شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
هكذا سقطت "الامبراطورية الايرانية" (1/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

كان عام 2025 نقطة تحول في الشرق الأوسط، حيث نسف مشروعًا كان قيد التكوين منذ أوائل الثمانينيات - ويشمل حزب الدعوة في العراق، وحزب الله في لبنان، ونظام الأسد في سوريا - وكان ميشيل سورا من أوائل من تحدثوا عنه في مقالاته. في وقت لاحق، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انضمت حماس في غزة والحوثيون في اليمن إلى هذه الديناميكية، التي حاولت أيضًا أن تتجذر في البحرين خلال الربيع العربي عام 2011. وبالفعل، في 2005-2006، بعد الإطاحة بصدام حسين في العراق، واغتيال رفيق الحريري، وحرب يوليو 2006، والسيطرة التدريجية على فتح من قبل حماس في غزة، بدأ مشروع «الهلال الشيعي» الإيراني يتجسد بالفعل في الواقع... قبل أن يحصل على شرعية بحكم الأمر الواقع في عام 2015 من خلال خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن الملف النووي الإيراني، وهي «هدية» ذهبية من باراك أوباما استفادت منها الأهداف الإمبريالية للملالي. منذ ربع قرن، التزمت السياسة الإقليمية لطهران بمنطق واضح وضوح الشمس: التمركز في المضائق والممرات في الشرق الأوسط، وتحويل المضائق والطرق البرية والجيوب إلى أدوات ابتزاز استراتيجي، وبناء عمق دفاعي حول إيران يتكون من ميليشيات وأنظمة تابعة وأجزاء من دول. من جهة، المضائق: هرمز شرقًا، وباب المندب جنوب البحر الأحمر، ومن جهة أخرى، الممرات البرية: طهران – بغداد – دمشق – بيروت. ثم مستوى ثالث، طالما تم التقليل من شأنه: غزة، نقطة ضغط داخلية على إسرائيل، وكذلك على مصر. وأخيرًا، تكتونية غير مفهومة بشكل كافٍ لأنها لم تُشرح أبدًا بما يكفي: «تحالف الأقليات» الذي هيكل بلاد الشام لمدة نصف قرن — والذي تعايشت معه إسرائيل طالما ضمن نظامًا يمكن التنبؤ به. ثم… في 7 أكتوبر 2024، وفي خطوة انتحارية، قام يحيى السنوار بإلقاء هذا المشروع في الهاوية، ساحبًا معه كبار قادة حزب الله وحماس. وفي ديسمبر 2024، استيقظت الإمبراطورية الإيرانية على الضربة القاضية - سقوط دمشق، مع فرار بشار الأسد، الذي تخلى عنه جنوده وحلفاؤه. أدى انهيار المحور بطبيعة الحال إلى تعرض قلب الإمبراطورية نفسه للهجوم، وإبادة القيادة العليا للحرس الثوري من قبل إسرائيل، وتدمير البرنامج النووي. نظرة إلى المشروع الإمبراطوري الإيراني، الذي أصبح الآن مفتتًا، ولكنه لا يزال قادرًا على إلحاق الضرر، من خلال مقاربة جيوسياسية. باب المندب: هرمز الثاني تبدأ التحليلات المدرسية عادة بمضيق هرمز، وهو طريق الوصول والجزء الشرقي من الخليج العربي. يشكل هرمز بالفعل نقطة استراتيجية حيوية، حيث يمثل ممرًا تجاريًا أساسيًا للحركة الدولية، يستخدمه أكثر من 30% من تجارة النفط العالمية. بالإضافة إلى عمان والإمارات العربية المتحدة وإيران، يتحكم المضيق في الوصول إلى دول أخرى منتجة للمحروقات بنفس الأهمية مثل العراق والكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين وقطر. يمر عبره ما لا يقل عن 2400 ناقلة نفط سنويًا، بحجم حوالي 17 مليون برميل نفط يوميًا. إنه إذن ممر تبادل أساسي، باعتباره الطريق الوحيد المرضي لتصدير النفط السعودي والإيراني والإماراتي (أي ربع الإنتاج العالمي من النفط الخام). خيارات تصدير النفط متجاوزة المضيق محدودة، ولا يمكن أن تكون هذه الصادرات إلا بكميات محدودة. إيران، المتاخمة للمضيق، يمكنها إغلاق الوصول إليه. ليس عبثًا أن قائد الحرس الثوري الإسلامي، محمد علي جعفري، قد أكد في 29 يونيو 2008 أنه إذا تعرضت إيران للهجوم من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة، فإنها ستغلق المضيق. ومع ذلك، فإن التركيز على هرمز يحجب قليلاً حقيقة أن النظام يعمل بطريقة ما كالساعة الرملية: هرمز في الشمال الشرقي، وباب المندب في الجنوب الغربي. باب المندب هو مضيق في البحر الأحمر يربطها بخليج عدن، ويفصل جيبوتي وإريتريا في إفريقيا عن اليمن في شبه الجزيرة العربية. المضيق هو أيضًا نقطة قفل استراتيجية مهمة وأحد أكثر ممرات الملاحة ازدحامًا في العالم، لأنه يقع على الطريق الذي يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس. يتركز فيه أكثر من 10% من حركة الملاحة البحرية العالمية، بما في ذلك 75% من الصادرات الأوروبية؛ إنه يشكل ممرًا للطاقة بين الخليج وأوروبا وآسيا، والنقطة التي تلتقي فيها طرق النفط وتدفقات الحبوب والخدمات اللوجستية للحاويات. بالنسبة للتجارة بين شمال أوروبا وآسيا، يمر البديل عبر… رأس الرجاء الصالح، أي مسافة إضافية تبلغ 6500 كيلومتر! وبناءً عليه، عندما يغلق باب المندب… تتوقف قناة السويس عن الوجود. بالنسبة لإيران، المعادلة واضحة: إذا كان هناك هرمز ثانٍ، فهو بالتأكيد باب المندب. المقال التالي: في اليمن، الرهان الحوثي

