاف من اللبنانيين، الذين كانوا يتوقون إلى "مواطنة لبنانية مأمولة ولكنها مُشوَّهة" (على حد تعبير غيليبود)، وذلك لإحباط نظام سياسي قائم، لبضعة أسابيع وجيزة، على "الانتهازية، والفساد المستشري، وانعدام حتى أبسط حقوق المواطنة" (المرجع نفسه). وقد غطّى غيليبود هذه الأحداث في مجلة "لا في" الأسبوعية، في مقال اقتبس عنوانه من البابا يوحنا بولس الثاني: "لبنان رسالة" (لا في، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2019). في ذلك الكتاب، أشاد باللبنانيين الذين خرجوا إلى الشوارع معبرين عن رفضهم للفساد والانتهازية السياسية، في حين كان كثيرون مقتنعين بأن جوهر المجتمع اللبناني قد فسد فسادًا لا يُرجى إصلاحه. لم تكن هذه أولى تجارب جان كلود غييبو مع لبنان. فبعد أن جاء لتغطية الأشهر الأولى من حرب أهلية امتدت لسنوات، أتاحت له خبرته كمراسل صحفي فرصة التعرف على العديد من الشخصيات في هذا الصراع، بمن فيهم النائب والسياسي سمير فرنجيه، الذي كان لصداقته ونزاهته، فضلًا عن صحته الجيدة، دورٌ هام في حياته. في كتابه القصير الشيق، "كيف عدتُ إلى المسيحية" (منشورات بوينت-إساي)، الذي تناول فيه العملية العقلانية التي قادته للعودة إلى الإيمان المسيحي، تحدث الكاتب عن فترة إقامته في لبنان وعن "الطبيعة الوحشية والمميتة للمجازر" التي طبعت الحرب الأهلية؛ تلك الحرب التي حوّلت شبابًا "مهذبين" إلى وحوش، وأيقظت ضميره. كتب: "أتذكر الوحشية الشديدة للفعل نفسه، والتي تجلّت في لبنان خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية. في أمسيات بيروت، في منزل مراسل صحيفة لوموند، لوسيان جورج، كنا نتحدث عنه حتى وقت متأخر من الليل (...). كنا نعيش أهوالًا لا توصف (...). نعم، ذلك الدوار الغريب الذي يُمكنه، في لحظات، أن يُحوّل إنسانًا عاديًا إلى مُعذِّب قادر على فعل أي شيء (...). لقد طرحت علينا هذه الحادثة سؤالًا لم يعد يُعنى بالصحافة، وهو سؤال الشر (...). لقد كان هذا السؤال القديم هو الذي عاد إلى الظهور بقوة في شوارع بيروت أو في جبال الشوف، مُتأثرًا بالطبيعة المجانية والمأساوية للمجازر." كتب في ذلك الوقت (الصفحات ٣٣-٣٥): "لا تزال عودة هذا السؤال الروحي عن الشر في الوعي الغربي مرتبطة بلبنان في سبعينيات القرن الماضي". مشكلة الشر من منظور الكنيسة الكاثوليكية، فإن وجود رئيس الملائكة الساقط قد "مُحي" بالفعل من الوعي الغربي بفعل عصر التنوير وأصحاب الشك، الذين اختزلوه في أحسن الأحوال إلى تجسيد للشر. ومع ذلك، على المستوى العقائدي، لم يُشكك أحد قط في وجود هذا الكائن الملائكي الساقط. وهكذا، في عظة شهيرة بتاريخ ٢٩ يونيو ١٩٧٢، معلقًا على تداعيات المجمع الفاتيكاني الثاني، صرّح البابا بولس السادس: "أمام وضع الكنيسة اليوم، نشعر وكأن دخان الشيطان قد تسرب إلى شعب الله من خلال ثغرة ما. نرى الشك، وعدم اليقين، والمشاكل، والقلق، والسخط،"لدينا ثقة أكبر في الكنيسة. نضع ثقتنا في أول نبي علماني يظهر ويخاطبنا من منبر صحيفة أو حركة اجتماعية، ونسارع إليه لنسأله إن كان يمتلك وصفة الحياة الحقيقية، دون أن ندرك أننا نمتلكها بالفعل، وأننا أسيادها (...)." إن تصريح بولس السادس، الذي أيده الباباوات الذين خلفوه، يتحدى عقلانيتنا. بل يمكننا حتى أن نتحدث عن التحول الذي أشار إليه جان كلود غيلبو كنوع من الغزو الداخلي الذي يحرم الإنسان مؤقتًا من سلوكه المعتاد. ما أعاد اكتشافه الغربي جان كلود غيليبود من خلال تجربته في الحرب اللبنانية كان "مفتاحًا لتفسير" واقعٍ ضائعٍ بعد الفراغ العظيم الذي خلّفه "موت الإله"، والذي أفسح المجال، مع مرور الوقت، لخرابٍ روحيٍّ يكاد يصل إلى حدّ اليأس، ولخيبة أملٍ أكبر نابعةٍ ممّا يسميه الفيلسوف إيمانويل مونييه، في كتابه "مقدمة في الوجودية"، "أساطير الاستبدال" (ص 14). لاحقًا، أكّدت تأمّلات غيليبود هذا الاكتشاف الجديد للاستيلاء الشيطاني؛ وهو اكتشافٌ يصفه بأنه "أنثروبولوجيٌّ بامتياز" (ص 47)، وليس عاطفيًّا أو دينيًّا. لم يكشف هذا الاكتشاف عن أيّ شيءٍ محدّدٍ بشأن لبنان أو الشرق. ما كشفه يتعلّق بالطبيعة البشرية عمومًا، بالبعد الذي نسبه إليها الفكر المسيحي والأنثروبولوجيا. التمسك بالأمل ما يبقى عالقًا في أذهان الجميع عن جان كلود غيلبو هو شغفه بالمعرفة، وفضوله العميق لمعرفة سبب كون الأشياء على ما هي عليه أو كانت على ما كانت عليه. لقد كانت رحلته الفكرية مغامرة اتسمت بنزاهة لا تشوبها شائبة. وباستخدامه كل مهارات وخبرات الصحفي الاستقصائي في سبيل تلبية هذه الحاجة إلى الفهم، أصبح مفكر عصره. ستبقى أعماله منارات في الضباب، باهتمامه بالتفاصيل الذي أبداه بدافع المتعة والجاذبية، واقتباساته التي تستحق فصولًا خاصة بها، مثل هذا الاقتباس: "يحدث،" كما كتب سورين كيركغارد، "أن الإيمان يسير متخفيًا" (كيف أصبحت مسيحيًا مرة أخرى، صفحة 183). كان جان كلود غيلبو مسيحيًا من مكانة الشهود العظماء والموثوقين للضمير الغربي. "أنا لا أؤمن رغم الشر، بل أؤمن معه." كتب في كتابه "الإيمان الباقي" (منشورات إيدونوكلاست، ٢٠١٧): "في هذا التوتر - بين جراح العالم ووعد النور - يتحول الأمل إلى شجاعة". هذه الجملة تلخص تمامًا موقفه الروحي: فهي تتحدث عن إيمانٍ يفيض بالنعمة، إيمانٍ صافٍ يحوّل التناقض نفسه - الشر، والمعاناة، والشك - إلى منطلقٍ ينبثق منه النور. بالنسبة للبنان كما لفرنسا، ولزوجته كاثرين، يُذكّرنا إرثه الفكري والروحي بأن التمسك بالأمل هو فعل مقاومة. يُغرينا هذا بالقول: "طوبى للمتواضعين".

