شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
تسليط الضوء على توجهات النظام
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

لم يكن اجتماع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع وفد «إعلاميون من أجل الحرية» مناسبة بروتوكولية ولا مساحة لنقل مواقف معلنة، بل شكّل حدثًا سياسيًا قائمًا بذاته، تتجاوز أهميته مضمون الكلام إلى ما يكشفه عن طريقة تفكير الرئاسة، وأولوياتها، وحدود الاشتباك الذي تختاره في هذه المرحلة. فالأهم في الاجتماع ليس «ماذا قال الرئيس»، بل لماذا قاله، وكيف، ولمن. أولًا: الاجتماع كفعل سياسي لا كلقاء إعلامي اختيار وفد إعلامي، لا حزبي ولا دبلوماسي، يعكس قرارًا واعيًا بإدارة الوضع السياسي عبر الرأي العام مباشرة. الرئاسة هنا لا تخاطب خصمًا بعينه، بل تخاطب بيئة مشبعة بالتسريبات والشائعات، وتتعامل مع الإعلام باعتباره شريكًا في صناعة المناخ السياسي، لا مجرد ناقل. بهذا المعنى، الاجتماع يشي بأن الرئاسة تعتبر أن معركتها الأساسية اليوم ليست مع فريق سياسي محدد، بل مع منطق الفوضى المعلوماتية الذي يسبق أي نقاش وطني جدي. ثانيًا: تفكيك الرواية بدل الردّ عليها أبرز ما حمله الاجتماع هو الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق الهجوم المفاهيمي. لم تسعَ الرئاسة إلى نفي الاتهامات المتداولة فحسب، بل عملت على تفكيك بنيتها: كيف تُصنع؟ ولماذا تُطلق؟ وما الغاية السياسية منها؟ هذا الأسلوب يدل على أن الرئاسة تدرك أن الخطر لا يكمن في الاتهام ذاته، بل في تحوّله إلى «حقيقة متداولة» بفعل التكرار. لذلك، جاء الاجتماع ليكسر الحلقة، لا ليغذّيها. ثالثًا: إعادة تعريف موقع الرئاسة في ملف السلاح ما يشي به الاجتماع هو أن الرئاسة تسعى إلى نزع الطابع الفئوي عن ملف السلاح. فهي لا تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع حزب الله، ولا في موقع التغطية عليه، بل في موقع المرجعية الدستورية التي تُعيد الملف إلى مساره الطبيعي: مسار الدولة. هذا التموضع ليس حيادًا، بل محاولة لامتلاك الملف بدل التنازع عليه. الرئاسة تقول ضمنيًا: هذا ليس ملف تفاوض بين أطراف، بل قرار سيادي يُدار ضمن مؤسسات الدولة وبإيقاعها. رابعًا: الواقعية الاستراتيجية بدل الشعبوية الوطنية من خلال الاجتماع، يظهر أن الرئاسة تعتمد مقاربة جديدة للصراع مع إسرائيل، تقوم على فصل الموقف المبدئي عن آلية المواجهة. فالعدو يبقى عدوًا، والاحتلال واقعًا، لكن طريقة التعاطي لا تُبنى على الانفعال، بل على حسابات القدرة والاستدامة. هذا التحول يُفهم على أنه رفض لتحويل الحرب إلى هوية سياسية، وإصرار على إبقائها خيارًا أخيرًا، لا أداة داخلية لتثبيت النفوذ أو كسب الشرعية. خامسًا: التفاوض كأداة سيادية لا كتنازل ما رشح عن الاجتماع يوحي بأن الرئاسة لا ترى في التفاوض ضعفًا، بل أداة من أدوات السيادة عندما تُدار من موقع الدولة. الإشارات إلى آليات تفاوضية وتقنية تعكس رغبة في سحب الملف من التداول الإيديولوجي وإعادته إلى الحقل المهني–الدبلوماسي. وهنا، يبرز توجّه واضح لفصل «التفاوض باسم الدولة» عن «المساومة باسم الداخل»، وهو فصل ضروري لإعادة الاعتبار إلى مفهوم المصلحة الوطنية العليا. سادسًا: الجيش كضامن شامل لا كأداة جزئية الاجتماع كرّس رؤية تعتبر الجيش العمود الفقري لأي مسار سيادي، لا مجرد مؤسسة أمنية. الإصرار على دوره المتعدد—من الأمن إلى مكافحة الإرهاب—يعكس محاولة لتحصينه سياسيًا، ومنع اختزاله في ملف واحد قد يحوّله إلى طرف في الصراع بدل أن يبقى حكمًا وضامنًا. بهذا، تضع الرئاسة الجيش في موقع فوق الاصطفافات، ما يقطع الطريق على محاولات استهدافه داخليًا أو خارجيًا. سابعًا: الإعلام بين الشراكة والمساءلة اختتام الاجتماع بنقاش حول الإعلام ليس تفصيلًا. الرئاسة تُحمّل الإعلام مسؤولية مزدوجة: • شريك في حماية الحقيقة • ومحاسَب عندما يتحول إلى أداة تضليل هذا الطرح يعكس فهمًا بأن السيادة لا تُستهدف فقط بالسلاح، بل بالمعلومة، وأن الفوضى الإعلامية قد تكون أخطر من الخصم الخارجي. في النهاية اجتماع بعبدا لم يكن استعراض مواقف، بل محاولة لتثبيت منهج حكم يقوم على ثلاث ركائز: 1. الدولة مرجعية لا طرف 2. الواقعية السياسية بديلاً عن الشعبوية 3. الحقيقة أساس الشرعية بهذا المعنى، يمكن القول إن الرئاسة لم تُصدر «مواقف»، بل رسمت إطار اشتباك جديد: اشتباك مع الفوضى، لا مع المكوّنات، ومع الروايات، لا مع الأشخاص. وهي رسالة تقول بوضوح: من يريد منازلة الدولة، فليفعل ذلك في العلن وبالوقائع، لا في الكواليس وبالشائعات

"نوسترا إيتاتي"، روح الحق تخطت الحدود الظاهرة للكنيسة (4/4)

من موائد الطعام المذكورة في الكتاب المقدس إلى سرّ القربان المقدس، وصولًا إلى حوار أبوظبي مؤخرًا، تُعاش الأخوة المسيحية في جوٍّ من الألفة والمشاركة. هذه هي الحلقة الرابعة والأخيرة من سلسلتنا. المسيحية هي الألفة. يكفي أن نتأمل في عدد المشاهد المهمة من الإنجيل التي تتكشف خلال تناول الطعام، وعدد التعاليم التي يُلقيها الربّ هناك... المائدة مكانٌ للضيافة المشتركة، وكسر الحواجز الاجتماعية، والأخوة والتواصل المفعم بالفرح. وفي سرّ القربان المقدس، الحدث المحوري في الحياة المسيحية، تتحول المائدة إلى مذبح. خلال إحدى موائد الطعام، وُلدت فكرة إعلان أبوظبي للأخوة الإنسانية لعام 2019، الذي وقّعه البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب، في أبوظبي. بحسب موقع "أمريكا توداي" (1 ديسمبر/كانون الأول 2020؛ انظر أيضًا الموقع المصري "البوابة")، عُقدت مأدبة الغداء في مايو/أيار 2016 عقب جلسة عمل في مكتبة الفاتيكان. وكان هذا اللقاء جزءًا من حوار متجدد بين الكنيسة الكاثوليكية ومؤسسة الأزهر، المؤسسة السنية الأبرز، بعد سنوات من التوتر. فقد انقطعت التبادلات بين الكرسي الرسولي والأزهر عقب الهجوم على الكاتدرائية القبطية بالإسكندرية في 1 يناير/كانون الثاني 2011. وكان البابا بنديكت السادس عشر قد أكد على ضرورة حماية المسيحيين في مصر والشرق الأوسط في بيان اعتبرته المؤسسة المصرية تدخلاً غربيًا غير مبرر. باختصار، في ختام جلسة العمل، سأل البابا شيخ الأزهر، أحمد الطيب، بشكل عفوي: "هل لديك جدول أعمال؟ هل ستتناول الغداء في مكان ما؟" ولأنه لم يكن هناك أي ترتيبات، عرض نفسه قائلًا: "هل لي أن أدعوك لتناول الغداء؟" خلال هذا الغداء، طُرحت فكرة صياغة وثيقة مشتركة حول الأخوة الإنسانية. ووفقًا لمحمد سماك، الأمين العام للجنة الوطنية للحوار المسيحي الإسلامي، فقد عُقد الغداء في دار ضيافة دوموس سانكتي مارثاي. وقد صرّح البابا نفسه لوسائل الإعلام بما يرمز إليه هذا اللقاء قائلًا: "اللقاء هو الرسالة". "منهج فرنسيس": الأخوة المُعاشة خلال الاحتفال بالذكرى الستين لصدور وثيقة نوسترا إيتاتي (28 أكتوبر 2025)، تأمل البابا ليو الرابع عشر في هذا الحدث وأشاد بـ"منهج فرنسيس" للحوار بين الأديان: الأخوة المُعاشة. وقال: "من أبرز نقاط قوة حبرية البابا فرنسيس الأخوة العالمية. وفي هذا الصدد، ألهمه الروح القدس حقًا للمضي قدمًا بخطىً واسعة في الانفتاحات والمبادرات التي سبق أن أطلقها الباباوات السابقون، ولا سيما منذ البابا يوحنا الثالث والعشرين". شجّع البابا على كلٍّ من النهج المسكوني والحوار بين الأديان، وقد فعل ذلك بالدرجة الأولى من خلال تنمية العلاقات الشخصية، بحيث كان الجانب الإنساني من اللقاء يُقدَّر دائمًا، دون المساس بالروابط الكنسية. نسأل الله أن يعيننا على الاستفادة من شهادته! خلال الجلسة نفسها، قال البابا ليو الرابع عشر: "الحوار ليس تكتيكًا أو أداة، بل هو أسلوب حياة - رحلة قلبية تُغيّر كل من يشارك فيها، سواءً كان مستمعًا أو متحدثًا". "لا خلاص خارج الكنيسة". بفضل هذه "الرحلة القلبية"، لم يعد النهج المتبع في دراسة النصوص كما كان في القرون الأولى، حين كان من الضروري الدفاع عن وحدة الكنيسة ضد الانشقاقات والهرطقات، وتعزيز مركزية الإيمان بالمسيح. "لا خلاص خارج الكنيسة!" كان هذا هو الشعار السائد آنذاك. كان هذا الطرح يعني ضمناً أن الخلاص الأبدي يتحقق من خلال الاعتراف الرسمي بالمسيح، وأن الكنيسة الكاثوليكية هي المكان الذي ينال فيه المرء نعمته، ولا سيما من خلال أسرار التنشئة المسيحية (المعمودية والتثبيت). منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، أتاح تطور لاهوت روح الحق العامل خارج حدود الكنيسة الظاهرة تفسيراً أقل حصرية لهذا الطرح. وبالتأكيد، وفقاً لمختلف كنائس العالم، يأتي الخلاص دائماً من الله من خلال المسيح، والكنيسة، جسد المسيح السري، هي سر الخلاص العالمي، أي العلامة والوسيلة المباشرة التي يعمل بها الله ويخلص من الخطيئة والموت الذي يعاقب عليها. لكنّ تعليم الكنيسة الكاثوليكية يؤكد لنا أن الأشخاص الذين ليسوا أعضاءً رسميين في هذه الكنائس، يمكنهم أن ينالوا الخلاص إذا لم يتمكنوا من معرفة الإنجيل "لسبب خارج عن إرادتهم"، وإذا سعوا بصدق إلى معرفة حق الله، وفقاً لضمائرهم و"شعاع الحق" الذي كشفه لهم دينهم (الفقرات 846-848). استنادًا إلى بيان نادرًا ما يُدرس من دستور "فرح ورجاء" الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني، يؤكد اللاهوتي الفرنسي فنسنت غيبير هذا التوجه للسلطة التعليمية للكنيسة: "يقدم الروح القدس للجميع، بطريقة لا يعلمها إلا الله، إمكانية الوجود"."أن يرتبط بسرّ الفصح" (22، 5). لا يقول نوسترا إيتاتي شيئًا آخر.