إيرانيات يتحدين القمع بسلاح الحجاب

هل يُخفف النظام الايراني قبضته على إلزامية ارتداء الحجاب الإسلامي، أم أنه يمنح تساهلا" مؤقتًا لتهدئة غضب الشعب؟ اشتدت في السنوات الأخيرة معارضة النساء للقواعد الإسلامية الصارمة في ايران، حيث نفحة من الحرية تملئ شوارع البلاد. نساء يرقصن في الحفلات أو يتجاذبن أطراف الحديث في المقاهي... دون حجاب. صورٌ لم تكن تُتصور حتى وقتٍ قريب تتكاثر. الضفائر والشعر المصبوغ باتت تُضفي رونقًا على الأماكن العامة، إلى جانب النساء الأكثر تقليديةً اللواتي يرتدين الحجاب أو التشادور. هذه الظاهرة، التي برزت بشكلٍ أوضح في الأشهر الأخيرة في طهران وغيرها من المدن الكبرى، باتت تؤثر على جميع الأجيال بدرجاتٍ متفاوتة. كما أن بعض النساء يرتدين بشكلٍ متزايد ملابس ضيقة أو يكشفن عن أكتافهن أو سيقانهن أو سررهن، الأمر الذي يُثير استياء بعض المحافظين الذين يُدينون ما يُسمّونه "عُريًا". مع ذلك، يتزايد عدد النساء اللواتي يظهرن حاسرات الرأس في الأماكن العامة، على الرغم من القمع الذي طال حركة "المرأة، الحياة، الحرية" الاحتجاجية في عامي 2022 و2023، عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الآداب بتهمة مخالفة قواعد اللباس الصارمة. سلطة منقسمة يأتي هذا التخفيف النسبي في ظل خروج إيران من حرب الأيام الاثني عشر ضد إسرائيل في يونيو الماضي وقد ضعفت، ومع اقتراب موعد تولي المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي يتولى السلطة منذ عام 1989 ويبلغ من العمر 86 عامًا، زمام الأمور. إلا أن ارتداء النقاب لا يزال قضية خلافية، حتى داخل الحكومة نفسها. فالرئيس مسعود بيزشكيان يعتقد أنه لا يمكن إجبار النساء على ارتدائه. في العام الماضي، رفضت إدارته سنّ قانون أقره البرلمان، كان من شأنه أن يشدد العقوبات بشكل كبير على النساء اللواتي لا يرتدين النقاب أو يرتدينه بطريقة غير لائقة. بينما خففت السلطات الإيرانية بالفعل من موقفها بشأن ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، إلا أنها ليست مستعدة بعد للتخلي عن هذا الركن الأساسي من أركان الجمهورية الإسلامية، كما يشير المحللون والناشطون، محذرين من احتمال حدوث رد فعل عنيف مفاجئ. ووفقًا لأرش عزيزي من جامعة ييل في الولايات المتحدة، "تخلى النظام عن التطبيق الصارم للحجاب الإلزامي، لكنه لم يتخلَّ عن المبدأ نفسه". ويضيف الباحث: "سيكون ذلك تنازلاً أيديولوجيًا كبيرًا غير مستعد النظام لتقديمه. لكنه يدرك صعوبة التراجع عن هذا القرار". وقد تعرض مكتب المرشد الأعلى لانتقادات من بعض المتشددين بعد نشره صورة في نوفمبر/تشرين الثاني لنيلوفر غالهوند، مدربة البيلاتس التي قُتلت خلال الحرب مع إسرائيل، تظهر فيها بدون حجاب، مرتديةً قبعة بيسبول فقط. وخلال أسبوع التصميم في جامعة طهران في نوفمبر/تشرين الثاني، شوهدت نساء بدون حجاب يتجولن في المعارض. إلا أن الفعالية اضطرت إلى الإغلاق قبل الموعد المحدد بعد احتجاجات من رجال دين. تصاعد القمع صرح رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجي، بضرورة قيام أجهزة الاستخبارات بالإبلاغ عن "الشبكات التي تروج للانحلال الأخلاقي وعدم ارتداء الحجاب"، متعهدًا باتخاذ الإجراءات اللازمة. وفي مطلع ديسمبر/كانون الأول، دافع المرشد الأعلى عن الحجاب في خطاب له، مصرحًا بأن النساء المحجبات "يتقدمن أكثر من غيرهن في جميع المجالات، ويؤدين دورًا فاعلًا في المجتمع وفي بيوتهن". وبينما قد توحي صور النساء غير المحجبات السعيدات بانتشار الحرية، إلا أن القمع قد اشتد في الأشهر الأخيرة عقب الحرب مع إسرائيل، وفقًا لتحذيرات منظمات حقوقية. وقد نُفذ أكثر من 1400 حكم إعدام هذا العام، بحسب منظمات غير حكومية، وتواجه جماعات، ولا سيما البهائيون، أكبر أقلية دينية غير مسلمة في إيران، اضطهادًا متزايدًا. أُلقي القبض مجدداً على نرجس محمدي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023، والتي كانت قد أُفرج عنها بكفالة منذ ديسمبر 2024 ولم تكن تغطي رأسها أبداً، في 12 ديسمبر في مشهد بعد إلقاء كلمة في حفل تكريم لمحامٍ عُثر عليه ميتاً في أوائل ديسمبر.

