شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
المشرق في خضم الاضطرابات: سلام صعب المنال (١/٣)

بلغ المشرق بلا شك نقطة تحول حاسمة في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، مع الهجوم الدموي الذي شنّه حماس على الأراضي الإسرائيلية من قطاع غزة. أدت ظروف وتداعيات هذه الهجمة السريعة والدامية إلى ما يشبه الزلزال، وقد ظهر أثره بوضوح على غزة وإسرائيل، كما امتد إلى مراكز أخرى في المشرق، لا سيما لبنان وسوريا، وعلى نحو موسع، إلى إ يران واليمن. أعادت التداعيات الكارثية للهجوم الذي شنّه حماس على غزة وسكانها إلى الواجهة كامل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. كان البعض يأمل أن يشكّل منعطف ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ مدخلاً لحل الصراع القديم في الشرق الأوسط، الذي يعصف بالمنطقة منذ أكثر من سبعة عقود. إلا أن الواقع الحالي يشير إلى بعد هذا الهدف، على الأقل في الظاهر . ومن المؤسف أن السلطة الفلسطينية لم تتمكن ‏بعد من استعادة المبادرة وبدء حوار سريع وواعد مع الإسرائيليين. في الجانب المقابل، من المشروع التساؤل عما إذا كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مستعدًا لاستشراف وقبول نهاية هذه الصراعات الإقليمية المتكررة، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة بداية مشاكله القضائية. ليس من المؤكد أن لديه الإرادة الحقيقية للقيام بذلك. بعد النصر العسكري، هل يتصور هزيمته في ميدان التواصل؟ يبدو أن الإجابة لا. صحيح أنه طالما أعلن الفلسطينيون صراحة أن هدفهم هو زوال الدولة العبرية، سيواصل بنيامين نتنياهو وحلفاؤه تحقيق أهدافهم القاتلة. فلا نخدع أنفسنا: هناك من جهة شعب يعاني ويموت – ولكن من انتخب حماس؟ – ومن جهة أخرى أمة ودولة أعداؤها لا يريدون مجرد هزيمة بلا شروط، كما حدث مع ألمانيا عام ١٩٤٥، بل الزوال التام. لم يعد الأمر يتعلق بالانتقام من ‏أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ التي لا تُحتمل. الأمر أصبح مسألة بقاء. ومع ذلك، لا تزال هناك بارقة أمل تظهر في الأفق. أصوات بارزة تُسمع داخل إسرائيل نفسها للمطالبة بوقف المجزرة في غزة، مدركة أن إسرائيل، التي وُلدت من لا إنسانية، لا يمكن أن تستمر في هذا النهج ، وأن الرأي العام العالمي قد يتغير في أي لحظة، وقد يتخلى عن الدولة العبرية. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن للرأي العام أن يغير مساره بسرعة وبشكل لا رجعة فيه. يظهر التاريخ المعاصر مدى استحالة الاستمرار في قتال يفتقر إلى الدعم المعنوي من الشعب ومن جميع الحلفاء في تلك المرحلة . والأمثلة في هذا السياق بالغة الدلالة: ففرنسا في الهند الصينية لم تحظِ بدعم كامل من الشعب الفرنسي وبعض الدول الرئيسية، ‏ولاحقًا، في الجزائر لم تحظِ بالدعم الكامل من شعبها ومن العديد من الدول الأخرى؛ كما اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التخلي عن السلطة في جنوب فيتنام، ولاحقًا انسحبت من أفغانستان بطريقة مذلّة لها وللبلدان التي دعمتها منذ البداية، ‏ ‏على مدى عشر سنوات. وقد انسحبت بعد أن تركت وراءها العديد من القتلى. يجب على بنيامين نتنياهو أن يدرك أن الظروف مؤاتية لإعادة النظر في منهجيته بشكل جذري. لا شيء أسوأ من عدم ‏الحوار أو عدم الرغبة في الحوار مع أعدائه. وربما يكون ذلك أسوأ له ولإسرائيل من مواجهة عدالة بلاده. ومع ذلك، سيواجهها، وإذا استمر على هذا ‏النهج، لن يكون قادرًا على الادعاء بأنه يتمتع بمكانة رجل دولة أنقذ بلاده. ألمانيا حتى أبريل ١٩٤٥، واليابان حتى يوليو ١٩٤٥، ودول أخرى في ظروف مختلفة، رفضت التفاوض مع أعدائها. وحتى اليوم، لا تحاول العديد من الدول التفاوض مع خصومها، مما يؤدي إلى مقتل المدنيين يوميًا، ويزيد من حدة الضغائن والكراهية. بالمقابل، تظهر الأزمة الشهيرة المعروفة بأزمة صواريخ كوبا أن الحوار يمكن أن يمنع مواجهات غير ضرورية وكارثية. وبالطبع، حدثت في بعض الحالات مفاوضات وتنازلات، ولكن أليس ذلك ثمنًا زهيدًا مقابل السلام؟ على إسرائيل أن تتصرف كدولة طبيعية، حتى لو شعرت أنها محاصرة ومهددة. فدولة إسرائيل ‏التي تحترم جيرانها ستحظى بدعم كبير في الشرق الأدنى والشرق الأوسط، وكذلك في العالم الغربي وما وراءه، لا تواجه خطر الانقراض على يد حماس، التي إن لم تكن على وشك الموت، فه ي على الأقل ضعيفة جدًا. ومن الواضح أن اعتماد مثل هذا النهج يجب ‏أن يكون دون سذاجة، مع الحرص الشديد على منع استفاقة " الهيدرا" مرة أخرى. المقال التالي: المشرق في خضم الاضطرابات: آفاق لبنانية وسورية

بعد عمادة الوطن – الرسالة... مناولة السلام

أول رحلة رسولية للبابا لاون الرابع عشر خارج إيطاليا ستكون إلى لبنان، الوطن – الرسالة، كما عمّده سلفه القديس يوحنا بولس الثاني. و"طوبى لفاعلي السلام" شعار الزيارة الذي ينسلّ كشعاع النور إلى روزنامة لبنان المثخنة بالحروب. كلمات ثلاثة تفرض إيقاعها المفصلي على مسلسل الأحداث والتاريخ، كما على برنامج الزيارة الحافلة باللقاءات الرسمية والمسكونية، بالإضافة إلى القداس الإلهي في الواجهة البحرية لبيروت. فهل يحتاج لبنان لمناولة السلام؟ لبنان مجتمع مركّب، غني بتنوعه ومتعدّد الطوائف. وعليه، فإن العقد الاجتماعي المتآلف مع الصيغة اللبنانية والضامن لوحدتها يقوم على اعتماد مبدأ الحياد المنصوص عنه في القانون الدولي العام، كخيار ضروري يمنع الاستقطابات الحادة التي تقسم المجتمع. والحياد بصفته الايجابية ليس انغلاقًا على الذات بل يتطلّب النشاط في القضايا الإقليمية والدولية دون الاصطفافات التي تؤدي إلى الانحياز. فتُبنى على سبيل المثال سياسات اقتصادية مستقلة. وتتعزز الدبلوماسية المعروفة بالوقائية. وبالنتيجة، يتم الفصل بين المكونات الطائفية اللبنانية والمحاور الإقليمية والدولية. إن حالة حزب الله مناقضة لتركيبة المجتمع اللبناني وخصوصيته. فحزب الله قام على احتكار المقاومة بوصفها مقاومة إسلامية، وربَطَها بإيران وبتصدير الثورة، وانتزع الشيعة من مجتمعهم ووطنهم وجعلهم ملحقين بالنفوذ العابر للحدود لولاية الفقيه. ودفع حزب الله الشيعة واللبنانيين إلى الحرب الدائمة بلا أي أفق ولا هدف. المقاومة للمقاومة! والسلاح لحماية السلاح! فانسحبت إسرائيل عام 2000 وبقي سلاح حزب الله زينة الاستتباع للنفوذ الإيراني وأجندته. فحارب في سوريا واليمن، وهدّد الأمن القومي العربي في السعودية والكويت ومصر. ما جعل لبنان في عزلة قاتلة. ثم عاد واستجلب الاحتلال بعد تحرير والدمار بعد إعمار إلى الجنوب والبقاع وبيروت وضاحيتها... التغيرات القاصمة في المشهد