أوروبا بين المطرقة الصينية والسندان الاميركي

في ٧ ديسمبر ٢٠٢٥، قام إيمانويل ماكرون بما لم يفعله أي زعيم أوروبي علنًا طوال ثلاث عقود من العلاقات المُدارة بعناية مع بكين: تحدث بصراحة ! بعد ساعات من عودته من زيارته الرسمية الرابعة إلى الصين، صرّح الرئيس الفرنسي في مقابلة مع صحيفة "ليزيكو" بأن العلاقة التجارية بين أوروبا والصين أصبحت "غير مستدامة". وحذّر من أن الصين "تقتل زبائنها" !. وقال إن الصناعة الأوروبية تواجه مسألة "حياة أو موت". لم تكن هذه لغة الدبلوماسية، بل لغة الإنذار الاستراتيجي. على مدى ثلاثين عامًا، غلّفت أوروبا عن علاقتها مع الصين بعبارات مُنمّقة بعناية: شراكة استراتيجية، تجارة ذات منفعة متبادلة، تعاون رابح للطرفين. مثّلت كلمات ماكرون شرخًا في هذا السياق. أقرّ بما كان واضحًا منذ زمن طويل في البيانات، لكنه غائب عن الخطاب السياسي: أصبحت أوروبا عاملًا محوريًا في نظام اقتصادي عالمي يتشكل بشكل متزايد بفعل فائض الإنتاج الصيني والحماية التجارية الأمريكية. وتوضح الأرقام مدى خطورة الوضع. ففي عام 2024، سجل الاتحاد الأوروبي عجزًا تجاريًا في السلع مع الصين بلغ 305 مليارات يورو، حيث استورد سلعًا بقيمة 519 مليار يورو حين لم يصدر سوى 213 مليار يورو. ويتجاوز هذا العجز الآن الناتج المحلي الإجمالي لعدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. والأهم من ذلك، أنه يتسارع. فمن المتوقع أن يصل إلى 320 مليار يورو في عام 2025، بعد أن كان 197 مليار يورو في عام 2019. وهذا ليس خللًا دوريًا، بل هو تحول اقتصادي هيكلي. وقد اشتد هذا التسارع في عام 2025 مع فرض الولايات المتحدة قيودًا مشددة على البضائع الصينية بواسطة الرسوم الجمركية والعقوبات. لم تختفِ الصادرات الصينية، بل تم تحويل مسارها. وقد امتصت أوروبا الصدمة. فكل حاوية لم يعد من الممكن تفريغها بشكل مربح في الولايات المتحدة سعت إلى الدخول عبر الموانئ الأوروبية. بفضل سوقها المفتوحة وسلطتها السياسية المجزأة، أصبحت أوروبا الخيار الأسهل في المواجهة الصينية الأمريكية المتصاعدة. لا تكشف التدفقات التجارية إلا جزءًا من الحقيقة، إذ ان الاستثمار الأجنبي المباشر يدل عن خلل أعمق. تمتلك الشركات الأوروبية أكثر من 230 مليار يورو من رأس المال الاستثماري في الصين، بينما لا تمتلك الشركات الصينية سوى أقل من ثلث هذا المبلغ في أوروبا. ومع ذلك، يختلف جوهر هذه الاستثمارات اختلافًا جذريًا؛ فالرأسمال الأوروبي يُوسّع القدرة الإنتاجية الصينية ويُغذي آلة التصدير، بينما يندمج الرأسمال الصيني مباشرةً في الصناعات الاستراتيجية الأوروبية، مستحوذًا على التكنولوجيا والرخص التجارية، ومحققًا وصولًا طويل الأمد إلى الأسواق. يظهر ضعف أوروبا أكثر وضوحًا في مجال بطاريات السيارات الكهربائية. اذ تسيطر الصين على ما يقارب 80% من إنتاج خلايا البطاريات العالمي، وتُهيمن على جميع مراحل الإنتاج تقريبًا، بدءًا من تكرير الغرافيت وصولًا إلى معالجة الليثيوم والكوبالت. هذه الهيمنة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج عقود من السياسات الصناعية الموجهة من الدولة. في المقابل، اعتمدت أوروبا على قوى السوق والمبادرات المجزأة. كشف إفلاس شركة نورثفولت، رغم الدعم الحكومي الواسع، عن حجم فجوة التنافسية. وأمام