حين يدان وزير سيادي ويُكافأ الانفعال الشعبوي

في لبنان، لم تعد السياسة تُقاس بميزان النتائج ولا بمدى حماية المصلحة الوطنية، بل بعلوّ الصوت وحدّة الخطاب وقدرة المسؤول على إرضاء غرائز جمهور منقسم ومُنهك. في هذا المناخ، يصبح أي وزير يختار الهدوء، والتفكير البارد، والعمل بعيدًا عن الاستعراض، مشروع متّهم دائم. هذا تمامًا ما يواجهه وزير الخارجية يوسف رجي، الذي يتعرّض لحملة انتقادات لا يمكن فصلها عن أزمة أعمق يعيشها مفهوم الدولة نفسه. منذ تسلّمه حقيبة الخارجية، لم يتصرّف رجي كوزير “شعبوي”، ولم يسعَ إلى تحويل موقعه إلى منصة خطابية أو أداة تسجيل نقاط داخلية. تعاطى مع الخارجية كوزارة سيادية يُفترض أن تحمي موقع لبنان في لحظة إقليمية شديدة الخطورة، لا كمنبر للمزايدات. هذا الخيار، الذي يُفترض أن يكون بديهيًا، تحوّل في لبنان إلى مادة اتهام، لأن الثقافة السياسية السائدة باتت تعتبر أن الصراخ موقف، وأن التهوّر شجاعة، وأن الدبلوماسية ضعف أو تواطؤ. الهجوم على يوسف رجي لا ينطلق من قراءة فعلية لأدائه، بل من مقارنة ظالمة بين ما يفعله وما يتمنّاه خصومه أن يفعله. يُنتقد لأنه لا يطلق مواقف نارية، لأنه لا يرفع سقوفًا يعلم مسبقًا أنها غير قابلة للتحقق، ولأنه يرفض توريط لبنان في صراعات أكبر من قدرته على الاحتمال. لكن ما يُقدَّم على أنه “تخاذل” ليس سوى إدراك واقعي لحجم لبنان الحقيقي ولموازين القوى التي تحكم المنطقة. لبنان اليوم دولة شبه منهارة: اقتصاد مدمّر، مؤسسات ضعيفة، انقسام سياسي حاد، وسلاح خارج إطار الدولة يقيّد القرار السيادي. في ظل هذا الواقع، تصبح السياسة الخارجية خط الدفاع الأخير عن ما تبقّى من الدولة. أي خطأ في الحسابات، أي تصريح غير محسوب، قد يفتح على لبنان أبواب عزلة دولية إضافية، أو يزجّه في مواجهة لا يملك أدواتها ولا مقومات الصمود فيها. يوسف رجي يدرك هذه الحقيقة، ويتعامل معها بعقل دبلوماسي لا بعاطفة شعبوية. من غير المنصف تحميل وزير الخارجية مسؤولية تراكمات ثلاثين عامًا من السياسات الفاشلة. رجي لم يرث دولة مستقرة ولا شبكة علاقات سليمة، بل ورث صورة دولة فاقدة للثقة، ينظر إليها الخارج بريبة، ويحسب ألف حساب قبل التعامل معها. ضمن هذا الهامش الضيّق، يحاول الرجل إعادة ترميم ما يمكن ترميمه، والحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع المجتمع الدولي، ومنع القطيعة الشاملة التي ستكون كلفتها كارثية على لبنان. الأهم أن يوسف رجي لم يستخدم موقعه لتصفية الحسابات الداخلية، ولم يحوّل وزارة الخارجية إلى امتداد لمعركة سياسية محلية. لم يتحدّث بلغة المحاور، ولم يقدّم لبنان كأداة في صراع إقليمي، بل حاول تثبيت خطاب يعكس فكرة الدولة، حتى لو كانت هذه الدولة ضعيفة ومهشّمة. هذا السلوك، الذي يفترض أن يكون معيارًا لأي وزير خارجية، يُقابَل في لبنان بالشك والاتهام، لأن من اعتاد منطق الغلبة لا يطمئن لمنطق التوازن. الدفاع عن يوسف رجي لا يعني الادّعاء بأنه معصوم عن الخطأ، ولا أن أداءه فوق النقد. النقد حق، والمساءلة واجب. لكن ما يجري اليوم يتجاوز النقد إلى محاكمة نوايا، وإلى محاولة كسر أي نموذج لمسؤول لا ينخرط في لعبة الشعبوية. يُراد لوزير الخارجية أن يكون صدى للشارع الغاضب، لا حارسًا للمصلحة الوطنية، وأن يرضي جمهورًا لحظيًا ولو على حساب مستقبل البلد. في لحظة لبنانية قاتمة كهذه، يصبح الهدوء فعل مقاومة، والدبلوماسية خيارًا شجاعًا، لا علامة ضعف. الدفاع عن يوسف رجي هو دفاع عن فكرة أن لبنان ما زال قادرًا، رغم كل شيء، على إنتاج مسؤولين يعملون بعقل الدولة لا بمنطق العصبيات، وبحساب المصلحة لا بلغة الغرائز. قد لا يكون هذا الخيار محبوبًا، وقد لا يحصد تصفيقًا سريعًا، لكنه الخيار الوحيد القادر على حماية لبنان من مزيد من السقوط. وفي بلد اعتاد معاقبة العقل ومكافأة الجنون، يصبح الدفاع عن الدبلوماسية معركة بحد ذاتها.