لماذا لن يتخلّى عن سلاحه؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر

مات يحيى السنوار من دون أن يسلّم سلاحه. لم يتوقّف هذا المُطارد عن القتال حتى آخر نَفَس، فعَظُم شأنه بعين البعض ولعلّه اليوم نموذج يُحتذى به لدى مقاتلي حزب الله. وقبله كان صدّام حسين، ثابتًا أمام المشنقة. ومع كل ذلك، تريدون من حزب الله أن يسلّم سلاحه وأن يحني رأسه. الحياة على الحافة "السلاح زينة الرجال"، شعار يردّد في جنوب لبنان، المنطقة التي عاشت فيها أجيال كاملة على «أخوّة السلاح». لقد أمّنت العمليات العسكرية للميلشيات طعم «الحياة البطولية»، وهو إدمان لا يخرج منه المرء بلا ندوب، وإدمان لا يتشاركه معظم اللبنانيين. وفوق ذلك، فإن شخصية الحسين، الذي سقط مضرجًا بدمائه يوم كربلاء تجعل الاستسلام بغيضًا، إن لم يكن كفراً. لعبة الدومينو في كل الأحوال، ليس حزب الله اللبناني، ولا قيادته المختبئة في الأقبية، مَن يقرّر تسليم السلاح أم لا. في هذه المسألة، القرار قرار إيران وحدها. فالميليشيا الوكيلة التي استثمرت فيها طهران الكثير الكثير ليست سوى بيدق في لعبة «ولاية الفقيه» الإقليمية. ولا يمكن التضحية بها إلّا على مذبح «الأممية الخمينية»، سواء كانت في قم أو في غيرها. ولا يمكن التفكير بنزع السلاح بحجة إعادة قدر ما من السيادة اللبنانية. ثم إن الجمهورية الإسلامية، إن وافقت يومًا على تسليم سلاح «حزب الله» لمن يحق له حكماً، فسيُعدّ ذلك سابقة خطيرة تؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل. فـ«الحشد الشعبي» في العراق سيُطلب منه لاحقًا أن يحذو الحذو نفسه، وبذلك تفقد إيران خطًا دفاعيًا تلو الآخر. ومع ذلك، ما أهمية الأمر بالنسبة لطهران إذا كانت جماعتها في لبنان ستُسحق تحت القصف الإسرائيلي ما دام صمودها هذا يؤجّل الاستحقاقات؟ مباراة الثأر بعد شهر أو سنة، ستصل المواجهة بين «أبناء الجنوب» و«الصهاينة» إلى نهايتها، ولو بالإرهاق المتبادل. لكن هل يعني هذا أن نزع السلاح سيعقب ذلك تلقائيًا؟ بالتأكيد لا! فالثنائي الشيعي يريد البقاء في حالة تأهّب. فمن جهة، يسعى إلى ترهيب اللبنانيين، شركائه في الوطن، ومن جهة أخرى لا ينسى أنه بتصرفاته استعدى قوماً لا ينسون. فجارنا السوري لم يستوعب ولم يغفر الدعم الذي قدمته «قوات الرضوان» وغيرها من المقاتلين غير النظاميين لنظام بشار الأسد. عاجلاً أم آجلاً، ستنعكس مشاركة حزب الله في المستنقع السوري منذ 2011 على مجمل الطائفة الشيعية. وعملية الثأر آتية لا محالة. وفي مثل هذا السيناريو، من الأفضل الاحتفاظ بالسلاح بدل أن يكون المرء هدفًا سهلاً. على الحكومة اللبنانية ألّا تُمني النفس: تسليم السلاح طوعًا لن يحصل. على استراتيجيّينا أن يجدوا حلولًا أخرى.

حساب خاطئ ومعادلة معكوسة
بقلم
ميشال توما
نُشر

يقدّم صدور “استراتيجية الأمن القومي” للولايات المتحدة قبل أيام عن البيت الأبيض تأكيداً لافتاً على نقطة التحوّل التي بلغتها إدارة ترامب في سياستها الخارجية. فهذا الوثيقة الأساسية، التي تتألف من نحو ثلاثين صفحة ويسبقها تمهيد للرئيس دونالد ترامب، تعرض بصورة مفصّلة التوجّهات والأهداف التي حدّدتها واشنطن حيال التطورات الجارية في مختلف المناطق الحسّاسة في العالم والملفات الحيوية المطروحة على الساحة الدولية. الأفكار التي تطرحها الإدارة في العاصمة الفيدرالية ليست مفاجئة بالكامل. فقد كانت موضع نقاش واسع في أوساط سياسية ودبلوماسية متعدّدة، لكن من المرجّح أنها المرة الأولى التي تُجمع فيها بهذا القدر من الشمولية والمنهجية ـ موضوعاً بموضوع، ومنطقة بمنطقة ـ في وثيقة رسمية صادرة عن أعلى مستويات السلطة. وتتوافق الاستراتيجية الواردة في هذا النص، في خطوطها العريضة، مع الرؤية التي كان يدافع عنها جي. دي. فانس قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بوقت طويل. ففانس، الذي سيصبح لاحقاً مرشّح ترامب لمنصب نائب الرئيس، شدّد في عدة مداخلات عامة ـ لا سيما خلال صيف 2024 ـ على أنّ الولايات المتحدة لم يعد ينبغي أن تكون دائماً في الخطوط الأمامية في كل مواجهة يخوضها الغرب ضد خصومه. وضرب مثالاً على ذلك بدعوته أوروبا إلى تولّي مسؤولية دفاعها بنفسها، مدعومة بالطبع من الولايات المتحدة، ولكن من دون أن يقع العبء كاملاً على البنية العسكرية الأميركية. لكن الرؤية التي طرحها فانس بشأن الوضع في الشرق الأوسط هي التي استرعت الاهتمام بشكل خاص، وما زالت تكتسب أهمية كبرى بالنسبة للبنان ومنطقة المشرق. فقد أشار حينها إلى أنّ على إسرائيل والدول السنية في المنطقة، أسوة بأوروبا، أن تتحمّل مسؤولياتها الدفاعية وأن تنسّق جهودها بشكل أوثق للتصدّي للتوسّع الإيراني. هذا التوجّه، الذي دافع عنه فانس في حينه ويتكرّر اليوم في الوثيقة التي نشرتها الإدارة الأميركية، يمثّل قطيعة أساسية مع سياسات الإدارات السابقة (باستثناء ولاية ترامب الأولى). ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل أنه في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وبعد اندلاع الحرب الإيرانية ـ العراقية (1980 ـ 1988)، هرعت الولايات المتحدة وإسرائيل عملياً إلى مساعدة الجمهورية الإسلامية بقيادة الخميني، فزوّدتها بصواريخ مضادة للدروع ومعدات عسكرية وقطع غيار لمواجهة جيش صدام حسين. وقد اتّضح لاحقاً هذا الدعم الحاسم في فضيحة “إيران غيت”. وبالرغم من أنّ هذه العملية كانت جزءاً من سياق أوسع (تمويل “الكونتراس” في نيكاراغوا)، إلا أنّ هدفها الإستراتيجي كان بوضوح تعزيز الجناح البراغماتي في النظام الشيعي بطهران لإضعاف القطب السني في الشرق الأوسط. غير أنّ هذا الرهان كان سوء تقدير كبيراً لطبيعة التفكير والأيديولوجيا التي تحرّك “الحرس الثوري”، الذي كان منذ وصول الخميني إلى السلطة يدفع بقوة نحو مشروعه التوسّعي لنشر الثورة الإسلامية في المنطقة. وقد أدّى هذا الحساب الخاطئ في بداية الثمانينيات إلى نتيجة معاكسة تماماً: فالجناح البراغماتي داخل النظام لم يشتدّ عوده في مواجهة القوى السنية، بل إن التيار الخميني المتشدّد هو الذي تعاظمت قوته عبر السنين، وبسط نفوذه على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية في إيران، ملتفّاً على أجهزة الدولة المركزية ومسبّباً حالة عدم استقرار مزمنة في عدد من دول المشرق. وترافقت هذه النزعة الهيمنية مع تسارع كبير في نمو البرنامج النووي الإيراني، بحيث تحوّل ما اعتُبر قبل أربعين عاماً “توازناً براغماتياً مع القوة السنية” إلى تهديد وجودي خطير بعد أربعة عقود. وكان من الممكن إدراك هذا الخطر لو تم فهم الأساس الأيديولوجي لمشروع الحرس الثوري كما ينبغي. لكن الخطأ الإستراتيجي ـ وربما القاتل ـ للجناح المتشدّد في النظام الإيراني كان في عدم إدراكه حدوده في منطقة بالغة التعقيد كالشرق الأوسط، واندفاعه نحو طموحات مفرطة سواء في برنامجه النووي أو في تموضعه غير الطبيعي في منطقة المشرق. ولذلك، ليس مفاجئاً أن تأتي “استراتيجية الأمن القومي” التي عرضتها إدارة ترامب اليوم لتعكس معادلة الثمانينيات، فتدعو إلى تعاون بين إسرائيل والدول السنية للتصدّي لخطر قوة شيعية ما زالت تجد صعوبة في الاعتراف بأن المنطقة شهدت تحوّلات جيوسياسية عميقة تمهّد لولادة شرق أوسط جديد يقوم على السلام المستدام والتعاون الاقتصادي الشامل.