الأدلة المتزايدة على فائض الإنتاج المدعوم، فرضت المفوضية الأوروبية ضرائب جمركية على السيارات الكهربائية الصينية في أواخر عام ٢٠٢٤. إلا أن الاستثناءات والثغرات التنظيمية والتكيف السريع من جانب المصنّعين الصينيين قلّلت من فعالية هذه الضرائب. تحوّل الإنتاج، وانتقل التجميع إلى داخل أوروبا، واستمرّ التغلغل في السوق. عالجت أوروبا مشكلة سياسية دون حلّ مشكلة استراتيجية. تكمن المشكلة الأعمق في الداخل. فتعرّض أوروبا للصين غير متكافئ، ما يُسبّب شللاً. لا يزال النموذج الصناعي الألماني يعتمد بشكل كبير على الطلب الصيني. وقد رسّخت المجر مكانتها كبوابة التصنيع الصينية إلى الاتحاد الأوروبي. أما فرنسا، الأقل تعرّضاً، فلديها هامش سياسي أكبر للدفاع عن الحماية. هذه المصالح المتضاربة تجعل الاستجابة الأوروبية الموحدة بالغة الصعوبة. تُدرك الصين هذا القيد. فالانقسام يُؤدّي إلى التقاعس. ما كشفه تدخّل ماكرون ليس مجرّد نزاع تجاري، بل اختلال هيكلي في موازين القوى والحوكمة السياسية. يجد الاتحاد الأوروبي، بهيكله السياسي الهش - اتحاد يضم 27 دولة ذات سلطة مركزية محدودة - نفسه عالقًا بين الحوكمة الصناعية الصينية شديدة المركزية والانضباط على جبهته الشرقية، والنهج الأمريكي الأحادي المتزايد، والقائم على القوة في عهد دونالد ترامب، على جبهته الغربية. أمضت الصين عقودًا في بناء سياسات صناعية قوية، مستثمرةً تريليونات اليوانات في قطاعات كانت في البداية خاسرة، لكنها في نهاية المطاف حققت هيمنة عالمية: السيارات، وبطاريات السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، وتكرير العناصر الأرضية النادرة، والمكونات الإلكترونية، وأشباه الموصلات منخفضة التكلفة. في المقابل، اعتمدت أوروبا على الشركات الخاصة لتوفير القدرة الصناعية، مع تفويض الرؤية الاستراتيجية لمؤسسات الاتحاد الأوروبي دون صلاحيات تنفيذية فعّالة. اعتمدت الولايات المتحدة على ريادة الأعمال وأسواق رأس المال للهيمنة على القطاع الخاص.قطاعاتٌ حيويةٌ كالنفط والتكنولوجيا، مما يجعلها عرضةً للخطر في الصناعات التقليدية والقطاعات الحيوية كالعناصر الأرضية النادرة. يستخدم دونالد ترامب الآن تفسيراً موسعاً للسلطة الرئاسية - من خلال فرض التعريفات الجمركية والعقوبات وإعادة التوطين القسري - لتصحيح الاختلالات التي عجزت الأسواق وحدها عن معالجتها. أصبحت أوروبا الآن في مأزقٍ حقيقي، بأدوات سياسية محدودة لشنّ ردٍّ منسق. تواجه خياراتٍ محدودة. المواجهة تنطوي على مخاطر الانتقام، والتقاعس يُنذر بتراجعٍ صناعيٍّ لا رجعة فيه. أما الإنكار فلم يعد خياراً مطروحاً. في نهاية المطاف، يُعدّ اختلال الميزان التجاري الأوروبي مع الصين مجرد حافةٍ ظاهرةٍ لجبلٍ جليديٍّ أكبر بكثير. يكشف هذا الاختلال عن نقطة الضعف الاستراتيجية الأساسية في بناء الاتحاد الأوروبي - نقطة ضعفٍ تسمح لقوتين عظميين بتشكيل عالمٍ ثنائي القطب وفقاً لشروطهما، بينما يعجز الثقل الاقتصادي الأوروبي عن ترجمته إلى قوةٍ سياسيةٍ متناسبة. لم يعد السؤال هو ما إذا كانت أوروبا تُدرك التحدي. والسؤال المطروح هو ما إذا كان بإمكان أوروبا اغتنام الإلحاح الناجم عن تصاعد التوترات الجيوسياسية وتسارع وتيرة التراجع عن العولمة لتعزيز حوكمتها العالمية - قبل أن يختفي مجال المناورة لديها.