الدورة الفائقة للسلع الأساسية: حمى الذهب الجديدة

على مدار العامين الماضيين، تابع المستثمرون ارتفاع أسعار الذهب والفضة بشكلٍ مطرد، بل وصل الأمر أحيانًا إلى حدّ الدهشة. منذ ديسمبر 2023، تضاعف سعر الذهب أكثر من مرتين، حيث ارتفع من حوالي 2000 دولار إلى حوالي 4300 دولار، بينما قفز سعر الفضة من حوالي 26 دولارًا إلى 63 دولارًا، مع تسارع ملحوظ في النصف الثاني من عام 2025. إذا استمرت المستويات الحالية حتى نهاية العام، فإن كلا المعدنين يسيران على الطريق الصحيح لتسجيل أقوى أداء سنوي لهما منذ عام 1979، وهو العام الذي شهد بداية آخر دورة عظيمة للمعادن النفيسة. ولم تكن المعادن النفيسة وحدها في هذا الارتفاع، فقد شهد البلاتين والبلاديوم أيضًا ارتفاعًا حادًا، وارتفع سعر النحاس بنحو 50%، كما تشهد مجموعة واسعة من المعادن الاستراتيجية عامًا استثنائيًا. لم تكن المعادن النفيسة وحدها في هذا الارتفاع، فقد شهد البلاتين والبلاديوم أيضًا ارتفاعًا حادًا، وارتفع النحاس بنحو 50%، وتتمتع مجموعة واسعة من المعادن الاستراتيجية بعامٍ استثنائي. مع اندفاع المستثمرين الأفراد إلى هذا القطاع - خشية تفويت الفرصة - وتدفق رؤوس الأموال إلى صناديق تتبع الذهب والفضة، يبرز سؤالان أساسيان: ما الذي يدفع هذه الارتفاعات الهائلة؟ وهل تختلف هذه الدورة جوهريًا عن الدورات السابقة؟ سيقول كل محلل سلعي لديه خبرة في عدة دورات إنه شاهد هذا السيناريو من قبل. فمن الصدمة التضخمية الركودية في سبعينيات القرن الماضي إلى الدورة الفائقة التي قادتها الصين في العقد الأول من الألفية الثانية والتي بلغت ذروتها في عام 2011، اتبعت طفرات السلع تاريخيًا نمطًا مألوفًا: يتسارع الطلب، ويستجيب العرض بتأخر، وتتجاوز الأسعار التوقعات، ثم تنقلب الدورة في النهاية. وبناءً على هذا الرأي، فإن السلع في نهاية المطاف أسيرة الظروف الاقتصادية الكلية وديناميكيات العرض والطلب التقليدية. لا تتوافق دورة 2024-2025 مع هذا النمط. ما يميز دورة المعادن الحالية هو التقارب المتزامن لقوى هيكلية لم يسبق لها أن عملت معًا بهذا الحجم. هذه القوى ليست دورية. إنها عوامل سياسية ومالية ونظامية، وهي تُعيد تشكيل أسس أسواق السلع. التخلي عن الدولار وتدهور المالية العامة الأمريكية الركيزة الأولى لهذا الهيكل الجديد هي الركيزة النقدية والجيوسياسية. أدى تحول الولايات المتحدة من العولمة نحو الحمائية إلى تغيير جذري في التصورات العالمية للريادة الاقتصادية الأمريكية. وقد أدى اتباع نهج أكثر نفعية، وأحيانًا تصادمي، في العلاقات الدولية إلى إضعاف التحالفات الراسخة، وشجع الدول على إعادة تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة كركيزة جيوسياسية وطرف مالي. في الوقت نفسه، أدى استمرار العجز المالي وتزايد عبء الدين العام بوتيرة متسارعة إلى تفاقم المخاوف بشأن مصداقية المالية العامة الأمريكية على المدى الطويل. بالنسبة للعديد من البنوك المركزية، أثار اجتماع عدم القدرة على التنبؤ بالوضع الجيوسياسي وتدهور الوضع المالي تساؤلات مقلقة حول متانة سندات الخزانة الأمريكية ودور الدولار كأصل احتياطي لا جدال فيه. كان الرد حاسماً: تنويع الاستثمارات بعيداً عن الدولار الأمريكي ونحو الذهب. وفقاً لمجلس الذهب العالمي، اشترت البنوك المركزية أكثر من 1000 طن من الذهب في عام 2023، تلتها 1044 طناً في عام 2024، وهي في طريقها لشراء ما بين 750 و900 طن في عام 2025، وهو ما يتجاوز بكثير المتوسط ​​السنوي قبل عام 2022 الذي تراوح بين 400 و500 طن. هذا ليس شراءً