 جبران تويني، مدرسة الحرية
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

قبل عشرين عاماً، سُحِق جبران تويني حرفياً في تفجير بسيارة مفخخة. لقد وضعه قتَلَتُه من محور دمشق–طهران، مع شركائهم اللبنانيين، على اللائحة السوداء لـ”الشخصيات الخطِرة” التي يجب تصفيتها حتماً، بقدر ما كانت هذه الأخيرة قد نجحت، خلال سنوات قليلة، في إعادة بناء فكرة لبنانية لجبهة تعددية ومتماسكة، ضامنة للسيادة والحرية. جبهةٍ صلبة، قادرة على تجاوز الانقسامات الموروثة عن الحرب الأهلية، والتقسيمات الطائفية التي رقص عليها المحور لعقود من الزمن ليُحكِم تفريق اللبنانيين، ويُنصِّب نفسه، تبعاً لمنطق رجل الإطفاء–مُشعل الحرائق، مرجعاً لحلّ النزاعات التي كان هو نفسه يصنعها. كان تويني يُجسِّد، بامتياز، نموذج الحماسة والشجاعة والقتالية لدى شريحة واسعة من شباب تلك المرحلة. وقد حظي باحترام فئات عريضة من المجتمع اللبناني، من مختلف الطوائف، بوصفه شخصية حرة، بلا خوف وبلا ملامة. وتمتّع بحضور إعلامي لا يُضاهى، لم يكن إرثاً من والده، العملاق غسان تويني. صحيح أن صحيفة “النهار” انتقلت من الأب إلى الابن، لكن جبران صاغ صوته الخاص، وهويته الخاصة، وشخصيته الخاصة، ومعاركه الخاصة، التي كانت في آنٍ واحد مشابهة ومختلفة عن معارك غسان. فحيث انسحب الأب من السياسة بمعناها الضيق، أي الفعل النضالي المباشر، ليكرّس نفسه لما كانه في جوهره: مانحاً للمعنى في السياسة، اختار جبران أن يتحمّل انخراطه الكامل في الميدان. كان في قلب الحدث، لا خارجه ولا فوقه. لقد أصبحت “النهار”، في ظل البصمة المزدوجة للأب والابن، إلى جانب سمير قصير وفريق لامع من الصحافيين والمحللين وكتّاب الرأي، أكثر من حزب سياسي واحد خلال فترة الوصاية السورية: لقد جسّدت فكرة أن لبناناً آخر ممكن، لبناناً حراً، سيداً، متحرراً من القيود القبلية والطائفية، مولِّداً للمعنى، وقادراً على استعادة رؤية ثقافية للبنان بوصفه بلدَ وصلٍ مع العالم. وأكثر من ذلك، زعزعت، عبر الكتابة والفكر، راحة الطغيان الباردة والمتراصة، من خلال فتح صفحاتها للمعارضين، ولا سيما السوريين منهم. يصعب استيعاب أن عقدين من الزمن قد مضيا من دون تلك الشعلة الملهمة والمعدية التي كانها جبران تويني، رجلٌ ذو كاريزما استثنائية، وخطيب قادر على تحريك الجماهير بقوة طاقةٍ تجمع بين الأناقة والغريزة. وليس من قبيل الصدفة أن يكون من بين مرجعياته جون كينيدي وتشي غيفارا، وكلاهما، على الرغم من الهوّة السياسية الفاصلة بينهما، خطيبان بارعان. على نحوٍ ما، تصالح في جبران الجانب الحيوي لكينيدي مع النزعة التمردية لغيفارا. كان قادراً على تركيب التوليفات، وإلغاء الحدود، وجمع المتناقضات. وفي نظر الأنظمة الاستبدادية والشمولية، هذا هو الذنب القاتل الذي لا يُغتفر. اليوم، بعد عشرين عاماً على اغتياله، يسهل الوقوع في إغراء تحويل جبران إلى أيقونة: أيقونة لمعركة سياسية قيل إنها انتهت، أو لحركة انهارت ودُفنت، أو لقضية منزوعٍ عنها اللحم والدم. “شهيد” لـ… وهذا، في الحقيقة، قتلٌ لجبران من جديد، وإلى ما لا نهاية. الأمر نفسه ينطبق على المثقفين والكتّاب والمفكرين، وعلى بعض الشخصيات السياسية الاستثنائية عند رحيلهم، ولا سيما حين تتم تصفيتهم عمداً. فالأفكار لا تموت مع أصحابها؛ بل تواصل مسيرتها، وتنضج، وتتوسع. بل إنها، على العكس، تدخل الحياة. لا تعود ملكاً لصاحبها. تختلط بالهواء، وتخاطب البشر بذاتها. وجبران، في حضوره الجسدي كما في فكره، لا يمكن أن يُحوَّل إلى تمثال. في ذلك عبثٌ وتناقض. يكفي أن نعيد قراءة مقالاته لندرك ذلك. لدى جبران تويني، لم تكن الحرية والسيادة يوماً شعارات جوفاء أو مواقف أخلاقية بلا مضمون. بل كانتا، في نظره، الشرطين المتلازمين لوجود لبنان السياسي. الحرية بوصفها قطيعة مع الكذب الحرية، عند تويني، لا تُفهم بوصفها حقاً مجرداً أو مبدأً زخرفياً، بل بوصفها، أولاً وقبل كل شيء، فعل كشفٍ وفضح. فهو يهاجم ما يمكن تسميته بالخيال السياسي الكبير، ذاك الذي يحوّل العنف إلى حوادث معزولة، والاغتيالات إلى أخبار عابرة، والخوف إلى قدر محتوم. في مواجهة هذا التخدير الجماعي، يصرّ تويني على أن العنف هو نتاج مناخ سياسي، وبنية هيمنة تستهدف أقلّ الأفراد وأكثرَ الفضاء العام الحر نفسه. هكذا تبدأ الحرية، لديه، برفض السرديات التبريرية. تسمية المسؤوليات، رفض