الجيوسياسي الذي أعقب عملية "طوفان الأقصى" وأسفر عن تقليم أدوار الأذرع العسكرية للنظام الإسلامي في إيران، وتقهقر نفوذه، وإضعاف مشروعه، وانكفاء ولاية الفقيه المتمدّدة حتى المتوسط على الساحل السوري مع سقوط نظام بشار الأسد، والهزيمة العسكرية التي حلّت بحزب الله في لبنان بعد انخراطه في المواجهات تحت عنوان "مشاغلة إسرائيل" ثم "إسناد غزّة" في إطار المشروع الإيراني المعروف بـ "وحدة الساحات"... كلّ ذلك ساهم بالوصول إلى لحظة الحقيقة. والحقيقة هي أن مصائب حزب الله عند المجتمع اللبناني ككلّ، فوائد للدولة تستعيد من خلالها ما ضاع وفات. واستعادة الدولة أدوارها في الدفاع والأمن والاقتصاد والمجتمع، لها متمّمات وشروط، تحت مظلّة مشروع الحياد للبنان والسلام مع كلّ جيرانه. فتأتي زيارة الحبر الأعظم في هذا الوقت بالذات، لطرح فعل السلام النابع من القيم المسيحية بأرقى تجلّياتها الإنسانية السمحاء، لكلّ إنسان ولكل الإنسان، على مشارف مرحلة جديدة وفي لحظة إقليمية ودولية مؤاتية من أجل لبنان الوطن – الرسالة. إن السلام المنشود ليس خطرًا على الهوية الوطنية اللبنانية ولا على الأمن القومي للبنان، وإقرار السلام يخفّف من خروقات حكم القانون والقاعدة الحقوقية... ففي مجتمع متعدد الأديان كلبنان، الهوية الجامعة لعناصر وحدة الشعب هي بالضرورة هوية مركبة حيث لا ثقافة نهائية ولا ثقافة طاغية، بل تثاقف مستمرّ وإرادة العيش معًا. مجرّد توافر هذه الإرادة، يعني إمكانية بروز هذه الهوية. والعيش معًا لا يعني فرض جماعة نمط عيشها على الجماعات الأخرى ولا يعني تنشئة موجهة للأفراد. والسلام يطرح نشوء ديبلوماسية الأمن القومي. والأمن القومي يحصّن المؤسسات الأمنية الشرعية من جيش وقوى أمن وشرطة. فلا تستوي الميليشيا ونظام الأمن الموازي مع الدولة وحقها الحصري في احتكار السلاح. ولا تقتصر استراتيجية الأمن القومي على دور السلاح ووظيفته، إذ ليس بالسلاح وحده نحمي لبنان. فلبنان الوطن – الرسالة ليس اسبرطة! وطوائفه، بما فيها الطائفة الشيعية، ليست طائفة عسكر ومقاتلين وشهداء! السلام القائم على اعتبارات الأمن القومي يعني وجوب تنمية الإقتصاد الوطني أيضًا كجزء من منظومة الأمن المتكامل لضمان الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي وعناصر وحدة المجتمع عبر تحقيق الإنماء المتوازن. ويقوم النظام السياسي بتعزيز مفهوم المواطنة بدلاً من تعطيل النظام أو الانقلاب عليه نتيجة غلبة طائفية. وتطرح ديبلوماسية الأمن القومي، تعزيز علاقات لبنان الدولية كلّها وليس فقط مع جيرانه، وترميم ما انقطع منها مع محيطه والعالم عبر سياسة تحمي المصلحة الوطنية العليا للبنان. وكيف يعزّز السلام بشكل تلقائي آليات حكم القانون وتمكين القضاء؟ في زمن السلام المنشود، لا حاجة لاستمرار نقل السلاح وتخزينه، والتبرير للتعبئة العقائدية وللاقتصاد الموازي الذي يستقطب العقوبات. إن حياة لبنان الوطن – الرسالة معقودة على مشروع حياد لبنان وتبنّي خيار السلام. فأهلاً بقدس الحبر الأعظم وطوبى لفاعلي السلام وليقرّ المجلس النيابي مبدأ حياد لبنان في مقدّمة الدستور وليتمّ العمل الحثيث على إعلانه دوليًّا ولينخرط لبنان في مفاوضات السلام مع إسرائيل تحقيقًا للمصلحة الوطنية للبنان ولأمنه و... لرسالته التي يكتسب معنى وجوده منها.