تكتيكياً، بل هو إعادة هيكلة لتخصيص الميزانيات السيادية. ويمثل هذا حجر الزاوية الأول لدورة سلعية لا يحركها النمو وحده، بل فقدان الثقة في البنية المالية التي قامت عليها دول العالم خلال العقود الأربعة الماضية. تسليح سلاسل التوريد لعقود، استندت العولمة على افتراض أن الترابط الاقتصادي يقلل الصراعات ويحسن الكفاءة. وتم تحسين سلاسل التوريد من أجل التكلفة والحجم، لا المرونة أو السيادة. لم يعد هذا الافتراض قائماً. في أعقاب الحروب التجارية والعقوبات وحظر التصدير وتجميد الأصول السيادية، أدركت الدول حقيقةً مُقلقة: السيطرة على الموارد الطبيعية هي القوة. ونتيجةً لذلك، انتقلت السلع الأساسية - ولا سيما المعادن الحيوية للطاقة والتكنولوجيا والدفاع - من نطاق اقتصاد السوق إلى نطاق الأمن القومي. وكانت الصين الأكثر وضوحًا في تطبيق هذا التحول، حيث استخدمت ضوابط التصدير على المعادن الحيوية وتقنيات التصنيع لتحويل هيمنتها على الموارد إلى نفوذ جيوسياسي. هذه الإجراءات ليست مصممة لتعظيم الإيرادات قصيرة الأجل، بل لتعظيم الخيارات الاستراتيجية. والنتيجة وخيمة: لم يعد السعر هو آلية التوازن الوحيدة. فحتى مع وجود العرض، لم يعد الوصول إليه مضمونًا. ما كانت تُعرف سابقًا بالأسواق العالمية الموحدة، تتفكك الآن إلى تكتلات إقليمية وسياسية. في مثل هذه البيئة، لا يظهر الندرة دائمًا في المخزونات، بل تتجلى في من يُسمح له بالشراء، ومتى، وبأي شروط. آليات المراجحة التي كانت تُوازن الأسواق العالمية تنهار. الحدود المادية للاستبدال في الدورات الاقتصادية السابقة، حفّز ارتفاع الأسعار عمليات الاستبدال، وتحسين الكفاءة، وترشيد استهلاك المواد، مما حدّ من الأسعار. أما اليوم، في المعادن الحيوية، فإن هذه الهوامش تتلاشى. في الطاقة الشمسية في مجال الخلايا الكهروضوئية، تقترب كميات الفضة المستخدمة من حدودها الفيزيائية، بل إن التقنيات الحديثة عالية الكفاءة تزيد من كثافة الفضة في كل لوحة. أما في محفزات السيارات، فقد استُنفدت إمكانية استبدال البلاتين بالبلاديوم إلى حد كبير، وهي مقيدة بالتركيب الكيميائي واللوائح التنظيمية. وفي البطاريات، تقترب كثافة المواد من الحد الأدنى النظري، مما لا يترك مجالًا يُذكر لمزيد من التخفيض دون المساس بالأداء. في الوقت نفسه، فقد العرض في قطاع التعدين مرونته. وتستمر درجات الخام في الانخفاض، مما يؤدي إلى امتداد فترات السماح لعقود، كما تحد القيود البيئية من التوسع السريع. والنتيجة هي نظام يمكن أن يرتفع فيه الطلب بوتيرة أسرع من استجابة العرض، بغض النظر عن السعر. هذه ليست مشكلة مؤقتة، بل هي سقف هيكلي. تشكل هذه القوى الثلاث مجتمعة - إعادة تنظيم النظام النقدي، والتفتت الجيوسياسي، والقيود الفيزيائية - بنية جديدة لأسواق السلع. في عالم تُستخدم فيه سلاسل التوريد كسلاح، وتُثار فيه الشكوك حول العملات، وتصل فيه إمكانية الاستبدال إلى حدودها القصوى، لم تعد السلع تتصرف كأصول دورية. تتصرف هذه الأصول كأصول استراتيجية، وهذا يمثل قواعد جديدة. هذه الدورة الاقتصادية الكبرى - الموجهة، وغير المتكافئة، والسياسية - تختلف اختلافًا جوهريًا. إلى أين نتجه من هنا؟ الذهب: المعدن الأمثل للاستثمار يحتل الذهب مكانة فريدة بين السلع. فالطلب عليه مالي في معظمه، سواء من خلال تراكم الاحتياطيات لدى البنوك المركزية أو الاستثمار في المحافظ. وعلى عكس المعادن الصناعية، لا يعتمد الذهب على النمو الاقتصادي لتبرير دوره، بل يعتمد على الثقة - أو بتعبير أدق، على تراجعها. الطلب الاستثماري على الذهب نظريًا غير محدود، بينما العرض محدود هيكليًا. ولهذا السبب، فإن تحديد أهداف سعرية دقيقة أمر غير مجدٍ إلى حد كبير - لا سيما في ظل الطلب المتزايد من المستثمرين الأفراد الصينيين، الذين أضافت مشاركتهم بُعدًا جديدًا قويًا إلى الطلب العالمي. يقدم التاريخ منظورًا أوسع. خلال السوق الصاعدة بين عامي 2000 و2011، ارتفع سعر الذهب من حوالي 250 دولارًا للأونصة في مارس 2001 إلى ذروة بلغت 1921 دولارًا في سبتمبر 2011 - أي بنسبة ارتفاع بلغت 768%. في سبعينيات القرن الماضي، ارتفع سعر الذهب من حوالي 100 دولار للأونصة في مارس 1976 إلى 873 دولارًا في يناير 1980، مسجلاً بذلك ارتفاعًا بنسبة 873% في أقل من أربع سنوات. في الدورة الحالية، بلغ سعر الذهب أدنى مستوياته قرب 1046 دولارًا في ديسمبر 2015، ثم ارتفع منذ ذلك الحين إلى حوالي 4300 دولار، أي بزيادة قدرها 411% حتى الآن. وبالمقارنة مع السوابق التاريخية، يُعد هذا الارتفاع الحالي مهمًا، ولكنه ليس استثنائيًا. السؤال الأهم ليس ما إذا كان سعر الذهب قد ارتفع أكثر من اللازم، بل ما إذا كانت القوى الهيكلية المحركة للطلب قد استُنفدت. وفي هذا الصدد، تشير الأدلة إلى عكس ذلك. فالاختلالات المالية لا تزال قائمة، والتشرذم الجيوسياسي يتفاقم بدلًا من أن يتراجع، ومصداقية الأنظمة النقدية الورقية تُختبر بطرق لم نشهدها منذ عقود. على الرغم من أن الأسواق المالية تتسم بعدم العقلانية بشكل ملحوظ، إلا أن هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن دورة الذهب الحالية لم تكتمل. الفضة: المعدن ذو الرافعة المالية إذا كان الذهب هو ركيزة الاستثمار، فإن الفضة هي المحرك الأساسي. تجمع الفضة بين الطلب النقدي والحاجة الصناعية، مما يجعلها أكثر تقلباً من الناحية الهيكلية - وأكثر حدة تاريخياً - في المراحل الأخيرة من الدورة الاقتصادية. ويُعدّ عرضها محدوداً بشكل فريد، حيث يأتي ما يقارب 70% من الإنتاج العالمي كمنتج ثانوي لمعادن أخرى. ولا تُترجم الأسعار المرتفعة إلى زيادات سريعة في الإنتاج. في الوقت نفسه، تحتل الفضة مكانة محورية في قطاعات الكهرباء والطاقة الشمسية والإلكترونيات المتقدمة - وهي قطاعات تدعمها الحكومات بنشاط وتشجعها. ونتيجة لذلك، يعاني السوق المادي من عجز في المعروض منذ أربع سنوات متتالية. عندما يرتفع الطلب المالي والصناعي معاً، لا تتكيف الفضة بسلاسة. بل تتحرك بعنف. ويُقدّم التاريخ مرة أخرى منظوراً أوسع. ففي دورة السبعينيات، ارتفع سعر الفضة من حوالي 1.50 دولار للأونصة في عام 1971 إلى ما يقارب 50 دولاراً في يناير 1980 - أي بزيادة تجاوزت 3000%. خلال دورة 2001-2011، ارتفع سعر الفضة من حوالي 4 دولارات إلى ما يقارب 50 دولارًا، محققًا مكاسب تجاوزت 1100%، متفوقًا بذلك على الذهب خلال الفترة نفسها. في الدورة الحالية، بلغ سعر الفضة أدنى مستوياته قرب 13.60 دولارًا في أوائل عام 2016، ثم ارتفع منذ ذلك الحين إلى حوالي 63 دولارًا، أي بزيادة تقارب 460% حتى الآن. وبالمعايير التاريخية، تبدو هذه المرحلة مبكرة وليست متأخرة. الخلاصة تغيير في النظام، وليس دورة اقتصادية سوق المعادن في أواخر عام 2025 ليس دوريًا. إنه هيكلي. على مدى أربعة عقود، افترض المستثمرون حرية التداول، ومرونة العرض، وإمكانية المراجحة الوظيفية، والاستبدال التكنولوجي. جميع هذه الافتراضات الأربعة تتلاشى الآن - في آن واحد. الجغرافيا أهم من الجيولوجيا. السياسة أهم من السعر. التوافر المادي أهم من العقود الورقية. هذا ليس مؤشرًا على صعود أو هبوط السوق. إنه تغيير في النظام.