التلطيف اللغوي، وإعادة الوقائع إلى سببيتها السياسية: ذلك هو الفعل الأول للتحرر. ومن هذا المنطلق، لا تكون الصحافة مجرد مهنة، بل وظيفة حيوية في المجتمع، مهمتها منع الخوف من أن يصبح قاعدة. السيادة بوصفها امتلاك القرار تقود هذه المطالبة بالحقيقة، بطبيعة الحال، إلى مسألة السيادة. وهنا أيضاً، يرفض تويني أي تعريف عاطفي أو رمزي. فالسيادة ليست علماً ولا ردّ فعلٍ هوياتياً، بل القدرة الفعلية للدولة على اتخاذ قرارها بنفسها. في نصوص شديدة المباشرة، يصف لبناناً جُرِّدت مؤسساته من مضمونها، واستُخدمت فيه العدالة أداة، وكُمِّمت فيه الصحافة، والأهم من ذلك، فُوِّض فيه القرار السياسي إلى الخارج. وهذه التفويضات لا تُفرض فحسب، بل تُستبطن أيضاً، وتُبرَّر باسم الاستقرار، والتوازنات، و«الواقعية». وهذا بالضبط ما حاربه جبران تويني بلا هوادة. ومن أجل التمرّد عليه قُتل. فالسيادة، في نظره، لا تُفقد فقط بالاحتلال العسكري، بل تتآكل كذلك بالتعوّد على التبعية، وبالقبول التدريجي بدولةٍ تحوّلت إلى واجهة. إنها «العبودية الطوعية» عند لا بويسي. الرسالة إلى بشار الأسد: السيادة بالكلمة في هذا السياق تحديداً، يجب وضع وفهم رسالته المفتوحة الشهيرة إلى بشار الأسد، البعيدة كل البعد عن أي استفزاز مجاني أو هجاء. إنها فعل سيادة فكرية في أنقى تجلياتها. علامة صحافية وأخلاقية وسياسية، بعد عقدين من الزمن. بمخاطبته المباشرة لرئيس النظام السوري، يرفض تويني موقع الخاضع. لا تضرّع أحمق، ولا عدوانية، ولا بهرجة. يتكلم نداً لند، كصحافي يواجه الطاغية-المحتل. هذا التحوّل البسيط في الموقع هو تحوّل حاسم، لأنه يكسر اللغة المشفّرة للوصاية، والحذر الإلزامي، والرقابة الذاتية المستبطنة التي كانت سائدة آنذاك. وفوق ذلك كله، تقوم الرسالة بقلبٍ جذري لمنطق الوصي: فالسيادة اللبنانية لا تُطرح فيها بوصفها عداءً لسوريا، بل بوصفها شرطاً لعلاقة سليمة بين دولتين. يؤكد تويني أن لا استقرار دائماً يُبنى على نفي حرية الآخر، وأن الهيمنة تُضعف من يمارسها بقدر ما تُضعف من يخضع لها. وهكذا تصبح حرية لبنان اختباراً أخلاقياً وسياسياً للسلطة السورية. وبالطبع، لم يكن تويني حالماً ساذجاً؛ كان يدرك تماماً أن الأسد لا يفهم إلا لغة القوة الغاشمة. ومع ذلك، قام بفعلٍ تأسيسي للسيادة. وهذا هو جوهر “المقاومة الثقافية” التي دعا إليها في تلك المرحلة الأب سليم أبو. الحرية، التعددية، والعيش المشترك لا تنفصل هذه المطالبة بالسيادة، لدى جبران تويني، عن التعددية اللبنانية. فالحرية التي يدافع عنها ليست حرية فريق أو طائفة أو عشيرة، بل هي النظام السياسي للعيش المشترك. حين يُصادَر القرار وتُكمَّم الكلمة، لا يُسكت الأفراد فحسب، بل تُضرب إمكانية قيام جماعة سياسية تعددية من الأساس. لذلك يشدد تويني على أن العنف السياسي لا يستهدف أشخاصاً فقط، بل الصيغة اللبنانية ذاتها. ومن هنا، فإن الدفاع عن حرية التعبير، وسيادة الدولة، واستقلال القرار الوطني، هو دفاع عن العيش المشترك نفسه، في وجه الخوف، والتفكك، ومنطق الأمر الواقع. وقد كان تويني، الذي ناضل خلال الحرب في صفوف “الشرق المسيحي” السياسية، “لبنانياً” بالمعنى العميق للكلمة، ومن هذا الموقع الفكري دافع عن فكرة لبنان. وبعد عشرين عاماً، وفي مواجهة تصاعد خصوصية مسيحية قادرة على التعايش مع فكرة لبنان الممزق جغرافياً، يجدر التذكير بذلك. السيادة في مواجهة التسويات الزائفة يتمثل جانب أساسي آخر من فكره في شكّه الدائم بالتسويات الفارغة. فقد انتقد تويني باستمرار الترتيبات التي تكرّس، باسم الواقعية، نزع الملكية السياسية. صيغ «غسل القلوب»، والحوار بلا سلطة فعلية، والتوازنات التي تجمّد الظلم: كل ذلك يشكل، في نظره، سياسة واجهة تُضعف الحرية والسيادة معاً. فالسيادة الحقيقية تفترض احتكار الدولة للقرار، بما في ذلك قرار الحرب والسلم، ورفض مصادرة المصير الجماعي من قِبَل قوى لا تخضع للمساءلة أمام المواطنين. وهنا أيضاً، لا تكون الحرية مجرد حق الكلام، بل حق عدم الانجرار إلى خيارات مفروضة بلا رضى. ولا حاجة للتأكيد على مدى راهنية هذه الرؤية اليوم، في وقت لا يزال فيه لبنان يتعثّر في استعادة احتكار العنف المشروع. إرثٌ لا يزال مُقلقاً بعد عشرين عاماً على اغتياله، لا يزال فكر جبران تويني مُقلقاً لأنه لا يترك مجالاً للهروب: فهو يرفض الاستسلام كما يرفض المزايدة. وخلاصته