لاون الرابع عشر والاستثناء اللبناني

لكم شكّل الكاثوليك الشرقيّون مصدر قلق، بل وإزعاج، للسلطة الرومانية! فلو أنّهم غابوا عن مشهد المشرق العربي، لكانت العلاقات الدبلوماسية بين روما والدول الإسلامية أكثر دماثة. لكن الأمور لم تكن يومًا سهلة بالنسبة لدبلوماسية الفاتيكان في الحوض المتوسّط التي شكّل لها المجتمع الماروني صداعًا مزمنًا. فمنذ وقت مبكر، أثبت الموارنة وجودهم السياسي ككيان مستقلّ يرتكز إلى كتلة جبلية منفتحة على البحر، وسرعان ما طالبوا باحترام خصوصياتهم. وهذا ما ميّزهم عن سائر الطوائف المسيحية في سوريا والعراق، تلك التي ارتضت قاعدة الأكثرية ولم تنتج سوى أفراد مسالمين ومواطنين يُشهد لهم بالانضباط. لن نسجد للبعل مصدر قلق وإزعاج، نعم، لكنّه أيضًا مصدر فخر. فلنستمع إلى ما كتبه البابا بيوس إلى البطريرك الماروني موسى سعادة العكّاري في الرابع من ايلول 1562.. “نهنّئك أنت وأمّتك من صميم القلب، ونشكر الرحمة الإلهية التي أبقت في هذه الأصقاع البعيدة آلاف الرجال الذين لم يحنوا الركبة للبعل”. وما ورد في تلك الرسالة البابوية قبل نحو خمسة قرون لا يزال مطابقاً لحالة اليوم. لم يركع بطريرك الموارنة، لا هو و لا قطيعه، يومًا أمام بعل دمشق، أكان حافظ الأب أم بشارالإبن غير أنّ هذه المقاومة كلّفت هؤلاء الكاثوليك الشرقيين غاليًا إذ تحمّلوا سنوات طويلة من بطش الجيش السوري المحتلّ وأجهزة مخابراته. ويبقى السؤال: إلى متى يستطيع المسيحيون اللبنانيون، على اختلاف طوائفهم، الحفاظ على مشروعهم المنادي بالإستقلال الوطني وباللّيبرالية الثقافية وبالحريات الفردية، وهم الذين التحقوا بــ «مدرسة الغرب» قبل كثير من مواطنيهم المسلمين. تقلّص الوجود إذا كان البابا لاون الرابع عشر يزور تركيا ولبنان بصفته راعيًا للشعب المسيحي، فحريٌّ به أن يتذكّر أنّ 20% من سكّان آسيا الصغرى وبلاد الشام كانوا من النصارى عشية الحرب العالمية الأولى. أما اليوم فلم يبقَ في الجمهورية التركية سوى مئة ألف مسيحي، أي أقل من 0.5% من السكان. أما في سوريا، فقد تراجع عدد «قوم عيسى» من ملاوني نسمة قبل الحرب الأهلية، إلى نحو 500 ألف و ما دون. أمّا في العراق، فلا يتجاوز عددهم 300 ألف بعدما كانوا ملاونا ونيّف قبل الغزو الأميركي! ناهيك عن لبنان، حيث توقّف التعداد منذ إعلان الرئيس الحريري. من أين يأتي الخلاص؟ يا مسيحيي الشرق، أنتم تعيشون حالة حصار في صقاع لم تعد سوى الحديقة الخلفية للديار المسيحية. فمن يكون المنقذ ؟ ومن أين قد تأتي النجدة، بعدما تراجعتم في تركيا، وتآكل وجودكم في سوريا والعراق؟ في عام 1994، طرح جان-بيار فالون سؤالًا جوهريًا: هل سيبقى مسيحيون في الشرق في الألفية الثالثة؟ ثم تابع قائلًا: “من دون قاعدة لبنان، حيث كانوا يسيرون ورؤوسهم مرفوعة، لن يكون أمامهم سوى التكيّف مع القيم السائدة، والتخلي عن هويتهم المسيحية للبقاء على قيد الحياة.” أن يستمّر المسيحيون مرفوعي الرأس يعني أن يحافظوا على كرامة الإنسان وأن يكونوا أحراراً من كل تبعية دينية أو سياسية. ومهما قال بعض دبلوماسيي الفاتيكان، المفتونين بالحوار بين الأديان وبالقيود الذهنية، فرفض السجود لا يكون فقط بوجه «بعل دمشق» ، بل أيضاً بوجه «بعل طهران» وكل بعل ينصّب نفسه طاغية بالقهر والقمع على العباد.