سجون التعذيب السورية تتحول إلى مواقع تصوير الدراما

من جنون الماضي إلى فنون الدراما، أصبحت سجون التعذيب السورية من عهد الأسد، الأب والابن، مكانا" يضيق بالكاميرات ومعدات التصوير. سواء في صيدنايا أو في المزة، حلّ الممثلون والمخرجون محلّ الجلادين الذين خدموا مصالح النظام السوري السابق بكل تفانٍ. يجري تصوير مشاهد العديد من المسلسلات السورية التي هي قيد الإنتاج حاليًا في مواقع عسكرية أو مقرات أجهزة الأمن التي رمزت إلى عهد الإرهاب. مثل مطار مزة العسكري، الذي كان يضم مركز احتجاز تابعًا لجهاز المخابرات الجوية السيئ السمعة بوحشيته. كانت هذه الشعبة التابعة للقوات الجوية الركيزة الأساسية لنظام حافظ الأسد، الطيار السابق الذي أصبح رئيسًا للجمهورية العربية السورية لعقود من الزمن. على مدرّج مطار المزة ، يقف طاقم عمل مسلسل "عيلة الملك" أمام مروحية تهبط ببطء لتصوير مشهد هروب شخصية نافذة في الساعات الأخيرة لحكم بشار الأسد. بينما يصدر المخرج محمد عبد العزيز تعليماته عبر اللاسلكي لفريق العمل، يصف تلك اللحظة قائلا "من الصعب تخيّل أننا نصوّر هنا، مطار المزة كان رمز القوة العسكرية. الآن نصنع فيه دراما عن سقوط تلك القوة". مسلسل "عيلة الملك" واحد من عدة مسلسلات ستعرض في شهر رمضان، ويجري تصويرها داخل مراكز أمنية شكلت رمزا للقمع وكان دخولها محرّما على السوريين على مدى عقود. تدور أحداث المسلسل التي تروي قصة عائلة من دمشق خلال الأشهر الأخيرة من حكم الأسد، وتُسلط الضوء على العوامل الاجتماعية والسياسية التي أسهمت في سقوطه. ويقول المخرج لوكالة فرانس برس "إنه إحساس غريب، فالأماكن التي كانت تُحكم منها سوريا قد تحولت إلى استديوهات، من فرع فلسطين إلى مطار المزة العسكري، من مكان كان يُحكم بالحديد والنار، إلى فضاء نجرب فيه أدوات إبداعية". ويصوّر عبد العزيز مشاهد أخرى في فرع فلسطين، أحد فروع المخابرات العسكرية السابقة المرهوبة في دمشق. في هذا المكان الذي ارتُكبت فيه عمليات تعذيب وانتهاكات، يمر فريق التصوير في ما يشبه ساحة حرب مصغّرة، تحترق مركبات وتدوي انفجارات، في مشهد يجسّد، وفق عبد العزيز، "تحرير معتقلين لحظة انهيار الأجهزة الأمنية". بعد سقوط الحكم السابق، توجّه المئات إلى الفروع الأمنية في كافة أنحاء البلاد، بحثا عن أفراد من عائلاتهم دخلوها ولم يخرجوا منها قط، بينما خرج آلاف المساجين من زنزاناتهم. ويضيف عبد العزيز أن "فرع فلسطين كان أحد أركان النظام الأمني، مجرد ذكر اسمه كان يبث الرعب في النفوس. واليوم نصوّر داخله مشاهد كاملة، مع مراعاة الوثائق التي يجب أن تُؤرشف من دون أن نمسّ بها". في محيط منزل الرئيس المخلوع في منطقة المالكي الراقية في دمشق والذي دخله السوريون ليلة هروب الأسد إلى روسيا ونهبوه، يؤدي ممثلون مشهد شجار. يقول عبد العزيز "القبضة الأمنية لم تعد موجودة، صورنا مشاهد في ساحة المالكي وشجارا بين أكثر من ١٥٠ شخصا وإطلاق رصاص...كان هذا من المستحيل تنفيذه". ينجز الفريق عمليّة المونتاج في بيت دمشقي تقليدي في أحد أحياء المدينة القديمة. هناك يجلس الكاتب معن سقباني ( ٣٥عاما) أمام شاشة صغيرة، يناقش مع المخرج ترتيب المشاهد قبل إتمام النسخة النهائية. وعلى الرغم من تراجع سطوة الرقابة، ينظر سقباني بحذر إلى المستقبل. ويقول "لا أعرف إلى أي مدى سيبقى سقف الرقابة مرفوعا...نحن في حالة ترقّب لنرى كيف سيتم التعامل مع الأعمال التي ستُعرض في رمضان". منذ الإطاحة بالحكم السابق قبل عام، شهد قطاع الدراما في سوريا تحوّلات لافتة، مع عودة عشرات الممثلين والفنيين والمخرجين إلى البلاد بعد سنوات من مغادرتها خصوصا لانتمائهم إلى المعارضة. ولكن إذا كان المنتجون قادرين على دخول مواقع كانت محظورة فهذا لا يبدد المخاوف من عودة القيود سواء من جهة الدولة أو من تيارات دينية محافظة. ويشرح الكاتب أن لجنة القراءة التابعة لوزارة الإعلام ما زالت موجودة، لكنها بدت أكثر مرونة خلال قراءة نص "عيلة الملك... قدّمنا النص، وكانت الملاحظات الرقابية بسيطة جدا". لا يزال استيلاء الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع على السلطة يثير المخاوف والتساؤلات. اذ يُساهم الماضي الجهادي للرجل المعروف سابقًا باسم "أبو محمد الجولاني"، ولا سيما المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين المنتمين إلى الأقليات الدينية، في تأجيج الجدل المحيط به. ولكن في الوقت الراهن، يبدو أن الحكومة والشعب على حد سواء يأملان في انتعاش اقتصادي لإعادة بناء بلد مزقته الحرب الأهلية منذ عام ٢٠١١. ولا يقتصر كسر المحظورات على هذا العمل وحده. يُخرج الليث حجو مسلسل "السوريون الأعداء" المستوحى من رواية للكاتب السوري فواز حداد. ويشرح المدير الإعلامي للمسلسل أمين حمادة أنه في هذا العمل تتقاطع "حياة الأفراد مع أجهزة الدولة الأمنية في شبكة معقّدة من الشبهات والخوف، وتظهر السلطة فيها قادرة على تحويل المواطنين إلى خصوم بمجرد الشكّ في ولائهم". ويستعيد بدوره المخرج محمد لطفي في مسلسل "الخروج إلى البئر" حدث عصيان وقع في سجن صيدنايا في العام ٢٠٠٨، وانتهى بمقتل العشرات من المساجين وحراس السجن، في عمل من تأليف سامر رضوان ويضمّ نخبة من الممثلين السوريين مثل جمال سليمان. ويقول المخرج إن "العمل كُتب قبل أكثر من عامين وكنا ننوي تنفيذه قبل سقوط بشار الأسد"، لكن تحديّات عدة حالت دون ذلك، لا سيما "خوف" الممثلين حينذاك من رد فعل السلطة، وعقبة اختيار موقع التصوير إذ كان يتعذّر التصوير في سوريا. لكن الآن، يعتزم الفريق التصوير في السجن الذي ظل دخوله لعقود من المحرمات، ويُعتبر أحد أكثر المواقع التي شهدت انتهاكات وحالات إخفاء قسرية. ويقول لطفي "السلطة الجديدة رحّبت بالعمل وقدّمت دعما لوجستيا وتسهيلات واسعة للتصوير داخل سجن صيدنايا". ويضيف أنه بات من الممكن "نقل معاناة السجناء وممارسات السلطة من داخل المكان الحقيقي" بعدما كان ذلك ضربا من الخيال".