الدائمة هي أن الحرية يجب أن تُمارَس بوصفها حقاً كاملاً، وأن السيادة لا تُكتسب مرة واحدة وإلى الأبد، بل تُدافَع عنها يومياً، بالكلمة، وبالمؤسسات، وبالشجاعة السياسية. فالفكرة، والكلمة، واللغة، لا وجود لها ما لم تُترجَم إلى أفعال عملية وحاسمة، إلى مرتكزات. ورسالة بشار الأسد هي بلا شك التعبير الأوضح عن ذلك: نصٌّ تتحول فيه الحرية من خطاب إلى فعل، وتُعاد فيه صياغة السيادة أولاً عبر الكلمة المباشرة، الصريحة، والمسؤولة. وعليه، لا تشكّل الحرية والسيادة معركتين متوازيتين، بل معادلة واحدة. فالحرية بلا سيادة هشة، مسموح بها، وقابلة للارتداد. والسيادة بلا حرية ليست سوى محاكاة فارغة. معاً، تشكلان الحد الأدنى لوجود شعبٍ سياسي، بلا خوف وبلا وصاية. أما الوحدة الوطنية والعيش المشترك فهما الإسمنت الذي يجعل من هذا الشعب قوة دافعة، متماسكة، قابلة للحياة، وحية. إن التفكير في جبران تويني بعد عشرين عاماً لا يعني مجرد إحياء ذكرى رجل أُسكت صوته، بل الخضوع لامتحان ضمير عميق، وامتلاك الشجاعة لطرح سؤال أكثر صعوبة: هل نعيش اليوم، في لبنان المتروك لكل الرياح، ضمن إطارٍ تستطيع فيه الحرية أن تُنتج سيادة، وتستطيع فيه السيادة أن تحمي الحرية فعلاً؟ والأهم، هل عرفنا كيف ندافع عن العيش المشترك الذي يشكل شرطها الذي لا غنى عنه؟ بهذا المقياس، على الأرجح، تُقاس فعلياً الأمانة لإرثه.

البنية الخطيرة لفقاعة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي

في عام ٢٠٠٦، قيّمت أسواق الائتمان المخاطر العقارية في الولايات المتحدة على أنها متنوعة. وهكذا وُلد سوق الرهن العقاري عالي المخاطر. بدت الحسابات المالية آمنة. لكن الواقع كان كارثيًا، وأدى إلى الانهيار، وإلى الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨. في عام ٢٠٢٥، يحوم خطر مشابه بشكل لافت للنظر، وهذه المرة في مجال الذكاء الاصطناعي. حتى الآن، يُعدّ الذكاء الاصطناعي ظاهرة إنفاق استثماري تهيمن عليها قلة قليلة من الشركات مثل إنفيديا وأوراكل - وهما من الشركات الرائدة في مجال تصنيع الالكترونيات التي تبني رقائق ومراكز بيانات لاستيعاب ما يقارب 1.5 تريليون دولار من الاستثمارات من قبل عدد محدود من الشركات العملاقة مثل مايكروسوفت وميتا وأمازون. وقد دفعت موجة الإنفاق غير المسبوقة هذه أسعار الأسهم إلى مستويات غير مسبوقة. في الوقت نفسه، أنشأ قطاع الذكاء الاصطناعي بنية تمويل دائرية، حيث يتدفق رأس المال نفسه بشكل متكرر بين مجموعة صغيرة من اللاعبين المهيمنين. يسجل كل منهم إيرادات من الآخرين، ويبرر كل منهم تضخم قيمته من خلال إنفاق الآخرين، وتتعامل الأسواق المالية مع كل منهم كما لو كانت مخاطره مستقلة. في الوقت نفسه، أنشأ قطاع الذكاء الاصطناعي هيكلية تمويل دائرية، حيث يتدفق رأس المال نفسه بشكل متكرر بين مجموعة صغيرة من اللاعبين الرئيسيين. يسجل كل منهم إيرادات من الآخرين، ويبرر كل منهم تضخم قيمته من خلال إنفاق الآخرين، وتتعامل الأسواق المالية مع كل منهم كما لو كانت مخاطره مستقلة. لكن الأمر ليس كذلك. يُشكّل عقدٌ واحدٌ عملاق نواة هذا الهيكل: اتفاقيةٌ مدتها خمس سنوات بقيمة ٣٠٠ مليار دولار بين OpenAI وOracle. أصبح هذا العقد الركيزة الأساسية لاستراتيجيات الاستثمار العالمية في الذكاء الاصطناعي. فإذا صمد، سيستمر ازدهار الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي. أما إذا انهار، فستتجاوز العواقب الشركتين الموقعتين عليه بكثير. تجمع OpenAI رأس المال بتقييماتٍ متزايدة باستمرار، وهو رأس مال يُنفق بعد ذلك على رقائق Nvidia وبنية Oracle التحتية. بدورها، تستغل Oracle التزام OpenAI بالاقتراض بكثافة لتمويل توسيع مراكز البيانات، والتي يعود جزء كبير منها مباشرةً إلى Nvidia. ثم يُعيد ارتفاع قيمة أسهم Nvidia الذي أوصل الشركة لفترة وجيزة إلى قيمة سوقية مذهلة بلغت 5 تريليونات دولار في أكتوبر الماضي - رأس المال إلى OpenAI من خلال الاستثمار المباشر وتعزيز النظام البيئي. تظهر هذه الأموال نفسها عدة مرات كإيرادات في ميزانيات الشركات. يُسجّل النمو. ترتفع التقييمات. يُجمع المزيد من رأس المال. وتدور عجلة الاقتصاد بسرعة أكبر. ظهور هذه الأموال نفسها كإيرادات عدة مرات في ميزانيات الشركات يعتبرتمويل دائري، وليس طلبًا طبيعيًا من المستخدم النهائي. ما يبدو ظاهريًا انتشارًا