البابا في لبنان: بلا سلام.. لن يبقى "لبنان الرسالة"

يحمل البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان عنواناً لافتاً لزيارته المرتقبة: "طوبى لصانعي السلام". وهو عنوان ذو بُعد ديني جامع تتقاطع عنده الديانات التوحيدية، لكنه في جوهره رسالة سياسية صريحة من الفاتيكان إلى بلد استنزفته الحروب والصراعات لعقود طويلة، وحان الوقت لأن ينتقل من أنفاق العنف إلى فضاء السلام. أولاً: دعم الوجود المسيحي وترسيخ دوره الوطني تأتي هذه الرسالة من متابعة دقيقة للكرسي الرسولي لما عاشه ويعيشه لبنان، ولا سيما المسيحيون فيه. فالفاتيكان ينظر إلى لبنان باعتباره المختبر الأكثر حساسية في الشرق للتعايش بين الإسلام والمسيحية، ولإمكان أن يكون نموذجاً لما وصفه يوحنا بولس الثاني قبل ثلاثة عقود بـ"لبنان الرسالة". وفي هذا السياق، تحمل الزيارة دعماً واضحاً للوجود المسيحي في لبنان، وتثبيتاً للدور المرجعي الذي تلعبه الفاتيكان في احتضان هذا المكوّن وإسناده دولياً. فالمسيحيون في لبنان ليسوا أقلية معزولة، بل جزء من منظومة روحية وسياسية تمتدّ من الشرق إلى الغرب، وهذه الزيارة تعيد التأكيد على أن دورهم غير قابل للتهميش في الدولة اللبنانية. لكن الرسالة البابوية لا تقف عند حدود الطمأنة، بل تتضمّن دعوة داخلية: الخروج من العصبية الطائفية إلى المشروع الوطني. فالمسيحيون، كما تُفهم الرسالة، ليسوا "جماعة" بل حاملين لرسالة إنسانية جامعة داخل هذا الوطن. ثانياً: رسالة إلى إيران… وإلى العالم النداء البابوي للسلام ليس مجرّد دعوة أخلاقية، بل موقف سياسي مُعلن. فالفاتيكان يوجّه عبر بيروت رسالة واضحة لإيران: لا يمكن للبنان أن يستمرّ إذا بقي ساحة صراعات وحروب وعمليات تصفية حسابات إقليمية ودولية. وجملة "طوبى لصانعي السلام" هنا ليست تعبيراً لاهوتياً فقط، بل رفضٌ مُقنّع لمنطق السلاح والعنف، وتأكيد أن الحلول الدبلوماسية والسياسية هي الطريق الوحيد لإنقاذ لبنان من دوامة الانهيارات. ثالثاً: "لبنان الرسالة" بين الأمس واليوم عام 1997، حمل يوحنا بولس الثاني إلى لبنان وثيقة تاريخية بعنوان "لبنان الرسالة"، وكانت موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اللبناني، لترسيخ فكرة العيش المشترك والدور الريادي للدولة. أما اليوم، فتأتي رسالة البابا لاوون الرابع عشر لتشكّل امتداداً خارجياً لتلك الوثيقة. فلا يمكن للبنان أن يكون "رسالة" ما لم يستعِد سلامه، وينأى بنفسه عن صراعات الإقليم، ويستعيد علاقاته الطبيعية مع محيطه والعالم، وحتى مع خصومه. فالسلام ليس خياراً أخلاقياً فقط، بل شرط وجود للبنان الدولة: دولة قادرة على بناء اقتصاد، وترتيب أولوياتها، وفرض سيادتها على أرضها. السلام هو السبيل إلى "الرسالة" زيارة البابا ليست حدثاً بروتوكولياً، بل تدخل سياسي رفيع المستوى يعيد تذكير اللبنانيين بأن دولتهم يمكن أن تنهض فقط إذا خرجت من محاور الحرب، واستعادت حيادها، وقرّرت أن تكون عنصر سلام لا ساحة صراع. فلبنان الرسالة لا يولد إلا من لبنان السلام.

/