لماذا يثير يوسف رجي و سيمون كرم كل هذا الانزعاج؟

يثير وزير الخارجية يوسف رجي والسفير السابق سيمون كرم، ممثل لبنان في اجتماعات آلية مراقبة وقف إطلاق النار مع إسرائيل، انزعاجًا واضحًا لدى الأوساط المؤيدة لحزب الله، وذلك لأنهما يبشران بعودة السيادة الخارجية إلى صرحها الطبيعي حيثُ ترفض الدولة الخضوع لأي سلطة فوقية، واعتراف الدول الأخرى بها كندٍّ متساوٍ. يأتي رجي وكرم في اللحظة المناسبة، في وقت فقدت فيه غالبية اللبنانيين كل أوهامها. والكثير يحنّ إلى المرحلة التي سبقت الحرب الأهلية لعام 1975، حين كان لبنان سيد نفسه، يمارس سيادته الخارجية والداخلية كاملةً، أي سلطته الحصرية على أرضه وشعبه. «لا تُحمَل الأوطان تحت نعال الأحذية». فقد كانت هناك مرحلة، بلغت ذروتها في السبعينيات، أصبح فيها الانتماء الوطني موضع سخرية. تنافس بعض الناشطين والمثقفين على أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، مقدّمين مصالح ياسر عرفات على مصالح لبنان (1). هؤلاء، المنتمون إلى جماعات هامشية والمفتونون بحلم الثورة الكونية، لم يكونوا سوى أغبياء استفادت منهم منظمة التحرير تماماً كما كان أنصار السوڤيات في أوروبا الغربية خلال الحرب الباردة. وكم انبطح لاحقاً هؤلاء الثورويون الأشاوس أمام النظام القائم في دمشق، الذي حكم بالقبضة الحديدية. وفي نهاية المطاف، استوعبهم نظام الحريري، مؤمّنًا لهم تقاعدًا مريحًا. يا لها من مسيرة «بطولية»: انطلاقاً من العمل السري في عهد الجمهورية الأولى إلى المغانم في جمهورية الطائف! (2) وأين السيادة من كل ذلك؟ محو وتخلٍّ كان اللبنانيون قد فقدوا شغف الاستقلال. ولمّا لم يعودوا سادة مصيرهم، تذوّقوا وهمياً «نعيم» الخضوع لـلشروط التي أملت عليهم. خطفوا السيادةً الوطنية كل من الفلسطيني والسوري والإسرائيلي والإيراني، إن كان ذلك بالتناوب أو معًا. انتصر «حزب الخارج»، وتباهى المتعاونون مع الغريب وصعّروا خدّهم فيما كانت الدولة تُفرَّغ من مضمونها. ضباط سوريون راحوا فظّون يتمخترون بكل جسارة في الصالونات، وساسة متسولون ينتظرون أدوارهم في عنجر. النتيجة: برلمان مدجَّن، جيش مُستتبَع، قضاء مُقزَّم، ودبلوماسية مُحيَّدة. بلا مواربة لا وألف لا، يوسف رجي لن يلطف كلامه. لن يذهب إلى طهران، تمامًا كما لم يذهب من قبله إلى كانوسا. على الوزير عرقجي أن يلتقيه في سويسرا، على أرض محايدة. انتهى زمن استدعاء المسؤولين اللبنانيين إلى دمشق، وزمن الأوامر الفورية الصادرة عن الحرس الثوري. كما أن تعيين سيمون كرم يؤكد إعادة ضبط الإيقاع. لن يتعامل حزب الله بعد اليوم مع شخصية مطواعة ترأس الوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار. فقد سبق لكرم أن رفض الوصاية السورية على الإرادة الوطنية. واليوم، وهو يتمتع بهامش من الاستقلالية، سيدافع عن مصالح لبنان لا عن مصالح الملالي. أضف إلى ذلك أن هذا التعيين انتزع من رئيس مجلس النواب صلاحيات كان قد استولى عليها دون وجه حق. كفى. لقد عاد الأحرار. ولا شيء أروع من كسر القيود التي تكبّل الوطن. (1) إتّهموا المارونية السياسيّة باضطهادهم. (2) عندها حولوا رأس مالهم النضالي إلى حسابات مصرفيّة ومقاعد وزاريّة.