واسعًا للتقنيات، يتحول تدريجيًا إلى دفع الشركات لبعضها البعض برأس مال المستثمرين، وكل ذلك رهنٌ بتحقيق أرباح مستقبلية من الذكاء الاصطناعي للمؤسسات، وهو أمر لم يتحقق بعد على نطاق واسع. إن حسابات العلاقة بين أوراكل وأوبن إيه آي واضحةٌ تمامًا. من المتوقع أن تتكبد أوبن إيه آي خسائر تُقدر بنحو 16 مليار دولار في عام ٢٠٢٥، وتتوقع خسائر تراكمية تتجاوز ١٠٠ مليار دولار قبل نهاية العقد. وللوفاء بالتزاماتها تجاه أوراكل، يجب عليها زيادة إيراداتها من حوالي ٢٠ مليار دولار إلى ١٠٠ مليار دولار في غضون ثلاث سنوات، وهو إنجاز لم تحققه أي شركة برمجيات في التاريخ. في الوقت نفسه، يتعين على أوراكل تمويل بنية تحتية خاصة بالذكاء الاصطناعي بقيمة تصل إلى١٨٠ مليار دولار لخدمة عميل رئيسي واحد: أوبن إيه آي. وقد تحول تدفقها النقدي الحر إلى سلبي، ويتزايد حجم ديونها. هذه تبعية ثنائية. إذا لم تتمكن أوبن إيه آي من الدفع، ستواجه أوراكل أصولًا عالقة. وإذا لم تتمكن أوراكل من تمويل التوسع، ستواجه أوبن إيه آي أزمة حوسبة في وقت حرج للغاية. لا يمكن لأي من الطرفين الانسحاب. لا يمكن لأي منهما النجاة من فشل الآخر. يُطلق المهندسون على هذا اسم "نقطة الفشل الوحيدة". وعادةً ما تكتشفها الأسواق بعد فوات الأوان. لكل أزمة مالية تداعيات مالية. في أزمة السوق العقاري عام ٢٠٠٨، كانت شركة AIG الضحية الابرز. أما في بيئة الذكاء الاصطناعي الحالية، فيتزايد دور شركة سوفت بنك اليابانية. تمتلك سوفت بنك استثمارات ضخمة ومتداخلة في OpenAI، ومشروع Stargate للبنية التحتية، وقطاع الذكاء الاصطناعي الأوسع نطاقًا، كل ذلك في ظل قدرة محدودة على زيادة التمويل. وتُوظَّف ميزانيتها العمومية لتحقيق هدف واحد: تسريع تبني الذكاء الاصطناعي بسلاسة وسرعة خلال فترة زمنية قصيرة. إذا تعثرت OpenAI، تنهار أسهم سوفت بنك. وإذا لم يحقق Stargate الأداء المأمول، يتضرر رأس مال البنية التحتية. وإذا حدث الأمران معًا، يصبح خفض المديونية القسري أمرًا لا مفر منه، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على قطاع أسهم الذكاء الاصطناعي بأكمله. تعتمد فكرة الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي برمتها على فرضية أساسية واحدة: وهي أن تبني الذكاء الاصطناعي وتحقيق الربح منه سيشهدان طفرة هائلة بين عامي ٢٠٢٧ - .٢٠٢٨ أما فيما يخص تبني هذه التطورات، فالمنافسة تشتد. وقد بلغت معدلات نمو ChatGPT ذروتها بالفعل مع اكتساب الوافدين الجدد - بما في ذلك نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية المفتوحة المصدر - زخمًا. أما فيما يخص تحقيق الربح، فإن البيانات الأكاديمية والصناعية لا تبعث على الاطمئنان: إذ أفادت ٩٥% من الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بعدم وجود عائد ملموس على الاستثمار. وقد تم بالفعل تقليص العديد من المشاريع أو التخلي عنها بهدوء. وكما كان الحال مع الإنترنت، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي حقيقية، وسيكون تأثيرها طويل الأمد و عميقًا. لكن الثورات التكنولوجية نادرًا ما تكون خطية - ونادرًا ما تُكافئ جميع المشاركين بالتساوي. كانت شركة أوراكل نفسها محط أنظار طفرة الإنترنت في عام ٢٠٠٩، قبل أن تخسر ما يقرب من ٨٠% من قيمتها السوقية في انهيارعام٢٠٠٠ . كانت شركة أوراكل نفسها محط أنظار طفرة الإنترنت في عام ١٩٩٩، قبل أن تخسر ما يقرب من ٨٠% من قيمتها السوقية في انهيار عام ٢٠٠٠. ما نشهده اليوم هو بنية مالية ذاتية المرجعية، حيث يدور رأس المال داخلياً بينما تستنتج أسواق الأسهم الكمال من خلال تقييمات مبالغ فيها. في الوقت الراهن، أسواق الأسهملا تزال الأسواق متفائلة، بينما أسواق الائتمان ليست كذلك. ففي الأيام الأخيرة، ارتفعت هوامش مقايضة مخاطر التخلف عن السداد لشركة أوراكل إلى مستويات لم نشهدها منذ الأزمة المالية العالمية. تاريخيًا، تُقيّم أسواق الائتمان الواقع قبل أن يُقيّمه مستثمرو الأسهم. مع انخفاض أسهم أوراكل بنسبة 11% في جلسة واحدة رغم النمو المذهل في الأرباح، وانخفاض أسهم سوفت بنك بنسبة 7.7% على خلفية نفس الأخبار، ربما بدأ مستثمرو الأسهم أخيرًا في التساؤل عما إذا كانت رواية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قوية كما يُروج لها. لسنا في عام ٢٠٠٨. لكن الحسابات الرياضية تُشابه بعضها.