شعار Levant Time
العودة إلى المقال
افتتاحية

توافقي…

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم جواد بقرادوني
نُشر ديسمبر 16, 2025 - 18:51

هذا المصطلح بات اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى في جميع دول العالم، وعاد إلى تعريفه الأصلي: لا يمكن لأي عمل أن يكون توافقيًا أو قائمًا على الرضى إلا إذا قُبل من الطرف الآخر. وأول مثال يتبادر إلى الذهن هو ممارسة الجنس، الذي يملأ العناوين، ويُشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يقضي على مسيرة شخص ما أو رسالة حياة كاملة.

ما دام المصطلح يُطبَّق على فعل بين شخصين، فإن تأثيره يبقى محدودًا. لكن عندما يصبح أساسًا لسياسة، أو لمجتمع، أو حتى ركيزة لدولة، فهنا نحن أمام مسألة مختلفة تمامًا.

في لبنان، كل شيء توافقي: ديمقراطيته، دولة القانون فيه، ووجوده بحد ذاته.

أصل هذا المصطلح المثير هو الوفاق ، أي “مقبول من الجميع”. وهنا تكمن اللعنة اللبنانية: يجب أن يوافق الجميع على كل شيء، وإلا فلا شيء يكون.

محاولة إرضاء الجميع تعني إرضاء أيٍّ كان، كما قال ساشا غيتري. وفي لبنان، لا يكتفي “أيٌّ كان” بالتكاثر، بل يفرض نفسه قوةً تشريعية.

إذا كانت الحياة قائمة على المنافسة، فلبنان يخلو من هذه الفضيلة: لا خاسر، والجميع رابح - تقريبًا. المرة الوحيدة التي وُجد فيها خاسر (من دون تسميته علانية) كانت في اتفاق الطائف، الذي قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية لمصلحة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب. لكن، كما كتب فريديريك بيغبدير، فإن المسيحيين عليهم تحمّل مصائب العالم وخطاياه.

منذ ذلك اليوم، بُني كل شيء على التوافق، بما في ذلك الديمقراطية. توافقٌ ليس بين مكوّنات المجتمع المختلفة - فصائل، قبائل، طوائف، أديان - فحسب، بل بين زعمائها أو أحزابهم، حتى وإن كان بعضهم يتمتع بعمر سياسي أطول من غيره بكثير.

يكفي أن يمارس شخص واحد حق الفيتو حتى تتعطل الآلة، بذريعةٍ أكثر وهنًا من الأخرى، وآخرها شبح الحرب الأهلية.

تطبيق القرار 1701 (وبالمناسبة 1559 الذي يُعدّ مدخله) سيؤدي إلى حرب أهلية. منح المغتربين حق التصويت للنواب الـ128 سيضمن غرق الشوارع بالدماء. المطالبة بالعدالة لضحايا 4 آب ستفجّر نهايةَ عالمٍ أكثر تدميرًا من الانفجار نفسه.

وباسم الديمقراطية التوافقية، يسود استبداد توافقي.

بعد ثلاث أسابيع، تمر سنة على دخول سيد بعبدا الجديد إلى القصر. في خطاب القسم، سمع بعض الذين يحنون الماضي أصداء حلمٍ تبخّر في 14 أيلول 1982، فيما رأى آخرون ولادة مرحلة جديدة تحمل الأمل.

لكن التوافق عاد ليطلّ برأسه، مع فزّاعاته السياسية والأمنية، كذرائع مريحة لتعطيل أي قرار حاسم بنظر من قد يتضرر منه.

اليوم، نحن في الموقع نفسه الذي كنا فيه في 8 كانون الثاني 2025. يجب أن يوافق الجميع على كل شيء، وإلا فلن يحدث شيء. في ظل هذه الظروف، يستحيل بناء دولة قانون.

نزع سلاح الميليشيات والمجموعات الشبه عسكرية يُعد جنونًا، لأنه غير توافقي. سيكون اغتصابًا تمارسه الدولة، حتى لو كان المغتصِب في الأصل جلادًا. لا بد من ملاطفته، بل وتبرئته، وإلا انتهى التوافق وبدأت - بحسب الزعم - الحرب الأهلية.

وهذا يطبق على جميع الملفات: ملف المرفأ، ملفات الفضائح الكبرى، حيث يصبح الحفاظ على التوازن التوافقي، أي الطائفي والمذهبي، واجبًا مقدسًا. لماذا يُلاحَق وزير مسيحي ولا يُلاحَق زميله المسلم، فيما يسارع المرجعيات الدينية إلى رسم خطوط حمراء حول كل ابنٍ من أبناء طائفتها؟

كيف يمكن إرسال جيش مؤلف من جنود شيعة لمواجهة “إخوتهم”؟ في هذا السياق، قبلنا ضمناً بتلزيم أمني لجيشٍ أجنبي لا تضم صفوفه أبناء تلك الطائفة.

حرب أهلية؟ إن وقعت يومًا، فكما قال أناتول فرانس، ستكون أقل كراهية من الحرب مع عدو الخارجي، إذ نعرف على الأقل لماذا نقاتل.

مأساتنا الحقيقية في مكان آخر: نعتقد أننا مركز العالم، وأن الكون كله يدور حولنا. الواقع أكثر قسوة: نحن وحدنا، والعالم لا يكترث بلبنان إطلاقًا.

عندما ندرك أن نرجسيتنا لا مكان لها، وأن لا أحد سيوافق نيابة عنا على قيام دولة، وأن القانون لا يُساوَم عليه، والسيادة لا تُستجدى، عندها ربما نتوقف عن انتظار الإذن بالعيش.

لأننا، بإصرارنا على نيل موافقة الجميع من أجل الوجود، انتهينا إلى القبول الجماعي، مرةً أخرى، بفَنائنا الذاتي…

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل